2 6 AISNE 
ا ب‎ 


0 ا 


عرق يس سر ےس ےے مہ 


www.alimamaltayeb.com 


www.alimamaltayeb.com 


ا ک۷ اص ۷ 
11 6 
١% ‘8۰ 9‏ 1 
TIL‏ یا ا رار 
ر اكور 
08 
هنهم | .و 


کا 17 
ا ر 


4 ھم 


وو“ سے ایک ہے 
سلس لةك لوو AIDE‏ مجلس حكماء المسلمين 
1( 


Muslim Council of Elders 


> 


کیت 


کک ) عه« ) اباس ا ۹ 
كن 
ا 0 هه ٠‏ 


E |4 Ser 
شیج الأزه شرب‎ 
دي واه و روا ود |< ے‎ 
ركس جل ڇڪ ياو سين‎ 


16 
الحكماء للنشر 


ê 
Alhokama Publishing 


www.alimamaltayeb.com 


5 | مجلس حكماء‎ 
Muslim Council of Elders 

الإمارات العربية المتحدة 

ص.ب 65 أبوظبي 

هاتف: 777 73 230 971+ 

فاكس: 4 12 44 2 971+ 

البريد الإلكتروني: info@muslim-e|ders.com‏ 
الموقع الإلكترونى: www@muslim-elders.com‏ 


فهرست اليئّة المصريّة العامة 

لدار الكُتّب والوثائق القوميّة: 

الطيب» أحمد 

موقف أب البركات من الفلسفة المشائية 
ط -2 القاهرة: دار القدس العربيء 


0ه / 9م. 

ص ؛ 15 × 24 سم. 

عدد الصفحات: 568 

1 - الفلسفة الإسلامية 2 - عقائد وأيان 
3 - الفكر الإإسلامى 4-العنوان 


رقم الإيداع: 2019/2728 
الترقيم الدولي: 978-977-6601-64-2 


الطبعة الثانية 
0ه / 9م. 
صورة الغلاف الخارجي: منظرٌ للجامع الأزهر الشريف 


بريشة المستشرق الفرنسي بريس دافين 
Prisse d'Avennes,‏ )1879 - 1807(. 


دار القدس العربي 2 القاهرة 
البريد الإلكتروني: da. ¶uds@ 9¬. c٥0‏ 


تصميم الغلاف: Media Pictures Adv.‏ 
وائل حسن - هاتف: 1113354001 20+ 
البريد الإلكتروني: wael .hasa2^86@gmai|.com‏ 


الصف الطَاعِي والة: لتنسیق: ناصر محمد یی 
3 


6E 
سد‎ E 


(يْباعُ هذا الكِتابُ بسعر التّكلّفة وعائده حْصّص لطباعة ك التراث الإسلامي) 


جميعٌ حقوق اللكية الأدَبية الي للمؤلفي؛ ومْحْظَرٌ إعادة إصدارٍ هذا الكتاب. ويُمبّع تشه أو استعمال أيّ جزءٍ 
منه» بأيّ وسيلةٍ تصويريّة أو إلكترونية أو ميكانيكيّة» بها فيه التسجيل الفوتوغراني والتسجيل على أشرطة أو أقراص 
مُدْحةَ أو أيّ وسيلةٍ نشر أخرّىء با فيها حفظ المعلومات واسترجاعهاء إلا بِمُواقَقَةٍ المؤلف حطيا. 


www.alimamaltayeb.com 


إهداء Vesa RRS E E aS‏ 
مقدمة gy‏ 0 شص2ص2 
الباب الأول: أبو البَرَكّات البغدادي عصره وحياته تلد وسو ادس مم معفم لاا 
الفصل الأول: أضواء على عصر أبي البركات O‏ 


الفصل الثاني: الفيلسوف VS‏ 


3 
3 


الفصل الثالث: منهج أبي البَرَككات في نقد الفلسفة المَشائية 


الباب الثانى: الطّبيعية ا 5000 


الفصل الأول: الحَرّكّة 951000 
الفصل الثاني: المكان 500 
الفصل الثالث: الرّمان a‏ 
الباب الثالث: التفس والميتافيزيقا ا O‏ 
الفصل الأول: النفس o‏ 
الفصل الثاني: الميتافيزيقا: الوجود العام والوجود الإلهي 
الفصل الثالث: الميتافيزيقا: الوجود الكوني ل 


www.alimamaltayeb.com 


www.alimamaltayeb.com 


إهداء 


إلى الذي غرّس في نفسي حب العلم والمعرفة من تُعومَة أظفاري.. 
إلى الذي رياني على احترام العلم والعلماء.. 
إلى الذي تعلّمت منه دُرَرَا في العِلم والعبادة وَالزّهِدِ والإعراض عما 
سوى الله.. 
إلى الذي يشت اروا نحو ربّه ومولاه.. 
إلى والدي الجليل أهدي رسالتي هذه.. 
فهي ثمرةٌ غَرسِه؛ 
وحصاد زرعه؛ 
وتَمَحةٌ ِن بركاته وخيراته؛ 
أحمد 
القاهرة ٤‏ جمادى الآخرة 91 اه 
۲ مايو ۱۹۷۷م 


www.alimamaltayeb.com 


www.alimamaltayeb.com 


وت 


مُقَدُمَة 

الحديث عن الفلسفة الإسلاميّة حديث ذو شعَب مُتعَدّدة التواحي 
والاتجاهات» فهي فلسفةٌ إسلاميّةٌ في عِلم الكلام على مختلفٍ 
مداريعه ودوائرهه وهي فلسفةً إسلامي ف لثَراثِ الصُوفي الإسلامي بک 
ماخر به هذا التراث بين علوم ال لتّخلية والتحلية. ثم هي فلسفة إسلامية 
في ذلك التراثِ المشَّائيّ بكل ما يضطربٌُ فيه من أفكارٍ ونظريّاتِ. 

وإذا كان الإسلام -في مَنبَعيه الكريمين: كتاب الله وستة رسوله- 
قد يرضى عن معظم المضامين الكلاميّة والصُوفيّة» ضرورة أن هذين 
العلمَين قد نشئا وترعرعا في رحابه وعلى هدي مِن شريعته وأحكامه؛ 
فإ الأمرَ قد لا يكونٌ كذلك فيما يتعلّقٌ بالفلسفة المَشَائيَةه أو التبار 
الفلسفيٌ الأرسطيٌّ الوافدٍ من بيئاتٍ فكريّة غريبة على رُوح الإسلام 
وتصوراته وأنماطه العقليّة والنقليّة» ومن ته بدأ تساؤلٌ على عا 
كبير مِنَ الأهميّة يطرح نفسّه بهذه الصورة: هل توافقت هذه الفلسفة 
مع الإسلام أو انحرفت عنه؟ وهل نجّح الفلاسفةٌ الإسلاميُون المنتمون 
لرا ل ان عر في ا ایو ا 
لحبتِ الوثنيّةُ -أو الشرك- في تصوراتها الميتافيزيقيّة دورًا باررّا وبين 
دين حنيفٍ تنرلّت فيه آياتٌ التوحيدٍ مِن فوق سبع سماواتِ؟ 

وقد كان هذا السّوالُ يبدو هكذا مُهمّا وبسيطًا في ذاتِ الوقت» وكنت 


www.alimamaltayeb.com 


۱۰ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
ع عه ا 5 م م و ع 
تراثنا الفلسفت يتعرّفٌ فيها على القول الفصل فى هذا الأمرء بيد أنه ما 
عا 7 0 1 1 و 9 
كدت أُوَلَى فكري نحوّ البحثِ عن هذه الإجابة؛ حتى وجدتني قد تفرَّقَت 
و پچ م E‏ 1 5 
- ففي علم الكلام -بمختلف مدارسه- وا أو وشات ا 
ضا الفلسفة امام 
FR o Ê o,‏ وص 6ت e BE‏ وس روس ةك ركب 
ج وفي محاولة الإمام الغزاليٌ e:‏ واضح الملامح وا ات 
للفلسفة الكشائة. 


- ولأهل السَّلَفِ مطاعنٌ ومآخدٌ زخرت بها مؤلفاتهم في الرَّدٌ على 

فاي هذه المداخل ينبغي أن تَلِجَهُ لنصل من خلاله إلى المقصود؟ 
وازداد الأمرٌ صعوبةٌ والمشكلة تعقيدًاء وبدا لي أ كل هذه المداخل ينبغي 
أن صرف هديا الط اد 

أوَلَا: لأنَّ نقد المدرسة المَشَائيّةَ في لم الكلام نقد مبعثرٌ ومتنائرٌ عبرٌ 
مراحلٌ منطاولةٍ ساوقت نشأةً هذا الهلم وتطوره واكتماله. ثم نه لايد ِن 
مراجعة كل التراثِ الكلاميٌ في كل انّجاهاته مراجعة يراعى فيها التطورٌ 
الرمن لهذه المدارس في المنهج والتطبيق حتى يمكن تكوين مذهب 
نقديّ يقومٌ على أسس منهجية في نقد الفلسفة المَسَاّةء وأمرٌّ كهذا قد 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ١‏ 


> 
لام 


يَتطلّبُ فترةً زمنيّة متطاولة. فضلًا عن أله عمل مره ومضن وقد يصل فيه 
النالحث إلى تخت وقد لا بصل : 

ثانيا: والثّراتُ الصُوفِيُ شبية بالتراثِ الكلامي في هذا الأمرء وهذا 
بالإضافةٍ إلى دقائقه ورقائقه التي تستوجبٌ في الباحث عنها استعدادًا 
خاضًا ينفدٌ مِن خلاله إلى مرامي القوم وإشاراتهم» وأمرٌ كهذا قد ينف فيه 
لار لك كو الي 2 

النًّا: ومحاولة الإمام الغزاليَ في كتابه «تهافت الفلاسفة)» محاولة 
ق راا عير اسن رقن ماخر هذه الفلسفة» ثم هي مع 
ذلك مقتولة بحثًا ودرسّاء بحيث يغدو الكلامٌ فيها أقربّ إلى التكرار منه 
إلى البحثِ عن الجديدٍ في هذا الصدد. 


ثم صادفتني عبارة الشهرزوري -في كتابه «نزهة الارواح وروضة 
۰% و 5 ٠.‏ ار 2 51 
الأفراح» - وهو يَوْرّخَ للرازي» يقول فيها: «إن أكثرٌ الشبّهِ التي أوردّها على 
الحكماء هى لأبى البَرَكَاتِ اليهوديٌ»» وقد لفتت هذه العبارة نظري إلى أبى 
بر س س ع د 
البركات البغداديٌ اليهوديٌء فطفقت أبحث عنه في التراجم وكتب الطبقات» 
العربية بالقاهرة)» وهو مخطوط صغير ١17(‏ ورقة) لا يكفي لإعداد رسالة تهتم بنقد 
الخدرسة الا 
وقد طبع حديثا تحت عنوان: «كشف الفضائح اليونانية ورشف النصائح الإيمانية» 
بتحقيق د. عائشة يوسف المناعي - عميدة كلية الشريعة والقانون بجامعة قطر. دار 
السّلام -القاهرة ٠۹۹۹٩‏ . 


www.alimamaltayeb.com 


۱۲ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


وهنا بدا لي أنني عثرتٌ على ضالًتي التي ركضتٌ وراءها طويلاء وما كدت 
ا المي في هذا الاتجاو سی تاقد من هذا الذى .بدا لی من قبل: 

فأبو البرّكات ينقد الفلسفة المَشَائِيةَ نقدًا شاملا في الفيزيقا والميتافيزيقا 
على السواءء وهو فيلسوفٌغيرٌ متقيّد ولاملتزمإلّابمنهج قدانتزعّهمِنَ الفلسفة 
انتزاعًاء ثم هو يوك لقارته أله باحثٌ عن الحقيقة الفلسفيّ في هذا الثراثِ لا 
مف عماج او ان لدف ذلك سرغ اسرد ابن ابس رادو ويا به 

وإِذَا فأبو البَرّكَات البغدادي -في هذا الإطار - هو خير من يُقَدّمُ لنا نقدًا 
يشهدٌ لهذه الفلسفة أو عليهاء لأنَّنقدّه حينئذٍ سيكون نقدَ الفيلسوف الخالص 
اة ار هال الخال الفلسفق ونش ل ها اقاس ف غات 
وفلف عال ار ا كات خو وى وهه ال ها 
ويُقَوّمُها ما كان يدف -مسبقًا- إلى أن تتهافت الفلسفة أو لا تتهافت» بل 
الأمرآن عنده سوا أكا الذى كان دت إلبه مذ البداية فهو عدى صدق 
هذه الفلسفة واتساقها ومدى رصيدٍ الحقٌّ واليقين في نظرياتها ومقولاتها. 


وفلسفة أبي البركات -في هذا الإطار- شيءٌ مهم إذا أردنا أن نعرفَ هل 


ظٍ 
2 


كانت الفلسفة المَشَّائِيةُ -بما هي في ذاتها فلسفة- حمًا أو كانت غيرٌ حق» 
لأن الحكم هنا حكمٌ فلسفيٌ بكلّ ما تحملٌ هذه الكلمةٌ من معبّى» واحتمالٌ 
التحامل أو التحيّر أو التحيّ مستبعَدٌ منذ البداية» لأنّ الفيلسوف هنا ممتلئ 
الإهاب شكا وحَيرة في أمر هذا التراث الفلسفي وأمر الحقيقة الفلسفيّة فيه 


و 
فالموقف إذن موقف فلسفيٌ هُيئت له كل مقومات التفلسف وخصائصه. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ١‏ 


واا نظ من قارف سك الشاك جا ارك رات قاع الع 


على عاتقه أن يُصلحه ويقوّمّهء إلا أن يجي نقده فلسفيًا خالصًاء سواءٌ كان 


نذا اللاموا تقفت إلى عقر | والفابيقة العفائة اموا ستضها وود نيا 
من هذا المنطلّق رأيت أن محاولة أبى البَرَكَاتِ البغداديٌ فى نقده أو 


34 
3 


تقويوه للفلسفة المَشَائيَّ محاولة جديرةٌ بالبحثء فكان أن عقدت العزمَ 
وتوكلت على الله في اختيارها موضوعًا لهذه الرسالة. فإذا ما وصّل بنا 
هذا الفيلسوفٌ اللاملتزمٌ بشيء إل بمنهجه الفلسفيئء إلى أنَّ هذه الفلسفة 
خاطتةٌ في معظم اتجاهاتها فإنَّ هذا الحكم لابُدّ وأن تطمئنَّ إليه التقس ويقرٌ 
م ا فاا الك 0000 للتقريب بين الدّينِ 
والفلسفةمحاولةً مشكوكًافيها إلى حدبعيد» وذلك ين منطلق أنَّ هذه الفلسفة 
في ذاتها يعورُها اليقينٌ وينقصّها الاتساق» ويتخدّلُها الباطلٌ وضلالٌ الفكرة 
وفساڈها. ومن منطلق أنَّ هذا الحكم حكمٌ فيلسوني هّمه الأول والأخير 
أن تَبِينَ الحقيقةٌ الفلسفيّةُ في ذاتها بصرفي النّظر عما يترتبٌ على ذلك يِن 
موافقة أو مخالفةٍ لأيّ فكر أو مفكّر كائنًا ما كان هذا الفكرٌ أو ذلك المفكرٌ. 
وخطتي في بحث موقني أبي البَرَكّات مِنّ الفلسفة المَشَائيّة هي: 
أولاء تحلبل الفكرة المنقودق» وذلك شعت بها عند القافلين بها وفي 
مظاتّها التي قيلت فيها سواءٌ عند أَرِسْطُو أو عند الأفلاطونيّة المُحدَثةٍ 
أو عند المَشّائيّة الإسلاميّة ممثلة في الفارابي وابن سيئا. وقد كان أبو 
البَرَكَاتِ ينل في ذلك نقلا غاية في الدَّقَةِ والضبط والأمانة» سواءٌ من 
كتاب «الطبيعة وما بعد الطبيعة» (خصوصًا مقالة اللام) لأَرِسْطُو أو 


www.alimamaltayeb.com 


٤‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


من كتاب «الشفاء» للشيخ الرئيس ابن سينا. 

ثانيًا: تحليل نقد أبي البرَكَاتِ ذاته ومحاولة العثور على أصول هذا 
النقدِ ومنطلقاته في المدارس الفلسفيّةِ المختلفة مثل مدرسة أفلاطون 
ويحيى النحويٌّ ومحمل بن زكريا الرازي. 

ثالتا: محاولة الإنصاف منه أو له في نقده هذاء وذلك على قدر جهدي 
ومعرفتي وتَبّحي لهذا الحوار المستمرٌ بين أبي البَرَكَاتِ وبين المَشائين 
على طول المباحث الفيزيقيّة والميتافيزيقيّة من كتابه القيم: «المعتبر في 
الجكمة)» أمّا الرسالة فقد جاءت مقسَّمَةَ على أبواب ثلاثةٍ وخاتمة. 

البابٌ الأوَّلُ: ويشتملٌ على ثلاث فصول: والحديث في هذا الباب 
بفصوله الثلاثة هو حديث عن عصر أبي البَرَكَاتِه ثم عن حياته واعتناقه 
للإسلام» وشيوخه وتلاميذه وكتبه» ثم منهجه في نق الفلسفة المَشَّائية. 

والباب الثاني: بفصوله الثلاثة كان عَرْضًا مفضَّلًا لموقف أبي 
البَرَكَاتِ مِن أهمٌ المشّاكل الفيزيقيّة في الفلسفة المَشَّائيّة وهي: مشكلة 
ا ولان مان . 

أمنّا البابُ الثالث: فقد تحدَّئتٌ في الفصل الأوَّلٍ منه عن النَفْسء 
وهي وإن كانت تبحث عادةً في قسم الَيعِياتِ في کب الرات 
الفلسفئ إلا أنني وجدتٌ أبا البَرَكَاتِ يدرسُها مره في الطبيعة ومرَّةٌ فيما 
بعد الطبيعةء وذلك لما في فكرة النَمْسِ مِن مباحتٌ فيزيقِيّةِ ومباحتٌ 
ميتافيزيقية. وحتى لا يتكرّرٌ الفصلى الواحدٌ في بابين مختلفين» آثرتُ 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 16 


أن أجعل فصل التفس الفصل الأول من هذا القسم الميتافيزيقيٌ. 

ثم كان الفصل الثاني عن الميتافيزيقياء وتناولتٌ فيه مشكلة الكَليّاتِ 
والؤّجود العام والؤجود الإلهيّ والصّفاتٍ بين أبي البَرَكَاتٍِ والمَشائين. 

أمّا الفصل الأخيرٌ مِنَ الباب الثالثِ فقد كان عن مشكلة الخَلْقٍ ونقدٍ 
أبي البَرَكَاتِ لنظريّة العقول عند المَشَائِين ثم أجملتٌ أبررٌ التتائج التي 
خرجت بها من هذه الدراسة في خاتمةٍ ختمت بها هذا البحتٌ. 

ولم أشأأن أتوسّمَ في عَقَدٍ مقارنة بين فلسفة أبي البَرَكّاتِ وبين الفلسفة 
الحديثة في بعض نظرياتِها وآرائهاء لأنني أعتقدٌ أنَّ هذا اللّونَّ مِنَ المقارنة 
المنهجيّة الجادة يَتطلَّبُ معرفة متخصّصّةً بالفلسفة الحديثة ومدارسها 
واتجاهاتها بجوار المعرفة المتخصصة بالفلسفة الإسلاميّة وبفكرها 
اراك تمك ل ا صقري أو مف 
فيلسوفين مِنَ العصور الوسطى والعصور الحديثة. 

وبعدُ» فلعلي قد وُفْقتُ في قصدي هذا. 


وما توفيقي إلا بالله عليه توكلتٌ وإليه أنيب. 


www.alimamaltayeb.com 


www.alimamaltayeb.com 


الباب الأول 


أبو ابر كات البغدادي 


www.alimamaltayeb.com 


www.alimamaltayeb.com 


الفصل الأول 
أضواء على عصر أبي البَركات البغدادي 
١‏ - تمهيد. 
97 اليحالة الاس 
۳- الحالة الثقافية. 


الحا الاستماءئة. 


-٥‏ انعكاس هذه الأحوال على أبى البرّكات. 


www.alimamaltayeb.com 


www.alimamaltayeb.com 


أضواء على عصر أبي البُرّكات 

١‏ -الحديث عن العصر الذي عاش فيه أبو البرّكات البغدادي حديث 
مرتبط أشد الارتباط وأوثقه بالعصر السلجوقي في العراق» لأنه إذا كان قد 
عاش في الفترة من سنة ٠57ه‏ إلى سنة /51 0ه - على خلاف فيما بين 
الروايات - وكان قد أمضى كل حياته في بغداد لا يخرج منها إلا ريثما 
يقفل إليها راجعًا؛ فإنّ معنى هذا أن الفترة التي عاشها أبو البركات هي 
الفترة التي كانت فيها «بغداد» تحت سيطرة السلاجقة» وهي فترة امتدت 
من عام /41 5 ه حتى عام ٠۹١‏ ه. ومن نَّمَّ فالحديث عن عصر أبي البَرَكَات 
حديث عن سلاجقة العراق سواء من الناحية السياسيّة أو الناحية الثقافية 
أو الاجتماعيّة» إذ الفيلسوف أو المفكر مهما كان فردًا في أفكاره ومشاعره 
فهو أولا وأخيرًا ابن بيئته وصنع مجتمعه» لا يستطيع - البتة - أن ينفك عن 
التأثير بما يضطرب حوله من ملابسات وأحداث. ومن ثَمّ كان لابد من إلقاء 
بعض الأضواء - ولو في صورة محدودة - على هذه الأحداث والظروف 
السياسيّة والثقافية والاجتماعيّة التي واكبت حياة فيلسوفنا وأثرت في 
أعماقه نزعة التمرد على القديم الموروث. والنزوع إلى النقد والتجديد. 

-الحالة السياسيّة: لقد كان العراق في عصر أبي البركات مسرحًا 
لأحداث السّلاطين السَّلاجِقة والسّلاجقة قوم من قبائل الغز نزحوا من 
سهول التركستان واستوطنوا بلاد ما وراء النهر» وكان نزوحهم من موطنهم 


www.alimamaltayeb.com 


۲۲ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
الأصلي الذي ضاق بهم وبحياتهم» عام ٤٥‏ ٠ه‏ وقد اعتنق السّلاجقة 
الدّين الإسلامي وتمذهبوا بالمذهب الحنفي الذي أخذه الترك عن 
السامانيين والذي كان سائدًا في دولتهم.”" وقد كان السلاجقة فة يحسب 
لها الحساب» وذلك لما كان يغلب عليهم من نزعات السيطرة والتوسع. 
ويذكر المؤرخون أن السلطان محمود الغزنوي كان يخشى هذه القُوّة التي 
ظهرت فيما وراء النهر وكان يفكر كثيرًا في أمرهاء وقد انتهى به التفكير 
إلى تدبير حيلة للقضاء على زعيم السّلاجقة» فأرسل إليهم رسولا بكتاب 
يقول فيه: «إنني لفي عجب من تدبيركم وعقلكم» ولكنكم حتى الآن 
وبحكم الجوار لم تطلبوا منا طلبًا أو تلتمسوا ملتمسّاء وإني لشديد الرغبة 
في مصادقتكم واستمداد المعونة منكم» ولست في غنى على الإطلاق عن 
معاونتكم. فإذا لم يستطع جميع الأخوة الحضور إلى فليختاروا واحدًا 
منهم يفد إلى مقري» ولقد اتخذت مقامي على شاطئ النهر حتى تقصر 
المسافة بيني وبينكم» فإذا جاءني واحد منكم عقدت معه العهد ووثقت معه 
المواثيق»”". ووصل رسول السلطان محمود إلى السّلاجقة» وبعد تشاور 
أجمعوا أمرهم على أن يفد إسرائيل بن سلجوق - في جيش كبير - على 
السلطان محمود» وكان إسرائيل ذا مكانة عالية في نفوس قومه وذويه» ولما 
أن سار إسرائيل بجيشه وعلم السلطان محمود بمقدم هذا الجيش أرسل 
ne GR VIBE‏ 


(۲) الراوندي: راحة الصدور وآية السرور» ص ١٤١-۸٤٠ء‏ ترجمة أمين الشواربي 


وآخرين. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۲۲ 
إلى إسرائيل يقول له: «لسنا الآن في حاجة إلى الاستمداد بجيشك. وإِنَّما 
جملة مقصودنا أن ننعم برؤيتك» والاستظهار بك فاترك الجيش في مكانه 
وتعال أنت مع خواصك وأعيان رجالك)”"» وتنطلي الحيلة على إسرائيل 
فيأمر جيشه بالبقاء ويذهب مع خاصة قومه إلى السلطان» ويلقى إسرائيل 
- بادئ الأمر - تكريمًا وترحيبًا في ساحة السلطان» ولكن يدور بينهما 
حديث عارض ينم عن القُوّة والخطر الرابضين وراء إسرائيل والممثلين 
في قومه وجيشه» فيغدر السلطان بالرجل ويحمله إلى الهند ليحبس هناك 
في قلعة تدعى «كالنجر»» وهناك في القلعة ظل إسرائيل رهين السحن سبع 
سنوات وافاه بعدها أجله المحتوم وهو لا يزال حبيسًا في «كالنجر». 
ولقد كانت هذه الحادثة الغادرة بداية صراع طويل ومرير بين السّلاجقة 
وَالعَرْتَويّين ويطول بنا الكلام إلى أبعد مما نريد» لو رحنا نصور هذا الصراع 
بين السّلاجقة من جانب» ودول الخلافة العباسيّة - في تلك الفترة - من 
جانب آخر. ولكن نذكر هنا أن نجم السّلاجقة إبان فترة الصراع هذه كان 
في علو دائم ومستمر في نفس الوقت الذي كان فيه نجم الدولة البويهية في 
العراق في أفول متلاحق نتيجة الاضطرابات التي كانت تنخر في جسم هذه 
الدولة» فقد كان الجنود البويهيون من عنصرين مختلفين: عنصر الآتراك 
وعنصر الديلم» وبين هذين العنصرين كان الخلاف على أشده» كذلك كان 
)١(‏ المصدر السابق: نفس الصفحة. 
(؟) المصدر السابق: ص”157١»‏ وأيضًا: حسين أمين: تاريخ العراق في العصر السلجوقي» 


ص ؟ : (مطبعة الإرشاد-بغداد .)١956‏ 


www.alimamaltayeb.com 


۲٤‏ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


هناك خلاف مذهبي يقض مضجع بغداد» وكان البويهيون أنفسهم وراء هذا 
الخلاف المذهبي الذي مزق وحدة الدولة وفت في عضدهاء فقد تعصبوا 
لمذهب القع على حن تعضب الأتراك لمذغب آهل ال والجباعة 
ويصف ابن الآثير هذه الفترة فيقول: «وفيها كثرت الفتن بين العامة ببغداد 
وزالت هيبة السلطنة وتكرر الحريق في المحال واستمر الفساد»"'. وهكذا 
كانت الأحوال السيئة في العراق في عهد البويهيين تمهيدًا طبيعيًا لزوال 
هذه الدولة ولظهور السّلاجقة في المنطقة كقوّة جديدة ذات نفوذ وسيادة. 

وقد انتهى أمر المراسلات والاتصالات بين السّلاجِقَة والخليفة 
العباسي القائم بأمر الله (4517-471ه) إلى دخول السَّلاجِقة 
«بغداد» رسميًا في رمضان ٤١‏ ٤ه‏ بقيادة طغرلبك الذي استقبله 
الخليفة وخلع عليه ألقاب السلطنة وعهد إليه بأمورها ومهامها"» 
وبذلك دخلت الخلافة العباسيّة في العصر السلجوقي» وانتقل 
السلطان إلى آل سلجوق: وقد حكموا دولة الخلافة العباسية من 
بلاد الجبل لا من بغداد عاصمة الخلافة”". 

رق قر على سر الا السا في نذا ال من 
السلاطين السّلاجقة العظام: 

.ه٤٥١‎ - السلطان طغرلبك» /ا5 5ه‎ - ١ 


(۱) الكامل: جلاء ص5 ١6‏ . 
() المصدر السابق: ج8» ص١‏ /. 
زک د غيث: دولة الخلافة العباسيّة: القسم الثاني» ص9١‏ . 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۲۵ 


؟- السلطان ألب أرسلان» ٥٥٤ھ‏ - 456ه. 

۳- السلطان ملكشاه بن أرسلان» 5456ه- 4/6ه. 

5- السلطان محمود ناصر الدين بن ملكشاهء 5/6ه- ۸۷٤ه.‏ 

-٥‏ السلطان بركيارق ركن الدّين أبو المظفر» /5/1 ه-/591ه. 

5- السلطان محمد غياث الدين أبو شجاع محمد بن ملكشاه. 
4ه-١١مه.‏ 

باد السلطاق سر اا الان ار الحارية اة نج يده 
ملکشاه)» ۵۱۱ھ - ۲٥٥ھ‏ '. 

أمّا سلاجقة العراق فكان أولهم السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه 
بن آلب أرسلان» وقد جلس على عرش السّلاجقة في العراق عام ١١‏ 0ه 
واستمرت الفتن والقلاقل في عهده حتى توفي عام ١۲٥ھ"‏ . ثم جاء بعده 
أخوه السلطان مسعود وجلس على العرش بعد تقاتل عنيف مع كل من ابن 
أخيه داود بن محمود وأخيه السلطان طغرل» وما كادت تنتهي سنة ٥۲۹‏ ه 
- بعد وفاة أخيه طغرل - حتى أصبح «سلطان السّلاجقة بلا منازع» وقد آلت 
إليه سلطنة جميع العراق وكردستان وأذربيجان»)””". وقد كان عهد السلطان 
مسعود أسوأ من عهد أخيه. إذ ساءت الأحوال العامة في بغداد وفي العراق» 
فعم الغلاء وكثر النهب وتعددت الثورات» ثم توفي السلطان مسعود عام 
)١(‏ حسين أمين: تاريخ العراق في العصر السلجوقي» ملحق رقم »)٤(‏ ص۲۸". 


() ابن الجوزي: المنتظم: ج١٠‏ ص١7-١71.‏ 
() المصدر السابق: ج ٠‏ 6 ص٦‏ ۲ . 


www.alimamaltayeb.com 


۳٦‏ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


7ه وبوفاته فقدت الدولة السلجوقيّة شخصيتها القوية وبدأت تأخل 
في الضمور والاضمحلالء يقول ابن الأثير: «ومات معه (السلطان مسعود) 
سعادة البيت السلجوقي» فلم تقم له بعد راية يعتد بها ولا يلتفت إليها»0". 
ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن أبا لبر كات البغدادي كان على صلة وثيقة 
مكل من لاان ردو ااا مود ققد كان يما و زرح 
السلطان محمود وابنة عمه السلطان سنجرء وكثيرًا ما تربط كتب التاريخ بين 
تحول أبي البَرَكّات إلى الإسلام وبين إخفاقه في علاج الخاتون”". كذلك 
كان أبو البرّكات في صحبة السلطان مسعود وفي حاشيته» كما كان في 
«بغداد» حين مرض السلطان مسعود في همذان مرضه الأخير» فحمل إليه أبو 
البرّكات من بغداد إلى همذان ولكن يسبق الأجل محاولات أبي البَرَّكَات) 
ويدرك صاحبنا دنو أجل السلطان فيستبد به الخوف ويموت قبل موت 
السلطان”. وسنعود إلى هذه النقطة في مكانها في الفقرة الثّالية بإذن الله. 
والدولة السلجوقيّة من الدول الإسلاميّة التي كانت ذات أهداف 
وغايات توسعيّة والتاريخ السلجوقي تاريخ فتوح متواصلة لاتعرف الحدود 
ولا التوقف» ولعل ذلك راجع إلى طبيعتهم الأولى التي أملاها عليهم ضيق 
المساحة الأرضية التي كانوا يعيشون فيها. وحين أصبح السّلاجقة سلاطنة 
في البلاد الإسلاميّة حرصوا كل الحرص على أن يحصلوا على رضا 
)١(‏ الكامل: ج94 ص١‏ ". 
(۲) القفطي: تاريخ الحكماء ص 50 ”. 


(۳) البيهقي: تاريخ حكماء الإسلام ص۳١٠٠‏ . 


www.alimamaltayeb.com 


الخليفة العباسي واعترافه بحكمهم وذلك كي يضفوا على هذا الحكم 
صفة دينيّة» ولينطلقوا في فتوحاتهم تحت مبدأ الجهاد والوحدة الإسلاميّة. 

وقد استطاع السّلاجقة في عهد ألب أرسلان وبفضل توجيهات 
وزيره المحنك نظام الملك - أبي علي ابن إسحاق الطوسي - أن يقفوا 
للدولة البيزنطيّة وقفة أضعفتها وكسرت شوكتها في موقعة (ملاذكرد). 
والمؤرخون يعتبرون هذا المعركة في آسيا الصغرى «من المعارك الفاصلة 
في التاريخ ويسمونها: الملحمة الكبرى» وتعد أكبر نكبة في تاريخ 
الإمبراطورية البيزنطيّة)”" وقد وقع الإمبراطور البيزنطي رمانوس ديوجين 
أسيرًا في أيدي المسلمين» وقد ذهب بعض المؤرخين إلى أن هذا الانتصار 
الساحق الذي أحرزه السّلاجقة قد فتح الباب في آسيا الصغرى أمام 
الحملات السلجوقيّة ثم ما لبشت الإمبراطورية البيزنطيّة أن فقدت الكثير 
من أجزائها أمام الفتح الإسلامي» كما فقدت حضارتها اليونانيّة وثقافتها 
المسيحية» تلك التي كانت تضرب بجذورها في أغوار هذه البلاد". 

لكن إذا ما ولينا وجهنا شطر سلاجقة العراق فإن الصورة تتغير تمامّاء 
فهنا يبرز الصراع والتناحر بين السّلاطين السّلاجقة آنفسهم» بل يبرز هذا 
الصراع عنيقا بين الإخوة من البيت السلجوقي الواحد من أجل الحصول 
على اعتراف الخليفة بالسلطنة والولاية» وقد نعلم أن نزاعا كبيرًا وقع بين 
داود ابن السلطان محمود وبين عمه مسعود» بل وقعت الحرب بين مسعود 


.757 حسين أمين: تاريخ العراق في العصر السلجوقي ص‎ )١( 
(۹1° - عبد النعيم حسنين: سلاجقة إيران والعراق ص۹٥ (ا لنهض ے الہمے ية‎ )۲( 


www.alimamaltayeb.com 


۳۸ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
هذا وأخيه طغرل بسبب الاستيلاء على بغداد» وأمر طبيعي أن ينعكس هذا 
الخلاف على الكيان السلجوقي فيضعف ويتفتت وتصبح الحياة في بغداد 
والعراق حياة ملؤها الاضطراب والفوضى وسوء الحال. ويبدو أن وفاة 
السلطان ملكشاه (١٠۸٠ه)‏ كانت نهاية للفترة الذهبية التي عاشها العصر 
السلجوقي» وفي نفس الوقت تعتبر بداية لتداعي هذه الإمبراطورية الواسعة 
التي ترامت أطرافها ما بين حدود الصين شرقا والأراضي المجاورة لمدينة 
القسطنطينيّة غربًا بما فيها من بيت المقدس وبلاد العرب”". وقد وصل 
أمر الضعف بسلاجقة العراق إلى أن الصليبيين في عهد السلطان محمود 
انتزعوا معظم بلاد الشام من المسلمين وكونوا فيها الإمارات الصليبية 
الأربعة: بيت المقدس وأنطاكية وطرابلس والرها". ولم تعد المملكة 
السلجوقيّة التي أنزلت الإمبراطورية البيزنطيّة من مكانها بقادرة على درء 
الخطر الصليبي الذي تهدد البلاد الإسلاميّة» وهنا يروي لنا ابن كثير شواهد 
تدل على أن أهل بغداد والعراق قد فقدوا مشاعرهم الذَّينيّة وفترت فيهم 
روح الجهاد في سبيل الله إلى أبعد مدى يمكن تصوره» فقد حدث في 
عام ٠ ٤‏ 5ه أن تجهز جماعة من فقهاء بغداد وغيرهم - وكان فيهم الواعظ 
المحدث ابن الزاغوني - للخروج إلى الشام لقتال الصليبيين» ولكن ما إن 
علموا بكثرة الفرنج ووفرة عددهم حتى رجع كثير منهم قافلا إلى بغداد" 


.١١6 حسين أمين: تاريخ العراق في العصر السلجوقي ص‎ )١( 
.١١9ص المرجع السابق‎ )۲( 
. ٠۷۲ص‎ ١7ج البداية والنهاية:‎ )( 


www.alimamaltayeb.com 


ويذكر ابن كثير أيضًا أن وفدًا من الشام جاء مستغيثًا بالمسئولين في بغداد 
ليقوموا بواجبهم إزاء الخطر الصليبي الذي دهم المسلمين في بلاد الشام» 
«فندب الخليفة الفقهاء إلى الخروج إلى البلاد ليحرضوا الملوك على 
الجهاد. فخرج ابن عقيل وغير واحد من أعيان الفقهاء فساروا في الناس 
فلم يمد ذلك شیتًا»'. 

۳-الحالة الثقافية في بغداد في العصر السلجوقي 

أمّا الناحية الثقافية فقد كان العصر السلجوقي عصر انطلاقة كبرى في 
الحَرّكّة العلميّة في الإسلام» وخصوصًا في عهد الوزير «نظام الملك» الذي 
بدأ في تشييد المدارس والمساجد بقد تنشيط الحرّكّة العلميّة وتعميمها في 
البلاد. وقد نعلم أن السّلاجقة كانوا سنيين ومن معتنقي مذهب الإمام أبي 
حنيفة النعمان صي وقد قامت دولتهم على أنقاض دولة البويهيين التي 
كانت تعتنق التشيع وتتطرف في الحدب عليه والدفاع عنه» وكان الوزير 
نظام الملك أشعريًا شافعيًا يدبر في نفسه القضاء على المذهب الشيعي 
قضاءً مبرمّاء وقد هداه تفكيره إلى انتشار التعليم والتوسع فيه على مذهب 
أهل السِّنَّهَ ومذهب الشافعي هو أقرب الوسائل وأقواها في محاربة 
التشيع”". وكان أمرًا طبيعيًا أن يلجأ نظام الملك إلى هذه الوسيلة لأن 
النشاط الشيعي في تلك الآونة كان له ثقله في الميزان السياسي» ومن ته 
أدرك نظام الملك أن عليه أن ينشئ لونًا خاصًا من المعرفة يعممه بين الناس 
)١(‏ المصدر السابق: ج١١‏ ص5 .١5‏ 


(؟) حسين أمين: تاريخ العراق في العصر السلجوقي ص۲۲۲. 


www.alimamaltayeb.com 


موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


ليكفكف من هذا المد الشيعي الآخذ بخناق مصر والشام وجزء غير قليل 
من العراق. وما إن استقر الأمر بنظام الملك حتى ألقى بكلّ ثقله في إنشاء 
المدارس العديدة في مختلف مدن العراق» فبني مدرسة في كل من: بغداد 
والبصرة وبلخ ومرو والموصلء كما بني في نيسابور وهراة وأصفهان. بل 
يقول السبكي: «أَنَه أنشأ في كل مدينة في العراق وخراسان مدرسة». 
وقد جاءت المدرسة النظًاميّة في بغداد على رأس هذه المدارس 
كلهاء وكانت أبعدها أثرّا في نشر مذهب أهل السَّنَّهَ والجماعة» وقد 
افتتحت هذه المدرسة في ذي القعدة سنة 554ه - وسط احتفال مشهود 
بعد أن استغرق بناؤها عامين كاملين”". وكان من شرط القبول بهذه 
العدرسة يكر ةطالب شافتا"وكانت اة السا يكل قرعا 
تدرس في هذه المدرسة ومن أهم ما امتازت به المدرسة النَاميّةء ذلك 
المنهج التخصصي الذي كان يتبع في تدريس العلوم» فكان يختار لكل 
مادة من المواد أستاذ متخصص يقصر نفسه وبحثه على هذه المادة. كما 
كان التدريس بهذه المدرسة أمل العلماء وأمنيتهم» وذلك لما تتمتع به من 
الشهرة العلميّة والعطاء الجزيل الذي كان يصب عليها صبًاء ويكفي أن 
نعلم أن المدرس في هذه المدرسة كان يعين من قبل الخليفة العباسي 
ا وقد زان الرصالة العشهوى ابن جير المدرسة الطامة ووصف 
)١(‏ طبقات الشافعيّة: ج۳ ص/171. 
(۲) ابن خلكان: وفيات الأعيان» ج١‏ ص185. 
() ابن الجوزي: المنتظم» ج٩‏ ص٦٦‏ . 
(4) حسين أمين: تاريخ العراق في العصر السلجوقي» ص۲۲۸. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ف 
حلقات الدروس والمناقشات التي كانت تدور بين بين الطلبة والأستاذ 
كما رسم لنا صورة للرغبة الجامحة - التي كانت تضطرب بين جنبات 
العلماء - لتولي منصب التدريس بالنظامية وذلك حين يروي أن الميارك 
الملقب بالوجيه النحوي كان حنفيّاء وكان التدريس بالنظاميّة أكبر آماله 
فلما خلا منصب النحو بالمدرسة تحول إلى المذهب الشافعي ثم تولى 
التدريس بالنْظَاميّة» وقد عرض به الشاعر أبو البَرَكّات بن زيد التكريتي فقال: 
ومنمبلغ عني«الوجيهارسالة وإنكان لا تجدي إليه الرسائل 
تمذهبت للنعمان بعدابن حنبل وذلك لماأعوزتك المآكل 
ومااخترت قو [الشافعيتدينًا ولكنماتهوىالذينهحاصل 
وعماقليل أنت لاش ك صبائر :إلى مالك فافطن لما أناقائل 

ولم تكن المدارس النظَاميّة في بغداد - والعراق بعامة - هي المراكز 
الثقافية والوحيدة» بل كان هناك المساجد والربط الصوفية التي سرعان ما 
غدت مراكز إشعاع علمي بالإضافة إلى إشعاعها الروحي والصوفي» وقد 
قامت هذه الأماكن بدور كبير في حَرَكّة التثقيفي في ذلك العصر كما أدت 
خدمات جليلة في نشر الثقافة العربيّة والإسلامية. 

وإذا كان العصر السلجوقي قد واكبته هذه النهضة العلميّة في مختلف 
المجالات الثقافية» فإنه أيضًا واكبته أشتات مختلفات من الفرق الدينية 
المتنازعة فيما ينها نزاعًا طويلا: ففي بغداد كان العباسيون يمثلون مذهب 
أهل السنّة ويفرضونه على الناس بمختلف الوسائل» وفي نفس الوقت كان 


www.alimamaltayeb.com 


۲۲ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


الفاطميون في مصر والشام يدافعون عن المذهب الشيعي وينشرونه بكل 
ما أوتوا من بأس وقوّة كما كانت الإسماعيلية في إيران مصدر قلق حتى 
بالنسبة لأهل السُّنّهَ وفي قلب بغداد نفسهاء وهناك وعلى مشارف الشام 
كان الفرنجّة (الصليبيون) يمثلون المعسكر المسيحي الجاثم على صدر 
الأمّة الإسلاميّة في ذلك الحين. أضف إلى ذلك الخلاف المشتعل الأوار 
بخ أهل ا الا من حاتت وري ال ين واا من جاب 
آخرء ثم الخلاف الذي كان خصيصة هذا العصرء وأعني به الخالف بين 
المذهبين الشافعي والحنفي» والأغرب من كل ذلك أن النزاع بين هذه 
الفرق كان يتطور - أحيانًا ‏ إلى درجة الحرب المسلحة". 

٤‏ - الناحية الاجتماعية: 

ولم تكن الناحية الاجتماعيّة في العصر بأحسن حظًا من الحالة 
السياسيّة إذ هي داتمًا أشبه ما تكون بالنتيجة الطَِّيعِية اللازمة عن الوضع 
السياسي ومدى تقلبه أو استقراره. ويمكن القول إن الحالة الاجتماعيّة في 
العراق إبان هذه الفترة التي نؤرخ لها كانت سيئة إلى حد بعيد, لآن السّلاجِقَة 
أنفسهم لم يكونوا قومًا أولي حضارة ولا سياسة» وإِنّما كانوا قومًا - على 
حد وصف ابن الأثير: «بداة لا علم لهم بأخبار الملوك ومآثرهم)2". 

وأظهر ألوان هذا الفساد الاجتماعي في العصر السلجوقي 
هو ذلك التفاوت البعيد بين طبقات المجتمع العراقي آنئذ. 


(0) الكامل: ج٩‏ ص۹٤1‏ . 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب “3 
والمؤرخون لهذه الفترة يقسمون هذا المجتمع عادة إلى طبقتين: 

طبقة الخاصة: وتنتظم الخلفاء والأمراء والوزراء والكتاب. 

وطبقة العامة: وتنتظم بقِيّة طبقات الشعب الفقير من الصناع 
والفلاحين والكسبة والرقيق"". 

وقد كان التفاوت الصارخ بين هاتين الطبقتين من أقوى الأسباب 
التي جعلت حكم السّلاجقة في نفوس الناس وطأة على القلوب لا 
تكاد تحتمل. فإذا ما أضفنا إلى ذلك» النْظّام الجائر الذي كانت تنهجه 
السلطة السلجوقية في جباية الضرائب والأموال بحق وبغير حق من 
جموع الناس وبؤسائهم أدركنا إلى أي مدى كان الظلم أحد أعمدة 
الحياة الاجتماعيّة في ذلك العهد. وهنا يروي التاريخ ألوانًا مختلفات 
من الأوبئة والمجاعات والكوارث التي كانت تكرث هذه الطبقات 
البائسة وتعصف بحياتهم» فلقد حدث أن مات خلق كثير من الجوع 
والعري بسبب العساكر السّلاجقة الوافدين إلى العراق عام ١١٤‏ 
ثم حدث أن تفشت أمراض وأوبئة فتكت بالعراق وخصوًا ببغداد عام 
05ه. كما شهدت هذه الفترة عديدًا من الفيضانات المدمرة وما نتج 
عن تلك الفيضانات من خراب القرى والزروع والممتلكات”". 

أمَا على الجانب الآخر» جانب قصور الأمراء فقد كان هناك فن التأنق 
)١(‏ عبد النعيم حسنين: سلاجقة إيران والعراق ص١1١.‏ 


(؟) عبد الكريم العبود: الشعر العربي في العراق من سقوط السّلاجقة حتى سقوط بغداد 
ص09 (دار الحرية - بغداد .)١91/5‏ 


www.alimamaltayeb.com 


۲٤‏ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
في المأكل والمشرب والملبس» وكانت هذه القصور مضرب الأمثال في 
الجمال والبهاء والروعة والحسن» فثمة الجواري الحسان» وثَّمّة ليالي 
الشراب والطرب والغناء» ثم هناك الإسراف في الطعام وفي إعداده وطريقة 
تقديمه على الموائد المزدانة بالورود والرياحين. بل هناك - كما يذكر 
المؤرخون - أصول وعلوم تدور حول فن الشراب والمنادمة والمتعة". 
ولعل هذا الجانب المغرق في الجمال المدي وفنونه وألوانه قد دفع 
طبقة معينة من الناس إلى الاعتزال والخلوة والهرب إلى الربط والزوايا 
يحيون فيها حياة خاصة ملؤها جمال الروح والتغني بعالم آخر يفيض 
بالحقائق والرقائق واللطائف» ولكأن هذه الزوايا وتلك الربط قد كانت 
بمثابة رد الفعل لحياة القصور وما تمور به من مادة وفتنة ولهو. ولا عجب 
فالضد قد يهدي إلى الضد بل قد ينئه ويوجده» وكلما أغرقت المادة في 
طغيانها فلها من الروح رادع وزاجر يتمثل في هذه الزوايا الفقيرة الت 
يجدها على امتداد العصور جنبًا إلى جنب مع القصور المنيفة المترفة. 
أمَا آهل الذمة من نصارى ويهود فقد كانوا يتمتعون بالحرية 
الكاملة سواء في حياتهم العامة أو حياتهم الدَّينيّة» وكانت الكنائس 
والبيع مصونة الذّات ولها قدسيتها ووقارهاء وكان أهل الكتاب يؤدون 
شعائرهم في حرية مطلقة» واتسعت طبقة أهل الذمة - في القرن الرابع 
الهجري - «لتضم المجوس. بعد أن اعترفت الدولة العباسيّة بأنهم أهل 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۵ 


ذمة وقد كثر المجوس في ذلك القرن في العراق وجنوبي فارس)"". 

وإذّا فنحن أمام عصر أو فترة من فترات التاريخ تكاد تجمع بين 
الأضداد والنقائضء فهي فترة فيها المتعة واللذة وفيها البؤس والألمى 
وفيها المجون والخلاعة وفيها التصوف والزهد ثم هي فترة اضطربت فيها 
المظاهر السياسيّة والمظاهر الاجتماعيّة وإن كانت قد نشطت فيها مظاهر 

٥-وأمر‏ واضح أن كل هذه الاتجاهات ال لا تكاد تلتقى فيما بينهاء 
أصداء ثقيلة الظل على بغداد مركز الخلافة الإسلاميّة فى ذلك الحين» 
والمحور الذي تدور حوله كل هذه الأحداث. وأمر طبيعي أن يسود روح 
هذا العصر - المشحون بالمظاهر المتنافرة في الفكر والعقيدة والاجتماع 
- شيء غير قليل من السأم والقلق والاضطراب» وأمر طبيعي أيضًا أن 
تتساءل النخبة الممتازة من أولي البصائر والألباب عن الطريق الصَّحيح 
من بين هذه المسالك المتشابهة والمختلطةء وهنا لابد وأن تنشأ ظاهرة 
«الشك» لتمسك بعقول أعلام الفكر كرد فعل لما في البيئة المحيطة من 
أكداس الأفكار والتظريات المتضاربة. فقد تأثرت عقلية الإمام الغزالي 
بروح البلبلة السائدة في هذا العصر» ووقف في مفترق الطرق يرنو إلى 
في نهاية الأمر. ومن قبله كان أستاذه إمام الحرمين يهتف من أعماقه: «لقد 
ركبت البحر الخضم» وغصت في الذي نهى عنه آهل الإسلام فيه كل ذلك 


. ۱۸۳ المصدر السابق: ص‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


۳٦‏ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


في طلب الحق» وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليدء والآن وقد 
رجعت عن الكل إلى كلمة الحق: عليكم بدين العجائز! فإن لم يدركني 
الحق بلطف بره فأموت على دين العجائزء وتختم عاقبة أمري عند الرحيل 
على نزعة أهل الحق وكلمة الإخلاص فالويل لابن الجويني»'. 

وكلمات الجويني هذه ليست إلا انتفاضة تمثل قمة اليأس من ثقافة 
العصر التي كان يركض فيها بحثا عن يقين يجد برد راحته في نفسه. 

وقد لا يكون من أهدافنا هنا أن نتعرف على أثر هذا القلق الفكري 
الذي ألقى بظله ثقيلًا على نفس الإمام الجويني ومن بعده تلميذه الإمام 
الغزالي. إلا أننا نخلص من هذه اللفتة التاريخية العاجلة إلى أن أبا البركات 
البغدادي - موضوع دراستنا عق كان امن معو و أن اضاد ةا سكي نالا 
عصره موك اها السياسيّة والثقافية والدينيّةء فهو قد عاش في بغداد 
معاصرًا للاضطرابات التي كانت تواكب سلاطين السّلاجقة حين يتولون 
أمور السلطة ويقتتلون عليهاء وهو قد درس وتعمق في الثقافات التي كانت 
تموج بها مدارس بغداد ومكتباتهاء ثم هو ذو طبيعة فيها شيء غير قليل من 
التأمل الفكري الحرء وكل هذا - فيما أعتقد - كان لابد من أن يعرضه إلى 
ما تعرض إليه الغزالي والجويني وغيرهم - من قبل» فتضطرب في نفسه 
تساؤلات يقف إزاءها وقفة الحيران المتشوق للحق واليقين. وقد كان ما 
كان من أمر هذا الفيلسوف الذي تمخض عقله عن نفد الفلسفة السائدة في 
عصره ونبذ معظم مضامينهاء كما تمخض قلبه عن ضيق بالعقيدة اليهودية 
وما لبث أن هجرها مواليًا وجهه شطر الإسلام في أخريات أيامه. 


.57١ ان السبكي: طبقات الشافعيّة ج۳ ص‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


.همسا-١‎ 

؟ - مكان وزمان ولادته. 
جا 

٤‏ - شيو خه. 

ه- أبو الب كات الطبيب. 


www.alimamaltayeb.com 


www.alimamaltayeb.com 


الفيلسوف 

:همسا-١‎ 

هو هبة الله أبو البَرَّكَات بن علي بن ملكا البغدادي البلدي. يختلف 
الثقات من المؤرخين في اسم جده هل هو «ملكا» أو «ملكان»: فان أبي 
أصيبعة والصَّمَّدي على أنه ملكا بدون نون أمّا ابن خلكان وان قاضي 
ان وان" 

-ولادته: 

ومعظم المصادر التاريخية لا تذكر لنا مكان ولادته على وجه التحديد. 
وابن أبي أصيبعة يكاد يكون المؤرخ العربي الوحيد - فيما نعلم - الذي 
أشار في لمحة عاجلة إلى أن ولادته كانت ب «بلد)“ وبرغم هذه الإشارة 
فإن تحديد مكان ولادته يبقى أمرّا صعبًا في وجه الباحث» ذلك أن «بلد» 
هذه مكان مُتعَدّد الإطلاق» إذ يقال: «بلد» لمدينة قديمة على دجلة فوق 
الموصل» ولمدينة الكرج» وللنسف ومرو الروز”"» بيد أن دائرة المعارف 
اليهودية تذكر آنه ولد بالبصرة وقضى بها ردحًا من الرّمانَ قبل أن ينتقل إلى 


. ٦۳ص‎ ٩ج الزركلي: الأعلام‎ )١( 

(۲) عيون الأنباء في طبقات الأطباء ج١‏ ص۷۸" ويتابع ابن أبي أصيبعة من علماء الغرب 
كل من: لوكليرك لوسيان في: تاريخ الطّبّ العربي ج۲ ص١٠‏ والمستشرق الدكتور 
بينيس في: دائرة المعارف الإسلاميّة ج١‏ ص5١ ١‏ (النص الفرنسي). 

(۳) ياقوت الحموي: معجم البلدان. 


www.alimamaltayeb.com 


3 موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


بغداد"'"..وهى بهذا التحديد تتفرد من بين سائر المصادر بيان البلدة الى 
ولد فيها أبو البرّكات. ولعل ابن أبى أصيبعة فى هذا الصدد أثبت وأدق» 
لأن المراجع التاريخية التي تحدثت عن فيلسوفنا إنما تحدثت عنه بإحدى 
نسبعين: البخدادي نسبة إلى بغداد أو البلدي نسية إلى بلك ولا تجد مصددًا 
واحدًا يصفه بالبصري نسبة إلى البصرة. 

ما تاريخ مولده فإن المصادر التاريخية تطالعنا فيه بأقاويل قد اختلفت 
فيما بينها اختلافا شديدًا بحيث لا تكاد تلتقي أو تتقارب تقاربا يهيئ لنا أن 
نرصد - في شيء من الدقة - الفترة التي ولد فيها أبو البرّكات» ومن ثم 
وجدنا مؤرحًا كالقفطي يتحدث عنه في صيغة تجنح للتعميم فيقول عنه: 
نه كان في وسط المائة السادسة”"» ولعل هذا راجع إلى الاختلاف في 
سني عمره هل هي ثمانون أو تسعون» فكثرة من المؤرخين على أنه عاش 
ثمانين عامًا". والبيهقي يقول: إِلّه عاش تسعين سنة شمسيّة9». 

ويكاد البيهقي يضع أيدينا على حسم لهذا الخلاف حين يذكر أن 
السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه قد أصاه مرض خطير فاستقدم 
)١(‏ الطبعة الثانية ج7 ص٤۲۸‏ (النص الإنجليزي»» وأيضًا ستين شنيدر في: مؤلفات اليهود 

العربية ص ١187”‏ (باللغة الآلمانية). 
() تاريخ الحكماء: ص57 27 وابن العبري: تاريخ مختصر الدول ص77 7. 
(۳) ابن أبي أصيبعة: طبقات الأطباء ج١‏ ص 580» الصفدي: نكت الهميان في نكت 


العميان٤ ٠‏ , الرّركلي: الأعلام ج٩۹‏ ص57. 
(:) تتمة صوان الحكمّة ص١٠١٠‏ . 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ١‏ 
وأربعين وخمسمائة» وقد أخفق أبو البركات في علاج السلطان ويئس 
الناس من حياته فاستبد الخوف بأبي البرّكات لدرجة فقد معها حياته 
«فمات ضحوة ثم مات السلطان بعد العصر)”' وإذا كان البيهقي يذكر أن 
أن ]ل كانت قن عاش س تنا ق قوع الممكن أن لحو اس 
سنة من شمسيّة إلى قمرية بجعلها سبعا وثمانين سنة ثم نطرحها من تاريخ 
وفاة السلطان مسعود فتكون سنة ستين وأربعمائة هي تاريخ ولادة أبي 
البرّ كات" على وجه التحديد. 

لکن يعفن من قيمة هذا الفساديد أمور: 

ا دوق كتير من كفي الم ضيقن هن ااا ا ات 
قد عاش ثمانين سنة» وبهذا تصبح سنة سبع وستين وأربعمائة هي 
السنة التي ولد فيها أبو البَرَكّات. 

SS 
برغم ورودها في كثير من كتب التراجم» فليس جرما يستحق القتل أو‎ 
العقاب أن تقف حيل الطبيب حسرى كليلة إزاء مريض استحكمت علته‎ 
أو أطبق مرضه» وإلا فأين نجد في تاريخ سلاطين العرب وأمرائهم أن‎ 
أطباءهم كان يراد بهم شر حين تدنو آجالهم؟ أو ليس عجيبًا أن يتسلط‎ 
على روع أبي البرّكات مثل هذا الخاطر ويؤدي إلى الموت والهلاك!!‎ 

ثالثا: اختلاف الروايات في تحديد السنة التي مات فيها أبو البَرَكَات 
)١(‏ مرجع سابق نفس الصفحة. 


www.alimamaltayeb.com 


٤۲‏ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
الآمر الذي يشكك في أن يوم يكون عام وفاة السلطان مسعود (51 4ه) هو 
نفس عام وفاة أبي البَرّكَات. فمثلًا يذكر أبن قاضي شهبة أنه توفي في الفترة 
ما بين 56٠‏ و ۰٣٥ھ"‏ والصّفَّدي يقرر أنه توفي في حدود ۰٥٥ھ"‏ 
والبغدادي يحدد وفاته بعام ۰ھ . 

ومن هنا فإن رواية البيهقي هذه - برغم أنّه أقرب المرخين عهدًا 
بأبي البرّكات - تقف في وجهها اعتراضات تغض من قيمتها. وإذن 
فسوف يظل تاريخ ولادة أبي البرّكات - مثل تاريخ وفاته - أمرًا 
محصورًا في دائرة الفرض والتخمين لا يتعداها إلى حيث التحديد 
العلمي الدقيق الذي تزخر به تراجم الكثير من الفلاسفة السابقين عليه 
أو المعاصرين له حتى في بغداد نفسها. 

۳- ححياته: 

والآمر الثابت الذي تجمع عليه مختلف المصادر التي ترجمت 
لآبي الرّ گات هو آنه ولك واي وشا في بغداد ودفن بهاء وأنه أسلم 
في أخريات أيامه» وفيما عدا هذه الأمور الثلاثة لا تقدم لنا المصادر مادة 
تاريخية تلقي ضوءً كافيًا على حياته العلميّة مما يجعل ترجمة أبي البركات 
تعتمد على شيء غير قليل من التخمين والافتراض. وهذا أمر مستغرب 
إذا وضعنا في الاعتبار أن حياته كانت زاخرة بمختلف الجوانب العلمية 
(۱) نقلا عن الزركلي في الأعلام ج٩‏ ص1۳ . 


(۲) نكت الهميان في نكت العميان ص٤‏ ۰ . 
(0) إسماعيل افا البغدادي دة العارقين مادا عن +2 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 1 


6 راي رال واا ,وريم بض انار اوران كما كاف 
زاخرة بصحبة الأمراء والسّلاطين» وبالرغم من كل هذا فقد ظلت حياة 
أبي البَرَكَات - في معظمها - كما مهملا من حيث الترجمة والتاريخ. 
فمثًا لا تقدم لنا هذه المصادر شيئًا ذا بال عن أهم جانب في حياته أعني 
جانب طلب العلم وتحصيله» وبالذَّات فيما يختص بالناحية الفلسفيّة في 
علومها المختلفة» فهل كان تحصيله إياها عن طريق التلمذة على الشيوخ 
والأساتذة أو كان وليد قراءاته التي صدر فيها عن ذاته وحدها. 

والإجابة الدقيقة هنا أمر متعذر» وإن كنت أرجح بديًا أن أبا البَرَكَات 
كان يعتمد على ذاته وهو يواجه هذا الخضم المتلاطم الأمواج من الثقافة 
السائدة إبان ذلك العصرء ولعل هذا الترجيح هو الأنسب لروح أبي البركات 
النَّقدِيّة ولمنهجه الذي زعم فيه أله لا يعتبر من الآراء إلا ما يبدو له أنه 
محض الحق وصريحه. وأنه أنفق من الجهد في هذا السبيل حظًا عظيماء 
ولا عليه بعد ذلك أن يوافق أو يخالف الأكابر من الفلاسفة المتقدمين. 

٤‏ -شيوخه: 

وإذا ما حاولنا التعرف على شيوخ أبي البَرَكَات فإننا لن نعثر إل على 
شيخ واحد قدر لأبي البَرَكَات أن يتتلمذ عليه في مجال الطَّبَّ» وبعد جهد 
وعناء شديدين. يحكي ابن أبي أصيبعة أن أبا الحسن سعيد ين هبة الله 
بن الحسين”2» كان عالما متميرًا في صناعة الطب وكان له تلاميذ عدة 


www.alimamaltayeb.com 


33 موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


يختلفون إليه كل يوم» ولم يكن من عادة هذا الشيخ أن يسمح لأي يهودي 
بالتلمذة عليه» وعلى الجانب الآخر نجد أبا البَرَكَات - ويلح عليه - أن 
يقبله تلميدًا من تلاميذه» بيد أن الشيخ كان يدف عنه في كل مرة. ولم يجد 
أبو البَرَكّات بدا من مصادقة البواب» فتقدم إليه بالهدايا والعطايا ليسمح 
له بالجلوس متخفيًا بحيث يصبح على مقربة من الشيخ يسمعه ويعلق 
عنه. واستمر فيلسوفنا يسترق السمع أو يسترق العلم مدة عام كامل حتى 
سنحت له فرصته لتحقيق أمله الذي صد عنه من قبل مرارّاء فقد حدث 
أن ألقى الشيخ على تلامذته سؤالًا وطلب منهم أن يجيبوا عنه بشيء من 
كلام ١جالينوس»»‏ وتوقف الطلاب عن الإجابة» بينما يظهر أبو البركات 
فيدخل الحلقة ويستأذن الشيخ في الإجابة ويأذن له الشيخ فيجيب أبو 
البركات بكلام جالينوس ثم يقول: «هذا جرى في اليوم الفلاني من 
الشهر الفلاني في ميعاد فلان وعلق بخاطري من ذلك اليوم» فبقى 
الشيخ متعجبًا من ذكائه وحرصه. واستخبره عن الموضع الذي كان 
يجلس فيه فأعلمه به فقال: من يكون بهذه المثابة ما نستحل أن نمنعه 
من العلم» وقربه من ذلك الوقت وصار من أجل تلاميذه”». 
هذه القصة هي كل ما نعرفه عن حياة أبي البَرَكات العلميّة» وفيما عدا 
ذلك فإن المصادر تطالعنا بصمت قاتم برغم الألقاب العلميّة الضخمة 
وتوفي في عام 445 ه. وقد خدم المقتدي بأمر الله وولده المستظهر بالله. راجع: الزركلي: 
الأعلام ج٠‏ ص5 6١هه‏ وابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء ج١‏ ص؛ 5 5» والبغدادي: 
هدية العارفين مجلد ص .79٠‏ 
)١(‏ ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء في طبقات الأطباء ج١‏ ص717/4. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ٤۵‏ 


التي تخاعها عليه مثل: أوحد الزَّمان وسيد الحكماء وفيلسوف الأوان. 

ه-أبو البركات الطبيب: 

غرقه أبو الب ر كات بالة فلسوق واطبينه كما ف ياه جيل 
شراح التوراة”» ويبدو أنه كان من عادة اليهود أن يعلموا أبناءهم - إلى 
جوار الآدب أو الفلسفة - حرفة من الحرف لتكون لهم عونًا على مواصلة 
العلم والمعرفة ولم يكن أبو البركات بدا من هذه العادة» فتعلم الطب وبرع 
فيه وذاع صيته بين الأمراء والسّلاطين. وقد مر بنا أن السلطان مسعود 
استقدمه إلى همذان ليقوم بعلاجه» وكذلك خدم المسترشد بالله العباسي 
(074-010ه)» وتدرج في مناصب الطب كما أصبح الطبيب الخاص 
للخليفة المستنجد في بغداد"» وقد خدم من السّلاطين: السلطان محمد 
بن ملكشاه (/519-١١0ه)‏ وابنه السلطان محمود (١1١070-61ه).‏ 


م ت 


ويذكر الرواة أن أبا البركات قد برع في علاج ما يُسَمَّى اليوم بالأمراض 
النفسيّة» فقد أتى يومًا في بغداد بمريض أصيب بعلة التوهم» فكان يعتقد 
أن على رأسه دناء وكان كلما مشى تحاشى السقوف القصيرة» وقد عالجه 
)١(‏ البيهقي: تاريخ حكماء الإسلام ص57١.‏ 
(1) دائرة المعارف اليهودية ج۸ ص 51١‏ (بالإنجليزية). 
() المرجع السابق: ومما تنبغي ملاحظته أن المستنجد هذا قد بويع له بالخلافة عام ٥0١‏ هم 
كما يقرر ابن أبي أصيبعة أي بعد وفاة أبي البركات بثماني سنين» ولذلك قرر الرركلي 
صاحب الأعلام أن وفاة أبي البَرَكات كانت عام ٠07ه‏ حتى يمكن أن نتصور خدمته في 
بلاط المستنجدء أمّا ابن أبى أصيبعة فيرى أن خدمة أبى البَرَكات للمستنجد كانت قبل أنيلى 
الخلافة. وهذا مما يدل على اضطراب تاريخ أبي البركات سواء في ولادته أو في وفاته. 


www.alimamaltayeb.com 


65 موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
جماعة من الأطباء ولكن دونما فائدة» ثم ذهب به إلى أبي البركات» وبعد 
أن عرف قصته أمر أحد غلمانه سرًا أن يحضر خشبة ويستبقيها معه فإذا ما 
أشار إله ضرب بها في الهواء فوق رأس المريض بشدة» ثم أوصى غلامًا 
آخر أن يصعد فوق السطح بدن وأن يراقب الغلام الذي معه الخشبة فإذا 
ما رآه يضرب بها في الهواء فوق رأس المريض أسقط الدن من يده على 
الأرض. ثم أحضر أبو البرّكات المريض وقال له: «والله لابد لي من أن 
أكسر هذا الدن وأريحك منه» ثم أشار للغلام فضرب بالخشبة فوق رأسه 
فسقط الدن على الأرض وتكسر قطعًاء فلما عاين المريض ما فعل به ورأى 
الدن المتكسر تأوه ولم يشك في أنه هو الدن الذي كان على رأسه». وهذه 
القصة تدلنا على أن أبا البرَكَات كان - بحق - طبيبًا بارعًا ميال إلى الإبداع 
والابتكارء غير مقيد بالمناهج العامة المقررة آنذاك» وأكاد أعتقد أنه رائد 
في مجال اكتشاف مرض السرطان» فقد ثبت أنه عالج المرض بالاستئصال 
كما يعالجه الآن الطب الحديث: يروي ابن أبي أصيبعة أيضًا أله دخل عليه 
مريض يشكو ورمًا في أصبعه فقام إليه أو البَرّكّات وبتر سلاميته على الفورء 
وقد لامه تلامذته على قسوته في علاج هذا المريض فقد كانوا يعالجون 
هذه الحالات بالمعاجين وبوسائل أخرى غير وسيلة القطع والبتر» ويعقب 
تلميذه أبو الفضل على طريقة أستاذه في العلاج بقوله: «ونشاً هذا المرض 
)١(‏ علاء الدين الغزولي: مطالع البدور في منازل السرور ج7 ص 5 ١٠ء‏ وابن أبي أصيبعة: 

عيون الأنباء ج١‏ ص 778 والصفدي: نكت الهيمان في نكت العميان ص٤ ٠‏ . وأيضًا 


George Sarton: Introdito the history of science. P. 382 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۷ 


في تلك السنة» وغفل جماعة منهم عن القطع فتأدى أمر بعضهم إلى هلاك 
اليد» وبعضهم إلى هلاك أنفسهه'”"». وبلغ من مقام أبي البَرَكَات في علوم 
الطّبّ أن الأطباء أنفسهم كانوا يسألونه عن أمراض معينة وعن كيفية 
علاجهاء وكان يجيبهم بكتابات في أوراق متفرقة» وقد كثرت هذه الأوراق 
حتى صارت بينهم مركعًا يتناقلونه ویتدارسونه"). 

ومما لا شك فيه أن العبقرية الطبية التي كان ية يتمتع بها فيلسوفنا قد 
شغلت بال معظم الذين أرخوا له بحيث أصبحت ملاحظتهم واهتماماتهم 
كلها تدور حول هذه النوادر والقصص التي تعكس مدى براعته في العلاج 
وفي تشخيص الأمراض. وأنه وإن كان لا يعنينا - هنا - هذا اللون من ثقافة 
أبي البَركَات إلا أن الدلالات المتضمنة في هذا اللون تقضي ضى بنا - فيما 
وراء هذه القصص - إلى نقطة ترتبط ارتباطًا وثيًا بالمنهج الفلسفي عند 
أبي البرّكات» هذه النقطة هي جانب الابتكار والانفلات من القديم قدر 
المستطاع. وهو جانب منبثق - فيما أعتقد - عن الخلفية النَفْسيّة الكامنة 
في مشاعر هذا الفيلسوف. 

ولقد لاحظ بعض الباحثين أن أبا البَرّكَات كان عظيم الاعتداد 
بنفسه وبعبقريته لدرجة انقلب معها هذا الاعتداد إلى شعور بالكبر 
والغطرسة”". ولعل هذا الشعور كان نتيجة عوامل مختلفة متغلغلة 
)١(‏ عيون الأنباء ج۱ ص 75/85. 


() القفطي: تاريخ الحكماء ص ٠٤١‏ ابن العبري: تاريخ مختصر الدول ص 07759 وأيضًا: 


www.alimamaltayeb.com 


31 موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
في أعماقه» وأكبر الظن أن أبا البَرّكات كان يعاني في أعماقه من 
الشعور بالنقص بسبب نشأته اليهودية ولربما كان لحرمانه من 
حضور حلقة الشيخ أبي الحسن أثر بعيد المدى في أغوار ذاته» فإذا 
ما أضفنا إلى هذا أن طبيعة أبي البَرَكَات كانت طبيعة ذات عبقرية 
تفرض نفسها عليه فرضًا بحيث لا يمكن له تجاهلها أو إغضاء 
الطرف عنهاء أدركنا أن فيلسوفنا كان - في داخله - مزيجًا من 
شعور بالنقص وشعور بالطموح في نفس الآن» ولابد أن ينتج 
عن هذه المَشّاعر المضطربة في ذاته ما يشبه رد الفعل الذي 
يترجم عن نفسه بمظهر الكبر والإعجاب بالتفس والثورة على 
القذيم ومحاولة العقوى علق الات في الانيان بالجديه الميعكر 
من اراو اا راک 

٦-إسلام‏ أبي البَرَكَات: 

والأمر التاريخي الثابت الذي تجمع عليه كل المصادر التي 
تناولت حياة هذا الفيلسوف هو: تحوله في ار حياته عن الديق 
اليهودي واعتناقه للدين الإسلامي» وقد شكل هذا التحول في حياة 
أ البَرَكات ظاهرة مجللة بالغموض. لأنها كانت غير متوقعة ولا 


منتظرة لاسيما إذا ما أخذنا فى الاعتبار الطبيعة المتحدية الرافضة التى 
.L. Leclerc: Histoire de la medicine arabe T'o me 2. P. 30‏ 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۹ 
كانت تضطرب بين جنباته» فكيف استطاع أن ينفض عنه كل خصائص 
ذاته فيتحول إلى الإسلام فجاأة ودون مقدمات؟ 

إننا إذا استقر آنا هنا ما كتبه المؤرخون العرب في تعليل هذه الظاهرة 
وجدناه يدور حول أربع روايات: 

الرواية الأولى: 

أن أبا البركات دخل يومًا على الخليفة فقام له جميع الحاضرين إلا 
قاضي القضاة فقد بقي في مكانه غير آبه بمقدم أبي البركا تأ وهنا أدرك أبو 
البركات أن القاضي لم يشأ تعظيمه لأنه يهودي. فقال أبو البَرَكَات للخليفة: 
«إن كان القاضي لم يوافق الجماعة لكونه يرى أني على غير ملته فأنا أسلم 
بين يدي مولانا ولا أتركه ينتقصني بهذاء وأسلم»'. 

الرواية الثانية: 

يذكر القفطى أن أحد السلاطين السّلاجقة لما مرض استدعى أبا 
ال كات من مدينة السّلام فقصده أ البرّكات وأقام عنذده يعالجه حتى 
أبل من مرضه وقد أعجب السلطان بأبى البَرَكّات فأغدق عليه من الأموال 
والملابس والتحف وعاد إلى العراق محملا بالغني واليسار» لكنه سمع 
فيما سمعه أن ابن أفلح الشاعر هجاه بهذين البيتين: 
لنا طبيب يهودي» حماقته إذا تكلم تبدو فيه من فيه 
)١(‏ ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء في طبقات الأطباء ج١‏ ص 7/86» والصفدي: نكت الهميان 


ضا 15 


www.alimamaltayeb.com 


1 موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
فحين سمع ذلك علم أنّه لا يهنأ بهذه النعمة التي يتقلب فيها 
إلا إذا أسلي ويد أت راود فكرة العحول إلى الاسلام بيد أنه خسي 
على بناته من أن يحرمن ميراثه إذا أسلم» فتوسل إلى الخليفة أن 
يعطيهن ما يتركه بعد وفاته حتى لو كن على دينهن فوقع له الخليفة 
الرواية الثالثة: 
يروي القفطي أيضًا عن «ابن الزاغوني» أن إسلام أبي البَرّكات كان 

سببه الخوف على نفسه من القتل والهلاك لأنه كان طبيب «الخاتون» 

زوجة السلطان محمود وابنة عمه» فقد اشتد عليها المرض حتى ماتت» 

فحز علا السلظاق حرا يدل فأدرك ابو الر كات أله له مال 

هالك ومن نَمَّ لجأ إلى الإسلام أو تظاهر به لينجو من شر قد يراد به 

عند السلطان”: 

(۱) تاريخ الحكماء ص5 5 ". 

(۲) المصدر السابق ص٦٤٠‏ وذكر ابن الأثير أن «الخاتون» ابنة السلطان سنجر وزوجة 
السلطان محمود قد توفيت سنة٤‏ 7 5ه. وهذا يعني أن إسلام أبي البَرّكَات كان في نفس 
السنة» وكان عمره آنذاك أربعًا وستين سنة تقريبًاء وهذا الاستنتاج يلتقي مع ما قررته 
دائرة المعارف اليهودية من أن أبا البَرَّكَاتَ قد ولى وجهه شطر الإسلام في سن الستين. 


راجع 55 ۸ نكن[ ."0 8. وأيضًا: العلامة النَّدُوِيّ في مقاله عن كتاب المعتبر 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 0١‏ 


الرواية الرابعة: 
القتل حين أخفق في علاج السلطان مسعود واشتد عليه المرض حتى لقى 
ربه“ كما أسلفنا من قبل. 


)١(‏ البيهقي: تتمة صوان الحكمّة ص .١607‏ ومما تجدر الإشارة إليه أن العلامة الكوثري 
يقرر أن فيلسوفنا قد «تظاهر بالإسلام ابتعادًا عن الهوان والله أعلم بما في قلبه»» وأكبر 
الظن آنه قد رأى هذا الرأي لما يبدو على أبي البَرَكَات من ميل إلى فكرة التجسيد في 
بعض مواضع من كتاب المعتبر» لأن العلامة الكوثري يقول في صراحة عن أبي البَرَكّات: 
«إِلّه أوتى ذكاء وحسن بیان مع مكر بالغ وشغب ملبس يدس بہما في غضون كلامه ما 
ورثه من عقيدة التشبيه من نحلته الأصلية فيروج تلبيسه على من لم يؤت بصيرة نافذة». 
الكوثري: من عبر التاريخ ص37٠»‏ وأيضًا مقدمته على شرح الحكيم التبريزي 
للمقدمات الخمس والعشرين من كتاب دلالة الحائرين لابن ميمون ص ١١-١١‏ . ونود 
أن نقول بديًا: إن هذا السبب - لو كان - لا يكفي أبدَا للحكم على تزييف إسلام أبي 
البركات: أولا: لأننا نجد مثل هذه النزعة - أعني التجسيم - أو قريبًا منها متغلغلة في 
كتابات مفكرين مسلمين لم يقل عنهم أحد: إنهم يهود أو متظاهرون بالإسلام» والعلامة 
الكوثري نفسه قرر أن ابن تيمية انخدع بأبي البَرَكّات وتأثر به في هذه النزعة بل وتبناها في 
تسعينيته وسبعينيته ومنهاجه. 
ثانيا: ولأن كتاب المعتبر الذي يمثل العقيدة الفكرية لأبي البرّكات هو كتاب فلسفي 
أولّا وأخيرّاء فإذا ما طالعنا فيه ببعض المفاهيم فهو رؤية فلسفية محضة تعكس اتجاهه 
الفلسفي الذي يرتضيه» وقد يكون في هذه المفاهيم متأثرًا بيهوديته ولكن ما كان يهم 
أبا البَرَكّات أبدًا أن تتوافق هذه المفاهيم مع الدين أو لا تتوافق حتى تشغله قضية مثل 
قضية التشبيه فيروج لها في خبث ومكر. وحتى لو سلمنا بأن فيلسوفنا كان خبيث القصد 
في هذا الكتاب - حسبما يرى الشيخ الكوثري - فإن هذا لا يبرر إطلاقًا أن نحكم على 
إسلام أبي البَرّكّات بالزيف والتمويه» ذلك أن احتمال تأخر إسلام أبي البرّكات عن 


www.alimamaltayeb.com 


0۲ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


نلاحظ على هذه الروايات أنها تفسر ظاهرة تحول أبي البركات 
من اليهودية إلى الإسلام إما بالرغبة في التخلص من الشعور بالإهانة 
والازدراء وهذا ما تهدف إليه الروايتان: الأولى والثانية» وإما بخوفه على 
حياته دون القتل وهو ما ترمي إليه الروايتان الثالثة والرابعة. بيد أنه فيما 
يختص بالتعليل الأول فقد يبدو غير مقبول إذا ما دققنا النظر قلي أو لأن 
بيتين من الشعر قيلا في هجائه وسبه» ولقد تعرض أبو البَرَكَات من قبل 
إلى إهانة صريحة فيها من القسوة والعنف ما يجعلها جديرة بأن تصرفه 
عن عقيدته ودينه» وذلك حين منع من حضور حلقة أستاذه أبي الحسن 
منعًا صريحًا لأنه يهودي العقيدة» وإذا كان أبو البركات بهذه السذاجة التي 
صورته بها هذه الروايات فلم آثر أن يعيش عامًا كاملا في ركن من أركان 
الدهليز يستمع إلى «الأستاذا - وفي نفسه من الأسى والحسرة ما فيها - 
على أن يعلن إسلامه فيحقق لنفسه كل ما يصبو إليه؟ نعم لا نشك في أن 
فيلسوفنا - كمفكر يهودي - كان يتعرض لشيء غير قليل من الغمز واللمزء 
بل ولشيء من الإهانة صريخ» يوجه إلى شخصه صراحة دون تلميح أو 
تعریض» فقد كان - مثا - موضع هجوم من بعض الشعراء كما مر بنا آنقا 
وكما يقول عنه البديع هبة الله الأصطرلابي حين يقارن بينه وبين الطبيب 
النصراني أبي الحسن هبة الله بن التلميذ: 
أبو الحسن الطبيب ومقتفيه أبوالبَّرَمَات في طرفي نقيض 

الفترة التي ألف فيها كتاب المعتبر احتمال قائم بل هو الاحتمال الأقوى والأرجح. 


فهل مع كل هذه الاعتبارات يمكن القول: بأنه «تظاهر بالإسلام ابتعادًا عن الهوان»!! 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 0۴ 


فذاك من التواضع في الثريا وهذابالتكبر في الحضيض”) 
وكل هذا لا يدعنا نشك لحظة في أن فيلسوفنا كان يعيش في غربة 
قاسية» يقع عليها أو : تقع عليه إينما ذهب» وأنه كان يدرك في أعماقه 
أنه- بيهوديته هذه- منبوذ بصورة أو بأخرى في مجتمعه الذي يعيش 
فيه. لكن على الجانب الآخر في أخلاق أبي البركات وفي مشاعره نجد ثقة 
في التّفْس وإعجابًا بالدّات يصلان إلى حد الكبر والتيه» وهذا - كما سبق 
أن ذكرنا - أم لابد من حصوله حين تتعرض العبقريات لشيء من الإهانة أو 
الاحتقار في مجتمع ما من المجتمعات» ولو كان أبو البرّكات بحيث تؤثر 
فيه سفاسف الأمور لكانت نفسه قد اهتزت وهو في عنفوان حياته العلميّة 
التي تعض فيها لها اللون من الهوان تعرضًا مباشرًا أو غير مباشر» ولكان 
قد بادر إلى اعتناق الإسلام ليزيح عن كاهله كابوس الذل وليعيش محترما 
مبجلا كما يقول المؤرخون. 

لقد كان أبو البركات في مقتبل حياته يطلب الشهرة والعلم ويسعى 
إليهما في تطلع وفي طموح شديدين وكان إسلامه إبان هذه الفترة - لو 
أسلم - طريقا مختصرًا ومعبدًا لما يهدف إليه من غايات المجد والعزء 
للحن لسري سر ريد E E‏ 
الإسلام: ففي التحول إلى الإسلام افر ات اااي ررر 
بالانتماء Ty‏ في التحول إلى الإسلام 


)١(‏ القفطي: تاريخ الحكماء ص5 5 "2 ابن أبي أصيبعة: طبقات الأطباء ج١‏ ص۷۸" ابن 


www.alimamaltayeb.com 


0٤‏ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


إزاحة للعوائق التي كانت تقف في وجهه وتحول دون أهدافه وغاياته» أو 
- على الأقل - تلقي بالأشواك على طريقه نحو هذه الأهداف والغايات» 
لکنا نعلم أن أبا البرّكات قد عاش معظم حياته ثابتا على عقيدته لا يتزحزح. 
فهل لو كانت شخصية أبي البَرّكّات مما تهتز أمام حوادث عابرة فلم لم 
يلجأ إلى الإسلام وهو يعيش غمرة هذه الضغوط التَمْسيّة والاجتماعيّة؟ 

أمّا تفسي إسلام أبي البرّكات بسبب خوفه من القتل حين أخفق في 
علاج السلطان أو زوجة السلطان فهو تفسير هزيل أيضًا كما ألمعنا إلى 
ذلك سابقاء لأن أبا البَرَكَات حين أسلم كان قد بلغ الستين من عمره 
وحكم العادة هنا يأبى أن يقتل السلطان رجلا مستا بغي جريرة ولا ذنب 
ارتكه سح .ولو كان دما كما أسلفنا. 

وعليه فلابد لنا من أن نضرب صفْحًا عن كل هذه التفاسير التي 
تجعل من إسلام أبي البركات ضربًا من التحايل والتمويه» فهذا ما لا نكاد 
نصدقه بالنسبة لمفكر كأبي البرّكات» ولعله لا مناص لنا من القول بأن أبا 
البرّكات حين اعتنق الإسلام, فإنما كان قد اعتنقه عن رغبة واقتناع بعيدين 
كل البعد عن مثل هذه الدوافع التي يذكرها لنا المؤرخون. فلقد نعلم أنه 
أسلم حين تقدمت به السنون واستقرت به الآمال» وبعد أن بلغ الغاية من 
الجاه والشهرة» فإسلامه بعد كل هذا لابد أن يكون ضرورة عقلية ألمَّت به 
ولم يستطع منها فكاكاء وليس بمستبعد أن يكون فيلسوفنا من هذا الصنف 
من المفكرين الذين يتحولون عن مذاهبهم حين يبلغ بهم العمر مرحلة 
متقدمة» فإننا قد وجدنا الكثير من أمثال الجويني والغزالي والرازي حين 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۵۵ 


يصلون إلى مرحلة متقدمة من حياتهم يصدفون عن مذاهب كانوا ينافحون 
عنها في شرخ الشباب» فلعل فيلسوفنا قد حدثت له صحوة مست فيه أمر 
العقيدة فولى وجهه شطر الإسلام. 

هذا هو الأشبه بمفكر كأبي البَرّكَات حين يطالعنا التاريخ فجأة - وبدون 
مقدمات - بأمر إسلامه» وهو أمر ليس هيئًا ولا يسيرًا على رجل كان يشار 
إليه بالبنان كطبيب بارع وفيلسوف مشهور» ثم هو رجل قد تحددت آماله 
وأمّانيه في هذه السن التي هي في حكم العادة والأعم الأغلب سن الزهد 
والعزوف والازورار. فإذا أسلم أبو البرّكات وسط كل هذه العوامل فلابد 
أن يكون إسلامه ضرورة لم يجد عنها بديلاء ومن نَم فإنني أشك الشك كله 
في أن يكون إسلامه نتيجة الشعور بالاحتقار أو الشعور بالخوف» وأكاد 
أتيقن من أنه نتاج البحث عن الحق والتشبث به أينما وجد وكيفما كان. 
وكدليل على هذا الذي أراه فإن العلاقة بين المنهج الفكري عند أبي البركات 
وظاهرة تحوله من اليهودية إلى الإسلام علاقة متسقة تمام الاتساق» فأبرز 
سات أن الات أنه سرف باط عن الحقيقة يكل ما تخل هه 
الكلمة من معاني» ومنهجه في هذا الصدد هو البحث الحر غير المتقيد 
المنعتق تماما عن ربقة المذاهب القديمة والمحدثة على السواء» فهو منهج 
منبثق عن أعماق ذاته لا يعول فيه على رأي كبير لكبره ولا يصدف فيه عن 
رأي صغير لصغره”". وإن منهيجًا كهذا يلتزمه صاحبه في مختلف المَشّاكل 
الفكرية والعقدية كفيل بل جدير بأن ينتقل بصاحبه من أقصى النفيض إلى 


(۱) أبو البرَكَات: المعتبر ج٠‏ ص٤‏ . 


www.alimamaltayeb.com 


01 موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


أقصى النقيض» فيتبدل به من مذهب إلى مذهب ويتغير به من عقيدة إلى 
أخرى وذلك حين تبدو له صفحة الحق في مذهب بعينه أو عقيدة بعينها. 
وسوف نعرف أن هذا المنهج قد انتهى بأبي البركات إلى نقد الفلسفة 
المَشَّائيّة المنسلطة على الفكر الإسلامي في ذلك الحين» ورفض الكثير 
من أسس هذه الفلسفة ومفاهيمهاء فلم لا ينبغي أن نعرف أن نفس هذا 
المنهج هو السبب الحقيقي الكامن وراء ظاهرة إسلام هذا الفيلسوف؟! 

وأمر آخر يؤكد هذا الذي نعتقده في إسلام أبي البَرَكَاتَء وهو ما 
تذكره بعض الروايات من أنه بعد أن أسلم كان كثيرًا ما يحلو له سب اليهود 
ولعنهم'. فهل لو كان يحتفظ في نفسه بقدر قلامة ظفر من حب أو حنين 
ليهوديته أكان يجاهر بهذا اللعن والشتم؟ أليس في هذه المجاهرة أمارة 
صدق على أنه قد سهل عليه هوان عقيدته فلم تعد جديرة بثقته ولا احترامه 
وأنه حين تحول عنها كان صادقًا وبالتَّالي كان جادًا حين اعتنق الإسلام!! 
)١(‏ قارن مثلاً الصفدي في نكت الهميان في نكت العميان ص٤ ٠١‏ حيث يقول: «وكان كثيرًا 


ما يلعن اليهود» قال مرة بحضور ابن التلميذ: لعن الله اليهود فقال: نعم وأبناء اليهود. 
فوجم لذلك وعرف أنه عناه: ابن أبي أصيبعة في عيون الأنباء في طبقات الأطباء ج١‏ 
ص 860 1: «وكان أوحد الزَّمان لما أسلم يتنصل كثيرًا من اليهود ويلعنهم ويسبهم» 
وأيضًا: 2384 .The Jewish Encyclopedia Vo1.: VI,‏ 

حيث تقول: «وقد كان أبو البرّكات بعد إسلامه يلصق الإهانات باليهود رفاق دينه 
السابق». وقد ذكر ستين شنيدر أن معاصري أبي البركات من اليهود كانوا يعتبرون 
ردته هذه السبب الكامن وراء الأمراض والعلل التي أصابته قبل وفاته» ويعني هذا أن 
ردته هذه كانت حقيقيّة وصادقة» أنظر ستيخ شنيدر: مؤلفات البهود العربية ص۷١٤٠‏ 
(بالألمانية). 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۵۷ 

إن إسلام أبي البَرَكّات باعتباره ظاهرة أملتها مشاعر خوف أو مشاعر 
نقص - كما تذكر ذلك روايات المؤرخين - لا يتسق من قريب أو بعيد 
مع ما تجمع عليه روايات هؤلاء المؤرخين أنفسهم - أو تكاد - من تكبره 
واستعلائه وخيلائه» وقبل كل ذلك لا يتسق مع ما هو مقرر ومعروف من 
سماحة المجتمع الإسلامى وحدبه على أهل الذمة وحسن معاملته لهم. 
أمّا إسلام أبي البَرّكّات باعتباره ضرورة لحت على عقله وقلبه معا فهذا 
جانبها العلمي أو في جانبها الاجتماعي. 

۷-وفاته: 

وقد مر بنا أن المؤرخين يضطربون اضطرابًا شديدًا في تحديد تاريخ 
وفاة أبي الو كات: فبعضهم يرى أله توفي سنة ۷٤٥ھ‏ وبعضهم سنة 
TaD‏ وبعضهم سنة ۹ھ« وكما سبق فإن وفاة أبن البركاك من 
حيث التحديد والتاريخ سوف تظل أمرًا قائمًا على الاحتمال والترجيح لا 
على الضبط واليقين» وقد كان هذا - فيما أعتقد - سببًا فى أن أهمل بعض 
)١(‏ البيهقي: تتمة صوان الحكمّة ص ١١٠٠ء‏ حاجي خليفة: كشف الظنون ص١۷۳٠‏ . 
(۲) الزركلي: الأعلام ج4 ص”77. الصفدي: نكت الهميان ص "١‏ كوربان: تاريخ 

الفلسفة الإسلاميّة ص۲۹۸ (الترجمة العربية). 


(۳) إسماعيل باشا البغدادي: هدية العارفين مجلد١‏ ص٥ ٠‏ 5» وأيضا: 


. 0. Sarton: Introduction to the history of science Vol. II P382 


www.alimamaltayeb.com 


۵۸ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


المؤرخين هذه النقطة المهمة في تاريخه وأسقطها من الحساب تماما" . 
والدکتور بيئيس - وهر مستشرق معروف بالدقة والضبطء وبالاهتمام بأبي 
ال كاف البغدادي - قد اضطرب أيضًا حين أرخ لوفاته فذكر مرة أنها كانت 
سنة ٤۷‏ 0ه » ومرة ری سنة 0ه(" 
وإذا كانت حياة فيلسوفنا قد شغلت النصف الثاني من القرن الخامس 

والنصف الأول من القرن السادس الهجريين» وكانت حياته هذه معظمها 
وفد على بغداد؟ إننا نعرف أن الإمام الغزالي قد وفد على نظام الملك 
وظل عله تی اسند اله ضيه التدرسن قى المدرسة النطاءئة بخداد 
عام ٤۸٤‏ ه. وظل الإمام ببغداد حتى رحل عنها في أواخر سنة ۸٩٨٤ھ‏ ° 
وقد كانت للإمام الغزالي في هذه الفترة شهرة سيرت ذكره في الآفاق» 
)١(‏ قارن مثلاً: ابن أبي أصيبعة في طبقات الأطباء» وأيضًا: (1012[ .82070 تحت مادة 

هبة الله ج ۲ ص9١).‏ 

وأيضًا: 2 ,2 ,2 Leclerc, Hist. de la medicine arabe‏ ..آ وأيضًا: ستين 

شنيدر في: مؤلفات اليهود العربية ص55 ١ 58-١‏ (بالألمانية). 
(۲) قارن مثلاً فيما كتبه عن أبي البَركات في هذه النقطة ما يلي: 

امهب الذرة علد المتلمين (اترسمة الد کر رآ ريد ص 144 

ب-151252 de L:‏ 6016م 817610 (الطبعة الثانية مجلد١‏ ص١١١).‏ 

بسرت 75 des erudes‏ 671 (مجلد ۱۰۳ ص ؟) لعام ۱۹۸۳م 

د- 8 .2 Nouvelles etudes sur Awhad Alzaman‏ 
(۳) الأستاذ الدكتور سليمان دنيا: الحقيقة في نظر الغزالي ص58» ."١‏ 
(5) الأستاذ الدكتور سليمان دنيا: الحقيقة في نظر الغزالي: ص١۸:۳٤‏ . 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۵۹ 


وبحسبنا ما ورد عن القاضي أبي بكر بن العربي في وصف تلاميذ الإمام 
الغزالي في هذه المدرسةء وذلك حين يقول: «رأيت الإمام الغزالي في 
البرية» وعليه مرقعة وعلى عاتقه ركوة» وقد كنت رأيته ببغداد يحضر 
درسه أربعمائة عمامة من أكابر الناس وأفاضلهم يأخذون عنه العلم»“ 
ومعنى هذا أن الإمام الغزالي كان حديث بغداد وشغلها الشاغل» فإذا 
افترضنا أن أبا البركات في هذه الفترة كان شابًا يهوديًا تقترب سنه من 
الثلاثين» وهي سن البحث والدرس والتحصيل» لم نستبعد أن يكون 
فيلسوفنا قد استمع إلى الإمام أو سمع عنه وعرف له موقفه التَّقَدِيّ من 
الفلسفة والفلاسفة» بل لا نستبعد أن يكون لشخصية الإمام الغزالي 
نفوذ وتأثير في شخصية أبي البَرَكَات على الأقل في تشجيع فيلسوفنا 
على محاولة نقد المَشَائيّة ولا يُستبعد لقاء أبي البَرَكَات بالإمام 
الغزالي لأن تاريخهما يحكم بتاعصرهما في بغداد في فترة كان فيها 
الإمام رئيسًا لأشهر مدرسة علميّة في الشرق الإسلامي كله» على 
جو كان او آل عات الما اعا عن الم فة را اها أبن يحدهاء 

هذا ما يقتضيه منطق تاريخ الرجلين» آمًا إذا رحنا نستنطق التاريخ 
نفسه فإنه يصمت حتى لا يكاد يبين. ولا مناص لأي مؤرخ لأبي 
ا ات أن چ استتسارانك اة يداك عدها | لا قورت 
من التخمين ورصد سياق الأمور واستيطانهاء سواء فيما يتعلق بحياته 
الفكرية أو بعلاقته بمجتمعه الذي يعيش فيه. 


. ٤۸ص نقلا عن المصدر السابق:‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


1 موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 

/-تلاميذه: 

ثم تبدلت الحال بأبي البرَكات بعد أن اعتنق الإسلام» فرقت له الأيام 
بعد قسوة ولانت له الآمال بعد جموح» وبداً يتنسم عبير العزة والكرامة» 
وقدر للفيلسوف الطبيب أن يتقلد منصب التدريس» ويصبح أستاذًا 
يجتمع من حوله التلاميذ» ويحدثنا القفطي أن أبا البركات «جلس للتعليم 
والمعالجة وقصده الناس» وعاش عيشة هنيئة وأخذ الناس عنه مما تعلمه 
جزءًا متوفرًا)"'' ولكن لا يحدد لنا القفطي - ولا غيره من مؤرخي حياة 
أبي البَرّكّات - نوع التعليم الذي اضطلع بمهمته فيلسوفناء والذي أخذ منه 
الناس جزءً! متوفرًا. هل هو تعليم الطَّبّ؟ الجانب الذي عنيت بإبرازه معظم 
المصادر التي ترجمت لأبي البركات» أو تعليم الفلسفة؟ أوهما معًا؟ وهنا 
لا تمكن الإجابة العلمية الدقيقة بحالأ ولكن نستطيع أن نرجح أنه قد كان 
للتعليم الفلسفي نصيب في دروس أبي البركات» ذلك أن بعضًا ممن ثبت 
أنهم تتلمذوا له قد كانوا بعيدين عن مجال الطب بينما اتجهوا اتجاما 
بارا نحو العلوم العقليّة أو الفلسفيّة» الأمر الذي نستطيع أن نرجح 
معه أن حلقة هذا الفيلسوف كانت حلقة جامعة لأشتات من العلوم 
والمعارف. ومهما يكون من أمر هذا التعليم فقد تحدثت المصادر عن 
بعض من تلاميذ هذا الفيلسوف وعرفت لهم فضلهم في أكثر من مجال 
من مجالات العلم» ومن هؤلاء التلاميذ: 

١-يحيى‏ بن علي بن الفضل» جمال الدينء المعروف بابن فضلان 


(۱) تاريخ الحكماء: ص5 54 ". 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 1" 


المولود في عام /!١05هه‏ وكان من أئمة علم الخلاف والجدل» وقد انتفع 
به الطلبة والفقهاء في بغداد» وتوفي عام ٥۹١‏ . 

-يوسف بن محمد بن علي البغدادي» والد «عبد اللطيف البغدادي» 
الفيلسوف المشهورء يصفه ابن أبي أصيبعة بأنه كان: «مشتغلًا بعلوم 
الحديث» بارعا في علوم القرآن والقراءات» مجيدًا في الخلاف والأصول» 
وكان متطرفًا في العلوم العقليّة»”". وفي ضوء هذا النّضّ يمكننا أن نستنتج 
أن حضور رجل بارع في علوم القرآن والحديث والأصول على أبي 
البرّكات معناه أن أبا البَرَكَات بعد إسلامه كان جديرًا بأن يتلقى عنه العلم 
في ثقة واطمئنان» وأمر كهذا لا يمكن أن يحدث إلا إذا كان إسلام أبي 
البرّكات حقيقة ثابتة لا تغض من شأنها الشكوك ولا الريب. فابن فضلان 
ويوسف البغدادي كلاهما كان عالمًا بالفقه والحدیث» وكلاهما كان بعيدًا 
كل البعد عن دراسة الطَّبّ ولكل منهما عناية بعلم الجدل والخلاف وعلم 
الحديث والفقه والأصول”. فإذا ثبت بعد ذلك أنهما تتلمذا على أبي 
البرّكات أو كان يملي عليهما كتاب المعتبر فلابد من أن نتيقن من مكانته 
العلميّة التي أهلته لأن يصبح أستاذًا للطلاب المسلمين بنفس القدر الذي 
نتيقن معه من صحة إسلامه وصدقه وإخلاصه فيه. فهذا ما يتأدى إليه سياق 
الوص الى من انوا وهو ما اا رادا فى رعا لای 
(۱) الزرکلي: الأعلام ج٩‏ ص198١.‏ 


(۲) عيون الأنباء في طبقات الأطباء: ج۲ ص۲٠۲.‏ 
(۳) المصد السابق: نفس الصفحة وأيضا: طبقات السبكي ج٤‏ ص٠۲".‏ 


www.alimamaltayeb.com 


1۲ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
زعمناه آنقا فيما يتعلق بإسلام أبي البركات كظاهرة غير متوقعة. 
"-مهذب الدَّين بن النقاش وهو الشيخ الإمام العالم أبو الحسن علي بن 
أبى عبد الله عيسى بن هبة الله النقاش» ولد ونشأ ببغداد وكان عالمًا بالعربية 
صاعد بن التلميذ» كما اشتغل بعلم الحديث» وقد سمعه ببغداد من أبي القاسم 
في معجمه وكانت وفاة مهذب الذّين في جمادى الآخرة سنة 0ھ . 
5 -ابن الدهان واسمه سعيد بن المبارك بن علي بن عبد الله بن سعيد» 
كان عيئًا من أعيان النحاة المشهود لهم بالفضل وله تصانيف كثيرة في اللّغة 
والتفسير» ويقول ابن خلكان إِنَّه كان في بغداد - في عصره - من النحاة: ابن 
على هؤلاء برغم إمامتهم في علم النحو. وقد توفي بالموصل عام 59 4ه'". 
بعض نواح من العلم والمعرفة» وقد كان هؤلاء من خلص تلاميذه 
المقربين إليه» وهؤلاء هم الذين أملى عليهم فيلسوفنا كتابه 
«المعتبر) وبعضًا من رسائله”". 
)١(‏ ابن أبي أصيبعة: عين الأنباء في طبقات الأطباء ج۲ ص57١.‏ 
(۲) الصفدي: نكت الهميان في نكت العميان ص15/8١»‏ ابن خلكان: وفيات الأعيان ج۲ 
ص٤۱۲‏ . 


(۳) تكاد تجمع الروايات على أن أبا البرگات کان قد عمي في آخر عمره وأنه أملى کتبه على 
تلاميذه هؤلاء» انظر نكت الهميان ص٤ .7١‏ وعيون الآنباء: ج١‏ ص 780 وأيضا = 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 1۳ 

9 -آثاره: 

وقد يدهش الباحث حين يولي وجهه شطر كتب أبي البَرّكّات فيلفيها 
قليلة نادرة» إذ الكتب المقطوع بصحة نسبتها إليه قد لا تتجاوز خمسة 
كتب أو ستة» ولعل هذه الندرة في التأليف أمر متوقع بالنسبة إلى هذا 
الفيلسوف. فقد ألمعنا آنقا إلى أن روحه العلميّة روح ملؤها النقد الابتكارء 
ومعنى هذا أن فلسفته فلسفة تجديدية» فإذا كان الأمر كذلك فمن الطبيعي 
أن نتوقع منه فلسفة تمس الأسس والمبادئ في الفكر المَشَّائيء وتتجافى 
عن تتبع الجزئيات والتفاصيل» وعلينا- هنا - أن ننظر إلى أبي البرّكات 
كمفكر مجدد لا كشارح أو معلق على ما كتبه المتقدمون» ومن ثَّمَّ جاءت 
كتاباته في كم النقد والتجديد» لا كم الشرح والتعليق. ثم إن نظرة إلى 
الأسفار العديدة المطولة التي تركها لنا معظم الفلاسفة الموسوعيين كابن 
سينا والغزالي وابن رشد والرازي وصدر الدّين الشيرازي تظهرنا على أن 
«التكرار» و«كثرة الاقتباس» كانا عنصرين مهمين في هذا الامتداد الكمي 
الذي بدت فيه هذه المؤلفات» هذا بالإضافة إلى ظاهرة الشرح أو التفسير 
الذي قام به ابن رشد والرازي والشيرازي وغيرهم لكتب أَرِسْطُو أو ابن 
سينا أو للمتون والرسائل الحكميّة المَشَّائيّةه وقد ساهمت ظاهرة الشرح 
هذه في إنماء مؤلفات هؤلاء سواء في عدد هذه المؤلفات أو في حجمها. 
ما أبو البَرَكَات فلم يكن كذلك: لم يكن شارحًا لأَرِسْطُو ولا لابن سيناء بل 


©. ص!!« وأيضا:‎ Nouvelles Wetudes Sur A. Alzaman : Pin 5 


.Sarton: Introduction to the history of science P. 382 


www.alimamaltayeb.com 


0 موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
قام بمحاولة امتحان الأرسطيّة والسينوية واختبارها في أسسها وقواعدهاء 
على أن للظروف التي أحاطت بنشأة أبي البركات مدخلا كبيرًا في 
الإحجام عن الاسترسال في التأليف: فقد عاش يقرأ لنفسه ويكتب لنفسه 
ولم يجد في فترة شبابه - وهي فترة النشاط العلمي - تلاميذ يستمعون إليه 
ويستزيدونه العلم والمعرفة» بل كان يستبقي بنات أفكاره وثمار بحوثه في 
أوراق خاصة بعيدة عن مواطن الذيوع والانتشار. 

هكذا كان لهذه العوامل في مجموعها - فيما أعتقد - آثار انعكست 
على نتاج فيلسوفنا الفكري فكان مقلا بالنسبة إلى نظرائه من الفلاسفة 
والعلماء. ومهما يكن فلقد ترك لنا هذا الفيلسوف الكتب الآتية: 

١‏ -كتاب المعتبر في الحكمّة: مؤلف كبير يحتوي على العلوم الفلسفيّة 
الثلاثة: المنطق والطبيعة والميتافيزيقا ويقع في آلف صفحة - تقريبًا - من 
القطع المتوسط» وقد طبع في الهند لآول مرة (بحيدر آباد) عام /1101ه. 
وكما يذكر أبو البَرّكات فإن هذا الكتاب كان في الأصل أوراقا مشتتة دون 
فيها انطباعاته ومواقفه التَّقَدِيّة حين قدر له الاشتغال بالعلوم الحكميّة سواء 
في مجال البحث في كتب المتقدمين أو في التفاسير والشروح التي صنفها 
المقاخرون وقد تر امت عتدههذه الأوواق ع تكو نت مها مجموعة 
فلسفية قيمة. وقد كان فيلسوفنا - في أول أمره - شحيحًا بهاته الأوراق 
التي أودعها مكنون تأملاته ومخزون أفكاره» كما كانت يمتنع عن تبييضها 
وإذاعتها بين الناس ضنا بها من أن يطلع عليها من لم تنضجه المعارف 


() أبو البَرَكّات البغدادي: المعتبر ج١‏ ص". 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 510 


والعلوم فيردها أو يرد شيئا منها عن جهل أو عن قلة تأمل”". 

«والمعتبر في الحِكمّة» كتاب يدل عنوانه على منهجه؛ لأن المؤلف 
يقف من العلوم الفلسفيّة موقف المعتبر المتأمل فيقبل بعضًا ويرفض بعضّاء 
وهو في قبوله ورفضه متأثر أولَا وأخيرًا بفكره الشخصي الذَّاتيء وهذا يعني 
أن الأفكار الفلسفيّة التي ترددت بين جنبات هذا الكتاب أفكار معتبرة لدي 
المؤلف وأن اعتبار هذه الأفكار قائم على التأمل الذَّاتي البحت» ولعل هذا 
ما دفع بعض الباحثين إلى أن يحلل معنى «كتاب المعتبر» إلى: «الكتاب 
الذي أنشئ بالتفكير الشخصي)”". ويعد كتاب المعتبر بأجزائه الثلاثة أكبر 
موسوعة للعلوم والفلسفة ظهرت بعد كتاب «الشفاء» للشيخ الرئيس ابن 
ا وقد ار فبلسوقنا كتانب ا0ا هاا مو حيت الترتبب والشكل» 


)١(‏ المصدر السابق: ج٠‏ ص" وقد جمع أبو البرّكات كتابه المعتبر استجابة لرغبة شخص 
وصفه بأنه ممن تتعين إجابتهم» وبعد الأصول المخطوطة لكتاب المعتبر - في الهامش 
- تحدد هذا الشخص بأنه: الأمير الفيلسوف علاء الدولة ملك الري. والأدلة التاريخية 
تؤكد صدق هذا التحديدء إذ يذكر البيهقي «أن علاء الدولة هذا كان ملكا عالمًا عادلًا) 
ويقول عنه: «رأيته بخرسان سنة 15١0هه‏ وكان عرض على والدي تصنيفه الذي سماه 
«مهجة التوحيد»» وكان يذب عن رأي الحكيم أبي البَرَكات بن ملكا» وإذا كان الأمر 
كذلك فلا ضير أن يكون هذا الأمير الفيلسوف هو الذي حمل أبا البَرَكَات على تأليف 
كتابه المعتبر. راجع: البيهقي: تاريخ حكماء الإسلام ص72١1١»‏ وأيضًا: :21265 
.Nouvelles etudes Sur A. Alzaman‏ 

(۲) كوربان: تاريخ الفلسفة الإسلاميّة (الترجمة العربية) ص۸٦۲»ء‏ وأيضًا: ۴i5:‏ 
Studies in 10‏ 

.Pines: Etudes sur Awhad Al-Zaman. P. 5 () 


www.alimamaltayeb.com 


3 موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
وإن كان قد ضرب صفحًا عن معالجة العلوم الرياضية التي هي القسم 
الأوسط من أقسام الحِكْمّة النّظريّة وهذا التأثر الذي قد يلوح في كتاب 
المعتبر إن هو إلا تأثر في الظاهر فقطء أمّا من حيث المضمون والمحتوى 
فقد كانت معظم أفكاره معاول هدم في البنايات الفلسفيّة المَشَّائيّةَ لم 
تتوقف عند حدود «ابن سينا» بل تجاوزتها إلى المفاهيم الأرسطيّة ذاتهاء 
والحقيقة أن «أبا البركات» في كتابه هذا ليس إلا فيلسوفًا ناقدّاء مسرقًا في 
النقد متشبثا به ما استطاع إلى ذلك سبيلا. 

ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن القسم المنطقي في كتاب المعتبر كان ذا 
حظ قليل من هذه الروح التَّقدِيّة بل كان عديم الحظ فيما لو أغضينا الطرف 
عن بعض لفتات نقدية تعلقت بتزييف الفروق التي أقامها «ابن سينا» بين 
الذّاتي المقوم والعرضي اللازم. أمّا علم الطبيعة وعلم ما بعد الطبيعة فقد 
كان كل منهما ميدان نزال بين أبي البَرّكَات والفلاسفة المَشَّائيّة. وقد تجد أن 
كتاب المعتبر هذا يستبطن في داخله كتاب الشفاءء وقد أدي هذا الاستبطان 
إلى ما يشبه العيب المنهجي في طريقة العرض عند أبي البركات» فهو 
يفترض في قارئه إلمامًا بأصول المسائل التي يضعها على بساط البحث 
والنقاش ومن ثَمَّ ينطلق في نقده إياها من المحصلات النهائية أو النتائج 
الأخيرة التي صاغها الشيخ الرئيس في موسوعته الفلسفيّة الضخمة دون أن 
يفصل فيها القول أولا وقبل أن يكر عليها بالنقد. وقد كان هذا - فيما أرى 
- عيبا عند هذا الفيلسوف لأن محل النزاع في كثير من المسائل لا يستبين 
عند القارئ إلا بالرجوع إلى كتاب «الشَّفاء» ولأن طبيعة الكتابات التَقَدِيّة 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 1۷ 


تستلزم إلقاء الضوء الكافي على جميع جوانب الموضوع المستهدف للنقد 
ليتضح في ذهن القارئ أولاء ثم ليتسنى له أن يتابع الحوار التَقِدِيّ بعد 
ذلك. 

لكن هل كان إسلام أبي البركات سابقا لتأليفه كتاب المعتبر أو كان 
لاحقا له؟ لا نستطيع إزاء هذا التساؤل أن نجيب إجابة حاسمة تعتمد على 
نصوص تاريخية تتعلق بهذه النقطة المهمة» وإن كنت أرجح أنه ما كان 
مسلمًا قبل أو أثناء تأليف هذا الكتاب لأننا حين نقارن كتابه «المعتبر» 
برسالته في «ماهية العقل» نجد أنفسنا إزاء أسلوبين متغايرين تمامًا: ففي هذه 
الرسالة نتوسم طريقة في التأليف كتلك التي نتوسمها في العلوم الإسلاميّة 
فهو يبدأ بالبسملة والحمدلة ثم يقتبس بعضًا من آيات القرآن الكريم» أما 
في كتاب المعتبر فإن هذا كله يختفي تمامّاء فالكتاب على طوله وبرغم 
المباحث الإلهية التي تشغل ثلث مساحته تقريبًا مبتوت الصلة تمامًا بأية 
آية من آيات الكتاب الكريم» وحين قدر لأبي البَرَكات أن يقتبس نصًا دينيًا 
وجدناه يقتبس من «التوراة» نصّا عن سليمان بن داود # يتعلق بخواص 
النفوس الشريفة ونوادرها" وفيما عدا هذا النّضّ الدّيني فإن كتاب 
المعتبر يبدو كتابًا فلسفيًا ذا منزع عقلي بحت» بحيث لا يعكس فيه منزعا 
دينيًا ظاهرّاء ولذا فإننا نظن ظتا قويًا أن أبا البَرَكَات كان على يهوديته حين 
ألف هذا الكتاب» وأمر آخر يدل على ذلك هو أن بعض منازع أبي البركات 
في كتاب المعتبر لا تتسق مع الروح الدينية المنبثقة من الكتب السماوية 


(1) أبو البَرَكّات البغدادي: المعتبر ج7١‏ ص۳۷٤‏ . 


www.alimamaltayeb.com 


۸ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


مما يدل على أله كان - وهو يؤلف هذا الكتاب - خالي الوفاض عن تصور 
كامل للوسلام ال بحجره عن الارتكاس أحيانا فيما ارتكس ف , 


ومهما يكن من أمر إسلام أبي البرّكات» فإن قيمة كتاب المعتبر 
هى قيمة فلسفية محضة نشأت عن الموقف التّقَدِيٌّ الذي وقفه من 


الفلا العتافن-والكتاب: مله الخصيصة كان محل قدي عند 


بعض المؤرخين والعلماء المسلمين فقد قال فيه القفطي: «وهو أحسن 

كتانب صتف فى هذا الشآن فى هذا الرّمان26. 
وقال ابن تيميّة: «وعلى طريقهم (الفلاسفة) مشى أبو البرَ كات صاحب 

المعتبر لكن لم يقلدهم تقليد غيره» (يقصد ابن سينا ومن شايعه) بل اعتبر 

ماذكره بحسب نظره وعقله)”". وقبل كل ذلك كان هذا الكتاب محل تقدير 

صاحبه ومحل اعتزازه حتى أنه أوضى قبيل وفاته أن يكتب على قبره: «هذا 

(١)ذكر‏ الدكتور أبو ريان في كتابه: تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام ص۹۹”. (سنة 
۳ القاهرة). «أن أبا البركات أسلم قبل تحرير كتابه المعتبر» وقد كنا ننتظر ما 
يثبت به صحة هذا القول» ولكن ترك القضية هكذا دعوى بدون دليل» أمّا دائرة 
المعارف اليهودية في طبعتها الحديثة 110101[ 81277610226554 فقد قررت أن 
أبا البَرَكَات حين ألف كتاب المعتبر كان لا يزال يهوديا (انظر: مادة هبة الله بن 
أدلة قاطعة في هذا الصدد: (Nouvelles Etudes. 2. 8 Note2)‏ 

(۲) تاريخ الحكماء: ص57 ". 

(۳) الرد على المنطقيين ص۲۹۲ ومواضع أخرى كثيرة» وأيضًا منهاج السنة ج١-297‏ 0/8 
ومواضع أخرى كثيرة كذلك. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 4 


قبر أوحد الزَّمان أبي البَرّكَاتَ ذي العبر» صاحب المعتبر»“. 

؟-صحيح أدلة النقل في ماهية العقل: وهو رسالة تقع في ثلاثين 
صحيفة من القطع الصغير ولا تزال مخطوطة في مكتبة ليبزج تحت رقم 
(۸۸1). وهذه الرسالة يتناول فيها أبو البركات مفهوم العقل وأقسامه 
كما ورد في لغة العرب ويستشهد على ذلك بالآيات الكريمة من القرآن 
الكزييه الى يور شنا لفل الل زكرن بين رم العقل فى اا 
العربيّة ومفهومه عند اليونان وينتهي من مقارنته هذه إلى أن الاستعمالين لا 
يلتقيان في حقيقة الأمر ون الذي يفهمه العربي من كلمة «العقل» يختلف 
عن هذا المعنى الذي يفهمه منه اليوناني» وتمام الحديث في هذا الموضوع 
رهن بموضعه من هذا البحث”". 

“-رسالة في التفس: مخطوطة صغيرة ويوجد منها نسخة مصورة 
بمعهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربة بالقاهرة ضمن مجموعة» 
وتبتدئ هذه الرسالة ببيان مذهب أفلاطون للأشياء التي تذهب بالناس 
عن الحق إلى الباطل وهي: ميل الهوى» وميل العادة والإلف» وسوء 
الفطرة» والميل إلى المقبولات» وتشبيه الإنسان ما لا يشعر به بما يشعر 
به» ثم تنتقل الرسالة بعد ذلك إلى تقسيم القوى التَّفْسِيّة حسب النَّظريّة 
)١(‏ القفطي: تاريخ الحكماء: ص 50" ابن العبري: تاريخ مختصر الدول ص٥٠۳‏ ستين 

شندر: مؤلقات اليهود العربية صن 18: 
(۲) ورد ذكر هذه الرسالة في: الصفدي: نكت الهيمان ص 5 ”١‏ وابن أبي 


Encyc. Judica )8-462(. ص 586. وأيضا:‎ ١ أصيبعة عيون الأنباء» ج‎ 
.Leclerc: Hist. de la Medicine arabe. (2-33) 


www.alimamaltayeb.com 


2 موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


3 
3 


المَشَائيَّ» وهنا يلتحم هذا الجزء من الرسالة مع كتاب التَّفُس في كتاب 

المعتبر التحامًا تاماه ولعل هذه الرسالة كانت قطعة من القطع التي 

تالف متها كتات المعمر لآ رسالة سا 
5 -رسالة فى القضاء والقدر: ذكرها له ستين شنيدر”"» ويبدو أن 

هذه الرسالة مفقودة. 
ه-شرح سفر الجامعة في التوراة: وهو سفر قوهيليت» وهذا الكتاب 

لايزال مخطوطًا بمكتبة البودليان بإكسفورد (تحت رقم ١١‏ قسم 

المخطوطات العبرية)» ويقع في أكثر من خمسين وثلاثمائة صحيفة من 
القطع المتوسطء وهذا المخطوط مكتوب باللّغة العربيّة ولكن بحروف 
عبرية» أمّا نص التوراة المشروح فهو بلغة وحروف عبرية» وهذا الشرح 
وإن كان شرحًا لنصوص ديئيّة إلا أله ذو قيمة فلسفية وتبدو فيه آراء أبي 
البركات في الكون أو في الوجود والقضاء والقدر متسقة مع آرائه في كتاب 

المعتبر مما يدلنا على المنزع الفلسفي الثابت عند فيلسوفنا"". 
5دوسالة فى سبب ظهور الكتواكب ليد واتعتفاتها نهار . 

.١5؟ص البيهقي: تاريخ حكماء الإسلام‎ )١( 

(۲) مؤلفات اليهود العربية ص ١85‏ (بالألمانية). 

(۳) نشر بوزنانسكي بعض شذرات من هذا المخطوط في مجلة 8 .11 ..2. عدد ١١‏ ص۲٠‏ 
سنة 1417١م.‏ انظر دائرة المعارف اليهودية (مادة هبة الله بن ملكا) وبينيس: في مجلة 
الدراسات اليهودية: الجزء الثالث لسنة ۳۸٠م‏ ص٥‏ . 

(5) ورد ذكر هذه الرسالة في بروكلمان: 1 ..4 .6. الجزء الأول ص 55١٠‏ والملحق رقم ١‏ 


ص۸۳۱ وأيضًا ي 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۷ 
۷-کتاب سياسة البدن وفضيلة الشرات ومنافعه ومضاره. مخطوط 
فة اا 
۹-كتاب الأقراباذين: وهو ثلاث رسائل في علوم الصيدلة”. 
١-كتاب‏ أمين الأرواح في المعاجين". 
ا اجر ےل ا اود ا ا 
١-كتاب‏ في النحو العبري مكتوب باللغة العربيّة: وهو مخطوط 
بمكتبة «ليننجراد). ويتشكك ستين شنيدر فى صحة نسبة هذا المؤلف 
إلى أبي البَرَكَات البغدادي”. وهناك مؤلفات أخرى نسبت إليه خطأ وهي: 
١-ترجمة‏ أسفار موسى الخمسة. والصّحيح أنها من أعمال منافسه 
المسينى هة اللغين الكل 


Zobel: de L'Islam I: 115Sarton: Introd. To the hist. of science 182. 

١ج إسماعيل باشا البغدادي: هدية العارفين مجلد؟ ص٠٠٠ وابن أبي أصيبعة‎ )١( 
.7 86 ص‎ 

(۲) المصدرين السابقين» نفس الصفحة. 

)تسد العار قبع ق ال 

Zobel: Encyc. Judica. 8-461. (€) 

Zobel: Encyc. Judica. 8-461. (0) 

(0) مؤلفات اليهود العربية (بالألمانية) ص187١.‏ 

(۷) نفس المصدر السابق. 


www.alimamaltayeb.com 


۷۲ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


0١‏ وقد اتضح أن هذه الرسالة من رسائل الفارابي وأنها نسبت 


۳-لوحة النجوم الثابتة» وهي من مؤلفات زين الدَّين أبي البركات. 


.G. Sarton: Introd. To the hist. of science 2. 382 نفس المرجع.(وأيضًا):‎ )١( 
ومما هو جدير بالملاحظة أن هذه الأعمال المُتعَدّدة الجوانب والاتجاهات والتي تركها‎ 
لنا هذا الفيلسوف لا تزال - باستثناء كتاب المعتبر - مطوية مقبورة في مجاهل الإهمال‎ 
والنسيان لم تر النور حتى هذه اللحظة. ولعل هذا راجع إلى أن أبا البركات نفسه لم يلق‎ 
من الاهتمام به وبأفكاره في المكتبة العربية - أو مكتبة الفلسفة الإسلاميّة - شيئًا يذكرء‎ 
ولقد سبقنا المستشرقون في التنقيب عن هذا الفيلسوف والقيام بأبحاث علمية جادة عنه‎ 
وعن آثاره» وظهر الاهتمام به في الدراسات الفلسفيّة في أوربا منذ بداية هذا القرن» وأي‎ 
باحث في فلسفة أبي البرّكات لابد وأن يلتقي بدراسات مستشرقين معاصرين وهما:‎ 
الأستاذ الدكتور «بينيس» اليهودي والأستاذ بالجامعة العبرية» والأستاذ «جورج فايدا»‎ 
اليهودي الفرنسي» وكلاهما عنى عناية كبيرة بأبي البَرَّكَات وبكتبه. وقد توزعت كتابات‎ 
هذين المستشرقين بين اللغة الفرنسيّة والإنجليزية والألمانية والعبرية ما بين كتب‎ 
ومقالات طويلة ضافية في المجلات وفي حوليات الفلسفة.‎ 


www.alimamaltayeb.com 


الفصل الثالث 
منهج أبي البرَكات في نقد الفلسفة المشائيّة 


3 
0 


١‏ - موقف الفلاسفة الإسلاميّين من الفلسفة المشائيّة. 
2 موقف القبول: 

- الكندي. 

- الفارابى. 

۳ موقف الرفض: 

- الإمام الغزالي. 

؛ - موقف أبي ابر كات البغدادي: 

- نظرتهة للثراث الفلسفى. 

- محاولة إصلاحه للتراث الفلسفى. 

- منهجه في هذه المحاولة. 


www.alimamaltayeb.com 


www.alimamaltayeb.com 


موقف القلاسغة المسلمين من الفلسقة المُشاخيّة 

١-لقد‏ قدر للفلسفة المَشَّائيّةَ أن تنتقل إلى قلب العالم الإسلامي 

في بغداد قادمة من حران وأنطاكية بعد أن جفت منابعها في مدرسة 
الإسكندرية ورحلت عنها أيام الفتح الإسلامي”"» وقدر - كذلك - لهذه 
الفلسفة الغريبة الوافدة أن تلقي بظلالها على نخبة ممتازة من مفكرين 
إسلاميين» أعجبوا بمنهجها وافتتنوا بمضامينها التي كانت أشبه بأخلاط 
مزجت مزجا من عناصر فلسفية ودينيّة» نعم لقد ألقت هذه الفلسفة بظلها 
كنينًا على ثلة من مفكري الإسلام في أول أمرها فظلت فترة طويلة بمتأى 
عن النقد الجاد القائم على سس فلسفية بحتة» إلى أن جاء الإمام الغزالي 
فكان رائدًا في هذا المجال» وإن كانت محاولته قد عبرت عن اتجاه ديني 
كان يصدر عنه في كتابه «تهافت الفلاسفة»» ثم يظهر علينا أبو البركات 
بموقفه النْقِدِيّ ليواجه به فلسفة الإغريق مواجهة نفذت إلى عمق هذه 
الل وا ف كان موققي ا ا و ذاه القليقة البرنانة 
في مرحلته الأولى موقف قبول وتعاطف مع هذا الفكر الوافد» ثم ما لبث 
هذا الموقف أن انقلب عند البعض الآخر إلى موقف معارضة ورفض» 
عاس مابرهرف« من الانتكندرية إلى غاا رج الور خد الرسمق دوي 
(ضين كاب الثرات البو ناق ف الحضارة الاسلذي: اقحات 84د 14 )رايا 


الدكتور البهى: الجانب الإلهى في الفكر الفلسفى الإسلامي: مدرسة الإسكندرية 
الفلسفيّة ص5١7177-7.‏ 


www.alimamaltayeb.com 


7 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


وبين هذين الموقفين وجدنا موقف النقد والتمحيص وهو موقف زعم فيه 
صاحبه أنه يضع على عاتقه مهمة إصلاح الفكر وتقويمه من جديد» وهنا 
وفي حدود هذا الموقف النَّقِدِيّ نلتقي بفيلسوفنا أبي البَرَكَات بمحاولاته 
ومزاعمه التي لا يكف عن ترديدها. 

ولإبراز مكانة أبي البركات وموقفه من الفلسفة المَشَائيّة يحسن أن 
نجمل القول في موقف الفلاسفة الذين سبقوه سواء أكانوا ممن رضوا عن 
هذه الفلسفة أم ممن عارضوها ونقدوها. 

أوََّا: موقف القبول: 

وقد مثل هذا الموقف كل من الكندي والفارابي وابن سيناء أولئك 
الفلاسفة الأعلام الذين استقبلوا هذه الفلسفة استقبال الجديد الباهرء وما 
لبثت حتى ملكت عليهم مناحي تفكيرهم فراحوا يتخذونها مادة خصبة 
يستنفذون فيها عبقريتهم العلميّة ونشاطهم العقلي يبدعون مرة ويلفقون 
أخرى ويخفقون ثالثة» وهم في كل ذلك يدورون حولها منهجًا وفكرًا إلى 
أن تجمع لنا من هذه المحاولات العقليّة تراث عقلي أطلق عليه الفلسفة 
الإسلاميّة أو الفلسفة المَشَّائيّة في الإسلاه. 

ولكن لماذا رضي هؤلاء عن هذه الفلسفة؟ للإجابة عن هذا التساؤل 
يلزمنا أن نلقي بعض الأضواء على ماهية الفلسفة المَشَّائيّة التي وصلت 
للعرب بعك أن مرت بمدرسة الاسكتدرية وهدارس السرياث إلى أن دخلت 
بغداد مع ترجمات عديدة من السريانية إلى العربيّة في مختلف المناحي 
)١(‏ سانتلانا: تاريخ المذاهب الفلسفيّة ص؟7١.‏ 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۷۷ 


الفكرية الفلسفيّة. والحقيقة أن المفكرين العرب كانوا ينظرون إلى هذا 
التراث على أنه نتاج العبقريتين الخالدتين العبقرية الأفلاطونيّة والعبقرية 
الأرسطيّة» وقد كان لهذين الرجلين في نفوس الإسلاميين المنفتحين على 
هذا التراث الإغريقي جلال المقام ورفعة القدرء يؤيد ذلك ما سنجده عند 
هؤلاء -وبالدّات عند الفارابي - من إضفاء العصمة المطلقة على هاتين 
العبقريتين بحيث يمتنع بالضرورة أن يكون بينهما ما يشبه التعارض أو 
الاختلاف» وما سينتهي بهم أيضًا من القيام بما يسمي بالنزعة التوفيقية أو 
التلفيقيّة في الفلسفة الإسلاميّة التي كانوا بمثابة روادها الأوائل. 

ولكن تاريخ الفكر الفلسفي يظهرنا على أن الفلسفة التي وجدها 
العرب بين أيديهم لم تكن خالصة النسبة إلى أفلاطون وَأَرِسْطُوء وإنَّما 
كانت فلسفة تضم - إلى جانب العناصر الأفلاطونيّة والأرسطيّة الحقيقيّة 
- عناصر أخرى أضيفت إليها عبر السنين الطويلة التي تنقلت فيها الفلسفة 
اليونانيّة بين بيئات كانت لها ألوان متباينة من غنوص ووثن» كما كانت لها 
نزعات صوفية واتجاهات دينيّة من يهودية في أول الأمر ثم مسيحية بعد 
ذلك. وقد كان أمرّا ضروري الحصول أن تتغير الملامح الحقيقيّة للتفكير 
اليوناني الممثل في قطبيه: أفلاطون وأَرِسْطُوه وأن تختلط بهذا التفكير 
زوائد * شتی من هنا ومن هناك وتمتزج به امتزاجًا لا يكاد يبين عن أسسه 
وآضولة الف 

وهذا ما حدث للفكر اليوناني الحقيقي عبر الحلقة المسماة 
بالأفلاطونيّة المحدثة» فقد كانت هذه الأفلاطونيّة تيارًا جديدًا استغرق 


www.alimamaltayeb.com 


۷۸ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
القرن الأول قبل الميلاد والقرنين الأول والثاني بعد الميلاد» وكانت تتميز 
باتجاه فكري جديد يفصلها عما كان قبلها من الاتجاه الفلسفي اليوناني» 
ومن العسير علينا هنا أن نتتبع الشخصيات التي حملت على عاتقها مهمة 
هذا اللرن الجديد من الف مكل فلرن السكتدرئ الهودي 
وأرمنيوس سكاس وأفلوطين المصري وفورفوريوس» ولكن يهمنا هنا 
الطابع العام الذي كانت تبرز فيه هذه الفلسفة الجديدة» لأن التفكير 
الفلسفي الذي انفتح عليه المسلمون في بغداد كان إلى حد كبير وليد 
هذه الفلسفة إن لم يكن نفسها. 

وكما يؤخذ من عنوان هذه المدرسة فإن الفلسفة الأفلاطونيّة كانت 
المحور الذي تدور عليه عملية التفلسف هناء ولكن لم يكن أفلاطون - في 
نفس الوقت - هو المنبع الوحيد» بل ائتلفت معه أفكار أخرى - كما قلنا 
سابقا -. فمثلا تفاعل الدّين اليهودي مع الفلسفة اليونانيّة في هذه المدرسة 
على يد «فيلون» المتوفى سنة ٠١‏ بعد الميلاد» وكان هذا التفاعل صدى 
لنفسيّة #فيلون» الموزعة بين الفلسفة والدّين» «فلقد كان مؤمئًا أشد الإيمان 
بالحقائق النقلية» وكان إلى جانب هذا شديد العناية بالفلسفة اليونانيّة 29 
ومن نَم كان على «فيلون» هنا أن يقوم بالدور الذي سيقوم به الفارابي من 
بعد في الفلسفة الإسلاميّة وهو دور التوفيق والتأويل» ونتيجة لهذا كان 
تفكير فيلون خليطًا من الفلسفة والدّين» على أن الفلسفة التي تدخل جزءًا 
)١(‏ عبد الرحمن بدوي: خريف الفكر اليوناني ص9١٠.‏ 
(۲) نفس المرجع ص٩۸.‏ 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۷۹ 
مهما في تكوين فلسفة فيلون لم تكن الفلسفة الأفلاطونيّة فحسب بل كانت 
مزيجًا من أفلاطونيّة وأرسطيّة ورواقيّة". ومما تجدر الإشارة إليه أن التفكير 
الفيلوني إذا كان يدور على فكرة التوفيق بين الفلسفة والدّين اليهودي فلابد 
أن تنشأ في تفكيره نزعة التأويل الرمزي أو التفسير الإشاري لبعض نصوص 
التوراة» إذ ما دام لا يفصل بين الدّين والفلسفة بل يتخذه أصلا لها فلابد 
وأن تكون الحقائق الفلسفيّة محتواة ومتضمنة في النصُوص الدينية» وغير 
خاف أنَّه لكي يتم استنباط هذه المعاني الفلسفيّة من نصوص التوراة فلا 
مفر - في أحيان كثيرة - من صرف هذه النصوص عن ظواهرها واللجوء 
إلى إلباسها ثوب الرمز والإشارة حتى تتلاءم مع المضامين الفلسفية 
المبتغاة» وصفوة القول إن الأفلاطونيّة المحدثة- موضوع اهتمامنا - 
قد لحب فها اليب بين الفلسفة والدين دورًا كسا بت أصست 
- فيما بعد - فلسفة قريبة إلى قلوب المسلمين حين دخلت بغداد. 

كذلك وجدنا فى الأفلاطونيّة المحدثة مظهرًا آخر من مظاهر اختلاط 
الفلسفة بالدّين أعني به المؤلفات الوورفية وهي عبارة عن دروس أو 
مجموعة من الأقوال التي لا تصطنع الجدل العقلي في الحوار كما هو 
الحال «المنية للمحاورات الأفلاطوثة مكلا والما دف ف الجر 
تهيئة الروح واستثارتها ليتقبل هذه التعاليم الهرمسيّة وليعمل بمقتضاها. 
والأقوال الهرمسيّة تعتمد أول ما تعتمد على الفكر القديم وعلى وجه 

كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية ص58 7. 


www.alimamaltayeb.com 


5 موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


التخصيص الفكر الأفلاطوني والفكر الفيثاغوري ولكن بعد أن تعتبر هذا 
الفكر نابعًا في الأساس من أنبياء الشرق» فالمنطلق أساسًا منطلق وحي 
ودين» وتفضيل الوحي والإلهام على البحث العقلي الاستدلالي في 
معرفة الحقيقة كان نقطة تحول في الفلسفة الهرمسيّة» وذلك بالنسبة إلى 
فيلون الذي كان ذا نظرة متعادلة لكل من الذين والفلسفة» قفد غامر هؤلاء 
بالذي تهيب منه فيلون فلم يروا بأسّا من الاعتماد على الميراث الدّيني - 
في البحث عن الحقيقة - أكثر من الاعتماد على الميراث الفلسفي وإن 
كان كل منهما يفضي إلى نفس النتيجة ضرورة أن المنبع واحد وهو أنبياء 
الشرق”". فالطابع الهرمسي كان طابعًا دينيًا بحيث يمكن القول بأن الفكر 
الهرمسي كان فكرًا مفتوحًا التقى فيه الوحي بالفلسفة بل ومع العلم أيضًا. 

ثم بلغت الأفلاطونيّة المحدثة ذروة مجدها العلمي على يد أفلوطين 
المصري (159-700م) الذي تتلمذ على يدي أستاذه أمونيس سكاس 
وبينهما من الشبه ما بين أَرِسْطُو وأستاذه أفلاطون» وفي روما صاغ فلسفته 
التي أملاها على تلميذه فرفريوس الذي رتب رسائل أستاذه ونظمهاء تلك 
التي عرفت بالتاسوعات. وقد كان التصوف أبرز ما في هذه الفلسفة لأنها 
كانت تمد على خللاضن الس من سخنها المادى» وحجر الراوية عند 
أفلوطين هو: التجربة الدَينيّة المفهومة على نحو صوفي أو بعبارة أخرى: 
المحصلات الوّجدانيّة للتجربة الدّينيّة”". أمّا الإطار العام لهذه الفلسفة فإنه 


. ٠۳ص نجيب بلدي: تمهيد لتاريخ مدرسة الإسكندرية وفلسفتها‎ )١( 
.١4/8ص (؟) محمد البهي: الجانب الإلهي من التفكير الإسلامي:‎ 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۸۱ 


وإن كان ذا مظهر فلسفي يوناني وذلك حين يستخدم منهج الجدل النازل 
الذي يفسر به مشكلة صدور العالم المتكثر عن الواحد من جميع الوجوه 
بتوسط العقل ثم التّفْس الكَلّية: بين الواحد والمادة» نقول بالرغم من هذا 
الإطار العقلي فإن مضامين هذا الإطار ما كانت لتلتقي إلا على أساس من 
النزعة الصّوفية الحادة والتي ذهبت إلى أبعد أبعادها حين جعلت الاتحاد 
بالله تعالى أمرًا داخل دائرة الإمكان. 

هذه لمحة خاطفة عن الأفلاطونيّة المحدثة في أعم مظاهرها 
واتجاهاتهاء قصدنا منها أن نرسم صورة - ولو في ظلال باهتة- للفكر 
الفلسفى الذي انتقل للمسلمين عبر مدرسة الإسكندرية ومذارس السوريان 
في الشرق ولنستطيع أن ندعم زعمنا بأن السبب الأول الذي أوجد تعاطمًا 
وميا عند فلاسفة الإسلام تجاه هذا التراث المختلط هو هذه العناصر 
الدّينيّة والروحية التي كان يزخر بها هذا التراث» سواء كانت عناصر أساسيّة 
في بنْيَِ المذهب والاتجاه» أو كانت وليدة التّوفيق بين الدّين والفلسفة. 

هكذا وصلت الأفلاطونيّة المحدثة إلى الفكر الإسلامي على شكل 
فلسفة دينيّة إلهية تعنى بوحدة الإله كما تعنى بالزهد وسعادة التَفس وتحررها 
من قيود الحس وسجف المادة» وتقف من الدّين والفلسفة موقف التقريب 
والتوفيق» فكان أمرًا طبيعيًا أن يجنح إليها المفكرون المسلمون أول الأمرء 
ثم ما لبثوا أن تطرفوا في جنوحهم إليها فحسبوها معصومة من الخطأ ومن 
الضلال إلى أن انتهى بهم الأمر إلى وضع الفلسفة جنبًا إلى جنب مع الدّين» 
كلاهما ينبع من ذات المنبع وكلاهما يهدي إلى حقيقة واحدة. ومن جديد 


www.alimamaltayeb.com 


1 موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


بدأت نزعة التوفيق أو التلفيق تطل برأسها من المناخ الإسلامي كنتيجة 
ضرورية للنظرة التي تعادل بين الشريعة والحِكمّة» وقد كانت هذه النزعة 
هي الأساس في تيار التفلسف المَشّائي في الفكر الإسلامي» ظهرت -على 
استحياء- عند الکندي» وبلغت أوجها عند أبي نصر وأبي علي. 

إن ما اشتملت عليه هذه الفلسفة من مباحث إلهية وصوفية قد أثار 
اهتمام الفكر الإسلامي الذي استقبل هذه الفلسفة» وقد كان فكرًا يعنى 
أول ما يعنى بالدّين وبالإله» ومن ثَمَّ فقد مست هذه الفلسفة قلبه ومركز 
الدائرة فيه» وإذا كانت فلسفة أفلوطين قد دارت حول فكرة «الواحد من 
كل وجه)» وكيفية صدور العالم عنه» فأمر طبيعي أن ينعطف المفكرون 
الإسلاميّون شطر هذه الفلسفة التي تطرح القضايا العقيدية في أطر عقلية 
جدلية وبمناهج منطقيّة دقيقة» وهنا يظهر المنطق الأرسطي -الذي وجد 
فيه المسلمون نهجًا جديدًا من حيث إِلّه طريق موصل لليقين- سيبًا قويّا 
في تعلق الفلاسفة المسلمين بهذه الفلسفة إلى حد الارتفاع بها إلى مستوى 
فوق مستوى النقد أو الخطأ والزلل. 

ولكن أكان إغراء الفلسفة اليونانيّة عند فلاسفة الإسلام بالعًا مداه إلى 
الحد الذي اعتقدوا معه بالعصمة المطلقة لهذه الفلسفة» أم إن احترامهم لها 
قد نشا من نظرتهم إليها كوسيلة نافعة في إثبات حقائق الدَّين ومضامينه؟ 

ومع الاعتراف الكامل بقيمة الدّين ومكانته في قلوب فلاسفة 
الإسلام» فليس لدينا شك في أن الفلسفة -في ذاتها- وبغض التّظر عن 
مدى صلاحيتها لخدمة المفاهيم العَقَدِيّةِ الإسلاميّة» قد حَظّت عند هؤلاء 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۸۲ 


بتقدير ومكانةٍ قد لا بالغ لو قلنا إلّها نفس مكانة الدّين أو شيء قريب منهاء 
والذي دفعهم إلى هذه التّظرة المتعالية هي المضامين الفلسفيّة ذاتها سواء 
في نهجها المنطقي أو في مادتها الفلسفيّة العقليّة» فإذا ما ذهبنا إلى الكندي 
-أول فلاسفة الإسلام- وجدناه يدافع عن هذه الفلسفة دفاعًا ينحي فيه 
باللائمة على علماء الدّين الذين أنكروا هذا اللون من التفلسف. بل كان أمرًا 
غريبًا أن تستهوي الفلسفة «فيلسوف العرب» إلى حد يخلع فيه ربقة الإسلام 
عن علماء الدّين الذين اتهموا هذه الفلسفة بالكفر والزندقة» ولنستمع إليه 
يقول: «ويحق أن يتعرى من الدّين من عاند قنيّة علم الأشياء بحقائقها (علم 
الفلسفة) وسماها كفرّاء لأن في علم الأشياء بحقائقها علم الربوبية وعلم 
الوحدانيّة وعلم الفضيلة وجملة علم كل نافع..... إلى أن يقول: فواجب 
إذَا التمسك بهذه القنية النَمسيّة عند ذوي الحق وأن نسعى في طلبها بغاية 
جهدنا»”''» هكذا يوجب «الكندي» على المسلمين طلب الفلسفة وتعلمها 
لآنها العلم الجامع لكل العلوم الأخرى الإلهية وغير الإلهية» ثم هو يجهد 
الجهد كله ليثبت مطلوبه هذا وهو «وجوب قنية علم الأشياء بحقائقها». 
فيقسم الأمر على علماء الذّين ليلزمهم بهذه القنية في نهاية الأمر: «وذلك 
أنه باضطرار يجب على ألسنة المضادين لها اقتناؤهاء وذلك أنهم لا يخلون 
من أن یر لرا إن افا ھا بدن أو لا يحب فإن قالوا؟ إل بيعب وهب طلبها 
عليهم» وإن قالوا: إنها لاتجب وجب عليهم أن يحضرواعلة ذلك وأن يعطوا 
على ذلك برهانّاء وإعطاء العلّةَ والبرهان من قنية علم الأشياء بحقائقهاء 


.٠١90-٠١١ رسائل الكندي (تحقيق الدكتور «أبو ريدة)) ج١ ص5‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


1 موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


فواجب إِذَا طلب القنية بألسنتهم» والتمسك بها اضطرارًا عليهم)»". 

إلى هذا الحد يرتفع الكندي بالفلسفة الإغريقيّة» وهو -فيما نعتقد- 
ارتفاع مبالغ فيه كثيرٌاء فهل لو أراد العلماء أن يغضوا التّظر عن هذه الفلسفة 
ويضربوا عنها صفحًا أكان عليهم أن يفقهوا المنطق أولا حتى نتقبل منهم 
قولهم: إنها لاتجب!! وهل يمكننا في هذا النّضّ أن نتوسم فروقًا ذات بال 
بين مكانة الدّين ومكانة الفلسفة!! ثم ما هو موقف الكندي إزاء المفاهيم 
العقدية الإسلاميّة قبل أن تفد على بلاد المسلمين علوم الفلسفة إن في 
منهجها أو في مادتها!! ألا يجوز لنا أن نقسم -بدورنا- الأمر على «فيلسوف 
العرب» فنقول: إن المفاهيم الإسلاميّة -قبل أن تلتقي بالمنطق والفلسفة- 
إما ألا تكون حقا في نفسها وهذا ما يرفضه الكندي رفضًا مطلقاء أو تكون 
حقا وحينئذ لا تكون قنية هذا العلم واجبة مادام قد أمكن الاستغناء عنه. ثم 
ما بال الكندي -وهو المتشبث بالفلسفة الإغريقيّة بكلٌ ما تشتمل عليه من 
علوم وبخاصة: العلم الإلهي- قد رفض في صورة حاسمة فلسفة أَرِسْطُو 
الإلهية حين قرر (الكندي) أن العالم حادث وأن الحَرَكة والزّمان والمكان 
كلها أمور حادثة» وحين قرر فكرة الألوهية وصفاتها وعلاقتها بالكون من 
منطلق إسلامي بحت» وكل هذه أقوال لا تتفق مع الاتجاهات الأرسطيّة 
والما اکن ا ا 

وإذا ما ولينا وجهنا شطر المعلم الثاني الفيلسوف أبي نصر الفارابي 


. ۱١٥١۹ المصدر السابق ص‎ )١( 
.)١5( 2١ص أبوريدة: مُقَدّمة رسائل الكندي‎ )۲( 


www.alimamaltayeb.com 


وجدناه يغالي في تقدير هذه الفلسفة مغالاة يتجاوز بها مغالاة سالفه» 
فالكندي وإن كان قد استهوته الفلسفة اليونانيّة إلى المدى الذي رأيناء 
إلا وا على اقل درت وهاه اا بست مخصومة هرد 
اطا وزلا لا كان هناك هزر لآق يدير طهر لا رشطم قاف معه فى 
أهم المسائل الفيزيقيّة والميتافيزيقيّة» أمّا المعلم الثاني فإن أولى خطواته 
في التفلسف أنه قد آمن إيمانًا مطلقا بوحدة الفلسفة في ذاتهاء وما كان أمام 
الفارانى حوشي عل روعه آذ الها صر مى اللخطك] لا آن بعمة إلى 
فكرة وحدة الفلسفة فيدافع عنها دفاعًا يمكنه من الانتقال من فكرة «(وحدة 
الفلسفة إلى فكرة «التوقيق بين الشريعة والحكمة» ومعق هذا أن ميحاولة 
الفارابي للتوفيق بين الدين والفلسفة كانت محاولة ذات اتجاهين: أولا: 
في مجال الفلسفة ذاتها وذلك حين يعمد إلى إزالة ما قد يبدو أو يتوهم من 
أمور الخلاف في داخل النطاق الفلسفي» حتى إذا ما أصبحنا أمام حقيقة 
Sg sS‏ 
باعتبارهما حقيقتين متعانقتين أو -إن شئت - مظهرين لحقيقة واحدة. 

أمّا فى المجال الأول فقد ذكر المؤرخون أن اللا 
عديدة لإثبات وحدة الفلسفة وأنها بمنأى عن التضارب والاختلاف» ولكن 
لم يبق من هذه الرسائل إلا رسالة «الجمع بين رأي الحكيمين أفلاطون 
الإلهي وأَرِسْطُو طاليس)”2. وهذه الرسالة بمفردها تعكس مدى حرص 


)١(‏ اليازجي: أعلام الفلسفة العربية ص 257١‏ خليل الجر: تاريخ الفلسفة 
العربة ج ۲ ص .٩۷‏ 


www.alimamaltayeb.com 


۸٦‏ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
الفارابي على الفلسفة ممثلة في زعيميها الكبيرين» وما دامت الحقيقة 
الفلسفيّة واحدة فلا يمكن أن يختلف كبار الحكماء في هذه الحقيقة. لأن 
النبع الذي استقى منه هؤ لاء الحكماء نبع واحد وهو: الحقيقة المطلقة التي 
لا يعتريها تبدل ولا تغير» وقد كان على فيلسوفنا إزاء هذا الظن الحسن 
أن يجهد نفسه ليوفق بين أفلاطون وأَرِسْطُو فيما اختلفا فيه» ليصل إلى أن 
اختلافهما هذا وليد نظرة سطحية غير متعمقة» أمّا حقيقة الأمر فال خلاف 
على الإطلاق. ويبني الفارابي نظرته هذه على مسلمتين: 

الأولى: أن حد الفلسفة وماهيتها متفق عند هذين الحكيمين 
فهي: العلم بالموجودات بما هي موجودة» ولا اختلاف بين هذين 
الحكيمين على هذا التحديد. 

الثانية: أن جميع ذوي الآلباب الناصعة والعقول الصافية -أو أكثرهم- 
مجمعون على أن هذين الحكيمين هما «مبدعان للفلسفة ومنشئان لأوائلها 
وأصولها ومتممان لأواخرها وفروعهاء وعليهما المعول في قليلها 
وكثيرهاء وإليهما المرجع في يسيرها وخطيرهاء وما يصدر عنهما في كل فن 
إنما هو الأصل المعتمد عليه لخلوه من الشوائب والكدر)”'. ومن هاتين 
المسلمتين -في نظره- يتأدى الفارابي إلى تقرير الوحدة التامة بين هذين 
الحكيمين لأن احتمال وجود خلاف أو تناقض بينهما يعني أحد أمور ثلاثة: 

إما أن يكون حد الفلسفة غير صحيح» أو يكون اعتقاد الأكثرين 
في فلسفة هذين الحكيمين اعتقادًا مدخولاء أو يكون اعتقاد 
)١(‏ الفارابي: رسالة الجمع بين رأي الحكيمين ص۲. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۸۷ 


الخلاف بينهما اعتقادًا غير صحيح. 

فأما الأمر الأول فغير صحيح» لأن حد الفلسفة مطابق فعلا 
لهذه الصناعة» إذ الفلسفة تتعلق بموضوعات جميع العلوم من حيث 
استنباط هذه الموضوعات واستخراجهاء سواء كانت هذه العلوم إلهية 
أو طبيعيّة أو منطقِيّة أو رياضية أو سياسيّة» وإذا كانت العلوم لا تخرج 
عن هذا الحصر فلا ريب أن تكون الفلسفة هي العلم بالموجودات بما 
هي موجودة. ومن هذا المنطلق يؤكد الفارابي أنه «لا يوجد شيء من 
موجودات العالم لا وللفلسفة فيه مدخل» وعليه غرض» ومنه علم 
بمقدار الطاقة الإنسيّة)'. فحد الفلسفة بأنها العلم بالموجودات بما 
هي موجودة» حد صحيح ولا اختلاف عليه. 

أمّا الأمر الثاني وهو احتمال زيف اعتقاد الجميع -أو الأكثرين- في 
أن أفلاطون وأَرِسْطُو هما الإمامان المبرزان في هذه الحِكْمّة فمرفوض 
عند الفارابي كلك لان العقل يستبعد اجتماع الآراء الكثيرة على الشيء 
الواحد» ويرى الفارابي أن العقل الفردي قد يتعرض للضلال أو الخطاً 
من جهة اشتباه الطرق أو الآمارات التي يتعرف بها على الشيء المعقول» 
والعقل بهذه الصّفة الفردية لا ينتهض حجة على أمر ما من الأمور» ومن نَم 
كان العقل الفردي في حاجة إلى اجتماع عقول كثيرة معه على نفس الحكم 
ليرقى إلى مستوى الحجة القاطعة والبرهان الذي لا يرد. 

وقد يعترض على الفارابي بأن اجتماع الآراء على حكم لا يبرر 
() نفس المصدر والموضوع. 


www.alimamaltayeb.com 


۸۸ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


يبي # 


ب - صحة هذا الحكم وعصمته من الخطأء فقد يجتمع أناس كثيرون 
على رأي أو آراء مدخولة زائفة» وبالتالي ينهار الأساس المنطقي الذي يبنى 
عليه الفارابي عصمة العقل الجمعي وحجيته» لكن مثل هذا الاعتراض 
غير وارد فيما يرى الفارابي» لأن هذا الإجماع الخاطئ إنما هو ضرب من 
التقليد ومجرد الاتباع» ولذلك كانت هذه العقول الكثيرة المجمعة على 
رأي خاطئ بمنزلة عقل واحد لا يتأبى عن الخطأء إذ عماد الحكم هنا 
هو حسن الظن بالمحكوم عليه دون فحصه أو تأمله. وإِذًا فالأمر على ما 
يقرر الفارابي من أن «العقول المختلفة إذا اتفقت بعد تأمل منها وتدريب 
وبحث وتنقير ومعاندة وتنكيت وإنارة الأماكن المتقابلة فلا شيء أصح 
مما اعتقدته وشهدت به واتفقت علیه»'. 

وهكذا إذا أجمع الكل أو الأكثر على الإمامة الفلسفيّة لهذين 
الحكيمين فإن هذا الإجماع يغدوا أمرًا لا يصح أن يتطرق إلى 
صدق مقرراتة شك أو ارثياب: 

وإذا بطل الأمران الأولان فلا مناص من ثبوت الأمر الأخير» وهو 
مطلوب الفارابي وهدفه الذي يرمي إليه من وراء هاته المناقشات التي 
يفصل فيها القول تفصيلاء يقول أبو نصر: «وإذا كان هذا هكذا فقد بقي 
أن يكون في معرفة الظانين بهما أن بينهما خلافًا في الأصول» تقصير». 

وقد لا يعنينا هنا أن نذهب مع الفارابي في محاولاته المُتعَدّدة الأبعاد 
)١(‏ المرجع السابق ص4. 
(؟) نفس المرجع والصفحة. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۸۹ 


والتي يهدف من ورائها إلى تقرير الوحدة في الفلسفة» ولكن ننتهي إلى أن 
«المعلم الثاني» قد كان حريصًا الحرص كله على أن يدرأ عن هذه الفلسفة 
ما قد يظن بها من شبهات التناقض والتضارب» ليضفي عليها -في نهاية 
الأمر- وحدة فلسفية لها طابع العصمة والحقيقة المطلقة. 

5 المجال الثاني الذي نلتقي فيه بمحاولة الفارابي فهو مجال 
التوفيق بين هذه الفلسفة من جانب والدين من جانب آخرء وقد كان 
ما وقر في صدر الفارابي من عصمة هذه الفلسفة ووحدتها هو نفس 
المطلق في محاولته التوفيق بينهما وبين الدّين» كما كان من قبل نفس 
الباعث على محاولة رفض مابين جوانبها المُتعَدّدة من مظاهر الاختلاف 
والتباين. ولا شك أن محاولة التوفيق هنا في هذا المجال تقتضي 
بالضرورة تحيفًا على المفاهيم الدّينيّة» تلك التي تنفرد بخصائص قد 
لا تلتقي مع الخصائص الفلسفيّة من قريب أو بعيد. ومهما يكن من أمر 
فإن محاولة التقريب هذه قد نعثر عليها في مظهرين: 

مظهر وضعت فيه الحقائق الدَينيّة في أطر فلسفية بحيث تبدو في 
اتفاق وتلاؤم مع الروح الفلسفيّة. وبعبارة أخرى: شرحت الحقائق الدينية 
بأسلوب فلسفي يقربها إلى المعسكر الفلسفي بقدر ما يبعدها عن مصدرها 
الأصيل الذي صدرت عنه. وفي هذا المظهر نلتقي بنظريات الفارابي أو 
بمحاولاته في فكرة الواجب والممكن وقدم العالم ونظريّة العقول وفكرة 
الوق وقد لا دو وحية ال لو فلا إن البقباميى العقدية كما جا ءا 
الدّين قد اختلفت مع المضامين الفلسفيّة في هذا المظهر اختلافا لا سبيل 


www.alimamaltayeb.com 


32 موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
معه إلى اللقاء» بحيث ظل الدّين ديئًا والفلسفة فلسفة» وذلك بالرغم من 
محاولة الفارابي التي استنفدت منه جهدًا عقليًا قد يقصر عنه الوصف. 
ومظهر حاول فيه الفارابي إلباس النصُوص الدّينيّة ثوب الرمزء بحيث 
تبدو هذه النُصُوص غير مرادة في معانيها القريبة الواضحة؛ وإنَّما تساق 
عبر رموز وإشارات إلى معان فلسفية غريبة أريد لها -عن قصد- أن تكون 
هي المحتوى الذي تشتمل عليه النُصُوص: «لا تظن أن القلم آلة جمادية 
واللوح بسط مسطح» والكتابة نقش مرقوم» بل القلم ملك روحاني» واللوح 
ملك روحاني» والكتابة تصوير الحقائق» فالقلم ما يتلقى ما في الأمر من 
المعاني ويستودعه اللوح بالكتابة الروحانيّة» فينبعث القضاء من القلم» 
والتقدير من اللوح» أمًا القضاء فيشتمل على مضمون أمر الواحد والتقدير 
يشتمل على مضمون التنزيل بقدر معلوم» ومنها يسبح إلى الملائكة التي 
في السماوات» ثم يفيض إلى الملائكة التي في الأرضين ثم يحصل المقدر 
في الوجود)”" وهكذا كان القلم واللوح والكتابة موجودات روحية 
ومراتب وتزلأث فيض غبرها القضاء والقدر من الواحد مفلا مخ 
عالم إلى عالم إلى أن ينتهي إلى عالمنا هذاء والروح الأفلاطونيّة هنا 
ومصطلحاتها: الواحد والفيضء أمر لا تخطئه عين. وقريب من هذا ما 
يفسره الفارابي من بعض الآيات القرآنيّة» مثل قوله تعالي: ظهَْالْأوَلٌ 
يوالم نوعلم 4 . 
(1) الفارابي: فصوص الحكم (من المجموع) ص 1۸-1۷ . 


(1) سورة الحديد الآية رقم ". 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۹۱ 


يقول الفارابي: هو أول من جهة أنه منه وعنه يصدر كل موجود لغيره» 
وهو أول من جهة أنه أول بالؤجودء هو أول لأنه إذا اعتبر كل شيء كان فيه 
أولَا أثره» وثانيًا قبوله لا بالرّمان..... (إلى أن يقول): هو غالب أي مقتدر 
على إعدام العدم وعلى سلب الماهيات ما تستحقه بنفسها من البطلان 
وکل شيء هالك إلا وة 

قيمة توفيق الفارابي: ولسنا في حاجة إلى الإشادة بالإبداع العقلي 
الذي طالعنا به الفارابي في هذا الصدد. فهذا مما لا يكاد يقع فيه اختلاف. 
لأن محاولته المضنية في سبيل التوفيق بين الدين والفلسفة من حيث 
الإبداع الفلسفي كانت أمرًا يدعو إلى الإعجاب والتقدير. 

ولكن هل أصاب الفارابي في محاولته هذه؟ لا نجد حرجا في أن نجيب 
عن هذا التساؤل بشيء من الترددء ذلك أن محاولة الفارابي لإثبات وحدة 
الفلسفة وإزالة ما بين قطبيها الكبيرين من أمور الخلاف والتعارض كانت 
تعتمد في تصوير آراء أَرِسْطُو على كتاب «أوثولجيا» وقد كان الفارابي يظن 
أن هذا الكتاب لأَرِسْطُو في حين أله في الحقيقة ونفس الأمر هو أحد أجزاء 
تاسوعات أفلوطين ومعنى هذا أن المحاولة قد انصبت على جانب واحد 
هو أفلاطون وآراؤه المتطورة عند الأفلاطونيّة المحدثة وإذَا فهي محاولة 
غير حقيقيّة للتوفيق بين أفلاطون وأَرِسْطُو ولايزال أمر الخلاف قائمًا -كما 
هو- بين هذين الإمامين» ومن نَم فادعاء الفارابي وحدة الفلسفة وامتناعها 


ص ,3١ ٤-۲۹۰‏ والدكتور محمد يوسف موسى: بين الدين والفلسفة ص5 ه-175. 


www.alimamaltayeb.com 


4۲ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


عن منازع الخلاف لتصبح في مستوى الحقيقة الواحدة ولتمكن مقارنتها 
بالدين بعد ذلك» ادعاء غير حقيقي وقد عاد مجرد دعوى لا دليل عليها. 

ولقد كان غريبًا حقا أن ينتبه الفارابي إلى احتمال زيف هذه الآراء 
بالنسبة لأَرِسْطُوه وذلك حين يقرر أن أَرِسْطُو قد أثبت الصّوّر الروحانيّة في 
كتابه المعروف ب «أثولوجيا» وصرح بأنها موجودة في عالم الربوبية» فإذا 
أنكر أَرِسْطُو «المثل» بعد ذلك فمعني ذلك أن الأمر لا يخلو من: أن يناقض 
بعض من آراء أَرِسْطُو البعض الآخره أو أن يكون بعض هذه الآراء لأَرِسْطُو 
والبعض الآخر منتحلا عليه» أو يكون لها معان وتأويلات تتفق مع بواطن 
هذه الأقاويل رغم تباينها في الظاهر"". 

ولو أن الفارابي قد وقف قليلًا عند الفرض الثاني متبرتًا من نزعة 
التقديس إزاء الفكر اليوناني لاستطاع أن يدرك أن هذه الآراء قد 
زيفت على أَرِسْطُو تزييقًاء وأن أَرِسْطُو قد أنكر الصّوّر الروحانيّة في 
مقابل إثبات أستاذه لهذه الصرّر» وأن الخلاف بينهما أمر حقيقي واقع 
بالفعل» ولما وسعه -آنذاك- إلا أن يضع هذه الفلسفة في موضعها 
الصحيح» موضع النتاج البشري الذي يتميز بالاختلاف والتضارب 
لكن رام يستبعد القرضين الأول.والغاتي ليغرق في تأويلات التصوض 
الأتولوجية تلك الي لأ تمت لأرشطويادتى سيب 

أمّا توفيقه بين الدين والفلسفة أو الوحي والعقل فقد كان -فيما أعتقد- 
توفيقا بين جانبين غير متكافئين» نظرًا لاختلاف طبيعتي الدَّين والفلسفة 
)١(‏ الفارابي: الجمع بين رأي الحكيمين (من المجموع) ص7 7. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۹ 
وموقف كل منها بالنسبة للإنسان» فالدّين أعرف -دائمًا- بطبيعة الإنسان 
من الفلسفة» لأنه يستغل فيه إلى جانب الطاقة العقليّة الكامنة فيه» طاقة 
أخرى هي طاقة الوجدان» وهي طاقة إنسانيّة مهمة لا يمكن تجاهلها أو 
إغضاء الطرف عنها أو إسقاطها من الحساب» تمامًا كما لا يمكن تجاهل 
العقل في الإنسان أو إهماله. والدّين -بهذه النّظرة الأبعد والأعمق- يهيئ 
الإنسان لتقبل الحقائق الغيبية التي تعلو بطبيعتها على مستوى العقل ولكنها 
في نفس الآن لا تتعارض مع طبيعة هذا العقل أو تناقضهاء فالدّين يعرف 
للعقل قيمته ويقدره حق قدره ولكن في ذات الوقت يعرف له إمكاناته 
ومجالاته التي يغدو فيها حكمًا وفيصلاء فإذا ما تجاوز مجالاته هذه كان 
عليه أن يصغي إلى منطق آخر هو منطق الهدي الإلهي, وإذًَا فطبيعة الدّين 
حينما تخاطب الإنسان تعتمد على جانب العقل وعلى جانب الاعتقاد أو 
الإيمان دون فصل بينهماء وهي بهذا تنظر إلى الشخصية الإنسانيّة نظرة 
متكاملة متسقة لا يطغى فيها جانب على آخر. 

أا الفلسفة فطبيعتها الاعتماد الكَلّي على الجانب العقلي في كل 
بناءاتها وتصوراتها. وقد يكون هذا أمرًّا جديرًا بالعقل في مجالات معينة» 
لكن حين يُنصَّب العقل من نفسه حكمًا في مجالات أسمى وأعلى فماذا 
يكون الأمر؟ مثلا حين يحاول العقل معرفة نشأة الكون -وهو أمر وراء 
حدود إمكانات العقل- فما هي أسسه المنطقية التي تلزمنا بالاعتقاد 
الجازم المطابق للواقع فيما يصل إليه من نتائج؟ لا شيء على الإطلاق» 
لأن عماد المحاولة هنا هو الظن والتقدير والترجيح. وإلا لما وجدنا 


www.alimamaltayeb.com 


13 موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
الميتافيزيقا الفلسفيّة تختلف منذ اللحظة الأولى لحَرّكّة التفلسف» وبماذا 
تفسر اختلاف طاليس وانكسمندر وفيثاغورث وهرقليطس وبرمنیدس» بل 
وأفلاطون وَأَرِسْطُو اختلافًا جعل من كل مفكر من هؤلاء صاحب مذهب 
واتجاه قد لا يلتقي مع الآخر أدنى التقاء! 

وإذًا فما قيمة «الحقيقة المطلقة» التي يخلعها الفارابي على هذا النتاج 
العقلي ليقارن بينه وبين الوحي وليلبس الدَّين ثوبًا يجره به إلى الفلسفة!! 
لو كان الفارابي قد أبقى كلا في مكانه لاستطاع أن يفيد من هذه الفلسفة بأن 
يوظفها لخدمة الدّين ضاربًا صفْحًا عن كل ما يبدو له غير متناسق مع روح 
هذا الدين ومضموثه. إن مفكرًا كبيرًا قد أدرك هذه الحقيقة فنادى بوجوب 
الفصل التام بين الشريعة والفلسفة» هذا المفكر هو أبو سليمان السجستاني 
تلميذ يحيى بن عدي الذي كان تلميدًا للفارابي» ويروي عنه تلميذه أبو 
يان أنه قال حن عرض عليه رسائل إخوا الصفا وقد زعموا أن الكمال 
لا يحصل إِلّا بانتظام الفلسفة اليونانيّة مع الشريعة الإسلاميّة: «ظنوا ما لا 
يكون» ولا يمكن» ولا يستطاع» ظنوا أنه يمكنهم أن يدسوا الفلسفة في 
الشريعة» وأن يضعوا الشريعة في الفلسفة وهذا مرام دونه حدد». قيل 
له ولم؟ قال: «إن الشريعة مأخوذة عن الله كه بواسطة السفير بينه وبين 
الحَلّق من طريق الوحي» وفي أثنائها ما لا سبيل إلى البحث عنه والغوص 
فيه» ولابد من ا للداعي إليه والمنبه عليه» وهنا يسقط «لم»» ويبطل 
«(كيف»» ويزول «هلا» ويذهب «لو) و«ليت» في الريح»'. 


= أبو حيان التوحيدي: الامتناع والمؤانسة (نقلآ عن الدكتور محمد يوسف موسى في‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 4۵ 
ويبرر السجستاني موقفه هذا فيقول: «لو كان الجمع بين هذين الطرفين 
جائرًا وممكتا لكان الله قد نبه عليه» وكان صاحب الشريعة يكمل شريعته 
بالفلسفة» لكنه لم يفعل ذلكء ولا وكله إلى غيره من خلفائه والقائمين 

بدينه» بل إِنَّه على العكس نهى عن الخوض في هذه الأشياء». 
أمّا ابن سينا فقد كان امتدادًا لنهج أستاذه الفارابي سواء في تعاطفه 

وميله إلى الفلسفة اليونانيّة أو في محاولة التوفيق بين هذه الفلسفة وبين 

الدّين وسوف لا نتناول هنا موقفه في شيء من التحليل -كما فعلنا في 
موقف الفارابي- لأن الموفق المتافيزيقي لابن سينا سوف يغدو الموضوع 

الرئيسي الذي تتجه إليه سهام أبي البَرّكَات النَقرِيّة في هذه الرسالة. 
ولا يذهبن بنا الظن إلى أن الشيخ الرئيس كان يمثل الحلقة الأخيرة في 

سلسلة الفكر المتعاطف مع الفلسفة اليونانيّة» فلقد امتدت هذه السلسلة 

قرابة مائتي عام بعد وفاة ابن سيناء ممثلة في تلاميذه الذين خلفوه من بعده. 
وأول هؤلاء التلاميذ وأشهرهم هو: أبو الحسن بهمنيار بن المرزبان 

المتوفى سنة۸٥٤ه‏ عاش بعد وفاة شيخه ثلاثين عامًا مخلصًا أشد 

الإخلاص لمبادئه وفلسفته”". 
-كتابه: بين الدين والفلسفة في رأي ابن رشد وفلاسفة العصر الوسيط. (ص71). 

)١(‏ المرجع السابق: نفس الصفحة. 

(1) كان إيرانيًا مجوسيًا وقد أعجب به ابن سينا فضمه إلى حلقته» وما لبث أن صار عيئًا من 
أعيان تلاميذه وكان في بادئ أمره لا يحسن العربية وما إن تعلمها حتى أجادها وألف ہا 
کتبا ورسائل في الجكمّة: وقد أملى عليه ابن سينا كتاب «التعليقات»» وتذكر المصادر 
نه أسلم وإن كانت لم تحدد الفترة التي أسلم فيهاء قارن في هذا: محمد الخضري: = 


www.alimamaltayeb.com 


۹٦‏ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
أا ثانى هؤلاء التلاميذ فهو: أبو العباس اللوكري وكان تلميدًا 
لبهمنيار» وعن طريق اللوكري هذا انتشرت علوم الفلسفة بخراسان» وقد 
كان أقوى تمسکا بمنهج الشيخ الرئيس وفلسفته من أستاذه بهمنيار» وكتابه 
ابيان الحق وضمان الصدق» يشهد بتأثر عميق بالمَشَّائيّة السينوية» وقد 
توفي -كما يذكر بروكلمان- سنة۵۱۷ھ. 
أمّا ثالث هؤلاء التلاميذ فهو أفضل الدين الغيلاني» وقد كان تلميذًا لأبي 
العباس اللوكري» وقد أورد فخر الدّين الرازي بعض آراء هذا الحكيم بصدد 
نقده لمشكلة الرّمان عند أَرِسْطُو وقد سماه الرازي: الإمام أفضل الدّين”". 
وقد فلم على أفقيل الخيلاتي» عنلان الدين أبو يه ين قل 
السرخسي المتوفى سنة٥٤‏ ده ثم خلفه من بعده تلميذه فريد الدّين 
اما التيسابورئ الذى كان أستاذًا لتصير الدين الطوسى ©, وهنا دخحلت 
المَشَائيّة مرحلة جديدة هي مرحلة الدفاع عنها ومحاولة تجديدها على يد 
= سلسلة متصلة من تلاميذ ابن سينا في مائتي عام (ضمن مقالات المهرجان الألفي 
لابن سينا ببغداد ص٤‏ 5) وأيضًا: عبد الرحمن بدوي في تصديره لكتاب: التعليقات 
لابن سينا ص۷. 
(١)انظر‏ تصدير عبد الرحمن بدوي لكتاب التعليقات لابن سينا ص8. ويقرر الدكتور 
بيس أذ كاب اللركري: لايناة الحق بشما الصندق) ليس إلا شرا ينس دولکن 
في التزام أمين- لطبيعيات كتاب الشفاء وهذا الاتزام يعكس لنا -بحق- مظهرًا من 
مظاهر تسلط المَشَّائيّة السينوية على الدوائر الفكرية آنذاك» وذلك رغم حملة الغزالي 
على تعد الات اة 
(۲) الرازي: محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين ص۲". 


(9) الخضيري: سلسلة متصلة من تلاميذ ابن سينا ص°۷٥0.‏ 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۹۷ 


الطوسي بعد أن كادت تقرض تحت الضيريات اللقدئة ية التي سددها إليها 
أبو البركات البغدادي ومن بعده فخر الدين الرازي“ 

۳-ثانيًا: موقف المعارضة: 

وهنا لا نستطيع أن نتبين -في صورة محددة- البداية الزّمنِيّة لمعارضة 
التراث اليوناني في الشرق الإسلامي؛ وذلك لان معارضة هذا الثرات قن 
بيدأت 98 شكل اوا متناثرة وفي غيبة عن الإطار المنهجي الذي 
يقدمها في كل منسق منتظم» فقد كان للمعتزلة -مثلا- وقفات نقدية لا 
يمكن تجاهلهاء إزاء بعض المفاهيم الفلسفيّة وخصوصًا عند إبراهيم بن 
سيار النَظّام في النصف الأول من القرن الثالث الهجري» حيث آلف في 
الرد على أبنادوقليس وأَرِسْطُو”". كذلك كان للأشاعرة صولات وجولات 
في هذا الصدد ولكن كل هذه المحاولات -رغم قيمتها النَقدِيّة- لم تبلغ 
شأن الحملة النَّقَدِيّة المنظمة التي شنها الإمام الغزالي على الفلسفة 
والفلاسفة في نهاية القرن الخامس الهجري. ولذا نجد بعض مؤرخي 
الفلسفة الإسلامية يعتبر الإمام الغزالي الممثل الحقيقي لموقف المعارضة 
وأن ما قبله من محاولات لم يكن يستند إلى أصول عامة أو يقوم على 
دراسة عميقة”"» ومهما يكن من أمر هذا الاختلاف فسنكتفي هنا بلمحة 
)١(‏ محمد بن سليمان التناكبني: قصص العلماء ص۳۷۸ (نقلا عن: بينيس في كتابه: 

.Nouvelles sur Awhad alzaman Abul Barakat, P. ">. 5 


(۲) أبوريده في ترجمته لكتاب ديبور: تاريخ الفلسفة في الإسلام» هامش ص۷١٠".‏ 
(۳) دي بور: تاريخ الفلسفة في الإسلام ص۷٠۳‏ من الترجمة العربية. 


www.alimamaltayeb.com 


۹۸ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 
عاجلة عن موقف الإمام الغزالي باعتباره أبرز من وقف للفلسفة المَسَائيّة 
وقفة نقدية قبل ظهور أبي البركات. 

ودون دخول في بيان المنحنى الفكري للإمام الغزالي والتطورات 
التي انتهت ت به إلى معارضة الفلسفة نقول: إن موقفه من الفلسفة اليونانيّة 
-ممثلة في الفارابي وابن سينا" - قد كان موقمًا واعيًا وذكيّا عرف ما لها 
وما عليهاء وين نَمَّ وجدنا لهذا الفيلسوف الإسلامي شيا -غير قليل- من 
التحرر استطاع من خلاله أن يقول كلمته التي كانت -فيما أرى- صادقة إلى 
مدى بعيد» فالغزالي لم يقع في أسر هذا الفكر ولم يدر في فلكه كما صنع 
الفلاسفة المسلمون من قبله» وهو في نفس الوقت لم يرفضها في جملتها 
منذ البداية معتقدًا أنها شر وخطرء وقد عاب الإمام الغزالي على المتكلمين 
نقدهم للفلسفة دون الوقوف على ماهية هذه الفلسفة مما كان سببًا في أن 
يجيء نقدهم في صورة «كلمات معقدة مبددة ظاهرة التناقض"”" ومن نَم 
قصد الغزالي إلى دراسة الفلسفة أولا متفرغًا لها على مدى ثلاث سنوات 
حتى إذا ما ستطاع أن يقف على أغوارها قصد إلى تأليف كتابه «مقاصد 
الفلاسفة» الذي لخص فيه العلوم الفلسفيّة» ثم قفى عليه بكتاب سماه 
«تهافت الفلاسفة» ناقش فيه بعضًا من الأفكار الفلسفيّة التي انتهت ت به إلى 
تكفير الفلاسفة وتفسيقهم. 

ومُقَدّمة كتاب المقاصد تبين لنا موقف الغزالي من الأقسام المختلفة 
(۱) سليمان دنيا: في مقدمته لكتاب مقاصد الفلاسفة للغزالی ص5١‏ . 
(؟) الإمام الغزالي: المقذ من الضلال ص 5". 1 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۹۹ 


لعلوم الفلاسفة» فهو يتفق معهم فيما يتعلق بالعلوم الرياضية لأنها تقوم 
على أساس عقلي لا يتطرق إليه الخطأء أمَّا الإلهيات فالصواب فيها نادر 
وأكثرها قائم على الخطأء وبالعكس من ذلك: المنطقيات فأكثرها على 
نهج الصواب والخطأ فيها نادر. أمّا الطّبيعيات فالحق فيها مختلط بالباطل» 
والصواب فيها متداخل مع الخطأ". لكن كتاب «تهافت الفلاسفة» يضع 
أيدينا -في صورة محددة- على الجوانب الفلسفيّة التي رفضها الإمام 
الغزالي واعتبرها مخالفة للحق» وقد كانت هذه الجوانب مما يتعلق 
بالإلهيات والطبيعيات من العلوم الفلسفيّة» ومعنى هذا أن نقد الغزالي 
للفلاسفة كان في مسائل معينة تعلق أكثرها بالإلهيات كما تعلق بعض منها 
بالطَّيعيات» وهذه المسائل التي اقتصر عليها الإمام الغزالي هي مسائل 
دينيّة أو ذات مجال مشترك بين الدّين والفلسفةء وقد كان للفلسفة فيها 
حديث لا يرضى عنه الذّين فضلا عن النتائج السيئة التي تلتصق به من جراء 
هذا الموقف الفلسفي المتهافت. ومعنى ذلك أيضا أن نقد الإمام الغزالي 
للفلسفة لم يكن نقدًا شاملا استعرض فيه المباحث الفيزيقيّة والميتافيزيقيّة 
بغرض التقويم والتمحيص. بل كان نقدًا محدودًا في مجال ضيق هو 
المجال الذي تواجهت فيه الفلسفة مع الدّينء وإذَا فمحاولة الغزالي هذه 
ما كان الهدف منها تكوين موقف فلسفي يستطيع من خلاله -رفض هذه 
الفلسفة أو قبولها وإنّماكان الهدف انتزاع الثقة من التّظّام الفلسفي وبالذَّات 
في مجال الميتافيزيقا ليتسنى له اللجوء إلى الوحي لاقتناص الحقائق 


.7-1 ١ص الإمام الغزالي: مقاصد الفلاسفة‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


ا موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 
الغيبية الخالدة. ونقد الإمام الغزالي هنا لا يتعلق بالتفصيلات والجزئيات 
بقدر ما يتعلق بالأساس الذي تقوم عليه هذه البنايات الفلسفيّة. وهدف 
الغزالي يكاد ينحصر في تنفير الناس من الفلسفة بإثبات عدم جدواها في 
المجال المتافيزيقي» وهو هدف استطاع الإمام الغزالي أن يثبته ويصل إليه 
عبر نقاش عقلي حر بعيد كل البعد عن استخدام الأدلة النقلية» وإن كانت 
غايته من هذا العمل غاية دينيّة محضة. 

بيد أن الغزالي في نقده هذا قد أعلن آله لا يلتزم مذهبًا بعينه ولا 
منهجًا بعينه» لآن موقفه في هذا النقد موقف إنكار ورفض منذ البداية» وهو 
موقف النفي والسلب لا موقف الإثبات والإيجاب» وقد كان أمرًا 


ي 
0 


أن يفتح الإمام الغزالي الأبواب لكل فكرة أو مذهب يقف إلى جواره ضد 
هؤلاء لأن الهدف إذا كان هو الرفض وإثارة الغبار في وجوههم فليحشد 
كل هذه المواقف المعادية للفلسفة من أجل هذا الهدف. يقول الإمام: «لا 
أدخل في الاعتراض عليهم إلا دخول مطالب منكر» لا دخول مدع مثبت» 
فأبطل عليهم ما اعتقدوه مقطوعًا بإلزامات مختلفة فالزمهم تارة مذهب 
المعتزلة» وأخرى مذهب الكراميّة» وطورًا مذهب الواقفية» ولا أنتهض 
ذابًا عن مذهب مخصوص. بل أجمع جميع الفرق إلبّا واحدًا عليهم فإن 
سائر الفرق ربما خالفونا في التفصيل» وهؤلاء يتعرضون لأصول الدّين» 
فلنتظاهر عليهم فعند الشدائد تذهب الأحقاد»”". ونستنتج من هذا النّضّ 
اض 


.۸۳-۸۲ الإمام الغزالي: تهافت الفلاسفة ص‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ٠١‏ 


الأمر الأول: إن الذي دفع الإمام الغزالي لشن حملته الشعواء 
على الفلسفة هو تعرض هؤلاء الفلاسفة لأصول الدين» الأمر الذي 
يجعل نقد الغزالي -وإن استخدم فيه الحوار العقلي الفلسفي- نقدًا 
من وجهة نظر دينيّة» أو بعبارة أخرى: هو الرد الديني على بعض 
المباحث الفلسفيّة المدعم بالعقل والحجة للوصول إلى بيان تهافت 
هذه الفلسفة فى مجالات معينة. 

الأمر الثاني: إن نقد الغزالي هذا لم يكن يصدر عن اتجاه محدد يلتزم 
به ويطبقه على جميع المباحث الفلسفيّة: الطبيعية والميتافيزيقيّة» بل كان 
الالتزام هنا بمنهج محدد يغض - إلى حد ما- من قيمة هذا النقد» وذلك من 
وجهة نظر منهجية محضة» لأنه أولا: يغدو نقدًا محصورًا في نطاق ضيق 
لا يتخطاه إلى مجال نقد شامل مطبق في كل مناحي هذه الفلسفة» ولأنه 
مبدأ أو مبادئ تستقطب العمل الذي يراد نقده ويلتزم بها الناقد كي تستبين 
على ضوئها مواطن القوة ومواطن الضعف أو مواضع الصحة ومواضع 
الخطأ. أما النقد على أساس من مواجهة المذاهب المتناقضة مواجهة يهدم 
الشيفن قبها نقيضه فهذا هما قل لأ بس تدا متمد | خضوصا إذا ما طبق 
في مجال كمجال الفلسفة حيث لا يوجد اتجاه إلا ويوجد إلى جواره اتجاه 
مخالف. وقد كان على الإمام الغزالي إزاء حملته هذه أن يصدر عن موقف 
نقدي محدد واضح القسمات والملامح لا أن يشكل مذهبًا نقديّاء كل لبنة 


www.alimamaltayeb.com 


۱۰۲ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


فيه من مدرسة قد لا تلتقي من قريب أو بعيد مع مدرسته الفكرية. ومن 
هنا نستطيع القول بأن فائدة نقد العزالي إنما تكمن في هذه المواجهة التي 
انتتصرت فيها المفاهيم الدّينيّة على مقررات الفلسفة المَشَّائية. 

أمّا المنطق فإن الإمام وإن كان قد قبله ورضي عنه» إلا آنا نجزم بأن 
مبعث رضاء الإمام الغزالي هنا ما كان هو العبقرية الإغريقِيّة وما لها من 
عصمة أضفاها عليها الفلاسفة السابقون, لأن الإمام الغزالي ما تصباه الفكر 
الإغريقي إلى الحد الذي يعتقد فيه يقينيّة هذا الفكر» ولكن لأن الغزالي 
رأى في المنطق علمًا عامًا لا يختص بالفلاسفة وحدهم. وإِنَّما نعثر عليه 
في كل مجال يتنفس في الفكر البشري. ونستدل على ذلك بأمرين: 

أولا: نض من كنات «تهافت الفلاسفة» يقول فيه: «نعم قولهم: إن 
المنطقيات لابد من إحكامها هو صحيح» ولكن المنطق ليس مخصوصًا 
بهم» وإلّما هو الأصل الذي نسميه في فن الكلام: كتاب التّظرء فغيروا 
عباراته إلى: المنطق تهويلاء وقد نسميه: كتاب الجدل» وقد نسميه: مدارك 
العقول» فإذا سمع المتكايس المستضعف اسم المنطق ظن أنه فن غريب 
لا يعرفه المتكلمون ولا يطلع عليه إلا الفلاسفة)”©. 

ثانيًا: المحاولة التي قام بها الغزالي في كتابه: القسطاس المستقيم 
والتي جرد فيها المعاني المنطقِيّة من أسمائها التي وضعت لهاء ثم ألبسها 
بعد ذلك مصطلحات جديدة لم تستعمل فيها من قبل» وإصراره على 
استخراج هذه القوانين المنطقِيّة من القرآن الكريم. فمثلًا: يسمي الشكل 
)١(‏ الغزالي: تهافت الفلاسفة ص٥۸.‏ 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۴ 


الأول من أشكال القياس الحملي: الميزان الأكبر من موازين التعادل» 
ويسمي الشكل الثاني الميزان الأوسط. أمّا الشكل الثالث فيسميه: الميزان 
الأصغر كما يطلق على القياس الشرطي المتصل: ميزان التلازم» وعلى 
القياس الشرطي المنفصل: ميزان التعاند". 

ومعنى ذلك أن المنطق في نظر الإمام الغزالي ليس غريبًا على روح 
القرآن الكريم وإِنَّما هو متضمن فيه بشكل غير مباشر» وهذا يجعلنا نعتقد 
أن مبعث احترام الغزالي للمنطق ليس لأنه أرسطي» بل لأنه منهج ذو 
طبيعة تتخطى حدود الرّمان والمكان» وآية ذلك تلك المحاولة التي قام بها 
للتدليل على أن القرآن الكريم يحمل بين ثناياه هذا المنهج. 

ويعرب الغزالي عن قصده -في صراحة ووضوح- حين يدير -في كتابه هذا- 
حوارًا بينه وبين سائل من آهل التعليم يقول فيه السائل: «هذه الأسامي أنت ابتدعتهاء 
وهذه الموازين أأنت انفردت باستخراجها أم سبقت إليها؟»» ويجيب الغزالي: «أمّا 
هذه الأسامي فإني ابتدعتهاء أمّا الموازين فأنا استخرجتها من القرآن الكريم» وما 
عندي أني سبقت إلى استخراجه ولها عند مستخرجيها من المتأخرين أسماء أخر 
سوى ما ذكرته» وعند بعض الأمم السابقة على بعثة محمد وعيسى -صلى الله 
عليهما وسلم- أسام أخرى كانوا قد تعلموها من صحف إبراهيم وموسى -عليهما 
ا اراد ورهن ی عل ادل کر ا اا لسر غ اسرد ا 
فرعن د اريك را ف ا 


© ارال القسيطاين الس (مم مجر الجراهر العوالي): 
(۲) المصدر السابق ص ١76‏ . 


www.alimamaltayeb.com 


۱٤‏ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


و إذًا فهذا النّضّ قاطع في أن هذه الموازين من حيث هي موازين -فيما 
يرى الإمام الغزالي- مستخرجة من صحف إبراهيم وموسى 25إ1. وأنها 
من هذا المنطلق تند عن أن تكون بذاتها أثر بيئة خاصة ذات مكان محدود 
وزمان معين» بل هي موازين تتميز بصفة العموم» وأن الذي تفعله كل أمة 
هو الكسوة التعبيرية الاصطلاحية التي تخلعها على هذه الموازين» ومن ته 
كان للغزالي تعبيراته الخاصة التي تتواءم مع الفكر الإسلامي. 

وهكذا نستطيع أن نقول: إن رضا الغزالي عن المنطق كان -في 
النهاية- مما يمت إلى الدّين بوشيجة قربي» فما دامت هذه الموازين ذات 
صلة بالمنهج الإلهي فليس أمام الغزالي إلا أن يتقبلها ويخلع عليها ثوب 
تقع به في النفوس موقع رضا وطمأنينة. وإِذا فموقف الغزالي من الفلسفة 
اليونانيّة مرتبط بعقيدته الأشعرية أشد الارتباط» بل لا نجاوز الحد لو قلنا: 
إن عقيدته هي التي كانت وراء موقف الرفض والنقد. وهي هي بعينها التي 
كانت وراء موقف القبول كذلك. 

٤‏ -ثالغا: موقف أبي البَرَكات البغدادي: 

أمَا أبو البَرَكّات فإنه وإن أمكن اعتباره امتدادًا للتيار التّقَدِئٌ الذي بدأه 
الإمام الغزالي من قبله إلا أنه كان نمطًا آخر في نقده للفلسفة المَشَّائِية 
وظاهرة غير متوقعة في الامتداد الفكري الفلسفي في الشرق الإسلامي» 
وبالرغم من الدور العظيم الذي اضطاع به الإمام الغزالي قبله فقد كنا في 
حاجة إلى ظهور موقف نقدي ذي منطلق فلسفي خالص نتعرف من خلاله 
وعبر تأملاته العقليّة المحضة على هذا الاتجاه المَسَّائي في الفلسفة» وقد 


www.alimamaltayeb.com 


راحم الطب ۱۰۵ 
كان آبو ال كات - إلى خد بعيد- هو صاحب هذا الموقف النقدى المرثقب. 

وأول شيء يفجؤنا به هنا في هذا المجال هو خروجه عن التقليد 
الفلسفي الذي كان سائدًا من قبل» وأعني به محاولات التوفيق بين الدّين 
والفلسفة باعتبارهما مظهرين لحقيقة واحدة» فمسائل الخلاف بين الدين 
والفلسفة لا تستهوي نزعة التجديد التي كانت تضطرب بين جنبات 
فيلسوفناء ثم إن أبا البرَكَات ما كان حسن الظن بهذا الثراث الفلسفي حتى 
يزاوج بينه وبين الدّينء بل ما كان هذا التراث -في نظره- إلا فيضا من 
الإفساد المستمر وسوء التأويل للحقيقة الفلسفيّة القديمة في حد ذاتها". 
وهذا هو معقد الطرافة في فيلسوفنا حين يتنبه بحدسه الباطن إلى زيف هذا 
التراث وأنه لا يمثل الحقيقة من حيث هي هي» فيقف منه موقف الشك 
والريبة ثم موقف الاتهام والنقد وهو بهذه الخصيصة فيلسوف بكلّ ما 
تحمل هذه الكلمات من معنى بغض النظر عن النتائج التي يسلم إليها 
هذا الموقف الشكي التَّقَدِيّ. 

إن مُقَدّمة كتاب المعتبر -رغم اختصارها وإيجازها- تتميز بأهميّة 
قصوى في التعرف على الاتجاه الفلسفي لأبي البركات» إذ كانت هذه 
المُقَدّمة -من بين سائر كتبه ومؤلفاته- المجال الوحيد الذي صرح فيه 
أبو البركات بشيء ينم عن اتجاهه» وفيما عدا هذه المُقَدّمة لا يكاد يصل 
الباحث عن الأصول الفكرية لفلسفة أبي البَرّكَات ولموقفه التَقِدِيٌ إلى 
شيء ذي بال إلا بعد مشقة وعسر شديدين. وأكبر الظن أن اهتمامه بنقد 


)١(‏ هنري كوربان: تاريخ الفلسفة الإسلاميّة ص758 (من الترجمة العربية). 


www.alimamaltayeb.com 


4 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
الما وإصافحيا فد كان شعله الشاغل الذى اسرق تفكيره كاه 
بحيث لم يعد مهما لديه -بعد هذا- أن يبين لنا في شيء من الصراحة 
والوضوح الينابيع المباشرة وغير المباشرة لفلسفته التّقَدِيّة وقد يكون هذا 
فرضًا مقبولًا إذا أخذنا في الاعتبار سيطرة الفلسفة المَشَّائِيَّ وتسلطها في 
الشرق الإسلامي بعد ابن سينا. 

ومهما يكن من أمر هذه الينابيع فإن مُقَدّمة كتاب المعتبر تربط بين 
أمرين ذوي قيمة كبرى في التعرف على المنهج الفلسفي عند فيلسوفناء 
هذان الأمران هما: 

أولا: تصوره الشخصي للتاريخ العام للفلسفة وما يترتب على هذا 
التصور من نتائج خطيرة. 

ثانيًا: منهجه الذي يلمع إليه في إشارة خاطفة بعد ذلك. 

أمّا عن الأمر الأول: فإن أبا البرّكات يرى أن التعليم الفلسفي في قديم 
الزّمان كان يتم عبر طريق التلقي والمُشافهة بين الأستاذ والتلميذ» وفي 
زعمه أن هذا المنهج في التعليم هو خير ضمان لاستمرار الحقيقة الفلسفيّة 
سليمة نقِيّة. لأن طبيعة هذا الضرب من التعلم ذات إمكانات لا تكاد توجد 
في غيرها من الضروب الأخرى: فهنا يلتقي الأستاذ مع تلميذه التقاءً مباشرًا 
يصبح معه استعداد التلميذ لتلقي العلم أمرًا واضحًا لدى الأستاذ» ومن ته 
يعطيه أستاذه القدر الذي ينبغي أن يعطاه في وقته المناسب وعلى قدر ما 
عنده من المعرفة والعلم اللازمين لهذا التلقي المباشر”"» والنتيجة في هذا 


(١)أبو‏ التزكات: المعدير: المقدّمة صن ١‏ 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۱۷ 


الام التعليمي عند أبي البركات هي: «ألا يصل علمهم (الحكماء) إلى 
غير أهله ولا إلى أهله في غير وقته» ولا على غير الوجه الذي يليق بعلمهم 
ومعرفتهم وذكائهم وفطنتهم)"". 

ومما ساعد على أن تظل الحقيقة الفلسفيّة خالصة في هذا المنهج أن 
العلماء الحكماء وتلاميذهم في عصورهم السحيقة كانوا كثيري العدد. 
طويلي الأعمار فكانت العلوم تنتقل من جيل إلى جيل على أتم تمامها لا 
تعدو عليها عوادي الضياع» ولا تطويها آفات النسيان» ثم -وهذا هو الأهم 
في نظر أبي البَرَكّات- لا يقع منها شيء إلى غير أهله. 

وقد استمر أمر التعليم هكذا حتى إذا «ما قصرت الأعمار وكلت 
الهمم وانقرض كثير من العلوم لقلة المتعلمين والناقلين أخذ العلماء في 
تدوين الكتب وتصنيفها لتحفظ فيها العلوم وتنتقل من أهلها إلى أهلها في 
الأزمان المتباينة والأماكن المتباعدة» واستعلموا في كثير منها الغامض من 
العبارات والخفي من الإشارات اللذين يفهمهما أرباب الفطنة ويعرفهما 
الأكياس من أهل العلم صيانة منهم للعلوم عن غير أهلها»”"» وهنا يزعم 
أبو البَرَكَات أن أولى مراحل الانحطاط الذي أصاب الحقيقة الفلسفيّة 
هي تلك الفترة التي اضطر فيها الحكماء لتقييد العلم وكتابته وتدوينه في 
الصحف والقراطيس نتيجة نقصان عددهم وقصر أعمارهم» وقد اضطر 
)١(‏ المصدر السابق: نفس الصفحة» وأيضًا: 2240 Pines: Abul Barakat’s Poetics‏ 


.metaphysics 


(۲) المصدر السابق ص" وأيضًا: 4-Pines: Nouvelles. 2. ١‏ 


www.alimamaltayeb.com 


۱۰۸ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
الحكماء لذلك لكيلا تضيع هذه العلوم» ولكي تصل إلى أهلها عبر توالي 
الأزمنة وتباين الأمكنة. ومرد انحطاط الحقيقة الفلسفيّة فى هذه الفترة هو 
اضطرار الحكماء إلى استعمال الكثير من العبارات الغامضة والإشارات 
الخفية حتى لا تصبح هذه الحقائق العلميّة حمى مباحًا يقتحمه من لم 
يكن من أهله. فالغموض الخفاء هنا سوف يغدوان في مرحلة تالية مثار 
العلم بالجهل. وهنا المرحلة الثانية -فيما يزعم فيلسوفنا- لضياع 
الحقيقة الفلسفيّة» إذ قد ترتب على انتشار هذه المؤلفات بما تحمل 
من وموز خحفية وإشارات غامضة أن كثر الشارحون والمؤولون من 
كل صوب» وكانت النتيجة أن اختلط كلام الفضلاء بكلام غيرهم» 
وضاعت الحقيقة بين هذه الشوائب والأخلاط. 

ويضيف أو ابر كات إلى زعمه هذا سببًا -نراه وجيهًا إلى حد بعيد- 
عصر إلى آخر مما يجعل احتمال التغيير والتبديل فى العبارات والمعانى أمرًا 
محتملاء وعنده أن الشراح المتأخرين قدساهمو ابنصيب غير منقوص في ضياع 
العلم الحقيقي بسب تطويلهم وتكرارهم وبعد كلامهم عن مراد الأقدمين. 

وهكذا أوصد أبو البَرَكَات الباب في وجه التراث القديم كما أوصده 
في وجه التفاسير والشروح التي جاء بها المحدثون.... أمًا بالنسبة للتراث 
«فلاختصاره واختلال عبارته في نقله من لغة إلى لغة» وأمًّا بالنسبة لكلام 
المحدثين -ولعله يقصد ابن سينا بالذّات- «فلأجل طوله (الكلام» وبعد 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۱۹ 


في كثير من المواضع إما للغموض وإما للإعراض» فيتعذر الفهم لأجل 
العبارة والشرح» والعلم لأجل الدليل والبينة»'. 

ونستخلص من هذا الموقف الذي يقفه أبو البَرّكّات من التاريخ العام 
للفلسفة ما يلى: 

أولا: إن العصر الذهبي للحقيقة الفلسفيّة هو أيام كان البحث فيها عن 
طريق التلقي الشفهي وحضور التلميذ أمام الأستاذ حضورًا مباشرًا. 

ثانيًا: إن الحقيقة الفلسفية لها طابع السرية والغموض ضرورة لجوء 
الحكماء إلى استعمال الرمز والإشارة فى معالجة المضامين الفلسفية. 

ثالثًا: إن هذه الحقيقة قد اختلط فيها الحق بالباطل حين انتقلت من 

وأبو البركات في هذا الموقف الذي وقفه مع التاريخ العام للفلسفة 
ممثلا في النقطتين: الأولى والثانية متأثرًا أشد التأثر بالمفكرين المسلمين 
الذين سبقوه في هذا المضمارء فالفارابي يذكر: «أن أفلاطون كان يمنع 
في قديم الأيام عن تدوين العلوم وإيداعها بطون الكتب دون الصدور 
الزكيّة والعقول المرضية» فلما خشى على نفسه الغفلة والنسيان وذهاب 
ما يستنبطه وتعسر وقوفه عليه» حيث استغزر علمه وحكمته وتبسط فيهاء 
اختار الرموز والألفاظ قصدًا منه لتدوين علومه وحكمته على السبيل الذي 
)١(‏ أبو البركات: مُقَدّمة كتاب المعتبر ص ”2 وأيضًا: مقدمته لشرح سفر الجامعة لوحة 


رقمه (مخطوط). 


www.alimamaltayeb.com 


۱۱۰ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


لا يطلع عليه إلا المستحقون لها والمستوجبون للإحاطة بها طلبًا وبحقًا 
وتنقيرًا واجتهادًا»”" وابن سينا يذهب في بعض رسائله إلى أن «أجلة فلاسفة 
يونان وأنبياءهم كانوا يستعلمون في كتبهم المراميز والإشارات التي حشوا 
فيها أسرارهم كفيثاغورث وسقراط وأفلاطون» وأن أَرِسْطُو قال في رسالته 
التي بعث بها لأستاذه أفلاطون الذي لامه على تدوين كتبه: «لقد تركت في 
كتبي مهاوي كثيرة لا يقف عليها إلا القليل من العلماء العقلاء)”". 
ويسير البيروني في نفس الدرب فينقل عن جالينوس أن تعليم الطَّبّ 
كان قاصرًا على أسرة بعينها هي أسرة (أسقليبيونس)» وقد كان بين هذه 
الأسرة أيمان وعهود على أن يبقى تعليم الطَّبّ بينهم لا يبرح ساحتهم 
إلى غيرهم» وقد ظل تعليم الطب قاصرًا على هذه الأسرة في مدرستي 
«رودوس» و«قبرص» لا يغادهماء إلى أن أشفق «بقراط» على الصناعة 
وخشي عليها من الضياع» فلجأ إلى تخليدها في كتاب. أمّا طريقة التعليم 
في هاتين المدرستين فقد كانت طريقة التلقي والاستماع» ويعلق البيروني 
على حكاية جالينوس هذه فيقول: «وهذا الذي حكي عنهم هو أحد 
الأسباب الحافظة للصناعة عن التخليط»”" أمّا ابن النديم فإنه يذهب في 
هذا الصدد إلى نفس ما ذهب إليه سابقوه -تقريبًا- فالحكمّة -في العصور 
الخوالي- كانت حجرًا على أهلهاء وقد كان دأب الفلاسفة أن ينظروا في 
)١(‏ الفارابي: المجموع ص”77. 
(؟) ابن سينا: رسالة في إثبات النبوات (ضمن تسع رسائل في الحكمّة والطبيعيات) ص٤١٠‏ . 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 11 
مواليد تلاميذ الحِكمّة «فإن علمت منها أن صاحب المولد في مولده حصل 
ذلك له اسمغدهره وناو لو الجكمة وال قا 

وإِذَا فأمر يكاد يكون متفقا عليه أن الفلسفة الحقيقة قد كانت -في 
بادئ أمرها- تؤخذ شفامًا عن الفلاسفة والحكماءء وأنها كانت مصونة 
عن التبديل والتحريف» ثم لما اضطر العلماء لتدوين هذه الحقائق دونوها 
بأسلوب يحفظ عليها نقاءها وصفاءهاء وقد كان هذا الأسلوب هو أسلوب 
الرمز والإشارة. ويرى بعض الباحثين أن أساس هذه الفكرة نص أفلاطوني 
في محاورة «فيدروس» يحذر من تدوين العلوم ل إذا كان على طريقة 
الرمز”» وأن هذه الفكرة دلفت -فيما بعد- إلى الفلسفة الإسلاميّة -كما 
رأينا عند الفارابي وابن سينا وغيرهما -كما تأثرت بها أيضًا الفلسفة 
اليهودية ممثلة في الفيلسوف اليهودي موسى بن ميمون» الذي تقلد هذه 
الفكرة فزعم أله في كتابه دلالة الحائرين متقيد بمنهج القدماء في منعهم 
المطلق لتعميم الحقيقة بين الناس» كما ادعى أيضًا أن مذهبه الحق مشتت 
بعد غير كاد الا ا 

وهكذا يلتقي أبو البرّكات مع الفلاسفة المسلمين واليهود في هذا 
الور للتاريخ العام للعلم والفلسفة» ولكن بينما يتوقف هؤلاء عند هذا 


.7 5١ص الفهرست‎ )۱( 
.Paul Kraus: Jabir Ibn HayyanlP. xxxi (؟)‎ 


(۳) دلالة الحائرين ص" 5» ۲۲. وانظر المصدر الأصلي في هذا الموضوع: يسبس في 
كتابه السابق ص7 ١‏ وما بعدها. 


www.alimamaltayeb.com 


۱1۱۲ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


الحد الذي لا تعتبر فيه الحقيقة الفلسفيّة أمرّا موجودًا بالفعل ولكن في 
ثوب رمزيء إذا بأبي البركات يستغل نفس الفكرة ليتجه بها صوب هدف 
معاكس تماما: فما دامت الفلسفة قد دونت فى الكتب بصورة غامضة ذات 
ألغاز وأسرار فلابد وأن تقوم محاولات لفض هذه الأسرار وفتح مغاليقهاء 
ولابد أيضًا أن تنشأ شروح وتفاسير لا تعبر عن هذه الحقائق المكنونة وراء 
عوائق التلميح والتلغيز بقدر ما تعبر عن انطباعات أصحابها وأفكارهم» 
فإذا نظرنا ا هذه الشروح والتفاسير ابتداء من العصور القديمة للفلسفة 
وعبر تلك الآماد استطعنا أن ندرك صعوبة التعرف على العلم الحقيقي من 
بين هذه الأكداس المتراكمة من التظريات والاتجاهات» نعم لابد أن تضيع 
معالم هذا العلم وتختفي ملامحه وقسماته ليصبح أَثرًا بعد عين”"', وهنا 
تفترق نظرة أبي البرّكات عن نظرة سابقيه: فإذا كان هذا التَصَوّر عند هؤلاء 
قد انتهى بهم إلى إقرار الحقائق العلميّة والفلسفية وإثباتها وإمكان الوصول 
إليها إذا توفرت في الباحث عنها أهلية البحث والاجتهاد والتنقيب» فإن 
نفس هذا التّصَّوّر قد انتهى بفيلسوفنا إلى فكرة ضياع الحقيقة وانطماسها 
كما يقول. وهنا أيضًا ينفذ أبو البَرَكَات إلى مقصوده الذي يبتغيه من وراء 
هذه المناقشة وهو: أن التراث الفلسفي السائد في عهده تراث مزيف» فيه 
من الجهل بقدر ما فيه من العلم» وفيه من الحق مثل ما فيه من الباطل» وأن 
كل هذا قد اختلط فيه اختلاطًا لا يدري معه وجه العلم ولا سمت الحق. 


() أبو البَرّكات: المعتبر في الجكمّة ج١‏ ص". 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۱۱۳ 

ومما لا شك فيه أن محاولة أبي البركات هذه وموقفه من الفلسفة أو 
من العلم بوجه عام تتأدى في النهاية إلى أن الفلاسفة الإسلاميّين الذين 
سبقوه في مجال التفلسف لم يدركوا الحقيقة أو العلم إلا على وجه 
مشوش مزيف وبالتالي تكون آراء هؤلاء -وعلى رأسهم الشيخ الرئيس- 
آراء مزيفة في نظره» إذ هي مبنية على تراث تطرق إليه الزيف والتحريف 
عبر سنين طويلة» وأبو البَرَكّات وإن كان لا ينص على هذا الزعم الخطير 
صراحةء إلا أن نصوصه تتضمن هذا الزعم والإشارة إليه. ولنستمع إليه في 
هذا النّسَ الذي يقول فيه: «فلما قدر لي الاشتغال بالعلوم الحكميّة بقراءة 
الكتب التي نقلت فيها عن المتقدمين» والتفاسير والشروح والتصانيف 
التي شرحها وصنفها المتأخرون» كنت أقرأ كثيرًا وأكب عليه إكبابًا طويلا 
حتى أحصل منه علمًا قليلًا لأن كلام القدماء كان يصعب فهم كثير 
منه لاختصاره وقلة تحصيله ومحصوله واختلال عباراته في نقله 
من لغة إلى لغة وكلام المتأخرين لأجل طوله وبعد دليله عما يدل 
عليه وحجته عن محجته وإعواز الشرح والبيان المحققين في كثير 
من المواضع إما للغموض وإما للإعراض» فيتعذر الفهم لأجل 
العبارة والشرح» والعلم لأجل الدليل والبينة»0". 

وهكذا يقسم أبو البركات أمر العلم والمعرفة باعتبار مظانهماء فهي 
إما كتب القدماء أنفسهم» وإما شروح المتأخرين وتفاسيرهم» وقد كانت 
العقبات التي وقفت دون تحصيله للعلم من كتب القدماء التي نقلت عنهم 


)١(‏ مقدمة كتاب المعتبر: ص۴ 


www.alimamaltayeb.com 


۱1٤‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 
هي الاختصار واختلال العبارة بسبب النقل من لغة إلى لغة أخرى. أمًا 
كتب المتأخرين -وهو ما يعنينا هنا- فهي سرد وتطويل» يبعد فيه الدليل 
ميدن عليه كا رقص ی ر لئے اومان الكت سرامي لكالا 
ثم ينص أبو البرّكات على استحالة الفهم وتعذر العلم في هذه الشروح 
التي اضطلع بها المتأخرون إزاء علوم الأقدمين. فهل بعد هذا الزعم الذي 
زعمه فيلسوفنا يصبح للفلسفة المَشَّائيّة -تلك التي كانت تمثل التفاسير 
والتصانيف التي تعبر عن العلوم الحكميّة في عهد أبي البرّكات- قيمة 
أو مكانة ذات خطر من وجهة نظره. 

إننا نكاد نعتقد أن أبا البَرّكات بحديثه هذا كان يحوم حول هذه 
النقطة التي يريد أن ينتزع فيها المكانة الفلسفيّة التي كان يتربع على 
عرشها الشيخ الرئيس ليضفيها على نفسه من جديد باعتباره مصلحًا 
ومجدذا لهذا الفكر الكقل المرتيك: 

وإِذًا فنحن هنا - وحسبما يريد لنا أبو البركات- أمام موقف من مواقف 
الشك الفلسفي الذي كان يتقلده بعض الفلاسفة على تنائي أوطانهم 
وتباعد أزمانهم. وحقيقة يشبه هذا الموقف الشكي -إلى حد كبير - ذلك 
الموقف الذي سيقفه الفيلسوف الفرنسي ديكارت «أبو الفلسفة الحديثة» 
من التراث الفلسفي القديم» وبالرغم من اختلاف المنطلق عند كل منهما 
إلة آنيجا قد لقي عدت ما ان على هذا الراك والشتعون وة 
التمحيصء ويقرر «بينيس» أن أبا البَرَكَات كان أكثر جدية في توجيه النقد 
إلى هذا التراث من «ديكارت»» ذلك أن ديكارت حينما شك في المبادئ 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 11۵ 
التي تقوم عليها الأفكار والمعارف القديمة ضرب صفحًا عن هذه الأفكار 
دون التعرض لنقدها في صورة جزئية يتناول فيها مسألة مسألة أو يتناول 
فيها طائفة من المسائل كنموذج لنقده هذا”". أمًا أبو البَرَكَات فإنه وإن شك 
في هذا الفكر جملة وعلى وجه كلي في بادئ الأمر إلا أله ما لبث أن كر 
بشيء غير قليل من النقد المفصل لمعظم مشاكل هذا الفكر» بحيث لم 
يطرح المضامين الفلسفيّة الأرسطيّة إلا بعد أن وضعها على محك النقد 
والاختبار ووقف أمامها طويلا قبل أن يدلي فيها برفض أو قبول» وهذا 
ما لم يفعله الفيلسوف الفرنسي الذي اكتفى بتوجيه النقد للآسس التي قام 
عليها الفكر القديم دون الدخول في ثنايا مضامينه ونظرياته. 

وأبو البَرَكات بهذا الموقف الشكي القائم على منهج فلسفي يعتبر 
ظاهرة نادرة في ذلك العصر الذي كان من أخص خصائصه تقديس 
الفلسفة الأرسططاليسيّة والتكبل بأغلالها وقيودها. وحقيقة كان موقتف 
أبي البَركات ثورة على الجمود العقلي في مجال الفلسفة آنذاك» كما كان 
بمثابة نقطة التحول من فلسفة عقلية ضالعة في التمسك بالعقل والارتداد 
إليه في كل شاردة وواردة. إلى فلسفة جديدة تفتح الأبواب للحدس 
والتأمل الذَّائي وتحفل بهما أكثر مما تحفل بالاستدلال العقلي المجرد. 

ومما ينبغي أن نعيه هنا أن هذا المنهج التأملي لا يحملنا على القول 
بآذ أب کت كان لسو نا إشتراقناه أو كان فط فل من الا إلى 


.5. Pines: Abul-Barakatis Poetics and Mataphyocies. 2. 1۲7 (1) 


www.alimamaltayeb.com 


۱۱٦‏ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
الإشراقِيّة كما يذهب إلى ذلك بعض الباحثين"» لأن هذا التأمل -فيما 
نعتقد- هو أقرب إلى الرؤية العقليّة منه إلى الإدراك الذوقي الصوفي. وأكبر 
الظن أن فيلسوفنا حين شغف بالتأمل الذَّاتي كمنهج يقبض عليه بكذّتا يديه 
إنما كان منه ذلك لأنه أراد أن يكفكف من غلواء المنهج العقلي الصارم 
الذي استمسكت به الفلسفة المَشّائيّة في وة وعنف شديدين» ولأنه أيضًا 
يقضي على الفرقة التي يتمخض عنها هذا المنهج العقلي بين الخاصة 
التي يمكنها إدراك الحقائق الفلسفيّة بما لها من أهلية البحث والتجرد. 
والعامة التي يتعذر عليها الاستشراف لمثل هذه الحقائق لأنها تفقد مثل 
هذا المنهج» فاللجوء إلى هذا المنهج الذي لا يمتنع على عامة الناس 
يتفق وطبيعة الفكر عند أبي البَرَكَات تلك التي تتعاكس مع طبيعة الفكر 
الشات وتختلف معه. 

وإنا وإن كنا نلتقي ببعض لفتات صوفية ذوقِيّة عند فيلسوفنا إلا أن 
هذه اللفتات -وبرغم ندرتها- ذات ظلال باهتة بحيث لا تغدو شيئًا ذا 
بال في منهج أبي البَرَكَاتَء على أن هذه اللفتات الصوفية الإشراقيّة -فيما 
أعلم- أمر مشترك نعثر عليه لدى جميع الفلاسفة المسلمين على تباين 
مناهجهم واختلاف أذواقهم. إنها أثر العقيدة الدّينيّة على هؤلاء المفكرين 
الذين اشتغلوا بالفلسفة الإغريقيّة» كما أنها أيضا أثر الأفلاطونيّة المحدثة 
المختبئة في التراث الإغريقي الذي نهل منه هؤلاء الفلاسفة الإسلاميُون 


(1) أبوريان: تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام (بالاشتراك مع الدكتور سامي النشار) 
ص۲۹۹ وما بعدها. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 11۷ 


وغير الإسلاميّين» ولعل الذي حمل هؤلاء الباحثين على اعتبار أبي 
البركات فيلسوفا إشراقيًا هو ما لاحظه هؤلاء من تأثر السهروردي شيخ 
الإشراق بكثير من أفكاره ونظرياته» بيد أن مثل هذا التأثر لا يدل على 
وة الاجا وإلا فنحن نعلم أن الإمام الرازي قد تأثر بأبي البركات في 
موقفه من الفلسفة اليونانية"“ ومع ذلك فد ظل الرازي مفكرًا عقليًا بحيث 
لا نستطيع أن نعتبره فيلسوقا إشراقيًا. 

الأسس المنهجية لموقف أبي البَرَكّات: 

وهنا لا نتوقع من أبي البرّكات -وقد زعم هذا الزعم- أن يعتمد في 
نقده للفلسفة المَشَّائيّة لا على كتب الفلسفة ولا على الفلاسفة أنفسهم 
لأن كلا من هذين المصدرين مدخول ومضطرب حسبما يرى. وإذًا فعليه 
أن يولي وجهه شطر مصدر يثق فيه ويغدو لديه معيارًا منطقيًا يفترق به 
الصواب عن الخطأ ولا يلتبس فيه الحق بالباطل» وقد كان هذا المصدر 
- حسبما جاء في مُقَدّمة «المعتبر»» وعبر لفتات منهجية نثرها في ثنايا هذا 
الكتاب -هو التأمل الذَّاتي المعتمد على فكره الشخصيء وهذا ما يعنيه 
أبو البركَات حين يقول: «وكنت أجتهد بالفكر والتظر في تحصيل المعاني 
وفهمها والعلوم وتحقيقها فيوافق في شيء لبعض ويخالف في شيء آخر 
(١)يذكر‏ الشهرزوري: «أن أكثر الشبه التي أوردها (الرازي) على الحكماء هي لأبي 


البركات اليهودي»» انظر كتابه: نزهة الأرواح وروضة الأفراح: في ترجمة الرازي لوحة 
رقم ۲٠٥‏ (مخطوط). 


www.alimamaltayeb.com 


۱۸ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


لبعض من القدماء في أقاويلهم»”"» ومعنى ذلك أن أبا البركات في تحقيقه 
للعلوم الفلسفيّة كان ينهج نهجًا فكريًا منبعًا عن فكره الذَّاتتيء وأن هذا 
المنهج قد انتهى به إلى تصويب بعض الأفكار وتخطتئة البعض الآخر. 
ثم يقول فيلسوفنا في نص تال: «(وسميته كتاب المعتبر لأنني ضمنته ما 
عرفته واعتبرته وحققت النّظر فيه وتممته» لا ما نقلته عن غير فهم أو فهمته 
وقبلته من غير نظر واعتبار» ولم أوافق على ما اعتمدت عليه فيه من الآراء 
والمذاهب كبيرًا لكبّرمء ولا حالفت صغيرٌا لصِّره؛ بل كان الح من ذلك 
هو الغرض والموافقة والمخالفة فيه بالعرض)”". 

ومن هذين النصين نستطيع أن نؤكد أن أبا البَرَكَات حين شك في هذا 
الثراث وحين شعر بان مهمته هنا مهمة تحقيق وتقويم قد لجأ إلى الارتداد 
إلى الذَّات كمقياس أو منهج يمارس من خلاله نقده وتقويمه» لأن هذا 
الأرقاد إلى ا ات هو کل ما فق ابل او بعد أذ ضرت 
صفحًا عن كتب الفلسفة وعن الفلاسفة. 

وبرغم أن أبا البرّكات لم يوضح في مقدمته ماذا يقصد بالفكر أو 
التظر المستعمل في تحقيق العلوم إلا أننا حين نضع هذه العبارة في ضوء 
مفاهيم أخرى تعرض لها في كتاب المعتبر نستطيع أن نقول: إِنّه يقصد 
بالفكر والتظر: التأمل القائم على عموميّة الفكرة وشمولها. والفكرة 
العامة عنده ضرب من المعرفة يسميه المعرفة الأولية أو العرف العامي 


)١(‏ مقدمة المعسر ص 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 1 


أو أوائل الأذهان”''» وهذا الضرب من المعرفة له صفة العموم والانتشار 
بين أكثرية العقول» فهو قدر مشترك بين الأذهان السليمة النقبّة» وله من 
البساطة والوضوح ما يجعله بيتا بذاته. فالأفكار العامة التي ألح فيلسوفنا 
في الرجوع إليها والتشبث بها قد كانت عنده بمثابة البديهيات التي هي 
الأفكار الواضحة البسيطة والتي هي أيضًا شارة الحقيقة عند الناس جميعًا 
مهما تفاوتت حظوظهم من العلم ودرجاتهم من المعرفة. 

وإن نظرة دقيقة وشاملة للجانب الفيزيقي -مثلا- في فلسفة أبي 
البر كات تظهرنا على أن هذه الأفكار الواضحة قد كانت بمثابة المنطلقات 
الفكرية عند هذا الفيلسوف» بل كانت -في بعض المَشّاكل الفيزيقيّة- 
المعيار الذي على أساسه طرح تصوراته الخاصة ورفض تصورات 
الآخرين فمثلا مشكلة كمشكلة المكان في طبيعيات كتابه المعتبر» يعرض 
فيها أبو البَركات لرأي المَشّائين الذي يحدد المكان بأنه «السطح الداخل 
من الجسم الحاوي المحيط بالسطح الخارجي من الجسم المحوي)؛ وبعد 
نقاش طويل يطرح تصوره في هذه المشكلة فيقرر أن المكان هو الفضاء 
الثلاثي الأبعاد ثم يقول: «فالمكان الآن هو هذا بحسب التعارف العام 
والخاص» ولا حاجة إلى تحويله عن تعارف الجمهور)”' ومما لا شك 
فيه أن الأساس المنهجي الذي صدر عنه أبو البركات في هذه المشكلة قد 
كان أمرًا مختلمًا تمامًا عن الأساس المنهجي المَشّائيء الأساس المنهجي 


(1) أبو البَرَكّات البغدادي: المعتبر ج7١‏ ص1۸ . 
(؟اتس المضلوء الفح 


www.alimamaltayeb.com 


۱۲۰ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


الاقف فإذا كانت التجربة الحسَيّة هي المنطلق ذ في اکور العنائي فإن 
الرجوع إلى المفهوم العامي عند فيلسوفنا كان الفيصل في الحوار المشتعل 
الأوار بينه وبين المَشائين في تلك المشكلة. 

ومشكلة أخرى ينطلق فيها أبو البركات من العرف العامي أو أوائل 
الأذهان بحيث يغدو هذا العرف العامي الأساس الذي يكون الأبنية 
الفكرية الأخرى في هذه المشكلة» وأعني بها مشكلة الزَّمان تلك التي 
قزل فيها آبى الركاك؟ وأا قضوره (الزهان) ومغرفة ماشيعه الموجودة 
فإنه في العرف العامي من البين الجلي» وفي التعريف التام المنطقي العقلي 
من الغامض المشتبه الخفي» فنحن الآن نبتدئ بمعرفته العاميّة ونجعلها 
موضوعًا لما نحكم به عليه وفيه من محصول المعرفة النّظريّة العقليّة)0". 
وهكذا كان العرف العامي البين الجلي -أو إن شئت: الأفكار الواضحة 
بذاتها- المنطلق أو الأساس المنهجي الذي نعثر عليه إذا ما رحنا نحلل 
أفكار هذا الفيلسوف باحثين عن خلفياتها المنهجية. 

کلت راينا أن فاس فا سين اسان على أحكام القوّة الوهميّة ا 
وهي قوّة من قوى التَفس يرفضها المَشّاءون طريقًا إلى اليقين في الحك 
(؟) هي قُوّة مرتبة في ناية التجويف الأوسط من الدماغ تدرك المعاني غير المحسوسة 

الموجودة ف المحسوسات الجزثية كالقوّة الحاكنة بشآن الذتب مهروب غنه وأن الولذ 

معطوف عليه» والمشاءون لا يعتمدون على هذه القرّة للوصول إلى المعرفة ولابد من 

الاستعانة بحاكم العقل ليردها إلى الصواب وليكمل سلسلة التجريد» ابن سينا: النجاة 

. ۲٣٦ص‎ 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب فق 
أو -بعبارة أخرى- لا يرون في القضايا التي تنشأ عن القوّة الوهميّة أساسًا 
منطقيًا يبرر صدقها أو يقينهاء ومن نَم قرر هؤلاء أن الوهم إذا ما تجاوز دائرة 
المحسوس إلى دائرة المعقول فإنه يفقد قيمته كطريق موصل إلى المعرفة 
الصادقة» ومن ثَمَّ أيضًا كان لابد للوهم من الاستناد إلى حكم العقل 
في تصحيح تصوراته أو تزييفهاء وكثيرًا ما حذر الفلاسفة المَشَّاءون 
من الانسياق وراء أحكام هذه القَوَّة لأنها مكمن للخداع والتضليل فيما 
ينبث عنها من أفكار. 

أا أبو البَرَكَات فإنه لا يصطنع -في فلسفته التَقَدِيّة- هذه التفرقة التي 
اصطنعتها الفلسفة المَشَّائيّة» فالوهم عنده طريق لمعرفة الحق والصواب 
وهو في هذا يصدر من نفس المنطلق السالف» أعني الاعتداد بآراء 
الجماهير والعامة» وإذا ما كانت بديهة العقل عند المَشَائيّة هي الحق الذي 
لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه» فإن بديهة الوهم عند فيلسوفنا 
كبديهة العقل تمامًا سواء كانت في المحسوسات أو في المعقولات» 
بمعنى أن بديهة الوهم لو حكمت بتصور ما ولم يمكن العقل مناقضتها 
فهذه البديهة حق وليست في حاجة إلى حكم العقل عليه» أو فحصها أو 
اختبارها عن طريق هذا العقل. 

وقد لجأ أبو البركات إلى بديهة القوّة الواهمة هذه في مشكلة النهاية 
واللانهاية المقولتين في المكان» وذلك حين أثبت اللانهاية بحجة قامت 
على توهم سهم نافذ خارج كرة العالم» ورغم أن عماد هذه الحجة -وهو 
الوهم- كان مناط الرفض عند المَشَّائِين لقبول هذه الحجةء إلا أن نفس 


www.alimamaltayeb.com 


۱۳۲ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


الوهم هذا كان مناط الرضا والقبول عند أبي البرّكات» لآن التوهم هنا لا 

يعارضه نظر عقلي» »فلا حرج في أن يكون حكمه ملزمًا وتثبت تثبت به اللانهاية في 

المكان. يقول أبو البَرَكات: «فإن قال (أي المعارض لحجة أبي البَرَكّات): 

إن هذه الحجة وهميّة أيضًاء وهي تفسير حكم الوهم في الحجة الأولى لا 

بالنظر العقلي من حيث توهمت» وهذه قد توهمها ولم يكن توهم ضدها 

ولا وجد العقل سبيلًا إلى ردها»)0". 

الوهميّة هو الذي حمل فيلسوفنا على احترام هذه الأفكار واللجوء إليهاء 

فعنده أن مقاييس الحق والصواب لا يتأتى لها أبدَا أن تصطدم بالوضوح 

والنور الفطري الذي تستمتع به هذه الأفكار". 

)١(‏ المعتبر ج۲ ص۸۷. 

(؟) يذهب بينيس في كتابه: (5ع ل ا)٤‏ 21101171165 إلى أن اللجوء للأفكار العامة البديهية 
كمنهج قد كان ظاهرة أصيلة متكررة عند كثير من الفلاسفة في العصور الوسطى والعصر 
الحديث» ويرى أن الفيلسوف محمد بن زكريا الرازي (المتوفى سنة ”١١‏ أو٣٠٠‏ 
أو١‏ ۳۲ه) قد اتخذ هذا المنهج في كثير من نظرياته الفلسفيّة» وكذلك صنع ديكارت 
أبو الفلسفة الحديثة مثل ما صنع أبو البركات والرازي من قبل» حين لجأ إلى الحِسٌ 
أو الذوق السليم (5625 802 ع.1آ) الذي يتمثل في الكثرة المشتركة بين» وقد أسس 
فلسفته -منطلقًا من هذا اللجوء إلى الحِسٌ السليم- على البديهيات والأفكار الواضحة 
المتميزة» وهذا المنهج الذي اتخذه هؤلاء الفلاسفة لا يسمح بإقامة تفرقة بين عامة 
وخاصة. بل الحقيقة فيه في متناول الناس ج جميعًا وليست متعذرة على الأغلبية العظمي 
كما قرر من قبل المشاءون المسلمون والمشاءون اليهود كابن ميمون وأبن كمونة مثلا. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب رفن 


وأمر آخر يشير إليه أبو البَرَكَات وهو يتحدث عن منهجه التَّقدِيَ 
يسميه «صحيفة الو جود» أو «نسخة الوجود)» وهذه الصحيفة أو النسخة 
هي محض الحق وصريح الصواب. إذا وافقها الفكر صح وصدق» وإذا 
خالفها كذب وتهافت» وفيلسوفنا يلمع -في لفتة عابرة- إلى أنه رجع اف 
صحيفة الوجود في تحقيقه للعلوم واكتشف في هديها مفاهيم وآراء لم يقل 
بها أحد من قبله» وقد جاءت هذه اللفتة في مُقَدّمة كتابه المعتبر حيث يقول: 
١اوتحصل‏ بإشباع التظر في صحيفة الؤٌجود من ذلك ما لم يقل أو ينقل». 

وصحيفة الوجود هذه مقصود بها عند ا ال كات و الب 
الظن- الطبيعة أو الوجود المأبيعي» وذلك في مقابل المعقولات أو الوّجود 
العقلي» وهنا يكون الؤّجود الطَِيعِي هو الأساس والأصلء والعقليات هي 
الصورة أو المفاهيم المنعكسة عن هذا الأصل. ومن نَّمَّ كانت صحيفة 
الؤجود معيارًا توزن به الأفكار من حيث الصواب والخطأء فإذا توافقت 
الفكرة مع صحيفة الوجود كانت صادقة وإلا فلا. 

ولكن ما الطريق إلى فهم صحيفة الجود وفهم ما فيها؟ هل هو 
النجرية البعشية أو هو التأمل الذّاتي المنبدق من أعماق الس أو الاتضال 
بالملاً الأعلى الذي تنكشف فيه هذه الصحيفة انكشافا تامًا؟ هنا لا تمكن 
الإجابة المحددة» ولكن بشيء من التتبع والاستقراء للصور التي ورد فيها 
هذا المصطلح في كتاب المعتبر نستطيع أن نرجح أن فيلسوفنا يمزج بين 

انظر في هذا الكتاب: ” 1101 ۱۷ .2. 
)١(‏ مُقَدّمة كتاب المعتبر في الحكمّة ص". 


www.alimamaltayeb.com 


۱۲٤‏ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
لون إشراقي ولون حدسي تأملي فيما يتعلق بأمر هذه الصحيفة» فلقد رأيناه 
يعتمد على صحيفة الوجود في نقده لابن سينا في قوله بجوهرية الصورة 
التي تنضم للهيولى ويتكون منهما الجسْمء ولكن صحيفة الوجود هنا 
معراة تمامًا عن المعاني الإشراقِيّة مما يؤكد لنا أخذها ضمن معاني 
التأمل الذَّاتي» يقول أبو البَرَكَات: 

«ويتضح لك هذا الموضوع من العلم إذا تأملت الصّوّر الؤّجودية في 
الأجسام الطَّبيعِية» وقابلت الكُلّي المعقول بالأمر الموجود» ولم تجعل 
الكتاب المنقول عن قائل عالم أصلا تقابل به نسخة الوجود كما فعل هذا 
القائل (يقصد ابن سينا ومتابعته لأَرِسْطُو) حين أخذ يتمحل لما وقع له من 
مفهوم كلام القدماء في الصورة ورد حكم الوجود إليه» فلم يستتب له ذلك 
في كل شيء مع كل شيء» ولا اتسق ولا تحقق» مع أله طول الكلام ودقق 
النّرء بل تنظر بحسب ما اتضح لك هاهناء وتجعل الأم الؤجود وتقابل 
به الكتاب المنقول» فيقصر عليك التطويل» ويتسق المختلف ويتحقق 
المشتبه من أمر الصورة الطبيعية». 

واضح هنا أن فيلسوفنا في تحذيره من اتباع الذين يجعلون الكتاب 
المنقول أصلا لنسخة الوجود. لا يجعل هذا الأمر قاصرًا على أولي 
البصيرة أو أصحاب المعارف الإشراقيّة الفيضية» وقد يكون هذا المعنى 
ملاحظًا في نفس أبي البَرَكَاتَ ولكنه على كل حال يطلقه هكذا إطلاقاء 
مما يجعل احتمال إرادة المنهج التأملي في هذا الموضوع أمرًا قائمًا بل 


.١7 المعتبر ج۲ ص5‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۱۲۵ 


مرجحًاء لأنه يغدو هنا ذا صلة بالأفكار العامة التي لا يفتأ فيلسوفنا يذكرها 
وينبه على أهميتها كلما سنحت له فرصة ذلك. 

ولكن وجدناه في كتاب التفس وهو يعرض لخواص النفوس الشريفة 
ونوادرها وأحوالها يعود إلى صحيفة الوجود باعتبارها الكتاب الخاص 
الذي لا يقرؤه إلا أرباب النفوس الشريفة من الأنبياء ومن هم على شاكلتهم 
من أهل البصائر والقلوب» وقراءة هؤلاء في صحيفة الوجود أيسر بكثير من 
قراءة الصحيفة بالنسبة لصاحب البصر: «وأنت إذا أنصفت نفسك علمت 
أن الوجود الكتاب الذي لا غلط فيه» وعلم الله به آم الكتاب» والوجود 
كنسخة منسوخة من علم الله لم يغلط ناسخهاء فقراءتها عند ذي البصيرة 
أسهل من قراءة الصحيفة عند ذي البصر» وشواهدها لا تكذب, ودلائلها 
لا تخطئ» فمن كانت له بصيرة فقرأ فيها فعلم» فلا يضره في علمه كونه لا 
يكتب ولا يقرأ حتى يقرأ في نسخة النسخة التي يغلط كاتبها ويصحف» 
ويجهل مصنفها ولا ينصف)”". 

وهنا نجد أنفسنا أمام تعبيرات أقرب إلى المنهج الصّوفِي الذوقي منها 
إلى المنهج التأملي الاستبطاني» بل هنا أيضًا عنصر جديد -وغير متوقع- 
في منهج فيلسوف الفكرة العامة» فبعيد ما بين منهج يخلد إلى عموم 
الفكرة ووضوحها وبساطتهاء ومنهج يرتبط بعالم أسمى تشرق فيه الحقيقة 
إشراقاء وبعيد أيضًا ما بين معتبر لصحيفة الوهم وأحكامهاء ومعتبر لصحيفة 
الوجود وحقائقهاء وقد يكون أبو البركات في هذه القفزة غير المنتظرة قد 


. ٤۳۷ص المصدر السابق ج۲‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


۱۲۳۹ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 
نزع به الحنين إلى اليهودية العرفانيّة» وأكبر الظن أنه كذلك» لأنه يردف بعد 
ذلك مباشرة: «قال سليمان بن داود تَلكا: وأحذرك أكثر من هذا من كتب 
مصنوعة لا نهاية لها وهذيان كثير يتعب البشر» ويعقب أبو البركات» بقوله: 
«وعنى بذلك صحائف الخواطر وأمالي الأوهام ومصنوعات المقاصد.... 
إذا اشتغل بها الإنسان لم يسعه العمر لقراءتها فكيف لاختيار المختار منهاء 
فكيف لتفهمه وتعلمه» فكيف لاستخراج الحق من الباطل من مضمونه)"". 
وسواء أكانت صحيفة الوجود هذه مما يقرأ فيها عن طريق إشراقي أو طريق 
تأملي أو هما معًاء فإن الرجوع المتكرر في كتاب المعتبر إلى هذه الصحيفة 
واتخاذها فيصلا في التفرقة بين المشاكل الفلسفيّة المعقدة أمر لا يمكن أن 
يتجاوزه باحث في أفكار هذا الفيلسوف. 

وهكذا نستطيع أن نقرر أن منهج فيلسوفنا الذي طبقه في موقفه الَقَدِيّ 
إزاء المشّاكل الفلسفيّة المَشَّائِيّة كان مركبًا من هذه العناصر الثلاثة» وأعني 
بها: الذوق العام أو الحِسّ العام المشترك» وبداهة الوهم حين لا يعارضها 
العقل» ثم صحيفة الوجود أو كتاب الوجود. 

قيمة الموقف التقدِي عند أبي البَرَكَات: 

ولكن هل استطاع أبو البركات أن يطالعنا بتصورات مستقلة ومتميزة 
عن مثيلاتها في المذاهب الفلسفيّة الأخرى. أو أن دعواه التفرد والاستقلال 
ظلت مجرد زعم لم يتمثل في جانب تطبيقي في موقفه هذا؟ 

لاشك أن أبا البَرَكات قد طرح في موقفه السالف تصورات كثيرة كان لها 
)١(‏ نفس المصدر والصفحة. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۱۲۷ 
طابع الاستقلال وطابع التأمل الذاتي بحيث عكست هذه التَصَورات -في 
وضوح وإلى مدى بعيد- الروح التَّدِيّة الأصلية في فيلسوفناء وحقيقة كان 
أبو البَرَكات مخلصًا لمبدئه الذي التزمه» ومتقيدًا بالنتائج التي ترتبت عليه 
وإن خالفت المشهور أو المعتقد من مذاهب الفلسفة أو من مقررات الدين. 

لكن بالرغم من كل ذلك فإننا نزعم أن أبا البرّكات ما استطاع أن يبرا 
تمامًا من التأثر بآراء السابقين عليه فكثيرًا ما كانت الأفكار الأفلاطونية 
تطل برأسها من جديد فى كتاب المعتبر» وإذا أمكن هنا إغضاء الطرف عن 
هذا التأثر الواضح بالآراء الأفلاطونيّة التي ربما كانت تمثل في ذهن أبي 
البركات جلال القدم» فإن الذي لا يمكن أن نغض الطرف عنه هو تأثره 
بالشيخ الرئيس حين اقتبس منه فصلا كاملا من كتاب الشفاء نقله 
بكلماته شلا مما تعيرة عا شاا عند فيلسوقنا بل نکر صا وصدعا فى 
البناء الشامل لمنهجه» ومن نَم لا نجد بأسّا في أن نقرر أن أبا البرَكات لم 
يستطع أن يتحرر كل التحرر من أسر التقليد والاتباع. 

ولكن كان عليه حين يرتضي بعض المذاهب المقررة أن يبين لنا 
الأساس المنهجي الذي ارتضى بناء عليه هذا المذهب أو ذاك» لا أن يورده 
في صورة توهم بأنها من ذات فكره الخالص. والاقتباس هنا من رجل 
يعتقد فيه أبو البَرّكّات التمويه والتطويل بدون فائدة أمر معيب» ومزر بخطر 
المزاعم التي زعمها من قبل» نقول هذا بالرغم من أن بعض الباحثين قد 
)١(‏ الفصل الخامس والعشرون: في «الحركة المتقدمة بالطبع» من كتاب المعتبر ج۲ 


ص١٠‏ » وقد احتذى فيه أبو البَرَكَات الفصل التاسع من المقالة. 


www.alimamaltayeb.com 


۱۸ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


اعتبر كل الأفكار التي احتواها كتاب المعتبر أفكارًا أصيلة وجديدة وذات 
تميز واستقلال» وأن ما یری من تشابه قليل ونادر بينه وبين ابن سينا فليس 
مرده إلى تأثره بالشيخ الرئيسء وإِنَّما كان هذا التشابه لأن أبا البركات قد 
قبل هذه الأفكار السينوية -شكلا وموضوعا- بعد أن ألفاها متفقة مع 
صحيفة الوجود ومتلائمة معهاء فهي أفكار ذات أصالة لا لأنها مقتبسة من 
هذا الفيلسوف أو من غيره» ولكن لأنها لا تتعارض مع المعايير والمقاييس 
التي اتخذها فيلسوفنا منهجًا لبيان صحة الآراء من زيفها. 

يقول كوربان: «وقد يحصل للمؤلف (أبي البَرَكّات) أن يتقبل أفكارًا 
أخرى كبعض الصفحات من كتاب الشَّفاء لابن سينا وذلك بالطبع لما يجد 
فيه من تلاؤم مع ما قرأه في كتاب الوجود)"". ولعل الذي حمل كوربان 
على هذا التبرير تلك العبارات التي أطلقها أبو البركات وصرح فيها بأنه لا 
يتأثر بفيلسوف كائنًا من كان هذا الفيلسوف» لكن لا ينبغي أن تؤخذ هذه 
العبارات على عمومهاء وإِنّما ينبغي أن توضع ضمن الإطار الْكُلّي لكتاب 
المعتبر حتى يمكن تبين الأبعاد الحقيقيّة لهذه العبارات» ثم إن فيلسوفنا 
حين اقتبس هذه الصّفحات ما نبه -كما هو دأبه- على أن وراء قبول هذه 
الآراء نفس منهجه الذي يلتزمه ويستمسك به وإِنَّما تركنا نعتقد تأثره بابن 
سينا في هذه الصّفحات. إننا نسجل عليه هذه الانتكاسة المنهجية برغم 
تفاهة حجمها وقلة خطرها وهذا ما يقتضيه الواجب العلمي إزاء ما له وما 
غا 


0 


)١(‏ تاريخ الفلسفة الإسلاميّة ص۲۹۹ (الترجمة العربية). 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 18 


ومهما يكن من شيء فلقد كان موقف أبي البَرَكّات بمثابة انتفاضة 
وضحوة على الخط المَشائي السائر في شكل .رتيب مملول» وهي 
صحوة ما كانت سهلة ولا ميسورة لأنها كانت في بيئة فكرية أغربت 
بالمذهب المَشَّائي إغراء وتسلط عليها آرشطو وابن سينا فراحت تدور 
حول فلسفتهما بحثا وتحليلاء ولنا أن نتصور ها هنا قسوة المواجهة 
التي اضطلع بها أبو البَرّكَات باعتباره فيلسوفًا غريبًا في مجتمعه يقف 
في وجه أعتى مذهب فلسفي يحظى بانتشار عريض وتأثير بالغ في 
معظم الدوائر الفكرية في ذلك الحين. 

وبرغم أن محاولة فيلسوفنا هذه قد لقيت إزراء وهوانًا من بعض 
العلماء والمفكرين المعاصرين له إلا أنه لم يعدم من انتصف له وعرف 
لموقفه هذا قيمته وقدره الحقيقيين» فقد قال الملك العادل العالم فرامز بن 
علي ملك الري للإمام عمر الخيام: «ما تقول في اعتراضات الحكيم أبي 
البرّكات على كلام أبي على (ابن سنا)؟ فقال له الإمام عمر: أبو البركات 
لم يفهم كلام أبي علي وليست له رتبة الإدراك لكلامه فكيف يكون له رتبة 
الاعتراض عليه وإيراد الشكوك على كلامه؟ فقال له الملك علاء الدولة: 
أمن المستحيل أن يكون حدسي أقوى من حدس أبي علي أم من الممكن؟ 
فقال الإمام عمر: ليس من المستحيل. فقال له الملك علاء الدولة: ساواك 
عبد غيرك» أنت تقول: ليست له رتبة الإدراك والاعتراض» وغلامي يقول: 
له رتبة الإدراك والاعتراض والزيادة» تتكلم بما لا يزيد به كلامك على 
كلام مملوك ولا يميل إلى سفاهة» غلامي أقدر عليها منك» فتشور (خجل) 


www.alimamaltayeb.com 


۱۳۰ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


الإمام عمر. فقال الملك علاء الدولة: الحكيم يهجن كلام غيره بالبرهان» 
والجدلي السفيه بالوقيعة والبهتان فاطلب أعلى الدرجتين ولا تقنع بأخس 
الرذيلتين فقام الإمام عمر ملجما بالسكوت)”2. كما يذكر جمال الدّين 
القفطي أن الفارابي وابن سينا «دققا وحققا وحملا علمه (أَرِسْطُو) على 
الوجه المقصود. وأعذبا منه لوارد منهله المورود» ووافقاه على شيء من 
أصوله فكفرا بكفره. وجعل قدرهما بين أهل الشهادة كقدره» ولو قصدا الرد 
عليه كما قعل صاحب المعتبر لسلماء ولكن ما الحيلة في رد القدر!»0©. 


.١118-١1١17ص ظهير الدين البيهقي: تاريخ حكماء الإسلام‎ )١( 
.0 ١ص تاريخ الحكماء‎ )( 


www.alimamaltayeb.com 


الباب الثاني 
اللو فة 


0» 


الفصل الأول: الحركة. 


الفصل الثانى: المكان. 
الفصل الثالث: الرّمان. 


www.alimamaltayeb.com 


www.alimamaltayeb.com 


الفصل الأول 
علم الطبيعة- الحركة 


-١‏ العلم الطبيعي: 

١‏ - تقاسيم العلوم. 

۲- أقسام العلم الطبيعي. 

۳- العلاقة بين الطبيعة وما بعد الطبيعة. 
؛ - معنى كلمة طبيعة. 

۲- الحركة: 

-١‏ تعريف الحركة. 

؟- وجود الحركة. 

*- معلولية الحركة. 

- اتصال المحرك بالمتحرك. 

ه- نظرية الميل القسري. 

5- موقف أبي البركات من هذه النظرية. 
۷- وحدة الحركة وكثرتها. 

۸- نظرية اجتماع الميلين. 


www.alimamaltayeb.com 


www.alimamaltayeb.com 


ع 


ا 


العلم الطبيعي 

١-تقاسيم‏ العلوم: 

تتمايز العلوم الفلسفيّة -عند أَرِسْطُو- بحسب تمايز موضوع الدراسة 
الذي تتعلق به هذه 1 وهذا التمايز قائم على أخذ فكرة «المادة» 
أو «التعَيّر» أو «الحركة» كعنصر ذي علاقة مباشرة أو غير مباشرة بهذا 
الموضوع. فمناط التمييز والانقسام في العلوم الحكميّة هو مدى علاقة 
الشيء الموجود -الذي هو موضوع الدراسة- بالجانب المادي المتغير» 
ومن نَم رأينا في العلوم العقليّة جوانب أو أقسامًا ثلاثة: 

أولها: العلم الطَّيعِيء وهو العلم الذي يتولى دراسة الأشياء أو 
الموجودات التي لا نعثر عليها إلا في الإطار المادي» بمعنى أنها لا تنفك 
عن الظهور في ثوب المادة» وبحيث لا يمكن لنا -البتة- أن نجرد هذه 
الموجودات عن ملابساتها المادية» سواء كان هذا التجريد تجريدًا واقعيًا 
يتم في الوجود الخارجي أو تجريدًا ذهنيًا حين نتعقل هذه الموجودات 
ونتصورهاء وبعبارة فلسفية: الأشياء التي تفتقر إلى المادة قوامًا وتصورًا. 

ثانيًا: العلم التعليمي أو (الرياضي) وهو العلم الذي يدرس 
الموجودات التي تفتقر إلى المادة في وجودها الخارجي فقط» لكن يمكن 


www.alimamaltayeb.com 


۱۳۹ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


للذهن أن يتصورها مجردة عن المادة» مثلا: المثلث أو المربع إذا وجد في 
الخارج كان لابد له من مادة يوجد فيها ويظهر بهاء سواء كانت هذه المادة 
خشبًا أو حديدًا أو حجرًا أو أي نوع من أنواع المادةء أمّا النَصَوّر الذهني 
للمثلث أو المربع فإنه لا يتوقف على تمثله في مادة معينة» بل يمكن إدراكه 
مجردًا عن هذه المواد. فالعلم التعليمي هو العلم الخاص بالموجودات 
التي تفتقر إلى المادة قوامًا لا تصورًا. 

6 العلى الالهي أو العلم الكلى» وهو علب يدرت الموجودات 
المفارقة للمادة تصورًا وقوامًا"» والحديث عن هذا القسم من العلوم 


(1) عبد الرحمن بدوي: أرسطو ص/5. والمَشَّائيّة الإسلاميّة في تقسيمها للعلوم الفلسفيّة 
ليست إلا امتدادًا لهذا التيار الأرسطيء انظر: ابن سينا: الشّفاء (المنطق-المدخل) 
الصفحات ١7217215‏ وأيضًا إلهيات الشّفاء س٤‏ (ط مصر)» وأيضًا رسالة في أقسام 
العلوم العقليّة ص5 ٠١5-٠١١‏ (ضمن تسع رسائل في الحكمّة والطبيعيات). ونلاحظ 
أن هذه العلوم الثلاثة -الطبيعي والرياضي والإلهي- تشكل عند أرسطو والفلاسفة 
المسلمين» القسم التظري من الفلسفة» وهو القسم الذي يتعلق بدراسة الأشياء التي 
ليست من أفعالناء وغاية هذا القسم معرفة الحق. أمّا القسم الثاني للفلسفة فهو القسم 
العملي ويتعلق بدراسة الأشياء التي هي من أفعالناء ويندرج تحت هذا القسم علوم 
ثلاثة: علم السياسة» وعلم تدبير المنزل» وعلم الأخلاق» والغاية من هذا القسم العملي 
بعلومه الثلاثة معرفة الخير» فالفلسفة في قسميها هي معرفة الحق والخير. ومما تجدر 
الإشارة إليه أن بعض المؤرخين للفلسفة يرى أن تقسيم العلوم الفلسفيّة عند أرسطو 
كان ثلاثة أقسام لا اثنين» وهذه الأقسام هي: النظريّة - العملية - الصناعيّة» وهذا القسم 
الأخير يشمل كل العلوم الصناعيّة» بيد أن الكثرة من المؤرخين تعتبر التقسيم الثنائي هو 
التقسيم الحقيقي لدى أرسطو. 


عبد الرحمن بدوي: المصدر السابق ص05. الدكتور/ عوض الله حجازي: في تاريخ 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۱۴۷ 
الفلسفيّة مرهون بمكانه من هذا البحث. 

ما العلم الرياضي فينقسم بدوره إلى أربعة علوم. لآن موضوع 
التعليمات أو الرياضيات الذي هو الموجود المفارق للمادة تصورًا لا قوامًا 
هو الكم» وهذا الكم قد ينظر إليه باعتباره متصلا أو منفصلاء فباعتبار اتصاله 
يكون موضوعًا لعلم الهندسة إذا كان ساكتاء ولعلم الهيئة إذا كان متحركاء 
وباعتبار انفصاله يكون موضوعا لعلم الموسيقى حين نعثر على نسبة تأليفية 
بين أجزائه المنفصلة. أمّا حين نفتقد هذه النسبة بين الأجزاء المنفصلة 
فإنه حينئل يكون موضوعًا لعلم الحباب!؛ فالحساب والموسيقى 
والهندسة وعلم الهيئة هي فروع العلم الرياضي الذي هو القسم الثاني من 
أقسام الفلسفة التّظريّة. وقد لا يعنينا هذا النوع من العلوم لأنه لا قيمة له 
من الناحية الفلسفيّة التي نعنى بها في دراستناء ولأن أبا البركات -رغم 
تأثره بالترتيب الأرسطي- قد أخلى نتاجه الفلسفي من الرياضيات تمامًا. 

۲-أقسام العلم الطبيعي: 

وعذا الموجود المفتفر للمادة في التَصَرّو والقواء» والذي 
هو مجال العلم الطّببعي يمكن أن يوخذ على اعتبارات شتى؛ 
بحيث يغدو كل اعتبار من هذه الاعتبارات موضوعا يدا لفرع 
من فروع هذا العلم. فإذا ما نظرنا إلى أقسام العلم الطبيعي أو 
فروعه فى المؤلفات الأرسطيّة ألفيناها على هذا النحو: 

الفلسفة اليونانية ص5 5 ١‏ وما بعدها القاهرة؛ ٠١۹١‏ . 
)١(‏ تعليقات صدر الدين الشيرازي على إلهيات الشفاء ص (ط طهران). 


www.alimamaltayeb.com 


۱۴۸ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 

أ-كتاب السماع الطَبيعِي (أو سمع الكيان في اصطلاح الفلسفة 
الإسلاميّة) وموضوع هذا الكتاب هو الموجود الطبيعي في عمومه 
وشموله» بمعني أن التّظريات التي عولجت في هذا الكتاب عامة لا تختص 
بحسم معين» بل هي مما تنسحب على جميع الأجسام. وقد كان نتاج هذا 
الكتاب الأمور العامة للطبيعيات كلها والتي هي أشبه بالقوانين الكلية 
المتطقة على الجر قات الميكتلقة وستعرف أن الشركة والمكان والزمان 
والنهاية واللانهاية هي المباحث الرئيسيّة في هذا القسه0". 

ب-كتاب السماء والعالم» وموضوع هذا الكتاب موضوع خاص هو 
السماء والعناصر الأربعة وطبائعها. 

ج-كتاب الكون والفساد» ويختص هذا الكتاب بالموجود الذي 
يتحرك حَرَكة استحالية تنتهي به إلى فساد جوهره. 

دكات لكر برهو الج اس و اغا وا ان نيا فى 
الطبيعيات الصغرى كالحيوان والنبات". 


)١(‏ الكندي: رسالة في كيفية كتب أرسطو طاليس ص58 7» ص ۳۸۲ (ضمن رسائل الكندي 
الفلسفيّة تحقيق محمد عبد الهادي «أبوريدة»). 

(۲) يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية ص”77١-175»‏ ويذكر عبد الرحمن بدوي في 
كتابه أرسطو ص۳٤:‏ أن هناك كتابًا رابعًا صحيح النسبة لأرسطو: هو كتاب الآثار 
العلوية ويبحث في كائنات الجو وأحوالها مثل الرياح والرعد والبرق والصواعقء كما 
تبحث فيه أحوال المعادن باعتبارها كائنا لا نفس لها كالرياح وما إليها. أيضًا: ابن سينا: 
رسالة في أقسام العلوم العقليّة ص8/١٠.‏ والإمام الغزالي: مقاصد الفلسفة (الطبيعيات) 


٢ ص"‎ 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۱۴۹ 


وسوف تقتصر دراستنا في هذا الجانب الطَِّيعي على القسم الأول 
الذي يحتوي على الأمور العامة والمبادئ الكَلّية للطبيعيات» لأنها تمثل 
الجانب الفلسفي في هذا المجالء ولأنها ذات صلة بالجانب الميتافيزيقي 
بحيث يمكن أن نتوسم تأثرًا وتأثيرا متبادلين بين الفلسفة الفيزيقيّة والفلسفة 
الميتافيزيقِيّة خصوصًا عند فيلسوفنا. 

ثم نضرب صفحًا عن بقِيّة الفروع الأخرى للعلم الطبيعي من دراسة 
السماء والكون والفساد والرياح والزلازل والبراكين والمعادن والنبات 
والحيوان والتشريح» وما إلى هذه العلوم الجزئية التي أصبح فيصل الأمر 
فيها وقمًا على أربابها المتخصصين» بالرغم من أن لفيلسوفنا في هذا 
الال فيو لاف وعرللات فد الا ا اوت ها ااه 
الَّقَدِيّة إلى مدى بعيد يمكن أن نزعم معه أنه كان صاحب ثورة حقيقيّة في 
هذا المجال. 

#االعلاقة بين الطبيعة وما بعد الطببعة: 

كثيرًا ما يحلو لأبي البركات بحث الموضوع الواحد في كل من 
الفيزيقا والميتافيزيقا ولكن من وجهة نظر تختلف في أحد المجالين عن 
آخرء فإذا كان موضوع الحَرّكّة وموضوع الزَّمان -مثلا- قد قتلا بحنًّا في 
القسم الطبيعي في كتاب المعتبر» فإنهما قد بحثا من جديد في إلهيات 
هذا الكتاب ولكن -كما يذكر أبو البركات- «على وجه يليق بهذا العلم»» 
ونفس الشيء أيضًا كان بالنسبة لموضوع النقس الإنسائيّة. ولقد سبق ابن 
سينا أبا البركات في ربط الفيزيقا بالميتافيزيقا حيث وجدنا بعض المباحث 


www.alimamaltayeb.com 


15 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 
الطَبيعِية تتناول في الإلهيات كالهيولى والصورة والحَرَكة وغيرهاء سواء 
كان في كتاب الشّفاء أو النجاة أو الإشارات مما يدلنا على ارتباط الميجالية 
في الفلسفة الإسلاميّة ارتباطًا وثيقا. 

وأمر آخر يدل على هذه العلاقة التي لا تقبل انفصامًا بين هذين 
المجالين هو ما يقرره ابن سينا" من أن لكل علم من العلوم -وخصوصًا 
العلوم التّظريّة- مبادئ وموضوعات ومسائل. 

والمبادئ هي المنطلقات المقررة والمسلمة التي تنطلق منها عملية 
البرهنة في إثبات ما يراد إثباته لهذا العلم بحيث تنحل البراهين المستعملة 
في تكوين البنايات الفكرية -لعلم من العلوم- إلى هذه المبادئ. 

أمّا الموضوعات فهي الأشياء التي يبحث في هذا العلم عن أحوالها 
التي يراد نسبتها إليها أو نفيها عنها مثل: المقادير في علم الهندسة» والجسْم 
-من حيث هو متحرك أو ساكن- في العلم الطَبِيعِيء والإنسان -من حيث 
هو صحيح أو مريض- في علم الطَّبّ. 

أا المسائل فهي نفس القضايا التي تكون محمولاتها عوارض ذاتية 
لهذا الموضوع أو لنوعه أو لعوارضه» وهي القضايا المشكوك فيها في 
هذا العلم والتي يراد إثباتها أو نفيها بالنسبة للموضوعات. وكما يقول ابن 
سينا: «فالمبادئ منها البرهان» والمسائل لها البرهان» والموضوعات عليها 
البرهان). 
)١(‏ الشفاء: المنطق: البرهان ص۹۸: 


(0)الرغاة س الصتيحة 


www.alimamaltayeb.com 


أ أحون الطب ا٤‏ 

وإذا كانت المبادئ هي المنطلقات التي تبدأ منها البرهنة فمعنى ذلك 
أن هذه المبادئ يجب أن تؤخذ في العلم الذي تستعمل فيه على سبيل 
القبول والتقليد والتسليم» فلا يبحث في أي علم من العلوم عن مبادئه هل 
هي صحيحة أو غير صحيحة فإذا كانت المبادئ واضحة بذاتها فهي غنية 
عن التحقيق» وإن لم تكن كذلك وأردنا أن نعلم مبلغ قدرها من الصحة 
واليقين فعلينا أن نبحث عنها في علم آخر يكون أعلى من هذا العلم» 
بحيث تنقلب فيه هذه المبادئ المسلمة إلى مسائل مشكوك فيها لنبدأ عليها 
البرهان من جديد» وهذا العلم هو العلم الكَلّي أو العلم الإلهي. 

وإذا أردنا أن نطبق هذا المنهج على العلم الطَِيعِي اتضح لنا أن مبادئ 
هذا العلم التي هي عماد البحث فيه يجب أن تكون موضوعة وضعًا هكذاء 
بمعنى أن العالم الطَِّيي ليس في قدرته أن يبرهن على مسلماته الأولى 
التي ينتزع منها قوانينه الكَلّية الشاملة» والمشتغل بالعلم الإلهي هو وحده 
الذي يكون ذلك في مكنته. يقول ابن سينا: «ولأن مبادئ كل علم أخص» 
هي مسائل في العلم الأعلى» مثل مبادئ الطَّبّ في الطَِّيعي والمساحي في 
الهندسة» فيعرض إِذَا في هذا العلم (الإلهي) أن تتضح فيه مبادئ العلوم 
الجزئية التي تبحث عن أحوال الجزئيات الموجودة)”". 

وأبو البرّكات لا يختلف عن ابن سينا في هذه التّظرة إلى العلاقة بين 
الطبيعة وما بعد الطبيعة» فعنده أن العلم المشتمل على المبادئ هو العلم 
الأعلى» أمّا العلم الذي يتناول ذوات المبادئ فهو العلم الأدنى والأقرب» 


(١)الشفاء:‏ الألبيات (طء عضر) ص 16 . 


www.alimamaltayeb.com 


۲ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


والمبادئ التي تذكر في العلم إنما تذكر على طريق التقليد» وسبيل معرفتها 
الرسم» وهي معرفة ناقصة على كل حال» لآن العلم التام بهذه المبادئ 
إنما هو رهن بالعلم الأقصى الذي هو العلم الإلهي: «فيكون المتعلمون قد 
عرفوا المبادئ في العلم الأدنى معرفة ماء من جهة» وجهلوها من جهة أو 
جهات. وبالجهة التي عرفوها منها يستعينون بها على معرفة العلم الأدنى» 
ومن جهة ما جهلوها يطلبون كمال العلم بها في العلم الأقصى» ويستعينون 
على ذلك بما كسبوه بها من العلم الأدنى»'. ولا يخفى علينا ما في هذه 
التّظرة من توافق مع نظرة أبي البَرَكَات المنهجية التي تقفز فيها الفكرة 
العامة والمعرفة الناقصة القريبة إلى مركز الصدارة حين تغدو هذه المعرفة 
منطلقا أو ركيزة تبنى عليها الأفكار والمعارف الأخرىء وتعليل هذا عنده 
أن العلاقة بين الفكر والوجود -في معرفة الأشياء- علاقة متعاكسة» 
فوضع الأشياء المركبة أو «ذوات المبادئ في الوجود غير وضعها في 
الهن» إذ في الؤُجود -أو في الطبع- تكون المبادئ أسبق وذات مقام 
ول بالنسبة لما هي مبادئ له» أعني بالنسبة لذوات المبادئ» فالمبادئ هنا 
أولية» وذوات المبادئ ثوان لأن الأجزاء والمبادئ -في الطبع- قبل ذوات 
الأجزاء ذوات المبادئ» وهذا بخلاف الوضع في الذهن إذ تصير ذوات 
الأجزاء والمبادئ» في الذّهن أولية وقبلية بالنسبة للمبادئ والأجزاء التي 
تتركب منهاء ومن نَم تصبح معرفتها هي المعرفة الأولى والتي يهتدى منها 
إلى معرفة المبادئ الخفية الكامنة وراءهاء وكما يقول أبو البركات: «لأن 


(1) أبو البَرَكّات البغدادي: المعتبر ج۲ ص٤‏ . 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب بدن 
الذي ليس بأعرف إنما يعرف بالأعرف» و«أ» المركب أعرف عندنا من 
«(ب» واج) سيطيه» ولا يعرف 3 إل بمعرفة «(ب» ولجك فمعرفة «(ب)») 
و«ج» تتوقف على معرفة «» لأنه الأعرف ومعرفة (أ» تتوقف على معرفة 
«(ب» و«اج» لآنهما جزءا حقيقته اللذان بهما تعرف «أ»'» ولكن إذا كانت 
معرفة أ(" تتوقف على معرفة بسيطيه «ب) و(ج) وكان هذان البسيطان 
تتوقف معرفتهما على «أ» فهل يستتبع ذلك دورًا؟ لا يرى أبو البركات في 
هذا التوقف دورًا محالاء لأن معرفة (أ) معرفة أولية وهي معرفة بسيطة 
وناقصة» إذ هي معرفة بجملة الشيء وظاهره فقطء أمّا معرفته ببسيطيه 
فهي معرفة عقلية تامة» ولا ريب أن يكون الأقل في المعرفة قبل الأكثر 
والأنقص قبل الأتم”. 

٤‏ -معنى كلمة طبيعة: 

لفظ الطبيعة مشتق من الطبع» والمعنى الأعم للطبع هو: الصفة 
الذّاتية الأولية لكل شيء فالطبع -مثلا- بالنسبة للنار: هو الحرارة» 
وللماء: البرودة» وكما يطلق الطبع على الصّفات الأولية يطلق 
كذلك على ما غلب على الشيء من الكيفيات المتضادة» فيقال لما 
تغلب عليه الحرارة: إن طبعه حار» أو طبيعته حارة» وفيما غلبت 
عليه البرودة: إن طبيعته البرودة وهكذا"". 


ETA‏ سر 
(۲) نفس المصدر وا لصفحة. 


www.alimamaltayeb.com 


ع١‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 

ولكن إذا أردنا أن نعرف التحديد العلمي لكلمة الطبيعة فإننا نلتقي 
أول ما نلتقي بتعريف أَرِسْطُو حين يصنف الموجودات إلى صنفين: صنف 
من قبل الطبيعة وصنف من قبل أسباب أخرى. 

والصنف الأول -الذي هو من قبل الطبيعة- هو الحيوان والنبات 
والأجسام البسيطة مثل الأرض والنار والماء والهواء. 

أمّا الصنف الثاني فكالسرير وكالثوب. وتمتاز موجودات النوع الأول 
بأنها تمتلك مبداً غريزيًا للحرّكة والوقوفء وبعبارة أعم: مبدأ للتغير» وذلك 
في مقابل الموجودات الأخرى التي تعدم هذا المبدأء وهذا المبدأ الغريزي 
هو الطبيعة» ويعرفها أَرِسْطُو بآنها: «مبدأ وسبب لأن يتحرك ويسكن الشيء 
الذى هره را بال ات لا طرق العرهن290 ومن هتا العريف أن 
الطبيعة مبدأ ذاتي للحَرَكة والسّكون» ولكن هذه الحَرَكة توجد في الشيء 
بذاته أو بوضع أولي له» بمعنى أن الحَرَكة أو عدم الحَرّكّة لا يكون بسبب 
أمر خارج عن ذات الشيء» فلو كانت الحَرّكّة مسببة في الشيء عن شيء 
خارج ذاته فهي حَرَگة بالعرض لا بالذَّات. 

ثم يقفي ابن سينا على آثار أستاذه» فيذهب إلى نفس التعريف» بعد 
أن يقسم أفعال الأجسام وحركاتها إلى أقسام وتفريعات لا تهمنا هنا 
كثيرًا. والطبيعة عند ابن سينا هي : «مبدأ أول لحركة ما يكون فيه وسكونه 


)١(‏ أرسطو: الطبيعة ج١‏ ص۷۹ (ترجمة إسحاق بن حنين). 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۱٤۵‏ 
الف ا ]قارو اما ت الى فا ا 
المبداً الفاعلي الذي يصدر عنه في الأجسام أفعال وحركات على سنن 
واحد» وإلى جهة واحدة لا على وجوه مختلفة ولا إلى جهات)22". 
ونلاحظ على التعريف الذي ارتضاه أبو البَرّكَات أنه يقصر مفهوم 
الطبيعة على حركات الأجسام وما شابهها من العناصرء لأنها هي 
الحركات التي تصدر على سنن واحد وجهة واحدة. أمّا حركات 
الحيوان وحَرّكّة النبات فلا يشملها مفهوم «الطبيعة» لأنها تصدر 
على وجوه مختلفة وجهات متباينة» ومعنى هذا أن مبدأ الحَرّكّة في 
الحيوان والنبات وهو النَّفْس الحيوانيّة والنباتية ليس مما يندرج 
تحت الطبيعة» ويرى فيلسوفنا أن تعريفه هذا أولىء «لئلا يعم 
اسم الطبيعة كل محرك الات فإن من ذلك ماب انناف 
ومنه ما يسَّمّى طبيعة لها..». 

بعد هذا التمهيد الموجز نعتقد أن الانتقال إلى مشكلة الحَرّكّة وما 
يستتبعها من مكان وزمان» أو الأمور الطبيعية العامة التي هي موضوع 
هذا القسم من بحثنا لا يغدو بدءًا من فراغ أو قفزة مبتوتة الأسباب 
والصلات بالإطار الكَلّي الذي ترتبط به هذه المشكلات. 
)١(‏ الشّفاء: الطبيعيات ص۳٠‏ (ط طهران)ء ورسالة الحدود ص85 (ضمن تسع رسائل في 

الجكمّة والطبيعيات). 
(۲) المعتبر: ج۲ ص 6. 
) المصدر السابق ص1 . 


www.alimamaltayeb.com 


۱٦‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 
«» الحركة 


-١‏ ماهي الحَرّكة؟ 

يرتبط مفهوم الحَرَكة في الفلسفة الأرسطيّة بمفهوم القرّة والفعل تمام 
الارتباط» فعند أَرِسْطُو: أن الموجود بالفعل ضربان: موجود بالفعل دائمًا 
ومن كل وجه. وموجود بالفعل من وجه ويالقرٌة#من وجه آخر :ولا يتصور 
العقل قسيمًا ثالثًا لهذين القسمين» إذ ليس هناك موجود بالفعل يمكن أن 
يكون بالقوّة من جميع الوجوه» ذلك أله ما دام الموجود قد فرض موجودًا 
بالفعل - ولو من بعض الوجوه- فهو بهذا الفرض لا يقبل القوّة إلا من 
بعض الوجوه أيضًا. ومعنى ذلك أله لا يمكن أن يكون بالقوّة في جميع 
الأحوال» إذ لو أمكن ذلك لأمكن أن يكون الموجود موجودًا بالفعل 
وبالقوّة في آن واحد» في حين أن الموجود لا يمكن أن يكون في حد الفعل 
إلا إذا نفض عن ذاته كل معاني القَوَة وتجاوز كل حدودها تماما. 

والموجود الذي هو بالفعل دائمًا هو الموجود الكامل لأن الفعل 
كمال» فهو لا ينتقل من حال إلى حال بل جميع أحواله حاصلة لديه لا 
تتبدل بقوّة ولا بضعفء ومن نّم كان هذا الؤجود متعاليًا وبرينًا عن الحَرّكَة 
لآن في الحَرّكّة سعيًا إلى أمر لم يتحقق ولم يحصل بعد. وهذا الموجود هو 
واجب الوجود من جميع الوجوه'". 

أا الموجودات المضطربة بين حدي القوّة والفعل فهي الموجودات 
الطبيعية كالأجرام العلوية والأشياء الكائنة الفاسدة» وهي موجودات 


)١(‏ أرسطو: الطبيعة ترجمة إسحاق بن حنين ج١‏ ص58١‏ (تحقيق عبد الرحمن بدوي). 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ١‏ 


دائبة التوجه والخروج من القرّة إلى الفعل. فالجِسْم الموجود -مثلا- 
متصف بصفات متحققة فيه بالفعل» ثم هو في ذات الوقت فاقد لبعض 
صفات أخرى لم توجد فيه بعد» لكنها ممكنة الحصول له في وقت ما من 
الأوقات» هذه الصّفات يمكن أن يقال: أنها موجودة للجسّم وجودًا بالقوّة 
فإذا ما حصلت فيه بالفعل قيل: إنها موجودة فيه وجودا بالفعل. ومثل هذا 
ال ج الباق من ا اله القع مو جرد ميم ر ال 
أو الصيرورة من القوّة إلى الفعل هو مفهوم الحَرّكة"". 

لكن هذا الخروج من الَرّة إلى الفعل يمكن أن نميز فيه بين صورتين: 
صورة يكون الخروج فيها تدريجيّاء وذلك مثل انتقال الجسم من مكان إلى 
مكان آخرء فهذا الجسم لا يكاد يترك النقطة الأولى من مكانه حتى يأخذ 
في قطع المسافة الممتدة بين المكانين» فيتدرج في قطعها من نقطة أولى 
إلى نقطة ثانية إلى ثالثة ورابعة وهكذا حتى يبلغ الجسم المنتهى الذي يتجه 
إليه. وهذا الخروج المتدرج لابد له من زمان متدرج متقض كذلك. ما 
الصورة الثانية للخروج فهي صورة الخروج الدفعي» أي الخروج الذي 
يحصل بكلٌ جملته دفعة وفي آن واحدء وذلك مثل خروج الماء عند 
غليانه عن صورة المائية إلى الصورة الهوائية» فإن مثل هذا الخروج خروج 
لحطى. أني لا تدرج فيه إذ ليس ثمة بين صورة المائية وصورة الهوائية 
حالة متوسطة يمكن أن يتصور فيها وقوع هذا التدرج”". وإذا كان هذا 


.١55ص عبد الرحمن بدوي: أرسطو‎ )١( 
.77 محمد فضل الحق العمري: الهدية السعيدية في الحكمّة الطبيعيّة ص‎ )۲( 


www.alimamaltayeb.com 


۱۸ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


الخروج دفعيًا ولحظيًا فأمر واضح أن مفهوم الزَّمان هنا مما لا يتصور له 
وجود مصاحب. والذي يقال على مفهوم الحَرَكة من هاتين الصورتين هي 
الصورة الأولى التي يكون فيها الخروج ا إلى الفعل تدريجيًا أو في 
زمانء أمّا الصورة الثانية فهي صورة الكون والفساد. 

وانطلاقًا من هذه التفرقة , بين الخروج في زمان والخروج لا في زمان 
عرف قدماء الفلاسفة الحَركة بأنها: «الخروج عن القوّة إلى الفعل في الرّمان 
أو على الاتصال أو لا-دفعة)'. وقد كان هذا التعريف مما يكفي في شرح 
مفهوم الحَرَكة وتحديده لولا أن أَرِسْطُو قد رفضه» لأنه -حسبما يرى- 
يشتمل على دور خفي» إذ قد أخذ مفهوم الزَّمان -الذي هو: على الاتصال 
أو اللادفعة- في تعريف الحَرَكة» بينما مفهوم الحَرَكة مأخوذ بدوره في 
تر ال مان لان القلينة ا نة تعرق ال مان يانه مقدار ا ا 
فقد توقف كل منهما على الآخر في شرح المفهوم وتحديد الماهية". 

وقد كانت هذه الصعوبة المنطقيّة حجر عثرة في هذا التعريف حمل 
أرشطو على أن يذه تماقا لبلجاً إلى تعريقة المشهوو غنه وهو «الشركة 
كمال اول لماعو ااا فخ عدية ما هو با 00 ومعنى هذا التعريف: 
(۲) المرجع السابق: نفس الصفحة. أبو البركات البغدادي: المعتبر ج۲ ص9 1؟» والرازي: 

المباحث المشرقِيّة ج١‏ ص١٤٥‏ . 
(۳) ابن سينا الشفاء: الطبيعيات صن ة 7 (ط ظهران): وأبو البركات البخدادي: المعثير في 

الحكمّة ج۲ ص9 1. وأيضًا: 

.(M. H. Wolfson: Crescas Critique. Pvo (Cambridge 144 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ١8‏ 


أن الجسم الساكن -مثلا- يمكن أن ينظر إليه باعتبارين مختلفين: اعتبار 
الفعل» واعتبار القَوّة. وبالاعتبار الأول هو ساكن» أمّا بالاعتبار الثاني فهو 
متحرك. لكنه -وباعتبار القوّة- يكون في أمرين: أولا: الانتقال عما هو فيه 
من حالة الشّكون إلى حالة اللاسكونء وثانيًا: الوصول إلى المنتهى. فإذا 
ما ترك الجسم حالة الشّكون وتحرك ووصل إلى المنتهى الذي هو المكان 
الثاني فقد حصل للجِسم آنئذ كمالان: 

كمال أول: وهو الحَرَكة التي ترك بها حالة السّكون منتقلًا إلى حالة أخرى. 

كمال ثانٍ: وهو الوصول إلى المكان الثاني. 

وإذا كانت الحَرَكة تسبق بالضرورة وصول الجسم إلى 
المنتهى الذي هو المكان الثاني فإن الحَرّكّة تكون هي الكمال 
الأول لهذا الجسم كما أن الوصول هو الكمال الثاني له أيضًا. 
لكن لا يزال الجسم -وهو متحرك- دائرًا في حد القَوّة بالنسبة 
إلى الوصول إلى المكان الثاني لأن هذا الوصول بالنسبة للجشم 
لا يزال أمرًا بالقوّة لم يتحقق بالفعل بعد» ومن نَم كانت الحَرّكَة 
هي الكمال الأول للشيء الذي هو بالقوّة وبحسب هذه الجهة 
فقط لا بحسب جهات أخرى» لأن الحَرّكّة التي تكون كمالا أول 
لا تكون في الجسم من جهة جِسّميته -مثلًا- لأن هذه الجهة 
لا تتعلق بكون الجسم بالقوّة بما هو بالقَرّة» لكن تكون هذه 
الا كال أول من الجهة التي باعتبارها كان هذا الحِسْم في 
مح ال ةق وذلك لن هوية الحركة تتعلق بأمريى: 


www.alimamaltayeb.com 


۱۵۰ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


الأمر الأول: أن يبقى منها شيء هو بالقَرّة والأمر الثاني: ألا يكون 
المقصود من الحرّكّة قد تم وحصل بالفعل"“ وهذا هو فرق ما بين كمال 
الحَرَكة وبقيّة الكمالات الأخرى, فالجِسْم إذا كان مربعًا بالقوّة ثم صار 
مربعًا بالفعل فإن المربعيّة هنا قد حصلت لها بكلَّها وتمامها ولم يبق منها 
شيء بالقوّة لم يحصل بعد أمّا الحرَكة فكمالها -كما أسلفنا- متعلق بأمر 
القوة» ومن نَم قيد هذا الكمال بأنه: الما هونا رة من خدهة اھا 

هذا هو التعريف الذي ارتضاء أَرِسْطُو بعد أن رفض تعريف قدماء 
الفلاسفة» وهو التعريف الذي سيرتضيه ابن سينا من بعده أيضاء بعد 
أن يعرض نفس الأسباب التي عرضها أَرِسْطُو فيما يتعلق بعدوله عن 
تعريف قدماء الفلاسفة إلى التعريف المَسّائي في مشكلة الحَرّكّة: 
«ولولا أن الرّمان مما نضطر في تحديده إلى أن تؤخذ الحَرّكّة في حده» 
وأن الاتصال والتدريج قد يؤخذ الزَّمان في حدهماء والدفعة أيضًا 
فإنها قد يؤخذ «الآن» في حدها لسهل غلينا أن تقول: إن الحركة 
خروج عن القرّة إلى الفعل في الرّمان أو على الاتصال أو لا دفعة» 
لكن جميع هذه الرسوم تتضمن بيانًا دوريًا خفيّاء فاضطرنا مفيد هذه 
الصناعة (أرشطو) إلى أن تسلك في ذلك هجا حر 


)١(‏ الرازي: المباحث المشرقيّة ج١‏ ص۸٤ »٠‏ صدر الدين الشيرازي: الأسفار الأربعة 
المجلد الأول ص7١7.‏ 

(۲) ابن سينا: الشفاء: الطبيعيات ص 5" وأبو البَرَكّات: المعتبر ج۲» ص9 7؟. 

(۳) ابن سينا: المصدر السابق ص٤ ."0-١"‏ 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۱۵۱ 


أا أبو البَرّكَات فقد ارتضى منذ البداية التعريف المنبوذ لدى أَرِسْطُو 
وشيعته لأن التعريف المَشَّائي -فيما يرى- تعريف فيه شيء غير قليل من 
التعقيد والغموضء وأخذ مفهوم الرّمان في تعريف الحَرَكة لا يشكل عنده 
عقبة منطقيّة تغض من قيمة هذا التعريف. وهنا يلجأ فيلسوفنا -في حل 
هذا الإشكال المنطقي- إلى منهجه الذي أسّسه من قبل» وأعني به: الفكرة 
العامة السائدة لدى جمهرة الناس» وقبل أن نبين ارتباط أبي البركات 
بمنهجه - في إزالة هذا الإشكال المنطقي- نقول: إِلّه كان في مقدوره أن 
قل التعريك الود عن الان دوت أن يلجا إل فا الفكرة العامة 
الساذجة في منهجه» بل على أساس آخر في فلسفته وهو: أن الزَّمان عند 
فيلسوفنا له مفهوم يختلف تمامًا عن مفهوم المَشّائين» فالرّمان في فلسفة 
أبي البَرَكّات «مقدار الؤجود) لا مقدار الحَرّكٌة كما يرى المَشَّاءونَء وبهذا 
المفهوم الجديد تنفصل العلاقة الضرورية بين مفهوم الزَّمان ومفهوم 
الحَركة» فلا يكون كل منهما جزء حد في تعريف الآخرء وبالتالي يمكن 
لأبي البركات أن يقضي على فكرة الدور في تعريف قدماء الفلاسفة لكنه 
قد ترك كل هذا ليستند إلى منهجه ويرتبط به ارتباطًا وثيقا: فهذا التعريف 
الذي قاله قدماء الفلاسفة تعريف له قيمته التاريخية عند أبي البركات 
الباحث عن الأصول القديمة للفكر الفلسفي التي لم تفسدها -بعد- أفكار 
المَشائين ومن جاء بعدهم. وإذًا فلا تثريب عليه أن يجنح إلى هذا التعريف 
ويفضله على التعريف المَشَّائي منطلقًا من الأسس المنطقية اللازمة لصحة 


هذا التعريف حتى عند المَشّائين أنفسهم» ومن هنا جاء دفاع أبي البرك ت 


www.alimamaltayeb.com 


۱0۲ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 
عن تعريف قدماء الفلاسفة وارتباطه في هذا الدفاع بمنهجه الذي سلف 
القول فيه» فصحيح عنده أن هذا التعريف مأخوذ فيه الرّمان جزء حد داخل 
في شرح مفهوم الحَرَكة» لكن الزّمان المأخوذ هنا هو الرّمان بمعناه العامي 
الأولي عند الأذهان» وهو بهذا المعنى العامي أشهر وأعرف من «الحَرَكة» 
بمعناها العلمي الخاصء أي حين توضع لتحد حدًا منطقيًا تاماه لأن الزّمان 
بمعناه البسيط الساذج المتمثل في أذهان العامة في اليوم والشهر والسنة 
أقرب عند التّصَوّر وعند الحِسٌّ من الحَرَكة بالمعنى العلمي التام. وإذا 
كان الأمر كذلك فلا جرم أن يستعان في شرح الحَرّكّة شرحًا علميًا مبيتا 
عن ماهيتها بمفهوم الرّمان الأشهر والأعرف» ثم حين تبين حقيقة الحركة 
تصبح مفهومًا أعرف من مفهوم الرّمان ولكن لا بمعنى الزَّمان العامي الذي 
استعين به في شرح الحَرّكّة» بل بمعناه العلمي الكاشف عن ماهيته» وثمتئذ 
يدخل مفهوم الحَرَكة -باعتباره مفهومًا بيتا واضحًا- في تحديد مفهوم 
الزّمان تحديدًا علميّاء لأن الزَّمان المراد بيانه هنا هو الزَّمان في جنسه 
وفصله» ولا شك أن مفهوم الرّمان في مرتبته هذه أقل وضوحًا ومعرفة عند 
الذّهن من مفهوم الحَرّكّة بالمعنى العلمي التام. وكأن أبا البرّگات يقيم من 
فكرة الوضوح والخفاء فوارق ذاتية تتمايز بها الأشياء بل ويتمايز بها الشيء 
الواحد في دورين مختلفين» فالمفهوم الساذج ليس هو هو نفس المفهوم 
حين يعرف بجنسه وقصله الذَّائيين» بل هنا تفاوت في درجة المعرفة 
يترتب عليه تفاوت في المفهوم أيضًا. وعلى هذا فالزّمان المأخوذ في 
تعريف الحَرَكة هو الرّمان العامي والزَّمان الذي أخذت الحَرّكّة في تعريفه 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 0۴ 


هو الزَّمان الخاص أي بالحد المنطقي» وكذلك الأمر بالنسبة للحَركة. 
شرل أبو الات اقلا باس أن يود ال مان مرك الأولى العامة 
جزء حد داخل في شرح اسم الحَرّكّة وتعريفها عن طريق التحديد, فإذا 
تمت المعرفة بالحَرَكة بماهيتها ولميتها وفاعلها وموضوعهاء عرف بها 
الان ار 
وهكذا تلعب الفكرة العامة الواضحة دورًا باررًا في فلسفة أبي 
البَرَكَاتء وسوف يلجأ إلى هذه النقطة المنهجية كلما اشتد أمر الخلاف بينه 
وبين المَشائين سواء حين يتخذها فيصلا يفرق به بين الرأيين المتعارضين» 
أو حين يرأب بها صدع المذاهب الفلسفيّة القديمة التي يحرص عليها. 
على أن خصيصة الرّمان التى نفر منها المَشْاءون فى هذا التعريف 
قد كانت عند أبي البَرّكات ضرورة لا غنى عنها في إبراز الفرق بين معنى 
سح | 5 . 1 2 
الحركة ومعنى التغير» لان كلا منهما خروج من قوة إلى فعل» ومناط 
)١(‏ المعتبر ج٠‏ ص*٠".‏ وقد استحسن الرازي إجابة أبي البركات هذه فقال: «وأجاب 
بعض الفضلاء عن ذلك بأن تصور حقيقة الدفعة واللادفعة والتدرج كل ذلك تصورات 
أولية لإعانة الجس عليها... ومن الجائز أن تعرف حقيقة الحركة بهذه الأمور ثم تجعل 
الشركة معرقة للوماق و ا ق اللذين جما سمب جوا رر الأولية ال ر وح 
يلزم الدور وهذا جواب حسن): المباحث المشرقِيّة ج١‏ ص8 ؛ 5» والشيرازي يجيب 
نفس هذه الإجابة» وإن كان ينص على أن: «هذا الجواب مما ذكره صاحب المطارحات 
(السهروردي) واستحسنه الرازي في المباحث المشرقيّة» الأسفار مجلدا ص۳٠۲‏ 
لكن حقيقة الأمر أن السهروردي مسبوق بهذه الفكرة التي هي -فيما أعتقد- من فلسفة 


أبي البركات القائمة على منهجه الذي يفسح مجالا كبيرًا للتصورات العامة أو أوائل 
الأذهان كما أوضحنا ذلك من قبل. 


www.alimamaltayeb.com 


۱۵٤‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


التمييز بينهما هو معنى «الّمان»» والتفرقة بين الحَرَكة ومطلق التير تفرقة 
ضرورية في معرفة أنواع المقولات التي تقع فيها الحَرَكة والتي يقع فيها 
التي وهذا ما نفتقده تمامًا في تعريف أَرِسْطُو والمَشائين من بعده”". 

۲- وجود الحركة: 

وبرغم أن ظاهرة الحَرَكة مما لا يستطيع الحس إنكارها أو الشك فيها 
سالا ارا بحرن ميارك جات رمات ال اوه جر اها 
فإنه يجدها سلسلة من أمور عديمة مستعصية على الاجتماع معًا في وجود 
خارجي. ومن نَمَّ كان وجود الحَرّكّة وجودًا واقعيًا مثار نزاع فكري» 
يضرب بجذوره في أعماق الماضي السحيق للتاريخ الفلسفي» ومن ته 
أيضًا أطلق عليها الفلاسفة تلك العبارات التي تعكس حيرتهم واضطرابهم 
إزاءهاء مثل «الظاهرة المتمردة على الفكر» و«اللامحدودة» و«وما لا نظير 
له»» حتى قال أفلاطون: «ينبغي أن نفر من هذا العالم لنبحث عن المعرفة 
في عالم آخر لا تسوده الحَرّكّة وهو عالم المعاني». 

وأساس الإشكال في مفهوم الحَرّكّة هو ظاهرة التقضي والزوال 
المستمر القائم في لبها ونسيجها الداخلي وذلك لأن المظاهر المرئية 
للحركة -في المكان مثلًا- ليست إلا المماسة والزوال» والمماسة سكون 


والزوال أمر عدمي» فأين المقومات الوجودية للحَرَكة إِذَا؟ 


Wolfson: وأيضًا:‎ .(Pines: Revue des etudes Juives. PFA (14۳۸(1) 
.Crescae. Critique. Po YY 
د. محمد غلاب: الفلسفة الإغريقيّة ج۲ ص8".‎ )۲( 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 10۵ 


ولنضرب لذلك مثالا بالجشّم المتحرك من مكان إلى مكان آخرء 
فهذا الجسم كان -قبل أن يتحرك- مماسًا للجِسْم الذي يتحرك علي 
فلما تحرك زال عن هذه المماسة وفي نفس الوقت حصلت له مماسة 
أخرى ثم زال عنهاء وهكذا. فهل الحَرّكّة هي المماسة الأولى, أو الزوال 
عن المماسة الآولى» أو حصول المماسة الآخرى» أو مجموع المماسة 
والذؤال فا و حصول العماسة التعرى؟ 

إننا إذا نظرنا إلى المماسة الأولى والمماسة الأخرى منفردين 
وجدناهما ضربًا من الشّكونء ومن تَّمّ لا يصح أن تكون إحدى المماستين 
هي الحَرّكَة وإلا لما كان ثمة فرق بين الحرّكٌة والشّكون. كذلك لا يصح 
أن يكون الزوال هو معنى الحَرّكّة لأن الزوال معنى عديمي وليس أمرًا 
وجوديّاء فلو كان مقومًا من مقومات الحَرَكة لأصبحت الحَرّكّة في هذه 
الحال أمرًّا عدميًا كذلك. وأيضًا لا يتصور العقل أن يكون مجموع المماسة 
الأولى والزوال والمماسة الأخرى هو معنى الحَرّكّة لآن هذا سيؤدي في 
النهاية إلى عدم حصول الحَرّكّة ووجودها خارجًاء إذ المماسة الأولى مع 
الزوال معدومة تمامّاء والزوال عدم» والمماسة الآخرى سكون» وهكذا 
لا يعثر'الذهن على المعتى الو جردي للكرّكة خلال هذه الأمور العدميّة 
المعلاحقة ويقى أن تكرت الحركة إما مع غدميا لا وجوه لد أو لذ فرق 
بينها وبين السّكونء أو تكون الحَرَكة شيئًا آخر غير هذه الأمور”". 

وأكبر الظن أن هذا الإشكال قد حمل الشيخ الرئيس على أن يميز 


(1) أبو البَرَكّات البغدادي: المعتبر في الجكمّة ج١‏ ص١‏ ”. 


www.alimamaltayeb.com 


۱۵٦‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


في الحَرَكة بين معنيين» معنى قطعي ومعنى توسطي. والمعنى الأول غير 
موجود في الخارج وإِنَّما هو محض تصور ذهني لا يتمثل في واقع. أن 
المعنى التوسطي في الحَرّكّة فهو المعنى الموجود المتحقق في الخارج. 
والفرق بين هاتين الحركتين: أن الحَرّكّة القطعيّة هي الحَرّكّة المكانيّة 
مَنظوردًا إلبها باغضازها مرا منصلا وما بين المبدا والمتتهن» وبعارة 
أخرى: المحصول الكُلّي للحَرَكة من وقت ابتدائها إلى وقت انتهائهاء 
المحصور في هذه المسافة التي تحرك فيها الجسّمء المنطبق على هذه 
المسافة بحيث ينطبق كل جزء من أجزاء الحَرّكّة على كل حد من حدود 
المسافة وفي نفس الوقت يكون منطبقًا على كل آن من الرّمان المصاحب 
لها. فهده الحَرَكة إنما نتصورها من خلال تصورنا للعلاقة بين الجسم 
وبين حصوله في المكانين اللذين تحرك بينهماء والحَركة بهذا المفهوم 
الا ا ا بين المكانين» 
لأن الذهن ينظر إليها باعتبارها كلا ممتدّاء والجِسْم ما لم يصل للمتتهى 
لا يتحقق للحَرّكّة كل ممتد» فإذا ما وصل إلى المنتهى بطلت هذه الحركة 
الممتدة وأصبحت أمرًا لا وجود له» ومن هنا كان التَصور الذهني هو 
وحدة الموطن الذي ترتسم فيه الحَرّكّة القطعيّة. يقول الشيخ الرئيس: «فإن 
الحَرّكّة إن عني بها الآمر المتصل المعقول للمتحرك بين المبدأ والمنتهى 
فذلك لا يحصل البتة للمتحرك وهو بين المبدأ والمنتهى» بل إنما يظن 
أنه قل خضل ترا فح الحصول إذا كان التمعرك عم المقنيى» رها 
يكون هذا المتصل المعقول قد بطل من حيث الوجود فكيف يكون له 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۱10۷ 
حصول حقيقي في الوجود؟ بل هذا الأمر بالحقيقة مما لا ذات له قائمة 
في الأعيان» وإنَّما ترتسم صورته قائمة في الذَّهن بسبب نسبة المتحرك إلى 
مكانين: مكان تركه ومكان إدراکه'. 

وفي مقابل هذه الحَرّكّة المعقولة يعرض الشيخ الرئيس للحَركة 
الموجودةء ويعني بها الحَرّكّة التوسطيّة وهي حَركة يكون فيها الجسم 
متوسطًا بين المبدأ والمنتهى» بمعنى وجوده في كل حد من حدود المسافة 
المتوسطة؛ وذلك حين نفرض أن هذا الجسم في كل آن من زمان الحَرّكَة يكون 
في حد معين من حدود المسافة لم يكن فيه قبل هذا الآن» ولا يستقر فيه أيضًا 
بعد هذا الآن نفسهء إذ لو فرضنا وجوده في هذا الحد قبل هذا الآن المفروض 
أو بعده لغدا الجسم ساكتًا في هذا الحد في حين أَنَّهِ متحرك ومتنقل من حد 
إلى حد» وفي آن بعد آن» وهذه الحصولات المتتالية في حدود المسافة 
المتحدة مع آنات زمان الحَرَكةء حين نقتطع منها حصولا واحدا نرصده. 
يظهر لنا وجود الحَركة وجودًا خارجيًا بهذا المعنى الفردي البسيط". 

أمّا أبو البركات فالحَرّكّة عنده موجودة وجودًا خارجيًا حتى في معناها 
القطعي لأن مقومات الحَرَكة ذوات وجودات خارجية» إذ الملامسة 
الأول وق كانت ام وق ها على ال د ]له اها قد كان 
لها وجود من قبلء أمّا الملامسة الأخيرة فهي موجودة وجودًا قائمًا بالفعل 
إذ هي معنى استقرار الجسم في المكان الثاني الذي هو المنتهى. وفيما 
(۱) طبيعيات الشفاء ص ه 5-7 (ط طهران). 
(۲) نفس المصدر والصفحة. 


www.alimamaltayeb.com 


۱۵۸ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


يتعلق بالمماسات الزائلة فإن الذهن يلاحظها وقت الحكم على الحركة 
بأنها موجودة» وإن كانت في أنفسها وقت هذا الحكم غير موجودة بالفعل» 
فإننا لا نشك في أن كلا من هذه المماسات قد كان ذا وجود» وإن كان 
وجودًا على سبيل التعاقب والتبدل. ما الزوال فإنه وإن كان حكمًا ذهنيًا 
في أمر عدمي إلا أله ذو اعتبار وجودي أيضًاء فمعناه هنا: الحصول السالف 
الذي حل محله هذا الزوال فمقومات الحَرَكة بهذا المعنى أمور وجودية 
في أنفسهاء وليس بلازم حين نحكم على الشيء الذي عرفناه ببعض صفاته 
أن تكون هذه الصّفات موجودة له وقت الحكم عليه» فهذا مما يلزم في 
الحكم على الموجودات القارة الثابتة» أمَّا الحَرّكّة فإن وجودها ضعيف 
لا يكاد يظهر حتى يستولي عليه الفقد فيحيله إلى عدم» وهذا ضرب من 
الموجودات لا يمكن أن تستبقى -في الخارج- مقومات وجوده حين 
الحكم عليه» اللهم إلا أن تكون هذه المقومات ملحوظة في التَصَوّر 
الذهني فقط» لأن طبيعة هذه المقومات ألا تبقى ولا تستقر وإِنّما هي 
على نهج التقضي والصيرورة والسيلان» واستمرار التقضي مع استمرار 
الوجود لا يؤثر أبدًا في الحكم بالوجود على هذا المتقضي» كما أن نفي 
الوجود القار الثابت لا يستلزم نفي الوجود المطلق. فللحَرّكّة وجود 
ما في ذلك ريب وإن تكن مقومات هذا الوجود متربصًا بها من قبل 
الصيرورة كما ظهرت عادت إلى العدم من جديد. 

ثم إِنّه كيف تسنى للمشائين اصطناع هذه التفرقة بين حَرَكَة قطعيّة 


وحَركّة اتصالية؟ وإذا كان ابن سينا قد أنكر وجود الحَرّكّة بالمعنى الأول 


0 


ماع 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ١06‏ 


وفي ذات الوقت يرى أنها في الزَّمانء والَرّكّة عنده محل للزمان وعلة له 
ثم إن الزّمان عنده أمر موجود في الخارج إذ هو المعنى المتصل المنقسم 
إلى السنين والشهور والأيام والساعات» أفلا يكون إنكاره للحَركة القطعيّة 
ثمتئذ إثباتا لأن يكون المعدوم محلا للموجود وعلة له؟. 

إن أبا البركات لا يرى في الحَرَّكّة معنى قطعيًا ومعنى توسطيًاء 
والحَرّكّة عنده موجودة على نحو ضعيف من أنحاء الوجود: «ولكون 
مفهوم لفظة الوجود غير متفق عند المسميات بها والمقولات عليهاء لم 
يجعل الفيلسوف الأول الوجود جنسًا لأنواع الموجودات» وجعله اسمًا 
مشر كا مقرلا باشتلاف المفهوفات)00, 

و إذَا فالذي ينبغي أن ينفى عن مفهوم الحَرَكة هو: الو جود القار الثابت. 
أمّا مطلق الوّجود فإن أحدًا لم يكابر بنفيه» و«زينون» الفيلسوف اليوناني ما 
نفى وجود الحَركة -فيما يرى أبو البَرَكات- بالمعنى المطلقء وإِنّما نفى 
عنها وجودًا خاصًا هو الوجود الثابت» ولا يبعد أن يكون مفهوم الوجود 
-عند زینون- هو ما له وجود قار لا ما له وجود ما. 

وأبو البرّكات ينحي باللائمة على الفلاسفة الذين اتخذوا قول زينون 
في الحَرّكّة مثلة بينهم دون أن يدركوا مقصوده الذي يهدف إليه. يقول 
فيلسوفنا: «وهذا (نفى الوجود القار عن الحَرّكّة لا مطلق الوجود) نظر من 


6 


)١(‏ أبو البرّكات البغدادي: المعتبر في الحكمّة ج۲ ص۳۲-". وأيضًا: الرازي: المباحث 
المشرقِيّة ج١‏ ص 5550 والشيرازي: الأسفار الأربعة: مجلد١‏ ص5١١.‏ 


www.alimamaltayeb.com 


۱1۰ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 
أمعن في التحقيق» وإن كان قد جعل قوله مثلة بين الحكماء يتعجبون منه 
ويتمثلون به في المحالات المشهورة البطلان إذ لم يفهموا مقصوده منه» 
وهو فلم يشرحه. أو لعله خص باسم الموجود ماله وجود قار)0". 

۳- هل الحرّكّة معلولة؟ وفي أية مقولة تقع؟: 

يها سال أر شطو مقهوم الشركة وجد آنه للا بحضل تمامها | لأعيد 
حضصول أموو س المس ك د اليم ك مامه الشركة (السعدا)مدها 
إلبه الكركة (النعبيى) د ما فيه الشركة (المساقة)- الما لکن مز 
هذه الأمور ما هو مقوم لمفهوم الحَركة» ومنها ما هو لازم ذهني للمفهوم. 
فالمبتداً والمنتهى والمسافة (أو المكان) آمور مقومات للحرّكة. أمَا الرّمان 
والمتحرك فهما أمران لا زمان في الذّهن لهذا المفهوه©. 

لكن ما العلاقة بين المحرك والمتحرك؟ هل هي علاقة التغاير 
والانفصام أو علاقة التطابق والاتحاد؟ وبعبارة أخرى: هل يمكن أن يكون 
المتحرك هو نفس المحرك أو لابد أن يكونا أمرين متغايرين تمامًا؟ 

والفرض الأول يترتب عليه إمكان أن تكون الحَرّكّة ذاتية بمعنى أن 
يتحرك الشيء من نفسه وبنفسه غير مرتبط في حر کته هذه بمؤثر آخر غير ذاته. 
)١(‏ المصدر السابق ج۲ ص”7. 
(۲) أرسطو: الطبيعة ج۲ ص 447 (ترجمة إسحاق بن حنين). 
(۳) يلاحظ أن أبا البرّكات -منطلقًا من نظريته في الزّمان- لا يعتبر الرّمان مقومًا للحركة» 


وذلك على العكس من التّظريّة المَشَائيّة التي ترى في الرّمان علة لوجود الحركة ومحلا 
لها. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ٣1‏ 


أما الفرض الثاني فيترتب عليه ضرورة أن تكون الحَرّكّة محدثة عن 
محرك وهذا المحرك لايمكن أنيكون نفس المتحرك بل أمرآخر مغاير تمامًا. 

والفلسفة الأرسطيّة إزاء هذا التساؤل تقرر في وضوح أن المحرك هو 
الذي يحدث الحَرّكة في المتحرك» وأنهما متغايران» وبهذا تضع الفلسفة 
الأرسطيّة أساسًا من أسس الفيزيقا بل والميتافيزيقا أيضّاء وذلك حين 
يصل بنا تحليل هذه المشكلة إلى المحرك الذي لا يتحرك. وهذا الأساس 
الفيزيقي والميتافيزيقي منبثق من تصور الحَرّكّة ورصدها في وجودها 
الخارجي» لأن مقومات الحَرَكة المكانيّة -مثلًا- أمور متفرقة في الڏهن» 
لكنها مؤتلفة في الوجود. وهذه المقومات هي التي يتكون من مجموعها 
مفهوم الحَرَكة بحيث نستطيع القول بأن الحَرَكة ليست أمرًا آخر وراء 
هذه المقومات. بيد أن هذه المقومات التي هي المماسة الأولى والزوال 
والمماسة الثانية أمور يتشابك وجودها مع عدمها تشابکا متصلاء وقد مر 
بنا آنا أن المماسة الأولى لا تلبث أن تعدم ضرورة زوال الجِسْم المتحرك 
عنها وضرورة حدوث المماسة الأخرى ومعنى ذلك أن هذه المقومات 
موجودة على سبيل الزوال والتبدل والتجدد. فهي أمور معلولة في وجودها 
بحيث لا يمكن لنا أن نتصور من بينها مقومًا واحدًا ذاتيًا في الجسم 
المتحرك: فالمماسة الأولى لو كانت من مقتضى ذات الجسم المتحرك 
لما كان لهذا الجسم أن يفارق مكان المماسة ويزول عنه. بل ولظل فيه 
ثابتا ساكتا لا يبرحه» وكذلك المماسة الثانية لا يمكن أن تكون من ذاتيات 
المتحرك وإلا لما كان ثمة معنى لأن يصبح الجسم المتحرك منفصلا عنها 


www.alimamaltayeb.com 


۱11 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


وطالبًا لها متوجهًا إليها في نفس الوقت. والزوال الذي هو عدم ليس أيضًا 
-من حيث هو عدم- مقتضى ذات الجسم المتحرك فلا علل للأعدام من 
حيث هي أعدام» بل علل الأعدام أعدام العلل كما يقال. فالمماسة الأولى 
والزوال والمماسة الثانية أمور يعدم بعضها بعصا ولا يظهر منها واحد إِلّا 
بعد أن ينعدم الآخر. وإِذًا فأمر بدهي أن تكون المقومات التي يتخلل العدم 
صميم هوياتها غير موجودة بذاتهاء لأن الذي يكون وجوده مقتضى ذاته لا 
يلحقه عدم ولا فناء. وإذا لم يكون وجود هذه المقومات مقتضى ذواتها 
فهو -لا محالة- مقتضي علة أخرى تحدثه وتعدمه. 

وما دامت مقومات الحَرّكّة معلولة الوجود فأحرى بالحَرّكّة ذاتها أن 
تكون معلولة الوجود كذلك, لأن مفهومها ليس أمرًا آخر وراء مقوماتها: 
«فكيف لا تكون معلولة الوجود ومقومات مفهومها معلولة في ذاتها. وفي 
وجودها للمتحرك معلولة لعلة هي المحرك!!). 

وإذا كان تحليل مفهوم الحَرَكة في الفلسفة المَشَّائيّة قد انتهى في آخر 
الأمر إلى معلولية الحَرَكّة فثمة أمر آخر يفضي بنا إلى هذه النتيجة عينهاء 
وهو تلك الإحالات العقليّة التي تنشأ وتترتب على القول بأن الحَرَكة في 
الجسم آمر ذاتي: فالجشم لو كان بمحض جِسّميته. دون اعتبار لأية علة 
خارجه عن ذاته» مقتضيًا للحَرَكة» لكانت الأجسام جميعها تلزمها الحركة 
على نهج مطرد» ووتيرة واحدة» لأن الجِسْمِيّة التي أصبحت هنا مناط 
حصول الحَرَكة وحدوثها قدر مشترك بين الجسام جميعًا. ويلزم أن تكون 


.7" 0 أبو البَرَكّات البغدادي: المعتبر في الحكمّة ج۲ ص‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د / أحمد | 4 لطيب ۱31۳ 


الأجسام كلها متحَرَكة دائمًا وعلى وجه لا يحدث معه توقف أو سكون. 
ويلزم أيضًا أن تكون حَركة جميع الأجسام حَرَكة واحدة» لأن الجسْويّة حين 
تستلزم حَرَكٌة معينة يجب أن تستلزم عين هذه الحَرّكّة في جميع الأجسام 
الأخرى بيحيت لانرى فى الالجساء المعدركة إلانوعا واتحداامن الشركة 
كالحَرَكة المستقيمة أو المستديرة» وثمتئذ يبطل تعليل اختلاف الأجسام 
في نوع حركاتها وحد هذه الحركات من السرعة والبطء» فهل لو كانت 
الحَرّكّة أمرًّا ذاتيًا في جسم فلماذا يتحرك جِسْم حَركة مستمرة وسم آخر 
حَرَكَة في وقت دون وقت؟ ولماذا يتحرك جسم حركة أسرع وجسم آخر 
حركة أبطأ؟ ولماذا يتحرك بعض الأجسام حَركة مستديرة وبعضها حَرَكَة 
مستقيمة؟ لابد لنا إزاء هذه التساؤلات من أن نضرب صِفحًا عن اعتبار 
الجِسْويّة -بمجردها- العِلّة الحقيقيّة في حدوث الحَركة في الأجسامء 
ولابد لنا أيضًا من التسليم بأن للحَرة محرّكًا هو غير المتحرك وهو العلّة 
الحقيقيّة في وجود الحَرَكة في المتحرّك. وفي اختلاف الحركات سواء 
في أنواعها أو في حدودها أو في أزمانها. يقول أبو البركات: «... فلا 
يقتضي الجسم لذاته حَركة» فالحَرَكة له عن غيره» ذلك الغير هو المحرك 
فالمحرك لكل متحرك هو غير المتحرك)"". 

وإذا كانت معلوليّة الحَرّكّة قد استلزمت تغايرًا -هنا- بين المحرك 
والمتحرك فإن الأمر يختلف بالنسبة للمبدأ والمنتهى أو «ما منه» وما 
إليه» فهما متحدان بالجنس بمعنى أن كلا من المبدأ والمنتهى في الحَركة 


www.alimamaltayeb.com 


۱1٤‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 
المكانيّة -مثلًا- مكان» إذ الحَرَكة هاهنا إنما تنتقل من مكان إلى مكان. 

وكذلك الأمر فيما يتعلق بمقولة الوضع فإن الحَرّكّة تبتدئ فيها من 
وضع وتنتهي إلى وضع» وفي الكميّة تنتقل الحَرّكّة من مقدار إلى مقدارء 
وفي الاستحالة من كيفية إلى كيفية أخرى. 

لكن مكان الحَرّكة أو ما فيه الحَرَكة هل يتحد مع جنس المقولة الواقع 
فيها أو يمكن أن يكون ثمة اختلاف بينهما؟ 

ولنضرب لذلك مثالا بالحَرَكة المكانيّة تلك التي يتحد فيها 
المبدأ مع المنتهى اتحادًا بالجنس» إذ مفهوم كل من هذين الحدين هو 
مكان والأمر كذلك فيما يتعلق بما فيه الحَرّكّة فهو مكان أيضًاء ومن 
نَم وجدنا مقومات الحَرَكة المكانية تتحد مفاهيمها اتحادًا تامّاء لأن 
ما منه وما إليه وما فيه من جنس واحد هو المكان. فهل الأمر كذلك 
بالنسبة لمقولة الكم والكيف والوضع؟ بمعنى أن «ما فيه الحَرَكة» في 
الكم -مثلا- هل هو المقدار أو أمر آخر؟ 

إن أبا البَرَككات -متابعًا لابن سينا-“ يرفض أن يكون ما فيه الحَرَكَة 
مكانًا إلا إذا كانت المقولة التي تقع فيها الحَرّكة هي مقولة الأين» بمعنى 
أن ما فيه الحرّكّة في الكم هو المقدار» وفي الاستحالة هو الكيف. وفي 
الوضعيّة هو الوضع. وهذا مرتبط بتصور أبي البركات لمفهوم ما فيه 
الحَرّكّة - أعني مكان الحَرّكّة-» إذ مكان الحَرّكّة هو الذي «تقع فيه الحركة 
بالّات» وعندئذ يكون وجود الحَرَكَة في المكان بالنسبة لمقولة الأين 
)١(‏ طبيعيات الشفاء ص٥٠٤‏ (ط طهران). 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۱1۵ 
وعر 16 وال ا کا ی ت الرقف 
متحدًا بالجنس مع المبدأ «ما منه)» والمنتهى «ما إليه»» آم الحَرَكة في الكم 
والكيف والوضع فإنها تقع في هذه الأجناس أولا وبالذات» وإن ترتب على 
هذه الحَرّكّة في المقدار أو الكيف أو الوضع نشوء حَرَكة في المكان» لأن 
هذه الحَرَكة حينئذ ليست إلا حَرَكة عرضية وبالقصد الثاني «فالنامي يتدرج 
في مقداره بحركته في كميته ولا وبالدّات» وفي مكانه ثانا وبالعرض». 
ويضرب أبو البركات مثالا للتفرقة بين الحَرّكَة فى الكيف والحركة فى 
المكان بظاهرة التسخين في الجسّم. فإننا إذا ما رصدنا هذه الحَرَكة نجدها 
تقع أولًا وبالدّات في كيف هذا الجِسْمء والحَرّكة بهذا المعنى انتقال من 
الأضعف إلى الأقوى فى الخرارة والتسخين» أما انتقال هذه الحرارة من 
جزء في الجسم إلى جزء آخر ومن الجزء الأقرب لمصدر الحرارة إلى 
الجزء الأبعد فليس حَرَكة فى الكيف» بل «حركته فى ذلك مكانيّة من حيث 
تسري في الأجزاء وأمّا من حيث تبتدئ وتنتهي من ضعف إلى شدة فلاء 
ومن هذا القبيل هي في كيفيته»”". 

ونخلص من هذا التحليل عند فيلسوفنا أن الحَرَكة تقع في أجناس 
أربعة أو مقولات أربع هي: الأين» والكم» والكيف. والوضعء وأن وقوعها 
في هذه الأجناس وقوع أولي» إذ هو معنى حصول الحَرَكة في هذه المقولة 
أو تلك من المقولات الأربع» وأن الحَرّكّة بهذا التحديد والحصر لا تقع 


)١(‏ المعتبر في الحكمّة ج۲ ص۳۸-۳۷. 


www.alimamaltayeb.com 


۱ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


فى بقيّة المقو لات وخصوصًا فى مقولة الجوهر» لأنه لا حَركة -عنده- فى 
ماهيات الأشياء وإِنَّما فيما يلحق هذه الماهيات من أيون وكموم وكيوف 
وأوضاع. لأن ماهيات الأشياء لا تقبل زيادة ولا نقصًا والحرّكّة في أخص 
خصائصها تدرج وانتقال من شيء إلى شيء آخرء «فالإنسان يتحرك في 
مکانه» ووضعه» ونموه» ونقصه» وحرارته» وبرودته من شىء من ذلك إلى 
إنسان» وکل ما به هو هو لا يتحرك فيه)”"". 

٤‏ - اتصال المتحرك بالمحرك: 

ا ات 
ضرورة الانفصال بين هذين امريد فى مفهوم ل بيك 2 م 
سثمر الک للا شر كد يون اليك ن نيلا بالميخر ك الصا سار 
)١(‏ نفس المصدر والصفحة. ونلاحظ أن أرسطو قد حصر المقولات التي تقع فيها الحركة 

في ثلاث: الكم والكيف والأين «الطبيعة ج۲ ص .)2١5‏ أمّا المشاءون الإسلاميون فقد 

وجدنا عندهم مقولة رابعة تقع فيها الحركة هي مقولة: الوضع. وكلام ابن سينا في النجاة 
يوهم أنه أول من قال بالحركة في الوضع» فقد قال في القسم الطبيعي من النجاة «وأمًا 

الوضع فإن فيه حركة على رأينا خاصة كحركة الجسم المستدير على نفسه» ص .١7١‏ 

لكنا وجدنا الإمام الرازي يقول في المباحث المشرقيّة ج۲ ص587: «وكلام الشيخ 

يوهم أن حركة الوضع أمر استخرجه الشيخ ولم يقف عليه المتقدمون, مع ني رأيت في 
كلام الشيخ أبي نصر الفارابي تصريحه بذلك» ومهما يكن من أمر فإن أبا البَرَكَات هنا 
في هذا الموضع يتابع المشائين الإسلاميين متابعة تامة سواء في تحديد المقولات التي 

تقع فيها الحركة أو في الاعتبارات التي تم على أساسها هذا التحديد. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 1۷ 


وبقاء هذا الاتصال شرط عنده في استمرار الحَرّكّة. وفي ذلك المعنى 
تطالعنا الفيزيقا الأرسطيّة بالنص التالي: «لكنه يلزم أن المحرك المباشر 
والأولي الذي يؤتي الحَرّكّة في المكان أو أية حَركة أخرى جسمانية 
يلمس المتحرك أو يكون ملاصقًا أو مماسًا للمتحرك... وحينئذ يلزم أن 
المحركات والمتخركات تلاس على التكافؤ» وتكون متصلة بعضها 
ببعض بحيث تكون مجموعًا واحدًا»”"» ومن نَمَّ أمكن أن يعتبر المحرك 
متحركا أيضًا بِالقَرّة لأنه ما دام مماسًا للمتحرك ومتصلًا به فهو لا شك 
منفعل بهذا التماس» ويترتب على ذلك أن تكون الحَركة واحدة في 
المحرك والمتحرك. وإذا أردنا أن نضع أيدينا على فيصل التفرقة في تعلقها 
بالمحرك أو المتحرك فإن علينا أن نعتبرها «فعلا) إذا ما أخذت مقيسة إلى 
المحرك» و«انفعالا» إذا ما كانت مقيسة إلى المتحرك20. 

هذا المبدأ الفيزيقي في الفلسفة الأرسطيّة قد تنشأ عنه مواقف 
صعبة إذا طبق مفهومه على كل أنواع الحَرّكّة المكانيّة التي هي: حَرَكة 
الدفع والجذب والدوران» والحمل. فإذا ما طبقنا هذا المفهوم على 
حَرَكّة المدفوع أو المقذوف فإن تساؤلًا شائكًا يفرض نفسه في هذه 
المشكلة» لأن المشاهدة تحكم بأن المقذوف يواصل حركته وهو 
منفصل تمامًا عن القاذف المحرك. فها هنا انفصال واضح من المتحرك 
)١(‏ سانتهلير: علم الطبيعة لأرسطو طاليس ص7١‏ ترجمة لطفي السيد» وأيضًا: عبد 

الرحمن بدوي: أرسطو ص58 .١‏ ويوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية ص١5١.‏ 


(۲) يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية ص١ .١5‏ 


www.alimamaltayeb.com 


۱1۸ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


عن المحرك بينما للحَرَكة وجود قائم متصل. وإذا كان أَرِسْطُو يضع 
الأتصال نين المخرك والتحرك شرطا لبقاء الشركة ومواضلتها فما 
هي علة الحَرَكة إِذَا في هذا المقذوف؟ 

إن أرشطو -من أجل أن يرأب هذا الصدع في قانونه الفيزيقي- قد 
ندا إلى غ 1 نشت ق الوسط وة مها أن القاذف 
حين يقذف الشيء فإنه يعير الوسط الذي يحيط بالشيء المقذوف قُوّة دفع 
تحمل هذا المقذوف على مواصلة حركته. وهذا الوسط الذي هو الهواء 
المحيط الذي يقبل قوّة الدفع أكثر مما يقبلها الجسم المقذوف. وبالتّالي 
يكون دفعه أسرع من دفع هذا الجسم» ومن ت يصبح قادرا على دفعه 
وتحريكه"". 

نمه نظريّة أخرى أفلاطونيّة يذكرها أَرِسْطُو في تعليل حَرَكة المقذوف 
وهي نظريّة التعاقب أو المعاقبة. وتفسير الحَرَكة في هذه التَظريّة: أن السهم 
حين يتحرك يدفع الهواء الموجود أمامه فينحدر على جنبتي السهم ويعود 
قوّة يدفع بها هذا السهم. وهكذا يتعاقب الهواء من الأمام إلى الخلف في 
تحريك السهم ودفعه ا الأمام". 

وهذه النّظريّة -كما يبدو من غرض أَرِسْطُو إياها- لا يرتضيهاء وإن 
)١(‏ أرسطو: الطبيعة ترجمة إسحاق بن حنين ج١‏ ص27”77 وأيضًا: يوسف كرم: المصدر 

الماك فى العامة 
(؟) أرسطو: المصدر السابق ص۹٠۳‏ «وخصوصًا شرح يحيى بن عدي على هذه الفقرة». 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۱4۹ 
كان لا يشرح الأسباب التي حملته على هذا الرفض 

ومهما يكن من أمر فإن هاتين التظريتين تشتركان في أن الوسط الذي 
يجري فيه المقذوف -سواء أكان هذا الوسط هواء أم ماء- هو علة حَرَكَة 
المقذوفات.وذلك لأنهقدحل محل المحرك» واكتسب كل خصائصه من منح 
الحَرَكةذاتهاء بل ومنح القوّة على مواصلة هذه الحَرَگة وبهذا زعم أرِسطو آنه 
قوم هذا الاعوجاج البادي في فلسفته الطَّبيعِية فيما يتعلق : بِحَرّكَة المقذوف. 

إذا ما انتقلنا إلى ابن سينا وجدناه يعرض هذه المشكلة. في كتاب 
الشّفاء -عرضًا مبسوطًا يتنكب فيه طريق المَشّائين» برغم شرطه على 
نفسه أن يكون مشائيًا في هذا الكتاب”": ففي الفصل الرابع عشر من 
المقالة الرابعة من طبيعيات هذا الكتاب يعرض ابن سينا للنظريات التي 
تفر خركة المقذوف المنفصل عن قاذفة؛ ويد بالتظريتين البوتانيتيخ 
اللتين تجعلان من «الهواء» علة هذه الحَرَكة وعلة استمرارهاء وأعني بهما 
نظريتي: التعاقب والوسط. ثم بدا له أن هاتين التظريتين متهافتتان: لأننا 
حين نفترض أن المقذوف -مثلًا- سهم يدفعه الهواء المتعاقب خلفه» أو 
الهواء المحيط به» فهذا الهواء إما أن يظل متحركًا مع سكون محركه الذي 
انفصل عنه» أو يظل ساكنًا. 

فأما أن يظل ساكتا فهذا فرض غير مقبول» لأن السهم حينئذ كيف 
تحرك واستمر في حركته!! 

وإن ظل متحركًا وكان علة لحَرَكة السهم فيجب أن يكون نفوذ الهواء 
(1)مُقدّمة المدخل من كتات الشفاء صن ١١‏ (ط مض » ومقدمة فنطق المشرقبينخ ص ؟. 


www.alimamaltayeb.com 


۱۷۰ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


في الحائط قبل نفوذ السهم فيه لأنه هو العِلّة في إنفاذ السهم في الحائط» 
فهو أقدر على النفوذ فيه من الجسم المتحرك به. وإذا كان السهم هو الذي 
نك جردا روه لمعمل ستيه للك نيه 0 مدر تيد مطل ال 
إلا أن فة السهم التي نفذ بها ليست ناشئة عن هذا الهواء المطيف يه©. 

هذا إذا كانت علة حَرَّكة المقذوف هواء بحيط به ويسبب له الحَرَكَة 
-أمّا فيما يختص بالهواء المتعاقب خلف الشيء المرمي- فكيف رجع 
الهواء -المدفوع إلى الأمام- على جانبي المرمي والتأم خلفه من جديد؟ 
وكيف أصبح هذا الهواء الملتئم ذا قوَّة قادرة على الدفع؟ إن هذه القوَّة التي 
حصلت للهواء الملتئم -خلف المقذوف- لا يمكن تعليل حدوثها. 

ونَّمَّةَ أمر آخر يجعلنا ننفض أيدينا من نظريتي التعاقب والوسط هو: 
أن الجسم المقذوف يبلغ أقصى سرعته في وسط المسافة التي يجتازها 
هذا الجسم المقذوف. فلو كان الهواء هو علة الحَركة لكان ازدياد سرعتها 
يحدث في مبتدأ الحَرّكّة لا في وسطها"". 

وإذًا فهاتان التّظريتان مرفوضتان عند الشيخ الرئيس لأنهما قاصرتان 
عن اوا ال ا لكر 25 الوذ وهم و كان الأمر كات كما هو 
التعليل الصحيح لهذه الحَرَكة عنده؟ 

هنا يطالعنا ابن سينا بنظريّة الميل القَسْرِيء وهو نظريّة لا تجعل 
للوسط المحيط بالمقذوف أهميّة ذات بال في تفسير حركته» وإِنَّما التعليل 
)١(‏ ابن سينا: طبیعیات كتاب الشفاء ص ١65‏ (ط طهران). 
انس المضننو السابق ص 184, 


www.alimamaltayeb.com 


أ احم الطب ۱۷۱ 
الحقيقي -في مفهوم هذه النّظريّة- أن القاذف يفيد المقذوف قوّة محركة 
ت هما من آل ماه دآ هذه ا تعيب درا قحل ها بعال 
على المقذوف من مصادمات الهواء» وهذا الضعف المتدرج في القوّة 
المحرّكة يواكبها اشتداد متدرج كذلك في «الميل الطبيعي» الموجود في 
هذا الجسم المقذوف. ثم يظل الميل الطبيعي يشتد ويقوى إلى أن يتغلب 
على القَرّة الغريبة الطارئة على المقذوف» ويستولي على الجسم ويسكنه 
ف حه الي اتن اكا الاي الذي يظل فيه الج اك مال 
يقسره قاسر على الخروج منه'"". 

وهذه القَوّة التي يفيدها المحرك للمتحرك» وتكون متصلة به أثناء 
الحَرّكَة هي ما يسميها ابن سينا «الميل القَسْرِي). 

والميل هو: «الحالة الانبعاثية التي تتحرك بالجِسّم من المبدأ نحو 
المنتهى والتي تدفع ما يعوق الجسم عن الخروج 5 هذا الد 
وإذا أردنا أن نتعرف على هذا الميل الموجود في الاجسام فإن علينا أن 
نتدبر ظاهرة اختلاف الحركات في السرعة: فإذا كان كل حَرَكة لا تنفك 
عن حد معين من السرعة أو البطءء إذ هناك الحركة الأسرع» والحركة 
الأبطأء والحَرَكة التي بين هذه الحدين» فما هو سر هذا الاختلاف في 
هذه الحركات؟ إن «الطبيعة» التي هي مبدأ الحرّكّة في الأجسام لا تفسر 
لنا هذا الاختلاف في الحركات» لأنها حقيقة واحدة في الأجسام كلها لا 


)١(‏ نفس المصدر والصفحة. 
(۲) محمد فضل العمري: الهدية السعيدية في الحكمّة الطبيعيّة ص٤‏ . 


www.alimamaltayeb.com 


۱۷۲ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


تتفاوت بشدة ولا بضعف» ثم إن نسبة جميع الحركات -المتفاوتة بالشدة 
والضعف- إليها نسبة واحدة» فليست حَرَكة أولى بأن تصدر عن هذه 
الطبيعة الجسْدِيّة من حَرَكة أخرى. وإِذًا فلابد لنا من البحث عن علة أخرى 
وراء هذه الاختلافات. وهنا تطالعنا فكرة «الميل»: فالطبيعة التي هي مبداً 
الحَركة إنما تقتضي قُوّة متوسطة بينها وبين الجسم المتحرك تكون له 
بمثابة العِلَة القريبة للحَرَكةء وفي نفس الوقت تكون هذه القوّة قابلة للشدة 
والضعف بحسب اختلاف الجسم في الكم أو الكيف أو الوضع. مثلا: لو 
كان هناك جِسْمان: أحدهما أكبر والآخر أصغر ثم سقط هذان الجِسْمان 
من مكان واحدء نازلين إلى أسفلء وكان الملا الذين يجريان فيه متشابه 
القوام تمامّاء فإننا نلاحظ أن الجسم الأكبر يصل المنتهى قبل الجسم 
اا وعدا معنا الاج كته ابرح س2 ا الا رده 
الاختلاف هو الميل الطَِّيِعِي الموجود في الأجسام» المختلف باختلافهاء 
فلما كان ميل الجسم الأكبر أقوى كانت حركته أسرع. 

ويفرق بين «الميل» و«الحَركة)» بأن الميل يوجد في الجسم وهو في 
حالة سكونه» والجس قادر على إدراك الميل في الأجسام غير المتحبكة 
وذلك حين نقسر الجسم ضد ميله الطَبيعِيء فإن الزق المنفوخ إذا سكن 
في الماء تحت اليد فإنه يحس منه قَوّة نحو الاندفاع إلى أعلى برغم سكونه 
في الماء تحت اليد كما يحس الميل أيضًا حين يوضع الحجر الثقيل ساكتا 
على اليد وفي ذلك المعنى يقول ابن سينا: «والميل هو المعنى الذي يحس 
في الجسم المتحرك وإن سكن قسرًا أحس ذلك الميل فيه يقاوم المسكن 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب يفل 


مع سكونه طلبًا للحَرّكة» فهو غير الحَرّكة لا محالة). 
ويقسم الفلاسفة الميل إلى أقسام ثلاثة: 
وهو ما تحدثه الطبيعة من ثقل يهوي بالأجسام إلى أسفل» ومن خفة 
تجنح بها إلى أعلى. وذلك مثل هبوط الحجر وصعود النار» فإن حركتهما 
إلى أعلى وإلى أسفل إنما تتم بتوسط هذا الميل الطبيعي. 
الميل التقساني (أو الميل الشعوري): 
وهو ما تحدثه النقس من الاندفاعات الإرادية فى النبات وفى الحيوان. 
وجهة هذا الميل: إما على الاستدارة كما هو الشأن في حَرَكة الأفلاك أو 
إلى عبهة واحدة كما فى النيات» أى جهات ملف كنا هو شان الدركات 
المختلفة باختلاف الإدراك عند الإنسان. 
الميل القسري: 
وهو ما يحدث من تأثير خارج عن ذات الجِسْم كحَرَكة المجذوب 
أو المدفوع أو المقذوف”". وهذا الميل القَسْرِي هو الذي أحله ابن سينا 
محل نظ الوسط الأرسظية فى سر رك المقذو ف وغلك النظرية الى 
(1) الفا اللات ص ۲۸۴ (ظ مص وشا الطبيعيات ص٤ (155-١‏ ط ظهران): 
والإشارات بشرحي الرازي والطوسي: ج١‏ ص۸۳-۸۲. والرازي: المباحث المشرقية 
جا ص٤۲۸‏ . 
(۲) الإشارات: شرح الرازي والطوسي ص۰۸۸ الشهرزوري: رسالة الشجرة الإلهية 
(القسم الطبيعي) لوحة رقم ١١8‏ (مخطوط)» والشريف الجرجاني: شرح المواقف 
ج22 DE‏ ا 


www.alimamaltayeb.com 


۱۷٤‏ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
قامت في وجهها عقبات لم تستطيع أن تتخطاها. 

ه- أصول نظريّة الميل القَسرِيّ: 

ولكن هل نظريّة ة الميل القَسْرِيٌ نظريّة سينوية خالصة» أو أن ابن سينا 
قد سبق إلى هذه النظريّة من قبل؟ 

الحقيقة أن ابن سينا في هذه النّظريّة مسبوق بأسلاف إسلاميين 
وغير إسلاميين فالفارابي في: «عيون المسائل» أشار إشارة -تكاد 
تكون كافية- إلى هذه التظريّة» مستعملا نفس المصطلح الذي 
استعمله ابن سينا من بعده» وذلك حين يقول: «والجسم الذي يكون 
فيه الین الطبيقي ال کان فيه الیل ری أنه متى كانه یط 
الميل الدوري لا يجوز أن يقبل الميل المستقيم» وكل كائن فاسد وفيه 
الميل المستقيم» وللفلك بطبعه الميل المستدير)”". 

والفارابي وإن كان حديثه في هذا الت يدور حول إثبات الحَركة 
المستديرة للفلك» ونفى الحَرّكّة المستقيمة عنه لأنها حَرَكَة لا تدوم ولا 
تستمر وین ت فهي أليق بعالم الكون والفساد» كما يدور حديثه أيضًا عن 
استحالة اجتماع الميلين في الجسم الواحد» أقول: إن حديث الفارابي 
هاهنا وإن لم يكن مسوقًا بقصد إثبات الميل القَسْرِيّ إلا أله -على كل 
حال- يدلنا على السبق في مشكلة الميل القَسْرِيٌ. 


وإذا ما رجعنا للوراء قليلًا أدركنا أن الفارابي -بدوره- مسبوق 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۱۷۵ 


أيضًا فى هذا الصدد ب «يحيى النحوي»'. الفيلسوف المسيحى» وأحد 


شراح أَرِسْطُوء والذي كان له دور كبير في تعديل النظريات الْمَشَّائيّة عند 
الفلاسفة المسلمين: لقد ناقش يحيى التّظريتين اللتين قيلتا في تفسير حَرّكَة 
المقذوف -في شرحه لكتاب أَرِسْطُو في السماع الطَِّيعي- وبدا له ما فيهما 
من تهافت وفجاجة» وقد أنفق في نقدهما وردهما حظًا عظيمًا. وهنا نلتقي 


(۱) قال عنه الشهرزوري: «يحيى النحوي الإسكندراني الملقب بالبطريق» كان من القدماء 
نصرانيًا فيلسوقاء قال أبو علي في حقه: هو المموه على النصارى لأنه صنف كتابًا رد فيه 
على أفلاطون وأرسطو حين همت النصارى بقتله. وأكثر ما أورده الغزالي في التهافت 
من تلك الكتب» وله تصانيف كثيرة» ومنه أخذ الطب خالد بن يزيد بن معاوية. وقيل: 
يحيى النحوي إسكندراني كان في أيام معاوية وعثمان» اشتغل بكتب الأوائل والتبحر 
فيها من الفلسفة» وقد طبهما وخدمهما» نزهة الأرواح وروضة الأفراج (انظر ترجمته 
ليحيى النحوي) «مخطوط). ويذكر الشهرزوري في نفس الموضع. وابن النديم في 
الفهرست ص١١٤‏ (ط مصر) أن يحيى هذا قد شرح السماع الطبيعي لأرسطوء وأن 
هذا الشرح قد ترجم للعربية. ومما يجب ملاحظته أن يحيى الذي يرد ذكر اسمه في شرح 
الطبيعة لأرسطو (من ترجمة إسحاق بن حنين) مع الشراح الآخرين: ابن السمح» ومتى 
بن يونس» وأبي الفرح بن الطيب -ليس هو يحيى النحوي وإنما هو يحيى بن عدي 
المتوفى سنة7”5ه- (تصدير عبد الرحمن بدوي لكتاب الطبيعة لأرسطو ص١7).‏ 
بيد أن بينيس يذكر في مقاله: الشعر والميتافيزيقا عند أبي الْبَرَكّات (بالإنجليزية) ص ١7١8‏ 
هامش رقم18 أن أفكار يحيى بن عدي في مشكلة الحركة على وجه العموم وبالّات 
«حركة المقذوف» -في شرحه لطبيعة أرسطو- كانت تعبر عن آراء يحيى النحوي» بل 
ما زاد الأول على أن عرض أفكار الثاني في صياغة جديدة» ومن هنا اعتمدت على يحيى 
بن عدي في تصوير موقف يحيى النحوي الذي كان نقطة تحول في نظريّة المقذوف. لأن 
شرح يحيى النحوي على كتب أرسطو والتي عرفها العرب من قبل قد فقدت تمامًا. 
ينظر في هذا: °۲ .2 .Pin’es: Etudes sur Awhad Al Zaman‏ 


www.alimamaltayeb.com 


١‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


بتلك اللمحات التَقدِيّة التي نقلها لنا بحيى بن عدي والتي تضع أيدينا -في 
غير شك ولا ارتياب- على سبق هذا الفيلسوف النصراني للشيخ الرئيس 
في هذه المشكلة التي نحن بصددها. 

فأما فيما يتعلق بنظريّة التعاقب فقد تساءل يحيى عن سبب رجوع 
الهواء عن جنبتي المرمى وقد دفعه السهم إلى جهة الأمام: «لأنه كان يجب 
أن يندفع الهواء الذي أمام السهم ويتحرك أمامه» سيما والهواء يتحرك مدى 
بعيدًا من أيسر حَركة» فما باله دفع إلى أمام فتحرك إلى خلف من غير شيء 
صدمه!! وما باله حين تحرك إلى خلف لم يتفرق ويذهب يمنة ويسرة!! بل 
اجتمع في أصل ثم دفع إلى أمام كمأمور امتثل ما أمر به!!)'. 

وأمّا نظريّة الوسط فهي ليست -عنده- ذات ثراء فلسفي يجعلها 
جديرة بالقبول» لأننا لو حركنا الهواء حَرَكة قوية ثم وضعنا فيه سهمًا فإن 
هذا المتحرك لا يستطيع حمل السهم فضلا عن دفعه للأمام. 

ونظريّة الوسط -فيما يرى يحيى- لا تجعل اتصال المحرك بالمتحرك 
أمرًا ضروريًاء لأن الهواء المتحرك إذا كان هو العلّة في الحَركة فماذا بقي 
من أمر الملامسة بين المحرك والمتحرك!!. 

وعد أن فا بے هات اا هو ويها منا من الأقفان: 
يطرح تصورًا جديدًا في المشكلة يذهب فيه إلى رأي مخالف تمامًاء وهذا 
التصور يعتبره بعض الباحثين تعديلات مست قلب التّظريّة الميكانيكيّة في 


)١(‏ أرسطو: الطبيعة شرح يحيى ج١‏ ص 7١١‏ (ترجمة إسحاق بن حنين). 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب يفل 
الفلسفة الأرسططاليسية وفي هذا التّصَوّر الجديد يقول يحيى: «فينبغي 
أن يقال: إن قوته (أي قُوَّة المتحرك) تحصل من الرامي في المرمى لا 
جسمانيّة» تبلغ به هذا المدى ثم تبطل)”. وواضح هنا أن يحيى يلغي نظريّة 
الوسط ونظريّة التعاقب» ويستبدل بهما نظريّة الميل التي سلف القول فيها. 
وإذًا فأمر ظاغر غاية الطهرر أن غاها اتا واا واصيحين ين بحي 
النحوي وبين الشيخ الرئيس: اتفاق في رفض نظريتي التعاقب والوسطء واتفاق 
في المنطلقات التي تم على أساسها هذا الرفض. ثم اتفاق في التَصور المطروح 
كبديل للتصور المرفوض. وزعم التأثير والتآثر بين هذين الفيلسوفين في هذه 
المشكلة ليس قائمًا على مجرد تلمس الأشباه والتظائر في الفلسفتين» بل لأن 
كتب يحبى النحوي قد ترجمت إلى العربيّة بما فيها شرحه للسماع الطُبعي 
أَرِسْطُو”". ولأن للفلاسفة المسلمين اطلاعًا ومعرفة -لا ريب فيهما- بكتب 
هذا الفيلسوف وأفكاره. وإذا كان الشهرزوري قد قرر -منذ هنيهة- أن الإمام 
الغزالي متأثر في كتابه «تهافت الفلاسفة» بكتب يحيى النحوي» على ما بينهما 
من تنافر في المذاهب والمعتقد» أفيستبعد أن يكون ابن سينا -وبينه وبين يحيى 
النحوي من الانتماء إلى أَرِسْطُو والتمذهب بفلسفته وشائج قربى وصلات 
رحم- أولى بهذا التأثر وأجدر؟!. 
Revue des etudes Juives tome 3, 1938. (1)‏ 
(۲) أرسطو: المصدر السابق ص١۷".‏ 
(۳) ابن النديم: الفهرست ص ١ 5١‏ تحقيق جوستاف فلوجيل. 
(5) مقال للدكتور عبد الرحمن بدوي بعنوان: الغزالي ومصادره اليونانية في كتاب مهرجان 
الغزالي ص١‏ 77. 


www.alimamaltayeb.com 


۱۷۸ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 

5- وأبو البرّكات البغدادي: 

في هذه المشكلة -يحدثنا كل هذه الأحاديث التي التقينا بها عند 
الشيخ الرئيس وعند يحيى من قبله: فقد عرض للنظريات التي قيلت في 
تعليل حَرّكّة المقذوف ورفض منها نظريتي التعاقب والوسط. وارتضى 
النّطريّة التي ترى أن القاذف يعير المقذوف قُوّة تحدث فيه استمرار الحركة 
واتصالها في زمان معين محدود. 

واقتفاء أبي البَرَكّات أثر ابن سينا في هذا الصدد أمر يفرض نفسه فرضًاء 
فلقد تأثر به في ترتيب الموضوعات وإيراد الحجج» وترجيح مذهب بعينه. 
أمّا لب الفكرة وصميمها فإن كلا منهما قد استعاره من يحيى في فلسفته 
التََدِيّة التي واجه بها الموقفين: الأفلاطوني والأرسطي في هذه المشكلة. 

وإذا ما تجاوزنا التأثير والتأثر الباديين -بوضوح- في هذا 
الجانب الشكلي» وجدنا لدى فيلسوفنا شيئًا من الجديد تجاوز به 
الموقف السَّينَوِيٌ في هذا الصدد» بحيث نستطيع أن نتوسم تغايرًا 
في وجهات النظر إزاء مفهوم الميل القَسْرِيٌء وهو تغاير يمكن 
من ملاحظة الفروق الدقيقة التي تجعل هذا المفهوم عند أبي 
البركات يعتمد على أساس كان مجهولا تمامًا لدى الشيخ الرئيس. 

إن ابن سينا حين وجه سهام نقده لنظريّة الوسط الأرسطيّة ذكر أن 
هذه النّظريّة لا تفسر لنا علة اشتداد القرّة المحركة في وسط المسافة التي 
يجري فيها المقذوف» ثم أخذها في الضعف والتنقص بعد ذلك لأنه لو 


(6) أبو البَرَكَات البغدادي: المعتبر في الحكمّة ج۲ ص7١1١-5١1.‏ 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۱۷4۹ 
كان اليو هو غلا التركة حسما قور عه النظركة- لكان الأرلى أن 
تشتد هذه الحَرّكّة منذ البداية ثم تأخذ في الضعف والاضمحلال كلما 
اطرد تقدمها بعد ذلك. وقد كان للمشائين هنا تعليل يفسر اشتداد الحرَكة 
في الوسط بتخلخل الهواء الذي يجري فيه المقذوف بعد أن يتسخن بكثرة 
الاحتكاك المتتالي عليه» وثمتئذ يتسخن الهواء فيترقق قوامه ويلطف. 
ويصبح أخف وأسهل لأن يندفع فيه الهواء الحامل للمقذوف. وابن 
سينا لا يرى في هذا التعليل مبررًا كافيًا في تفسير هذه الظاهرة» لأن الهواء 
المخلخل إما أن يكون هو الهواء المحيط بالجِسّم المقذوف والحامل له 
الل ا ا و امسر ا و 
أن يكون الهواء النافذ أو المنفوذ فيه». 

أَمّا الهواء الأول فإنه وإن كانت تتم فيه الحَرَكة أسرع وأسهل» ضرورة 
أن التخلخل يلطف قوام الهواء ويرققه» إلا أننا لا ننسى أن قدرة هذا 
الهواء على حمل الأشياء تصبح أقل وأضعف مما كان عليه حاله قبل أن 
يتخلخل» ذلك أن الهواء حين يتسخن فإن أجزاءه تتباعد فيما بينهاء ونتيجة 
لذلك يكبر حجم الهواء وفي ذات الوقت تقل قدرته وتضعف عن حمل 
الأشياء. ومعنى ذلك أن الجسم المقذوف حين يندفع في الهواء المخلخل 
الموجود أمامه لابد أن يسقط على الأرض. 

وإذا كان الهواء المخلخل هو الهواء المنفوذ فيه فالإشكال 
قائم أيضًا لأن التخلخل حاصل له منذ بداية الحَرّكّة إلى منتهاهاء 


. ٠١٤ص ابن سينا: الشفاء: الطبيعياث‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


۱۸۰ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


فلم كان التخلخل في الوسط أشد تأثيرًا في قوامه وتخفيفه» ولم 
يكن كذلك في ابتداء الحَركّة؟201. 

وقد كان على ابن سينا - وقد رفض التّحليل المَشَّائي لهذه الظاهرة- أن 
يقدم لنا من جانبه تفسيرًا مقنعًا تنقطع معه التساؤلات» لأن هذه الظاهرة 
تفرض نفسها سواء في النّظريّة الأرسطيّة (نظريّة الوسط)» أو النّظريّة التي 
تبناها ابن سينا وهي: نظريّة الميل القَسْرِيٌ. وقد أحس الشيخ الرئيس أن 
هذه الظاهرة مستعصية على التفسير حتى في نظريته الأثيرة لديه» وين 
تم حاول تلمس الحلول والتعاليل ليزيل عن نظريّة الميل القَسْرِيَّ هذه 
ما قد يقف حجر عثرة في طريقهاء وقد تمخضت محاولته عن افتراض: 
أن الحك المتكرر على الجسم المقذوف يحدث سخونة متكررة» وهذه 
السخونة هي التي تخلخل بها الهواء المنفوذ فيه» لكن يصاحب هذا الحك 
المتكرر ضعف متدرج في القوّة التي استعارها الجسم من القاذف» بيد أن 
الآثار الناشئة من توالي الحك على الجسم تسبق الآثار الناجمة عن ضعف 
هذه القوّة المستفادة من القاذف» وذلك في المرحلة الأولى من الحَرَّكَة 
ويترتب على ذلك أن آثار الحك المنتجة للتسخين والتخلخل» والمنتجة 
-بالتّالي- لاشتداد قوَّة التحريك» تظهر في الوجود أوَلا قبل ظهور الآثار 
المع تة عل ف ال ذا تفادة في الجشم”". 
)١(‏ المصدر السابق ص60 .١6‏ 
(۲) نقس المصدر السابق ص »١157-1١50‏ ونلاحظ أن ابن سينا يذكر هذا التعليل على سبيل 

التجويز والاحتمال لا على سبيل القطع والتأكيد» فقد عقب على هذا التعليل بقوله: 

«على أنا لا نعول في ذلك على هذه العلة كل التعويل وإن كان قد يجوز أن يكون ذلك 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۱۸۱ 
لكن إذا كان الأمر كذلك فما الذي يجعل هذه القوّة المشتدة في 
الوسط تبدأ في الاضمحلال وتأخذ في الضعف حتى تبلغ مبلعًا تعجز فيه 
عن دفع المقذوف وتحريكه؟ ولم لا تستمر هذه القرّة -بعد اشتدادها- 
مطردة على وتيرة هذا الاشتداد إلى ما لا نهاية؟. هنا يحدد ابن سينا سببين 
وراء هذا الضعف المطرد في الميل القَسْرِيٌّ أو في القوّة التي أفادها القاذف 
للمقذوف فمقاومة الوسط الذي يجري فيه المتحرك والميل الطبيعي 
المضاد للميل القَسْرِيٌ هما سبب الضعف والتنقص في هذا الميل الغريب 
المجتلب في الأجسام المد قوع , 
أمّا أبو البرّكات فيرى أن البعد المتدرج في الزَّمان للمقذوف عن 
قاذفه أو عن مصدر القوّة أو الميل القَسْرِيٌ فيه هو سبب ضعف هذه 
القَوّة أو هذا الميل؛ لأن العِلّة المحركة في الحقيقة هي القاذفء اما 
القوّة المستعارة فهي بمثابة العِلّة القريبة أو المباشرة لهذه الحَرَكَة 
فك المقلوف فن عات السقيية يققد عذه الدرّة قدرقيا على البقاء 
والاسعمران» وعتاومة الوط إناغى :إلا عامل انرق فى الموضنوع 
يساعد على اضمحلال الحَرّكّة وبطلانها. يقول أبو البَرَكّات: «وأمًا 
لم تبطل (هذه القَرّة)؟ فلبعدها عن علتها يستولي البطلان عليهاء 
وتستحيل في زمان كما حدثت في زمان» وتعين على بطلانها مقاومة ما 
من إحدى معينات العلل المزيدة في الوسط). أما فخر الدين الرازي فقد استمسك ذا 
التعليل كسبب مقطوع به في اشتداد الميل القسري» المباحث المشرقِيّة ج١‏ ص‌۲۹۱. 


(۱) ابن سينا: المصدر السابق ص59 .١‏ 


www.alimamaltayeb.com 


۱۸۲ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


يخرقه لهاء ولذلك تراها تضعف في يوم الريح أسرع إذا كانت معارضة 
أو في مقابلهاء وفي الماء تبطل أسرع منها في الهواء»0". 

ولغل آبا البركات. حين أهمل التعليل الشّيتويٌ في اشتداد الميل 
القَسْرِيٌ وضعفه» إنما كان يذهب في نقد الفلسفة المَشَّائيّة إلى أبعد مدى 
ممكن» ذلك أننا قد نعلم أن المَشَّائين حين أنكروا فكرة الخلاء استدلوا 
على هذا الإنكار باستحالة الحَرّكّة في الخلاء» لأنه لو أمكن أن تكون حَرَكَة 
في خلاء لما كان هناك سبب أو علة لأن تنتهي هذه الحَرّكّة أو تتوقف» لأن 
التعليل المَشَّائِي -والذي ارتضاه ابن سينا- لتوقف حَركة المقذوف هو 
مقاومة الوسط للميل القَسْرِيٌ مما يترتب عليه ضعف هذا الميل وبطلانه 
في نهاية الحَرّكّة» سواء كان هذا الوسط هواء أو ماء» والخلاء لا وسط فيه 
لاحو ولك ماع قاذ بود المقذ وق فة مظاومة اليعفت من ا سر كيه أو 
تبطلها. ومما استدل به المَشَّاءون كذلك على استحالة الحَرَكة في الخلاء 
أنه لا يمكن أن نتبين مبدأ الحَرَكة ولا منتهاها في الخلاء لأن الخلاء 
متجانس ومتشابه تمامّاء فليس ثمة مبرر لأن تتوقف الحَرَكة في بعض هذا 
الخلاء دون البعض الآخرء ومعنى ذلك أن الحَرّكّة مستحيلة في الخلاء 
لآنها تفقد فيه مقومات وجودها وحصولها. 

و[ذاكاة ابول كاحسو رعق الا تجار ااا فقول نك 
الخلاء ويؤمن بها فإن عليه أن يهمل المفهوم المَشّائي في تعليل بطلان 
حَرَكّة المقذوف وأعني به: مقاومة الوسطء لأن أبا البرّكات حين يجوز 


.١١9-١١5ص المعتبر في الحكمّة ج۲‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۱۸۳ 
الحَرّكة في الخلاء ويجوز توقفها وبطلانها فإن ثمة تساؤلًا يفرض نفسه 
وهو: ما علة ضعف الحَرّكّة وتوقفها في هذا الخلاء المتجانس الذي لا 
وسط فيه؟ وأمر بدهي أن تكون فكرة «مقاومة الوسط» غير واردة هاهناء 
لأن لا وسط في الخلاء» ومن نَّمّ نستطيع أن ندرك لماذا هجر أبو البركات 
«مقاومة الوسط» كعلة ذات شأن كبير في أمر الميل القَسْرِيٌ عند ابن سينا 
ولجاً إلى فكرته التي طالعنا بها من قبل وهي: أن بعد المقذوف عن قاذفه 
هو علة ضعف الميل القَسْرِيٌ وبطلان حَركة المتحرك به. 

ويبقى هنا تساؤل على جانب غير قليل الأهميّة: هل هذا 
التعليل الذي طالعنا به فيلسوفنا هو من تأمله الذّاتي أو مما ارتضاه 
من مذاهب فلسفية سابقة عليه؟ 

الحقيقة أن الفلسفة التَقَدِيّة ليحيى النحوي قد لعبت دورًا كبيرًا في 
اتجاه أبي البَرَكَات هاهنا بل كان فيلسوفنا في هذا المشكلة أشد ارتباطًا 
وأقوى تأثرًا بفلسفة يحيى النحوي من الشيخ الرئيس. ذلك أن ابن سينا 
وإن كان قد نفض يديه من النّظريّة المَشَائِيّة في تفسير حَرَكة المقذوف 
وارتضى نظريّة الميل القَسْرِيٌّ متأثرًا في ذلك كل التأثر بيحيى النحوي إلا 
آله ما لبث أن عاد إلى المذهب المَشّائي في تفسير ضعف الميل القَسْرِيٌ 
وبطلانه ملتزمًا بما يتأدى إليه هذا التفسير من استحالة الحَرَكة في الخلاء 
ثم استحالة الخلاء في نفسه كفكرة ذات وجود حقيقي. أمّا أبو البركات 
فقد التقى مع يحي النحوي حين قرر هذا الأخير أن الحرّكّة القَسْرِيّة ممكنة 
الحدوث في الخلاء وأنها تبطل لا بمقاومة الوسطء وإِنَّما لفقدها لعلتها 


www.alimamaltayeb.com 


50 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


42 


المحركة جريًا على القاعدة المَشَائيّة القائلة: علل الأعدام أعدام العلل . 

ولكن هل متابعة أبي البرّكات ليحيى هنا لأنه يلتقي معه في موقف 
قدي ضد الفلسفة المَشَّائيّة أو لأنه متأثر به ومقتف لآثاره؟ ومهما قيل 
من أن أبا البركات حين يرضى عن مذاهب فلسفية قديمة فإنما يرضى 
عنها لأنها تتفق مع منهجه في التأمل والاعتبار الذّاتيين» وبغض النّظر عن 
مصدر هذه المذاهب» فإن تأثر فيلسوفنا بيحيى النحوي في هذا الموقتف 
بكلّ أبعاده وأعماقه. وبابن سينا في طريقة العرض والحوار والاختبار» أمر 
لا يمكن لأي باحث أن يتجاهله أو يغض الطرف عنه. 

۷- وحدة الحرّكّة وكثرتها: 

وقد ارثبط بمشكلة اتصال المحرك بالمتحرك مشكلة أخرى كان 
لفيلسوفنا فيها موقف مضاد للفلسفة المَسَاتيّةء وهي المشكلة المسماة 
بالتكوة ين الحركين المتضادتيق. وقبل أن تعرض المرقف الا 
والموقف التَقِدِيّ عند أبي البَرَكَات في هذه المشكلة» نعرض لأمر آخر 
ذي أهميّة بالغة في هذا الصدد» يتعلق بالحركة من حيث وحدتها وكثرتها. 
فمتى يمكن أن يقال: إن حَرَكة ما حَرّكّة واحدة أو حَرَكَة كثيرة؟. 

إن وحدة الحَرّكّة تتوقف على أمور ثلاثة: وحدة المتحرك» ووحدة 
المسناقة (المكان) روس ال مان فاا اتحدت هذه الأمور ااا 
١‏ أبو البَرَكات: المعتبر في الجكمّة ج۲ ص 55.» وأيضا: 


.Duheme: Le systeme du mond LP. "4۸ 
.Pines: Etudes Sur Awhad Al Zaman 2. <Y 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 1۸۵ 


فإن الحَرّكّة ثمتئذ تكون واحدة متصلة لا يتخللها سكون يحيلها إلى 
حركات متحددة متكثرة. 

فإذا ما تغدد المفحرك وكان الزّمَان واحدًا فان الكركة لا يمكن أن 
تتصور حالتئذ في مسافة واحدة في ذلك الرّمان» بل تتعدد المسافات 
بحيث يترتب عليها تعدد الحركات. 

أمّا تكثر الأزمنة فإنه لا يوجب تكثرًا في الحَرّكّة ما دامت متصلة 
باتصالهاء وذلك مثل أن يتحرك متحرك في مسافة واحدة ليلا ونهارًا. 

لكن تكثر المسافة قد يلزم عنه تكثر في الحَرّكّة وقد لا يلزم عنه 
ذلك: فقد تكون الحَرَكة واحدة» ولكنها في نفس الوقت كثيرة بالعرض 
أو بالغرض» وذلك حين تكون مسافات كثيرة تتصل عليها الحرّكة اتصالًا 
لا يقطع وحدته سكون متخلل بين هذه المسافات المتكثرة» فهذه الحَركة 
«واحدة من جهة وحدة المسافات بالاتصالء وكثيرة باعتبار تكثر المسافات» 
إلا أن كثرتها تكون عرضية أو فرضية» وهي واحدة باتصالها»”". ما إذا لم 
تتصل الحَرّكّة على مسافة منها بالحَرّكّة على مسافة أخرى فإن الحركة انئذ 
ينقطع اتصالها فتتعدد وتتكثر. وإذًا فإن تكثر المسافات قد تكون معه وحدة 
في الحَرّكّة وقد لا تكون. 

كذلك كثرة المحرك لا تستلزم في الحَرَكة كثرة ولا وحدة» فقد يحرك 
جماعة شيئًا واحدًا في مسافة واحدة وزمان واحدء وثمتئذ تكون الحركة 
واحدة» لكن حين تنقطء وحدة هذه الحرّكّة بسكون يحدث بين ثناياها 


)١(‏ أبو البرّكات: المصدر السابق ص47. 


www.alimamaltayeb.com 


0 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 
فإنها تغدو في هذه الحالة حركات ينفصل بعضها عن البعض الآخر 

وإذا كانت أحكام الحَرَكة من حيث الوحدة والكثرة تبدو ظاهرة 
وواضحة فيما يقع منها في المكان» فإن حَرَكة النمو والذبول» والوضع 
والكيف تقاس عليهاء وذلك بأن نستبدل المسافة فى الحَرَكَة المكانيّة بما فيه 
الحَرّكّة -في الأنواع الأخرى- من كم ووضع وكيف. وكون ما فيه الحركة 
هاهنا -في هذه الأنواع الثلاثة- واحدًا لا يوجب -أبدًا- وحدة الحركة 
فيه ما لم يتصل الرّمان المصاحب لهذه الحرّكٌة. مثلا: الشيء الذي يبيض 
ثم يسود ثم يبيض مرة أخرىء لا تكون حركته حَرَكة واحدة في البياضين» 
لأنها غير متصلة في الزَّمانء إذ زمان التسود قاطع وحدتهاء وذلك على 
الرغم من وحدة المتحرك أعني: الجسم في كيفه» أو كمه ووضعه”" 

ولكن إذا كانت هناك حركتان متضادتان فهل بينهما اتصال أو 
بينهما سكون؟ وبعبارة أخرى. إذا رمي حجر -مثلا- إلى أعلى» فهل 
يقف ويسكن بعد أن تتم حَرَكة صعوده وقبل أن تبدأ حَرَكة هبوطه» أو أن 
الحركتين متصلتان لا انقطاع بينهما بتوقف أو سكون؟ 

وفي هذا التساؤل يكمن جوهر المشكلة التي 5 نسَّمى في الفلسفة 
اة «الشّكون بين الحركنين المتضادتين ) وهى مشكلة قديمة يعود 
الخلاف حولها إلى العصر الإغريقي حيث افترقت وجهات النظر في تصور 
كل من أفلاطون وأَرِسْطُو في هذه المسألة. والمشكلة بوضعها المتسائل 
ابن سينا طبيعيات الشفاء صن ١‏ (ط ظهراة)+ وآبو البركات البغدادي: المعتر: 


القسم الطبيعي ج۲ ص۳٠‏ . 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۸۷ 


الميقدلف قن اقلت إلى الفالاسقة المسامير مةك أن الاتجاء الغالب قنها 
كان هو الاتجاه الأرسطي المَشَّائِيء الذي دافع عنه ابن سينا دفاعًا قوي 
وأضفى عليها من خلال ذاته شينًا غير قليل من عمق الفكر والنّظر تمثل في 
تلك الأدلة التي وقف لها أبو البَرَكّات -فيما بعد- بالمرصاد. 

و إِذًا فأمر متوقع أن تكون الإجابة عن هذا التساؤل إجابة ذات شقين: 
فأفلاطون وأنصاره ينكرون أن يكون ثمة سكون بين الحركتين المتضادتين. 
وأرشتطاوو أ نضاوه عون هذا الكو بيخ هان الجر كين 

ولكل من الفريقين ألوان من الحجج والبراهين» يطول بنا المقام لو 
رحنا نتتبعها كلها ونناقشها كلها. لكن لابد لنا من التعرف على الجانب 
النّقدِيّ عند فيلسوفنا في هذا الأمر» والتعرف على موقفه الذي ارتضاه 
لنفسه في نهاية المطاف. 

وأول شيء يفاجتئنابه أبو البركات -في هذا الصدد- هو الانتماء المطلق 
إلى مذهب أفلاطون» والتقيد برأيه الذي صدع فيه بأن: «من توهم أن بين 
حَرَكّة الحجر علوا المستكرهة بالتحليق» وبين انحطاطه وقفة فقد أخطأ). 
ومن نَم أنحى فيلسوفنا باللائمة على الشيخ الرئيس ذلك الذي حسن ظنه 
في أَرِسْطُو فقفى على آثاره دون أن يُعرف لأَرِسْطُو في هذا الصدد حجة 
قوية ولا برهان قاطع» وقد أنكر أبو البَرَكات على ابن سينا جهده وتكلفه 
في نصرة المذهب المَشائي بحق وبغير حق» لأن القول بالشّكون وإن كان 
مشهورًا عن أَرِسْطُو إلا آله -حسبما يرى- دعوى لا دليل عليها. ومع هذا 
فإن ابن سينا قد: «حسن رأيه في ذلك القائل (أَرِسْطُو)» وأراد اتباعه» ونصرة 


www.alimamaltayeb.com 


7 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


قوله فتمحل له حججّاء ولفق له أدلة» وطول الكلام فيه ودققه» حتى ضجر 
السامعون من حسن ظنهم فلم يتتبعوه)""". 

وا امال يه ال اون على وت ا کن عد 
الجر كن الفتضياد تين : 

أولا: لو أمكن أن تتصل الحَرّكّة الصاعدة بالحَرّكَة النازلة اتصالا حقيقيًا 
بحيث لا يتصور -ثمة- سكون يفصل ما بينهما لأمكن أن تنشأ من حركتي 
الصعود والنزول حَرَكة واحدة» لآن الاتصال هو مناط الوحدة في الحَرّكَة 
والقول بأن الحركتين المتضادتين حَرَكة واحدة قول واضح البطلان". 

ثانيًا: أن الشيء الواحد لا يصح أن يكون مماسًا لغاية ماء ومبايتا لها في 
نفس الآن» بل لابد أن تكون المماسة والمباينة في آنين. وإذا كان بين كل 
آنين زمان فمعنى ذلك أن هاهنا زمانًا بين آن الانتهاء في الحَرّكّة الأولى وآن 
الابتداء في الحَرَكة الثانية» وهذا الزَّمان لا حَركة فيه فهو زمان سكون". 

وعند أ اكات أن عات الجن تلان على 
مغالطات واضحة: 


$ 


ع 


3 


ففى الحجة الثانية: نجد المماسة الأخيرة لحَرّكّة الصعود هى مبدأ 
زمان الحَركة الثانية» وإذا كانت المباينة لا تتم إلا بحرَكة» وفي مسافة» 
وزمان: فم ذلك أن لمات الكعية هى مدا ذلك آل مان وه تهاب 
(۱) أبو البرّكات: المصدر السابق ص5 4. 


(9) ابن سیا الشفاء الطبيغيات ص۳۹١‏ (ط طهران). 
س المضانى الاق عن 1: 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 14 
للمسافة الأولى وفي ذات الوقت بداية للمسافة التي تقع فيها المباينة. 
ومعنى هذا أن الآن الذي تقع فيه نهاية الحَرّكّة الأولى تقع فيه كذلك بداية 
الحَرَكة الثانية. ويضرب أبو البركات مثالا لذلك: النقطة الواحدة التي تكون 
نهاية خط وبداية خط في وقت واحد: «وكما أن النقطة الواحدة تكون نهاية 
خط وبداية خطء كذلك يكون هذا الآن في الرّمان الذي فيه الحَرّكّة على 
الخطين نهاية الأول وبداية الثاني» فإن الآن في الرّمان كالنقطة في الخطء 
وزمان الحَرّكّة مطابق لمسافتها وطرفه لطرفها»)(". 

ما الحجة الأولى: فيجيب عنها أبو البرّكات بأننا يجب أن نعلم 
أن تكثر الحركات لا يتوقف على حصول سكون متخلل يحيل الحَرَكة 
الواحدة إلى ستركاك دة بل تة اساب أغرى رجب هذا الك 
مثل تكثر المسافة» واختلاف جهة الحَرّكّة. فهاتان الحركتان قد تكثرتا 
باختلاف الجهتين: جهة العلو وجهة السفل لا بحصول سكون بين نهاية 
الحَرّكّة الأولى وبداية الحَرّكّة الثانية". 

وعندي أن أبا البركات في رده لهذه الحجة» مضطر ومتناقضء لأنه 
إذا كان قد قرر من قبل -مع ابن سينا- أن الحَرّكّة الواحدة هي الحَرَكَة 
الواقعة في ثلاثة حدود: متحرك واحد» ومسافة واحدة» وزمان واحد» وأن 
تكثر المسافات لا يلزم عنه تكثر في الحَرّكّة إذا لم يكن ثمة سكون يقطع 
اتصال الحَرّكة على هذه المسافات المختلفة» وأن كثرة الحَركة في هذه 


اقش البضادى ار 


www.alimamaltayeb.com 


۱۹۰ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
المسافة كثرة عرضية أو فرضية» وإلا فهى واحدة بالاتصال -أقول: إذا 
كان اختلاف المسافات في الحَرَكة المتصلة لا يجعلها -فيما يرى أبو 
البرّكات- حر كة متكثرة» فكيف كان مجرد اختلاف جهة العلو وجهة 
السفل هاهنا مناط تكثر الحَرَكة بالرغم من استبعاده لمعنى الشسّكون 
الذي هو العِلّة الحقيقيّة فى تكثر الحَرّكّة!! 
أا الأعفاراث الى حملت فيلسوفنا غل أن ينان للمذقتب 
الأفلاطوني في هذا الأمر فلعل أقواها تلك الحجة التي صدر بها حجج 
النافيخ للسكوق نين الحركتين النتقبادثين »وس حجة تفترضى: أن حسما 
ثقيلا -وليكن حجر رحى- مُتَحَرّكًا حَرَكّة نازلة من عل» وأن هذا الجسم في 
حركته النازلة قد لقي نواة صغيرة مقذوفة إلى أعلى بحيث تصطدم النواة في 
حركتها إلى أعلى بالجِسْم الثقيل في حركته إلى أسفل. وحالتئذ لابد للنواة 
أن تتغير حركتها فتتبدل من حَرَكة نحو العلو إلى حَرَكة نحو السفل. وإذا 
فإن قلنا: إِنّه لآبد من السّكون بين حركة النواة الضاعدة وحركتها الهابطة 
فقد قلنا بأن النواة قد سكنت حجر الرحى فوقها وأقلته زمتا ماء وهذا 
أمر ظاهر البطلان. وإن قلنا: إن حَرَكة النواة النازلة تتصل اتصالا مباشرًا 
بالحَر كة الصاعدة فقد قلنا بأنه ليس بين الحركتين المتضادتين سكون. 
)١(‏ نفس المصدر والصفحة. وهذه الحج قد ذكرها الشهرزوري (في رسائل الشجرة 
الإلهية: القسم الطبيعي لوحة١١٠١ب‏ مخطوط) على آنا حجة لأبي البركات صاحب 
المعتبرء بيد أن هذه الحجة مذكورة في طبيعيات كتاب الشفاء. وقد كان هذا الاعتراض 
الذي طرحه أنصار أفلاطون بمثابة مشكلة بالغة الصعوبة في وجه ابن سينا. وقد بدا هذا 
واضحًا في محاولته للرد على هذا الاعتراض القوي الذي لم يجد بدًا من التسليم معه = 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۱۹۱ 
موقف ابن سينا من المشكلة: 
الحركتين المتضادتين إلا آله لم ينهج نفس النهج المَشاقي في الوصول إلا 
إثبات المطلوب» بل بنى موقفه من هذه المشكلة على اعتبارات أخرى قد 
لا تلتقي مع الاعتبارات المَشَّائيّة في هذا الصدد من قريب أو بعيد: فعند ابن 
سينا أن السبب في هذا السكون راجع إلى حدوث ميل جديد في الجسم 
غير الميل الذي كان فيه من قبل» فالحركتان سببهما ميلان مختلفان» ميل 
قسري تحدث عنه الحَرّكّة الصاعدة» وميل طبيعي تحدث بسببه الحركة 
النازلة» وهذان الميلان لا يمكن أن يجتمعا في الجسم في آن واحد» لأن 
غاية الحَرّكّة الصاعدة أو الحد الآخير مما فيه هذه الحَرَّكّة» حين يبلغها 
الجسم فإنما يبلغها بهذا الميل» وإِذا فهذا الميل وإن يكن موجودًا مع 
الجسم عند وصوله إلى الجهة المطلوبة إلا أله ما يلبث أن يتلاشى ويبطل» 
فيصبح الجسم عادمًا للميل القَسْرِيّء وهو في ذات الوقت لما يتجدد له 
ميله الطبيعي بعد ومن نَم يسكن هذا الجسم أو يبقى لحظة ما ساكتا. 
ولول هذا الشكوق لما أمنكن أن تصور أن هاهتاغابة ولا أا اهما 


واب سيا وان كان .رذعب مدهب الكشائين فى اثات الشكون بيخ 


= بأن الحصاة تقف وتوقف الحجرء يقول: «أمَا حديث الحصاة فإنها لا يخلو: إما أن 
يكون الهواء المندفع أمام الرحى بصرف الحصاة قبل أن تقع بينهما مماسة. وحينئذ 
يكون ذلك السكون واقعًا في الهواء قبل المماسة وإما ألا يكون بحيث يصرفها حتى 
تلقى حجر الرحى فحينئذ لا يستحيل -وإن كان شنيعًا- أن تتوقف الرحى لاستحالة 
اتصال الحركتين» ص ١7١9‏ (ط طهران). 

.S. Pines: etudes sur Awhad Al Zaman 2. 5 


www.alimamaltayeb.com 


۱۹۲ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


واس ايرس ولكن ها إن د يسكن الجسم حتى ينشاً فيه الميل 
الطَِّيعِي الذي يعود به هابطًا في حَركة مضادة للحَرگة الأولى» لأن هذا 
الجسم رغم آله كان مقسورًا بالميل القَسْرِيّ أو الميل الغريب إلا أنه حين 
يسكع زان المئل ی ا بحلاف في 2 ال 
تعود بالجِسْم إلى مكانه أو حيزه الطبيعي. ومن َم ينفي ابن سينا نفيا باتا 
أن يجتمع ميلان متضادان في جسم متحركء بل لا يستولي الطبيعي إلا 
بعد أن يبطل القَسْرِيٌّء وإِذًا فثمة سكون بين بطلان الميل الأول واستيلاء 
الميل الثاني. يقول ابن سينا: «فإذا حدثت حركتان فعن ميلين» وإذا وجد 
ميل آخر إلى جهة أخرى فليس يكون هو هذا الموصل بعينه» فيكون هو 
بعينه علة للتحصيل وللمفارقة معًا. بل يحدث لا محالة ميل آخر» ثم يقول 
بعد ذلك: «ولا تصغ إلى من يقول: إن الميلين يجتمعان» فكيف يمكن أن 
يكون شيء فيه بالفعل مدافعة جهة أو لزومهاء وفيه بالفعل التنحي عنها. 
فلا تظن أن الحجر المرمي إلى فوق فيه ميل إلى أسفل البتة» بل مبدأ من 
شأنه أن يحدث ذلك الميل إذا زال العائق»0". وهكذا تتبلور فكرة الشيخ 
الرئيس في الخطوات التالية: 

أولا: حَرَكة الجسم الصاعد غير حركته وهو هابط» وليس بينهما 
اتصال بوجه من الوجوه. 


A 


N 


)١(‏ الشّفاء: الطبيعيات ص ٠٤١-٠٤١‏ (ط طهران) وأيضًا: الإشارات بشرحي الرازي 
والطوسي ج١‏ ص 85. وأيضًا الرازي: المباحث المشرقِيّة ج١‏ ص۲۸۸. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۹۴ 


لال الان لا بعد أن کی أولهها ادا 

ثالثا: آن انتهاء الميل الأول غير آن ابتداء الميل الثاني» الأمر الذي 
يحدث معه سكون بين هاتين الحركتين. 

أَمّا أبو البركات فإنه منذ البداية يعتنق الرأي المضاد للموقف السيتويّء 
وهو يعجب لكلام ابن سينا الذي لا يعدو طور النصيحة أو الأمر» مع أن 
المقام مقام حجة وبرهان. وعند أبي البرّكات أن في الحجر المرمي إلى 
أعلى ميلين مجتمعين فيه: ميل قسري هو سبب التحرك إلى فوق» وميل 
طبيعي موجود بالفعل في الجسم هو سبب للتحريك إلى أسفلء وغاية 
ما في الأمر أن الميل الطَّبِعي مقهور في الجسم بحيث لا يظهر إلا بعد 
أن يضعف الميل القَسْرِيٌ وتتلاشى آثاره. وحجة أبي البَرَكّات على هذه 
القضية: أن الجسْمِين المختلفين في الحجم إذا رميا بِقَوّة واحدة» وتحركا 
في وسط واحد متجانسء فإننا نلاحظ أن الجسم الأكبر أبطأ صعودًا من 
الجسم الأصغرء ويتساءل أبو البرّكات: ما علة هذا الاختلاف في حَركة 
هذين الجشوين ؟ لا يمكن أن تكرن العلّة راجعة إلى الفرة الى حركتهما 
إلى عدية لقوق اند فر اها ذرّة#مساوية ال لك مهسا وكذلك: 
الوسط الذي يجريان فيه لا يصح أن يكون هو العِلّة في هذا الاختلاف لأنه 
أيضًا متساو بالنسبة إليهما. وإذًا فالعِلّة هي اختلاف الميلين» لأن الجشم 
الأكبر فيه ميل طبيعي مقاوم لحركته إلى أعلى» ولما كان هذا الميل أكبر 
من الميل الموجود في الجسم الأصغر كانت مقاومته أقوى وأشد» ومن 
تم كانت حَرَكة الأكبر أبطأ صعودًا من خرّكة الأصشر, وإذا: «فالعجر 


www.alimamaltayeb.com 


۱۹٤‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


المقذوف فيه ميل مقاوم للميل القاذفء إلا أله مقهور بِقَرّة القاذف. 
و ا حر ا ف 00 والميل 


خرقًا كان بطلان ذلك الميل القَسْرِيٌ أسرع»” '» ونخلص من هذا انض 
إلى أن الميل الطبيعي موجود في الجِسْم المتحرك مع الميل القَسْرِيَ 
لآ أة الیل القشري فى مدا أمره يكو على ا من القوّة ديت يقهر 
الميل الطبيعي» لكن وجود الميل الطَبيعي المقهور في الجسم المتحرك 
-مع مقاومة الوسط- يسببان بدورهما ضعف الميل القَسْرِيٌ» ويظل الأمر 
هكذا: ضعف يتدرج في ميل» وقُوَّة تتدرج في ميل آخر إلى أن يبطل الميل 
الطَبيعِي الميل القاسر» وهنا تسرع حَرَكة الميل الطَبيعِي للظهور دون تخلل 
سكون بينهما. وإِذًا فوجود الميل القَسْرِيَ في الجسم وجود عرضيء وين 
نَم فهو يتلاشى ويبطل من أصله بتأثير الميل الطَِّي وبتأثير الوسط الذي 
يجري فيه الجسم المقذوف» وكلما كان هذا الوسط أكثف وأغلظ كان 
بطلان الميل القَسْرِيٌ أسرع وأيسر. وقد مر بنا أن هذين العاملين هما سبب 
ضعف الميل القَسْرِيٌ في الفلسفة السينوية» وأن أبا البَرَكَات لا يرى فيهما 
اا ا العامل الرئيسي -عنده- فهو بعد الجسم المتحرك 
عن علة الحَرّكّة ومصدرها الحقيقي. 

وهكذا: فإن الميلين المتعارضين -فيما يرى فيلسوفنا- يجتمعان في 
الجسم الواحد المتحرك وبحيث يستولي الميل الثاني (الطّبيعي) على 


.٠١١ المعتبر في الحكمّة ج۲ ص‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 156 


الجسم حال ضعف الميل الأول عن التحريك دون أن يكون ثمة سكون 
متخلل بين هذين الميلين أو ما ينشأً منهما من الحركتين المتضادتين. 
والظنون وحدها -مع خداع البصر فيما يرى أبو البركات- هي التي تحكم 
وجرد عمقل هذا الکن 

وإذا كان ابن سينا قد أقام فكرته في وجوب الشّكون على امتناع 
الميلين» فإننا نعتقد أن كلامه -في هذه المشكلة- يشوبه شيء كثير من 
الاضطراب والغموض» ذلك لأنه قد سلف له أن علل الحركة الفَسْرِيّة بقوّة 
يستفيدها المتحرك» وأن مصادمات الهواء المتتالية على الجسم المتحرك 
قبطل عذه القرّة شا فشا فإذا قرر الشيخ بعد ذلك: «أن هذه اة كلا 
ضعفت» قوي عليها الميل الطَِّعي حتى تبطل هذه القَرّةء ويمضي المرمي 
نحو جهة ميله الطبيعي»”. فلا يفهم منه أن هذا الميل الطبيعي يكون 
مصاحبًا لتلك القَوّة المطردة في التنقص والبطلان» وثمتكذ يصبح الميلان: 
الميل القَسْرِيَ والميل الطبيعي مجتمعين في الجسم المدفوع!! 

وموضوع آخر حرص فيه الشيخ على أن ينص على أن الميل الطَّبِعِي 
يبطل تمامًا حين يستولي على الجسّم ميل آخر ينبعث فيه عن غيره» ومن 
نَم لا يجتمع هذان الميلان في الجِسّْمء لكنه ما تكاد تبلغ عباراته نهاية هذا 
النَضّ حتى تثبت من جديد هذا الذي نفاه أولا من اجتماع الميل القَسْرِيّ 
E E e‏ 


)١(‏ نفس المصدر وا لصفحة. 
(۲) ابن سينا: طبيعيات الشفاء ص ١54‏ (ط طهران). 


www.alimamaltayeb.com 


۱۹7 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


من تأثير غيره» فيبطل المنبعث عن طباعه إلى أن يزول (القَسْرِيّ)» فيعود 
(الطَِّيعِي)؛ ثم يقول في نهاية هذا النّضَ: «وكلما كان الميل الطَببعي 
أقوى كان أمنع لجِسّمه عن قبول الميل القَسْرِيٌء وكانت الحَرّكّة بالميل 
القَسْرِيٌ أفتر وأبطأ". إن هذا الاضطراب البادي في فكرة ابن سينا عن 
الميل الطَبِبعِي والقَسْرِيّ قد لفت نظر شارحه فخر الدَّين الرازي فأشار 
إليه في غير ما موضع وقد ألقى تعليقه على نظريّة الشيخ هذه في شرحه 
على الإشارات ضوءًا كافيًا على هذا الاضطراب الذي وقعت فيه عبارات 
الشيخ. يقول الرازي: «فاعلم أن هذا الكلام فيه إشعار ما يجوز اجتماع 
الميلين إلى جهتين في الجسم الواحد لأن البطء في الحَرّكّة القَسْرِيّة إذا كان 
معلول الميل الطَِيعِي» والعِلَّة واجبة الحصول حال حصول المعلول» لزم 
حصول الميل الطَبِيعي حال حصول الحَركة القَسْرِيّة الحاصلة عند الميل 
القَسْرِيٌّ)". والحق أن ابن سينا حين يعلل ضعف الميل القَسْرِيٌ باشتداد 
الميل الطَبيعِي فإن القول باجتماع هذين الميلين القَسْرِيّ والطَّبعي في 
الجسم المتحرك يصبح أمرًا لازمًا لا محيص عنه» وبدون القول باجتماع 
هذين الميلين فإن ظاهرة ضعف الميل القَسْرِيٌ تغدو هاهنا فاقدة للتعليل 
الصحيح لهذا الضعف المطرد. 

ثم يتساءل أبو البركات: إذا كان الشّكون الواقع بين الحركتين 
المتضادتين لا يصاحبه ميل قسري لأن هذا الميل قد بطل وانتهى» وإلا 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۹۷ 


لما وقف هذا الجسم وسكن» ولا ميل طبيعي» لأنه لم يحدث بعد وإلا 
لكان قد بدأ حركته نازلا إلى أسفلء أفلا يجب القول بأن هذا السّكون 
يستمر على حاله هكذا فيظل الجسم ساكنًا لا يتحرك لأن القوتين: القَسْرِيّة 
والطبيعية قد تكافأتا إزاء هذا الجسم!! أو يقال: إن الجسم حالتئذ غير 
مصاحب لا للميل القَسْريّ ولا للميل الطبيعي فما الذي يخرجه إِذَّا عن 
حالة السّكون إلى حالة الحَرَكة!! وإِذّا فما هي علة هذا السكون الحاصل 
بين الحركتين» وأمر الجواب عن هذا التساؤل لا يخرج عن أحد فروض 
ثلاثة: القوّة القاسرة» أو مقاومة الوسطء أو القَرّة الطبيعية. 

ما الفرض الأول فإنه لا يكفي لتعليل حدوث هذا الشّكونء لأن 
القوّة القاسرة لا تزال تضمحل فتستمر على نهج الانتقاص حتى تستولي 
القوّة الطبيعية في نفس الآن الذي انتهت فيه القَوّة القاسرة» أو كما يقول 
أبو البرّكات: «فيكون آن انتهائه في الصعود هو الذي تكافا فيه» وذلك الآن 
بعينه مبدأ زمان انحطاطه)». 

وما الفرض الثاني فإنه: «لا وجه لبقاء المقاومة زماتاء لأنه إنما 
ينسلخ على الاستمرار» ولو كان مقاومة المخروق هي التي تضعفه 
وتبطله لقد كان في وقت الشّكون لا يبقى خارق ولا مخروق. فما 
الذى يشعقه إذا ويغلب الطبِيعي عليه؟). 

وكذلك الأمر فيما يتعلق بالفرض الثالثء «لأن الطَبيعِي ينشأ 
متزايدًا حتى يقاوم ويقهر» فإنه لا يبقى على حال واحدة زماتاء بل 


www.alimamaltayeb.com 


۱۹۸ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
يستمر في التزيد كما قيل في نقصان الآخر»”". 

وحسبما یری ابن سينا فإن لهذا الشّكون سببّاء وهو: «أن يكون 
المحرك يفيد قُوّة غريبة يتحرك بها الجسشمء وبتوسطها يفيد فة مسكنة 
aS‏ ا ل ارت ام 
مكان ما عو فا ومعنن هذا التعليل أن المخرك فيد المشحرك الميل 
اقاسر وبتوسط هذا المي يفيده ر تسكنه في مكانه اطي وطبيعة هذه 
ا تشبه أن تكون على الضد من طبيعة الميل القاسرء لأن طبيعة الميل 
القاسر تحريك الجسم ودفعه في اتجاه الحَرَكة. أمّا طبيعة القوَّة الناتجة 
عن هذا الميل أو القرّة المتوسطة -على حد تعبير ابن سينا- فهي تسكين 
الجسم في المكان الذي بلغه في نهاية الحركة. وعلى ذلك فالقوة التي 
يمنحها المحرك للجسّم -عبر ميله القاسر- هي الل في تسكين الجسم 
الك هدا ة القاسرة» ومن نَّمّ تغدو هذه القوّة ة عينها علة لبطلان 
الميل القاسر. ومرة ثانية تتضارب أفكار الشيخ إزاء تحديد العلّة التي تنهي 
أثر الميل القَسْرِيٌ وتبطل حركته» لأنه في حديثه عن مشكلة الخلاء قرر أن 
سبب الميل القَسْرِيٌ وإبطاله هو مقاومة الوسط الذي يجري فيه المتحرك 
بهذا الميل. وأنه «لولا مصادمات الهواء المخروق للقوّة القَسْرِيّة لوصل 
الحجر المرمي إلى سطح المَلّك»”. 


. ٠٠١١ص المعتبر في الحكمّة ج۲ (القسم الطبيعي)‎ )١( 

(؟) الشفاء: الطبيعيات ص9١‏ (ط طهران). 

(۳) ابن سينا: المصدر السابق ص٥»‏ وأبو البركات: المعتبر ج۲ ص »١7٠١‏ وصدر الدين 
الشيرازي: الأسفار الأربعة مجلد١‏ ص 707. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۱۹۹ 


وهنا قرر أن القاسر يفيد المتحرك فة مسكنة تحدث لجسم سكونًا 
واستقرارًا -في زمن ما- في الجهة التي ينتهي إليها المتحرك. 

۸- ونظريّة أبي البركات في اجتماع الميلين في الجسم المتحرك تلقي 
بظلالها على مشكلة أخرى كان رأي فيلسوفنا فيها نقطة تحول حاسمة من 
الفيزيقا الأرسطيّة إلى الفيزيقا التي قررها علم الطبيعة المتطور بعد ذلك. 

هذه المشكلة هي مشكلة الإسراع في سقوط الأجسام: فالملاحظ 
أن الجسم الساقط المتحرك بالميل الطَبِيعِي تبدأ حركته بطيئة ثم تأخذ في 
الاشتداد والإسراع المتتالي حتى تبلغ أشدها قبيل المكان الطَِّيعِي الذي 
يسكن فيه الجسم المتحرك. بينما تظهر لنا الملاحظة أيضًا أن حَركة هذا 
الجسم -وهو صاعد- تكون على العكس» فيما يتعلق بالإسراع المطرد 
من حركته وهو هابطء لأن الحَرَكة الصاعدة تبدأ في إسراع متزايد ثم ما 
تلبث أن تبدأ في الضعف والاضمحلال بعد ذلك. فما هو سر الاختلاف 
بين حركتي الجسم في حالي صعوده وهبوطه؟ 

لد كان فة الا زاء هذا اللساول- كن 

تعليل أرسطي يرجع ظاهرة الإسراع المطرد في الجسم الساقط إلى 
زيادة تحدث في وزن هذا الجسم كلما اقترب ودنا من الأرض التي هي 
المكان الطبيعي لسكونه وتوقفه. 

وتعليل لشراح أَرِسْطُو يفسر هذه الظاهرة بالترقق المستمر في طبقات 
الهواء الموجود بين الجسم المتحرك وبين الأرض» لأن كثافة هذا الهواء 


www.alimamaltayeb.com 


موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


هي التي تعاوق الميل الطبيعي وتمانعه». 

او ال ات غا لا يتعرضى دين التعليلين لا كول رو كاتا 
عنده ساقطان من الاعتبار. ومن نَم فهو يفسر ظاهرة الإسراع المتتالي المطرد 
في الجسم الهابط بعد صعوده بأن الميل الطْبيعي حين يستولي على الجسم 
المتحرك يأخذ في إبطال الميل القاسر شيئًا فشيئًاء وكلما بطل حد من حدود 
الميل القاسر نشأحد من حدود الميل الطبيعي» ومن نَم فإن الميل الطبيعي 
حين يبدأ في تحريك الجسم فإنه يبدأ ضعيفاء لأن بقِيّة من الميل القاسر لا 
تزال متلبسة بالجِسْم» وبرغم أن هذه البقِيّة ليست من القوّة بحيث تستطيع 
دفع الجسم أو تحريكه إلا أنها ذات أثر موجود بالفعل في مقاومة الميل 
الطَِّيعِي الذي استولى على الجِسْم. لكن كلما اشتد ضعف هذه البقيّة من 
الميل القَسْرِيّ اشتدت قوّة الميل الطْبيعي وازدادت حَرّكٌة الجسم حدًا 
جديدًا من حدود السرعة. وهكذا تأخذ مراتب السرعة في الازدياد المطرد 
وتتضاعف حدودها وتتصاعد حتى يبلغ الجسم ذروة اشتداده في سرعته 
عند المكان الذي يسكن فيه. يقول أبو البَرَكّات: «وأمّا ضعف الهبوط فلأنه 
أول قُوّة الميل الطَّيعي» من حيث يستولي الميل الطّبيعِي يتولى إبطال ما 
بقي من قَوّة الميل القاسر أولًا فأول حتى يبطل فتبطل مقاومته» فلذلك 
يكون أشد الميل الطبيعي 0 آخره» وأشد الميل القَسْرِيٌّ 5 اول" 
duhem, Le systeme 0 monde. I, P3888. (1)‏ 


Pinces: Etudes Sur Awhad Al Zaman. R. E. J. IV 2. note وأيضًا:‎ 


.284 


(؟) المعتبر في الحكمّة ج۲ (القسم الطبيعي) ص١١٠‏ . 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۲١‏ 


لكن إذا استطاع تعليل أبي البَرَكَات هذا أن يفسر لنا ظاهرة الإسراع 
المتدرج في القرّة والشدة في حَركة الجسم الساقط بعد صعوده بالميل 
القَمْرِيّ فإن هذا التعليل يفقد معناه بالنسبة لحَركة الجسم المرمي من 
أعلى مباشرة دون أن يكون عائدًا من حَرّكّة صاعدة» فالجِسْم المرمي 
من عل ترى فيه نفس هذه الظاهرة» أعني بطء بداية الحَرّكّة ثم اشتدادها 
واطرادها في هذا الاشتداد بعد ذلك حتى تبلغ الحيز الطبيعي وذلك على 
الرغم من غيبة الميل القَسْرِي وما يخلفه من بقِيّ منه تقاوم الميل الطبيعي 
في مبدأ حركته. وبهذا تظل هذه الظاهرة بحاجة إلى التعليل من جديد. 

وقد فطن أبو الب كات إلى هذا الاعتراض الوارد فقرر أن علة اختلاف 
الحركتين في الإسراع هو اختلاف سبب الميل القاسر عن سبب الميل 
الطَّببعي فالميل القاسر سببه أو علته المحدثة له ليست متصلة به» بل هي 
منفصلة عنه تمامّاء ومن كم فالمتحرك بالميل القَسْرِيٌ يعدم العلّة المجددة 
لاستمرار هذا الميل المحرك فلا يتجدد في المتحرك به ميل بعد ميل» بل 
كلما ضعف فيه حد ضعف فيه الحد الذي يليه ثم الذي يليه وهكذا. أما 
ال ل ليرا اس ادحا سر د 
بميل كلما ضعف في ميل» ولا تزال الميول تشتد وتترى» والحَرّكّة تزداد 
سرعة بعد سرعة حتى يصل المتحرك إلى حيزه الطبيعي. 

ونخلص من نظريّة أبي البرّكات في الأجسام الساقطة من أعلى إلى 
أن حر کة الجشم الساقط إذا كانت تالية لحر كة صاعدة وعائدة عنها فإن 


. ٠١٠ص أبو البَرَكات البغدادي: المعتبر في الحكمّة ج۲‎ ١ 


www.alimamaltayeb.com 


۲۲ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


علة تزايد الحَرَكة هو تلك البقِيّة من الميل القَسْرِيٌ الذي كان مستوليًا على 
الجسم إبان حركته الصاعدة» وذلك بالإضافة إلى الميل الطبيعي الذي 
تارف ماله ال في هد ا أمره ]اذا كانت کر تالیش السا مد من 
على ورن أن رن ار غاد ر اغد قلا فان ال عا 
هي الميل الطْبيعِي الموجود بالفعل في الجسم المتحرك وما يترتب عليه 
من ميول متتالية تحدث هذا الإسراع المطرد. ومن نَم يقرر أبو البركات: أن 
بطء بداية الحَركة الثّالية للميل القَسْرِيٌ الصاعد أكثر من بطء بداية الحركة 
التي لا تكون تالية لهذا الميل» لأن بطء الحَرّكّة الأولى ناتج عن سببين: بقيّة 
الميل القَسْرِيٌ» والميل الطَِّيعِي المتدرج. فالتأثير الناشى عنهما لابد وأن 
يكون مزدوجًا في هذه الحَرَكة» ولذلك كانت أكثر بطنًا من الحرّكّة الأخرى. 

ومهما يكن من شيء فإن نظريّة أبي البَرَكات -هاهنا في هذا المجال- 
كانت حدًا فاصلا بين الفيزيقا الأرسطيّة والفيزيقا الحديثة: فقد تضمنت هذه 
النّطريّة -لأول مرة- دحضًا صريحًا للقانون الأساسي في الطبيعة الأرسطيّة 
القائل: «إن الق الثابتة (الميل الطبيعي في مشكلتنا هذه) تنشأ عنها حَرَكَة 
ثابتة"". وهذا القانون يقيم علاقة تناسب طردي بين القَوّة وبين ما ينتج 
ھا مره 2 055 يعرف كلما رادت ال فز ادت ال ر كما فت ثسة: 

وأكبر الظن أن هذا القانون الرئيسي في الفلسفة الأرسطيّة هو الذي 
اضطر المَشائين عمومًا لأن يفسروا ظاهرة ازدياد السرعة في حَرَكَة الجسم 
الساقط بازدياد ينشأ في وزن الحِسْم كلما أخذ سمته نحو حيزه الطبيعي» 


Duhem: Le systeme du monde I. P. 85.(1) 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمدا 4 لطيب ۲۴ 


وأمر ضروري أن يترتب على الازدياد في وزن الجسم ازدياد في ميله 
المحركء وبالتالي ازدياد في سرعة الحَرَكة الناجمة عن هذا الميل» وواضح 
أن هذا التفسير المَشّائي يتسق تمام الاتساق مع هذا القانون الأساسي في 
الفلسفة الطبيعية الأرسطيّة. 

وقد غاب عن أذهان المَشائين رصد العلاقة المتغيرة أحيانًا بين القرّة 
المحرّكّة الثابتة وبين ما ينتج عنها من حَرَكة تطرد فيها مراتب الإسراع 
وتتلاحق» ولم يفطنوا إلى القصور البادي في هذا القانون الأساسي حين 
واجه ظاهرة سقوط الأجسام وازدياد مراتب السرعة في حركاتها. 

وأبو البرّكات حين يفسر هذا الإسراع المتلاحق في الجسم الساقط 
فإنه بتفسيره هذا إنما يذهب إلى الضد في القانون الأرسطي» وذلك حين 
يصوغ نظريته السابقة في هذا ال العلمي المهم» يقول أبو البركات: 
«وإنّما ذاك لأن سبب الميل ومحدثه في القاسر انفصل عنه فلم يحدث فيه 
ميا بعد ميل» فيخلف عليه بدل ما يضعف من الميل بالمقاوم. ومبدأ الميل 
الطَّبعي موجود في الحجر (الساقط) يمده بميل بعد ميل» ولذا ترى الكرة 
إذا قاربت أن تنقضي حركتها من ضربة» يجتهد الضارب في أن يلحقها 
بأخرى لتبلغ الغاية» والميل الطَّيعِي مبدأه غير مفارق فلا يزال يوجهه حتى 
يبلغ به الحيز الطبيعي. وكلما حركت الَو في المسافة القريبة عن الطبع 
(أي البعيدة عن الحيز الطَِّيعِي الذي يسكن فيه المتحرك في نهاية الحَرَكة) 
أحرقت كيه ميا بد مل فر اند الك ار الیل مهما انسحت الك 


www.alimamaltayeb.com 


۲٤‏ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


لكن بطء البداية الطّبيعية إذا تلت القَسْرِيّة أكثر إذا لم تكن تالية لها»©. 

وإذا كان هذا لَص قد ألغى -لأول مرة- القانون الأساسي في علم 
الدّيناميكا القديم» فإنه يتضمن -لأول مرة أيضًا- القانون الرئيسي في 
الدّيناميكا الحديئة. والذي يتلخص في أن القوّة الثابتة قد تحدث عنها 
حَرَكَة متزايدة السرعة أو -بتعبير أدق- معجلة السرعة. وهو نفس قانون 
الجاذبية الذي سيكتشفه -فيما بعد- العالم الطبيعي الإنجليزي: إسحاق 
نيوتن”"2» فعند نيوتن أن الجاذبية الأرضية -التي هي القَوّة المحركة للجشم 
الساقط- تسبب لهذه الأجسام عجلة ثابتة المقدار» تزداد فيها السرعة في 
كل ثانية من زمن الحَركة» بحيث تتضاعف حدود الإسراع مع تنالي آنات 
الأماق المصاتحن ليذه ا 

وإذًا فثمة التقاء -بل تطابق- بين ما قرره أبو البَرَكَات من أن الميل 
لطعي يحدث في الجسم الساقط ميآد بعد ميل مما يترتب عليه تزايد 
في سرعة حَرَكة هذا الجسم وبين ما قرره نيوتن في قانونه السالف الذكرء 
فالقوّة الطّبيعية أو الميل الطّبيعي عند أبي البركات تقابله الجاذبية الأرضية 
عند نيوتن» والميول المتتالية عند أبي البرّكات هي عجلة السرعة في 
الجر كه عند نيوتن: 
(1) المعتبر في الحكمّة ج٠‏ ص١١٠‏ . 
(1) فيزيقي إنجليزي »)۱۷۲۷-٠٦٤۳(‏ ومن أعظم علماء القرن الثامن عشر في الفيزيقا 

والرياضة» وينسب إليه أنه أول من استخرج قوانين الحركة الثلاثة وقانون الجاذبية 


العام. انظر: الموسوعة العربية الميسرة: إشراف الدكتور غربال ص 18177. 
() المصدر السابق ص١09.‏ 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د / أحمد الطيب ۵< 


وانطلاقًا من هذه المقارنة التي تفضي بالباحث إلى سبق الفيلسوف 
العربي في هذا المضمارء قرر الدكتور بينيس أن أبا البرّكات أول فيلسوف 
بل أول فيزيائي -في تاريخ العلوم الطَببعية- يعلل ظاهرة الإسراع المتجدد 
في حَرَكة الجسم الساقط بالحدث المستمر المتتالي» المنبثق عن الميل 
اا 

4- وهكذا يصبح نص أبي البركات السالف نصًا غاية في الأهميّة 
بالنسبة لتاريخ العلوم ورصد مناحي تطورها وتقدمهاء وهو أيضًا في ذات 
الوقت هين ادن عن فر ها الت لس ته من سيطرة الفليقة الكنانة 
وسطوتهاء وأنه كان جادًا كل الجد في نقد هذه الفلسفة واختبار مضامينها 
ووضعها على محك النّظر والتمحيص» ثم هو تعبير صادق عن عبقرية 
فلسفية ونظر علمي ثاقب كان يستمتع بهما ذهن هذا الفيلسوف» وكم كان 
غريبًا حقا أن نرى «نيوتن» مسبوقا في لب ثورته العلميّة بفيلسوف شرقي 
لم يتح له من وسائل التجربة ومناهج البحث ما أتيح لهذا العالم الغربي!!. 


Pines: Abul-Barakat’s Poetics and MetaPhysics P. 129. (1) 


www.alimamaltayeb.com 


www.alimamaltayeb.com 


المكان 


ت 
ا 


١‏ - مقدمة 


7 - موقف المَشَّائينَ: الأدلة النظريّة على بطلان الخلاء وموقف 


أي البَرَكّات منها. 

۳- موقف المَشائين: الأدلة التجريبية على بطلان الخلاء 
وموقف أبي البركات منها. 

٤‏ - النهاية واللانهاية في المكان. 


ه - نظرة نقدية. 


www.alimamaltayeb.com 


www.alimamaltayeb.com 


المكان 
١-مشكلة‏ المكان من المشكلات الفلسفيّة التي لا تكاد توضع على 
بساط البحث حتى تستحيل إلى معنى معقد غامض كل الغموض»ء ومفهوم 
المكان في الفكر الفلسفي ليس أوضح ولا أثبت من مفهوم الحَركة» من 
حيث إن كلا منهما قد دخله شيء غير قليل من حيرة واضطراب» وهو 
بهذا أحد المفاهيم الفلسفيّة التي تبدو أمرًا غاية في البساطة والوضوح» 
اما سي سا رسن 
التواحي والأرجاء» وما يكاد التحليل العقلي يستثبت طرفا من مشكلة 
الاح مي حافت لد فك الى اذ قري رار 
جدالا ومناقشة من مشكلة المكان ذاتهاء وهنا لا مفر للعقل من مواجهة 
مشكلة الخلاء ومشكلة اللانهاية» لآن الحديث عن المكان حديث موصول 
بالخلاء واللانهاية بحيث لا نستطيع عزل أحد هذه المفاهيم عن الآخر. 
ولعل هذا يفسر لنا سر اهتمام أَرِسْطُو في المقام الأول بأن يورد 
الظواهر الحسيّة التي تثبت لنا وجود المكان وتحققه في عالم الأعيان» 
وكأن المكان أمر غير واضح أو غير ظاهر في ذاته» وعلينا أن نستخلصه 
استخلاصا من ظاهرة تعاقب الأجسام على المحل الواحدء أو من ظاهرة 
الحَرّكة وانتقالها من حد إلى حدء أو من ظاهرة وجود الجسم وتنقله بين 
الجهات الست. وأكبر الظن أن أَرِسْطُو لم يكن يريد أن يلقي ظلالا من 


www.alimamaltayeb.com 


۳۰ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 
الشك والحيرة على معنى المكان في ذاته بقدر ما كان يعنى بالرد على 
بعض الفلاسفة السابقين الذين أنكروا وجود المكان» على أن طبيعة 
المكان وما يلابسها من مشكلات فيزيقيّة وميتافيزيقية تقتضي مثل هذا 
اللون من التدرج في إثبات حقيقته وإنيته. 

وقد لا يهمنا أن نذهب مع النّظريّة الأَرِسْطية في كل تفريعاتها وأبعادها 
فيما يتعلق بمشكلة المكان» ذلك لأن الجانب الأكبر في هذه النّظريّة جانب 
نقدي بحت» ولأن أبا البَرَكَات لم يتوقف طويلا أمام فكرة المكان ذاتهاء 
بل دلف منها إلى فكرة الخلاء مباشرة لأن هذه الفكرة تشكل لب نظريّة 
المكان عند أبي البركات. وين نَّمّ وجدناه لا يطيل التّظر أمام النّظريّة في 
هذا الصدد بل ينقل المناقشة أو الحوار كله إلى مشكلة الخلاءء حتى إذا ما 
تحددت الخطوط البارزة في نظريته عن الخلاء عاد فربطها بفكرة المكان 
ربطا يكاد يجعل منهما معنى واحدا. 

وأول ما يطالعنا به أبو البرّكات هنا هو توجيه الأنظار نحو المعرفة 
الأولى أو المعرفة القبلية التي هي المعرفة البسيطة الساذجة السابقة 
التّصَوّرات العلميّة التُحليلية» ثم يطالعنا- بعد ذلك- بالتعريفين اللذين 
ارتضاهما الحكماء والفلاسفة بعد أن قلبوا الأمور على وجهها. 

وأول هذين التعريفين هو التعريف الأرسطي الذي يحد المكان بأنه: 
«السطح الباطن من الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر من الجسم 
المحوي»". أو كما يقول أَرِسْطُو على وجه الدقة: «فواجب أن يكون 


)١(‏ المعتبر في الحكة ج ۲ ص .٤‏ وأيضا: ابن سينا: النجاة ج ۲ ص ۱۹۲٠ء‏ وطبيعيات 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 11 


لبان ب اساسا و ع 
بأنه: «الباطن من ا بأسره الذي بم يملؤه ويخلو مما 
يخلو منه فيبقى خلاء)7". 
وإِذًا فنحن منذ البداية مع فكرة المكان بين موقفين مختلفين: 
موقف أرسطي ينظر إلى المكان نظرة تستبعد معنى العمق أو الفضاء 
الذي يوجد داخل الإناء مثلا وتبقي -فقط - على معنى السطح في الجسم 
الحاوي للشىء؛ وهنا تركو الط الأرسطيّة على الفرق بين أن يكون 
المكان سطحا وبين أن يكون جسماء فالمكان حين يكون سطحا لا يكون 
أبدا جِسّْما لا يكون أبدا جِسْما وإن كان ذا تعلق بالأجسام ومعنى هذا أن 
المكان ليس هو الجسم الحاوي بل هو الأمر البسيط من هذا الجسم وهو 
الذي يُسَمّى : سطحاء لأن المكان -فيما یری أَرِسُْطُو- لو كان جِسماء ثم هو 
في ذات الوقت حاو للأجسام لكان معنى هذا أن جِسّمين يمكن أن يكونا 
في حيز واحد» أو أن حِسْمين متداخلان» وهذا أمر لانزاع في استحالته 
الشفاء ص ٠۲‏ (طهران)» وأيضا: المواقف ج ه - »17١‏ وأيضا عبد الرحمن بدوي: 
أرسطو: ص 27١5‏ ومُقَدّمة سانتهليز لكتاب الطبيعة لأرسطو ص 78 (ترجمة لطفي 
السيذ): 
)١(‏ أرسطو: الطبيعة ج ص "٠١‏ (ترجمة إسحاق بن حنين). 
() الأيجي: الموافق ج ص »١55‏ وأبو البركات: المعتبر ج ۲ ص 5 5» وأيضا: بينيس: 


مذهب الذرة عند المسلمين ص ١‏ (الترجمة العربية). 


www.alimamaltayeb.com 


1۲ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


وبطلانه. على أن أَرِسْطُو أيضًا يحرص هنا كل الحرص على عزل مفهوم 
المكان عن مفهوم كل من الهيولى والصورة» وذلك من منطلق أن الهيولى 
والصورة أمران خاصان بالأشياء» بمعنى أن لكل شيء صورته الخاصة به 
وهيولاه الخاصة به أيضًاء بينما المكان أمر عام وليس وقفا على موجود 
دول م جود ا 

أمّا الموقف الآخر فهو الموقف الأفلاطوني في المشكلة» والمكان 
في هذا الموقف آمر لا يتعلق بالأجسام ولا بالسطوح لأنه عبارة عن 
هذا الفضاء الموجود بين أطراف الإناء» والذي أنكرته النّظريّة الأرسطيّة 
السالفة. فالإناء -مثلا- حين يمتلئ بالماء ويخلو منه فإن الخالي الممتلئ 
ليس هو السطح الباطن من الإناء» وإنّما هو هذا العمق أو الفراغ الذي كان 
يحويه الإناء بين جنباته» وهذا العمق -أو هذا البعد- قد امتلاً بالماء ثم 
خلا منه فهو بهذه الخصيصة مكانء بل أولى أن يُسَمَّى مكانا من السطح 
الباطن الذي تؤكد عليه الفلسفة المَشَّائيّة©. 

وأمر واضح أن أبا البركات -منذ بداية الطّريقَ- ينحو نحو المذهب 
الأفلاطوني في هذه المشكلة» فهو يرى أن المكان بعد خال أو هو الفراغ 
الثلاثي الأبعاد أو قل: خلاء له طول وعرض وعمقء وهنا تلتحم فكرة 
المكان مع فكرة الخلاء ولابد من التسليم بها حتى تستقيم هذه النّظريّة 
الأفلاطونيّة وتقف على قدميها. ومن ثم جنح فيلسوفنا إلى مشكلة 
)١(‏ أرسطو: الطبيعة ص 1872185 (ترجمة لطفي السيد). 
() المعتبر في الحكمّة: ج ١‏ ص .٤٤‏ 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمدا لطيب 1۳ 


الخلاء وانتقل إليها انتقالا مباشراء لأنها سوف تشكل حجر الزاوية في 
نظريته عن المكان» يقول أبو البَرَكَات: «فيكون المكان على هذا الرأي 
هو فضاء له طول وعرض وعمق يمتلئ بجسم يكون فيه ويخلو بخلوه 
عنه» فإن كان هذا يصح في الوجود» فهو أولى بما ذهب إليه المسمون 
لمعنى المكان فلينظر فيه)”'. 

وقد نعلم أن فكرة الخلاء هذه قد عارضها أَرِسْطُو -والمَشَّاءونَ من 
بعده- معارضة صريحة واضحة: بينما انتمى إليها أبو البرّكات في قُوّة بالخة 
وهو في هذا يقفي على آثار جالينوس ومعظم الأفلاطونيين المحدثين» ثم 
يحيى النحوي الذي قد يعتبر رائدًا وملهما لأبي البَرَكّات فيما يتعلق بهذا 
الأمر©. قمااهو إذن موقن الاين من فة الخاد؟ 

وقبل أن نجيب عن هذا التساؤل نقول: إن الموقف الأرسطي في 
رفضه لفكرة الخلاء قد اعتمد على استدلالات نظريّة كما اعتمد -في 
ذات الوقت- على استدلالات تجريبية» وهما لونان وإن كانا يختلفان من 
حيث المنهج إلا أنهما يلتقيان على أمر واحد في المحصلات النهائية 
أعني الالتقاء على رفض الخلاء واستحالته. ولفيلسوفنا على كل من هذين 
اللونين نقد ورد نعرفهما فيما يلي. 

"-أدلة المَشَّائِين التّطريّة على نفي الخلاء وموقف أبي البَرَكَات منها: 

الدليل الأول: زعم المَشَّاءون أن مفهوم الخلاء ينطبق على مفهوم 
)١(‏ نفس المصدر والصفحة. 
.S. Pines: Revue des etudes Juives Tome II, 1438. P. 6(Y)‏ 


www.alimamaltayeb.com 


1٤‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


الجسم عند من يقول بأن ثمة في الوؤجود خلاء. فمفهوم الخلاء عند 
القائلين به: الفضاء الطويل العريض العميق» ومعنى هذا أن الخلاء له طول 
وعرض وعمق. فإذا كان مفهوم الجسم هو: ما له طول وعرض وعمق» 
فإننا نكون أمام اسمين لمعني واحد. أو أمام حقيقة يمتزج فيها مفهوم 
الخلاء بمفهوم الجسم امتزاجاء بل يصبح الخلاء فيها هو الجسْم. وهذا 
الامتزاج بين المفهومين يوقع أصحاب الخلاء في تناقض مع أنفسهم» لأن 
الخلاء من أخص خصائصه أن يخلو عن الجسْمء فكيف يمكن أن يكون 
جسم خاليا عن جسم؟. 

هذا الاستدلال -فيما یری أبو البَرَكّات- استدلال زائف: 

أوّلا: إن الجسم عند أصحاب الخلاء ليس هو ما كان ذا طول وعرض 
وعمق فحسب وإِنَّما هو: ما كانت له هذه الأبعاد الثلاثة مع كيفية يناله 
ال روا سير اه كانك ووز لكقة ف راو ة ووروةة 
ينالهما جس اللّمس. وأولى الكيوف وألصقها بمعنى الجِسْوِيّة هو الصلابة 
أو اللين» أو -بتعبير آخر- الممانعة للخارق» سواء كانت ممانعة قوية وهي 
التي يقال عنها: صلابة» أو ممانعة ضعيفة وهي التي يطلق عليها: اللين. 
وقد كانت الممانعة -فيما يرى أبو البَرَكَات- أخص خصائص الأجسام 
لآن «ما لا يشعر فيه بممانعة أصلا لا يسمونه جشماء وهو الذي يسمونه 
فضاء»””. وأَرِسْطُو إنما كان يعني هذا الأمر حين قرر أله كلما كان الذي 
بتوسطه تكون الحَرَكة أخف جسمانيّة وأقل عوقا بل أسهل انخراقاء كان 


.6 5 أبو البرّكات البغداي: المعتير ج ۲ ص‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 1۵ 


التدافع أبدا أسرع2”". ومن ثَمَّ زعم أبو البركات أن الجسم يعرف بهذا 
العش اف الوت ال ل ررر اللخة ا ربا ارا خرن أن 
يقولوا: إن الهواء جسم حتى يشعروا بمقاومته في حركته وجمعه في 
الأزقاق ونحوها)””. وإِذًا فليس كل بعد امتدادي جِسّماء لأنه إذا كان ثمة 
ممانعة «كان هذا البعد جسّماء وإلا كان خلاء أو فضاء». 

ثانيا: إن خصوم فكرة الخلاء لا يتصورون في الوجود بعدا امتداديا 
خاليا عن صفات الأجسام» وكأن كل بعد امتدادي -في زعمهم- حِسْمء 
بمعنى أن كل موجود ذي أبعاد ثلاثة فهو لا محالة حِسْمء لأن الجسم هو: 
الطويل العريض العميق. ومعنى هذا أن تسميّة الجسم بهذه الأبعاد الثلاثة 
إنما تقوم أساسا على بطلان البعد اللا جسّميء إذ ما لم يتم للمشائين إبطال 
وجود موجود ذي أبعاد لا يكون جسّماء لا يتم لهم تعريف الجسم بأنه ذو 
الأبعاد الثلاثة» وإلاكان التعريف غير حاصر وإذن فتعريف الجسم عندهم 
مترتب على بطلان الخلاء. وإذا ما ولينا وجهنا شطر مشكلة الخلاء ألفينا 
الفلسفة المَشّائيّة تحيل فكرة الخلاء هذه من نفس المنطلق السالف» أعني 
استحالة أن يكون ثمة خلاء ولا يكون جِسْمًا في نفس الآن» وكأن المَشّائين 
قد أثبتوا شيئا ببطلان شيء «ثم بينوا بطلانه ببطلانه» فكأنهم قالوا: إن كان 
خلاء موجودا فليس بجِسّمء والجسّم ليس بخلاء» فإن كان خلاء موجودا 


)١(‏ الطبيعة ج ١‏ ص 55 (من ترجمة إسحاق بن حنين). 
9 امار الاو تتبن اله 


www.alimamaltayeb.com 


1" موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 
فليس بخلاء». ويلاحظ أبو البَرَكات أن هذا القياس فاسد» لأن الحد 
الأوسط فيه الذي هو «الجسّم» وإن كان مأخوذا تاليافي الشرطيّة وموضوعا 
في الحملية إلا أَنَّهِ لم يؤخذ فيهما بمفهوم واحد حتى يمكن تعدي الحكم 
من المقدمات إلى النتيجة» وإِنّما قد أخذ فيهما بمفهومين لأنه ما دام قد 
الصو ر الشاي فحت معنن اليعشيية: أمًا الجشم الملخوذ موضوعا فى 
الحملية فهو: المحسوس الملوس. وأمر ضروري أن يفسد هذا الاستدلال 
«فلا ينتج على الحقيقة شيئا لآن حده الأوسط ليس بواحد)”"» ومعنى ذلك 
نيما برس ابو ال ا و كسد ر 
التلازم في التصّوّر بين معنى البعد ومعنى المادة أو بين المكان وسطوح 
الأجسام» وأنهم ما استطاعوا أن يقيموا على زعمهم هذا برهانا صحيحا يقوم 
على أساس من العقل والمنطق. وإذن فلا تثريب علينا إذا ما تصورنا المكان 
في معزل عن المادة أو المتمكن أو سطوح الأجسام» فنتصوره بعدا مجردا 
مفارقا للمادة أو -كما يقال- بعدا مفطوراء أي مدركا بالفطرة والبداهة". 

وإذا ما وصلنا إلى فكرة البعد المجرد فإننا بذلك نكون أمام الموقف 
الأفلاطوني في مشكلة المكان» وهو موقف دافع عنه أبو البرّكات وتشبث 
به واعتبره الحق الذي تواضعت عليه بدائه العقول وغرائز النفوس ومن نَم 
()نفس المصدر وا لصفحة. 


(۲) المعتبر في الحكمّة ج ١‏ ص ٥٤‏ . 
(9) ابن سيئا: الشّقاء: الطبيعيات جا عن 88 ص 4/6 ١‏ (طهران): والمعهر ف اللحكة بج + 


ضن 5/4 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 11۷ 
كان عليه أن يبذل الجهد كله لتوضيح الغامض الغريب في هذا الموقف 
الذي ارتضاهء فلقد نعلم أن أفلاطون قال -في طيماوس- قولته الشهيرة: 
الإن المكان هو الهيولي»» وأن أَرِسْطُو قد وقف من هذا القول موقف 
الغرابة والاستنكار» فكيف تكون الهيولي مكانا على ما بينهما من تباين 
وتعالق لأسيل هما ال الاق احدهين على عر إن الاه انها 
يستثبت فيما يستثبت مع معنى المتحرل أنه يترك مكانه ويتحرك عنه بهيولاه 
وصورته معاء وهل معنى هذا إِلّا أن الهيولي قد فارقت مكانا وحلت في مكان 
آخر! وأن الهيولى التي تحركت أمر غير المكان الذي بقي ثابتا لم يتحرك!! 

ولكن فيلسوفنا يزعم أن أَرِسْطُو لم يتنبه لقولة أفلاطون هذه ولم 
يفهمها على الوجه الذي قصده منها هذا الحكيم. إن ما يهدف إليه 
أفلاطون هو: أن المكان من المعاني المضافة, لأنه بعد امتدادي محض 
إذا نظر إليه باعتباره موضعا لا متمكن فيه كان خلاء» وباعتباره موضعا فيه 
متمكن كان مكاناء وباعتباره موضوعا ومحلا للصورة وللجسْم المركب 
منهما كان هيولى.. «والاسم الإضافي للشيء إنما هو له بتلك الإضافة. 
فهذا البعد الامتدادي هو: الموضع والمكان والخلاء والهيولى بحسب 
الاعتبارات المذكورة» وبحسب ما دل عليه مفهوم هذه الأسماء في 
مواضعات القائلين بها». فأفلاطون إنما يعني اتحاد المكان والهيولى 


0© أرسطوة الطب چا ص 4 ۲۹ ترسمة إسحاق بين حي وآيشاة ابق سينا 
طبيعيات الشفا ص 5١‏ - ”57 (ط طهران). 
(5) أبو البَرَكّات البغدادي: المعتبر في الحكمّة ج ۲ ص 5 20 00. 


www.alimamaltayeb.com 


۸ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
في الطبيعة والنوع لا في الشخص والمعنى» أو «لا في ما به صار هذا 
مكانا وهذا هيولى» وإِنَّما هو واحد في البعدية الامتدادية كما تقول: 
إن الإنسان وسريره واحد في الحِسْويّة» فهذا مكان للمتمكن» وهذا 
هيولى لما حل فيه وتركب منه ومن هذه الصورة»0©. 

الدليل الثاني: يعترض المَشَّاءون بأنه لو كان الخلاء موجودا بالفعل 
فإننا نفترض أن ملاء -جسما مثلا- يلتقي بهذا الخلاء ويتداخل معه بحيث 
ينفذ فيه. وهنا نفترض أيضًا أن بعد هذا الخلاء إما أن ينعدم حين يدخل 
فيه الجسم المالئ له أو يبقى هذا البعد الخلائي موجودا مع البعد الملائي 
النافذ فيه. ومع الصورة الأولى من هذا الافتراض لا يقال ثمتئذ: إن الخلاء 
مكان» بل المكان هو ما أحاط بالجسّم المالئ من السطوح المجاورة» 
وليس البعد الذي كان بين نهايات الملاء قبل المداخلة» ومعنى ذلك أن 
الخلاء لا يمكن أن يكون مكانا أبدا. 

أمّا مع فرض وجود البعد الخلائي ثابتا بعد مداخلة الجسم المالئ له 
فها هنا لا مفر من القول بأن بعدين قد تداخلا وهو أمر بين البطلان عند 
المَشَّائِينَ لأن الأجسام لا يمكن لها أبدا أن يتداخل بعضها في بعض 
بحيث يصبح الجسْمان ذوي حيز واحد» وبحيث يكون أحدهما في الآخر 
تماماء بل لابد من أن يتخلى أحد الجسّمين للآخر عن مكانه ويتنحى له. 

واستحالة التداخل في الأجسام أمر تمليه الفطرة وتوجيه الضرورة 
العقليّة» ومن َم كانت هذه الاستحالة مما لا يختلف عليه أحد من 


شس المضيادى الباق والعشفحة: 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۱۹ 
فلاسفة أو متكلمين'". لكن علة الاستحالة لم تكن محل اتفاق عند هؤلاء 
المفكرين» بل كانت محل نزاع تباينت فيه وجهات النّظر تباينا مكن لأبي 


البرّكات من دحض هذا البرهان المَشّائي وانتزاع الثقة منه. 

)١(‏ هذا إذا أغضينا الطرف عن رأي شاذ للنظام ذهب فيه إلى جواز المداخلة بين الأجسامء 
ففي شرح المواقف ج ۷ ص 777: «وصريح العقل ببداهته يأباه (التداخل). وقد 
اتفق العقلاء على امتناع التداخل وأمًا النّظّام فقيل: إِلّه جوزه والظاهر أله لزمه ذلك 
فيما صار إليه من أن الجسم المتناهي المقدار مركب من أجزاء غير متناهية العدد» إذ 
لا يعد حينئذ من وقوع التداخل فيما بينها. وأما أنه التزمه وقال به صريحا فلم يعلم 
كيف وهو جحد للضرورة؟! فلا يرتضيه عاقل لنفسه» وإن صح أنَّه قال به كان مكابرا 
لمقتضى عقله». وعندي أنه بالرغم من أن فكرة التداخل هذه تترتب على مذهب النّظَام 
في إبطال الجزء الذي لا يتجزأء ومذهبه في الدفاع عن «لا تناهي القسمة»» وبالرغم من 
أن هذه الفكرة قد تلتقي من قريب أو بعيد -مع فكرة الكمون تلك التي تجعل الكائنات 
كامنا بعضها في بعض» وأن آدم -ني التحليل العقلي- يكمن فيه كل إنسان سيظهر على 
مسرح الوجود إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. برغم هذا الاتساق البادي بين هذه 
التظريات الثلاث في فكر النّظَّام فإنني أستبعد كل البعد أن يقول بتداخل الأجسام ضاربا 
بالعقل والضرورة والتجربة عرض الحائط. 
ولعل في تعبير صاحب المواقف بصيغ التضعيف وقطعه بعدم علمه لنص صريح 
له في هذا المقام» ما يحملنا على أن نؤكد -مع استاذنا الدكتور سليمان دنيا- أنّه: 
إما أن هذا الرأي الغريب تشويه ومسخ للفكر الاعتزالي الذي عبشت به أيدي الزمن 
فصوره خصومه حسب تقلبات الأهواء والأغراض. وإما أن لمفهوم التداخل عند 
النظام معنى مغايرا لهذا المعنى الذي يصدم بداهة العقول. انظر: تعليق الدكتور 
سليمان دنيا على الإشارات: القسم الطبيعي ص ١١١‏ والشهرستاني: الملل 
والنحل ج ١‏ ص 88 (ط. بدران سنة ١١۱۹م)‏ والدكتور زكي نجيب محمود 
المعقول واللا معقول في تراثنا الفكري ص57١.‏ 


www.alimamaltayeb.com 


۲۰ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


وإذا كان المعتزلة حين يمنعون تداخل الأجسام فإنما يمنعونه بسبب 
التحيز المخصوص الذي يكون لجسُم حِسْم من هذه الأجسام» بمعنى 
أن لكل حيز من الأحياز كونا خاصا به» يلائم الجسم المتحيز فيه ويضاد 
الأحياز الأخرى. وبمعنى أن الحيز الواحد تختلف أكوانه باختلاف 
المتحيزات فيه» ولهذا كان اختلاف هذه الأكوان -فيما يرى المعتزلة- هو 
علة امتناع التداخل واستحالته بين الأجسام- أقول: إذا كانت العِلَّة في 
امتناع التداخل -عند المعتزلة- هي الأحياز وما يلابسها من أكوان» فإن 
العلّة عند الأشاعرة هي ذوات الجواهر أنفسها لا أمرًا آخر خارجا عنها. 
يقول شارح المواقف: «وهذا الامتناع ليس معللا بالتحيز كما ذهب إليه 
المعتزلة من أن الحيز له باعتبار وجود أحد الجوهرين فيه كون مضاد لكونه 
باعتبار وجود الآخر فيه» بل هو لذاتها بالضرورة البديهية»'. 

أمّا الفلاسفة المشَّاؤون فإن الحيز عندهم -أو الجوهر في ذاته- 
لا يمنع تداخل الأجسام فيما بينهاء وإِنَّما يمتنع التداخل -فيما يرون- 
بسبب الأبعاد الموجودة بين نهايات الأجسام» فالجسْمان لا يتداخلان 
لن طبيعة بعديهما تتأبى على أن ينفذ أحدهما في الآخرء فالبعد مقدار 
والمقادير لا تتداخل أبدا. 

وابن سينا في هذا المقام يقرر أَنّهِ: لا الصورة ولا الهيولى ولا سائر 
الأعراض الطارئة على حقيقة الجسم تمنعه من أن يتداخل مع جسم 
آخرء وأن الذي يمنع ذلك إن هو إلا معنى البعد فيه يقول الشيخ الرئيس: 


(۱) شرح المواقف ج ۷ ص ۲۳۲ . 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۲۲۱ 
«تنبيه : ما أسهل ما يتأتى لك تأمل أن الأبعاد الجسّمانيّة متمانعة عن التداخل» 
وأنه لا ينفذ جِسْم في جسم واقف له غير متنح عنه» وأن ذلك للأبعادء لا 
للهبؤلى: ولا لسائر الأعراضر )7و وذلك لأن الصّوّر في الأجسام واحدة» 
وكذا الهيولى» فهما -بما هما صورة وهيولى- لا يمتنعان على التداخل 
وإنّما يمتنعان بسبب ما حل فيهما من المقدارية وبما لهما من أبعاد". 
والتنبيه الذي صدر به الشيخ حكمه هذا قد أضفى عليه شيئا غير قليل من 
معنى البداهة والضرورة» مما دفع العلامة الطوسي إلى أن يظهر هذا الذي لا 
يكاد يبين من دعوى الضرورة والأولية في هذا النّصّء يقول الطوسي: يريد 
بيان امتناع تداخل الأبعاد الجسٌمانيّة» وكأنه يدعي كون هذا الحكم أوليا». 

و القكادوة أن عا غفا فشا رترب ار قصوي العقل 
جرا الا و ا ا 

فأولا: إن معنى تداخل بعدين أن يصير هذان البعدان بعدا واحدا بحيث 
ينعدم التمييز بينهما تماماء فلا يتصور آنئذ أن بعدا منهما أعظم من بعد» كما 
لا يتصور أيضًا أن مجموع هذين البعدين أكبر من كل منهما وإلا لما صح 
أن يكون قد حدث بينهما تداخل» لکن اجتماع بعدين وتداخلهما لابد فيه 
من التسليم بأن مجموع هذين البعدين أعظم من كل بعد بمفرده قبل أن 


)١(‏ الإشارات والتنبيهات» بشرحي الرازي والطوسي ج ١‏ ص 556 (ط الخسشاب) 
والنجاة: القسم الطبيعي ص .١98‏ 

(۲) ابن رشد: السماع الطبيعي ص .5٠‏ 

(۳) شرح الإشارات: ج ١‏ ص ٦٦‏ . 


www.alimamaltayeb.com 


YY‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 
يتداخل مع البعد الآخرء لآن ذلك بمثابة زيادة الاثنين على الواحد» وهذه 
الزيادة التي تحصل باجتماع البعدين -فيما يرى المَشاءون- إنما تعني كثرة 
في العدد تطرأ من اجتماع البعدين وتنشأ عن تداخلهماء كما تعني -في 
ذات الوقت- زيادة في العظم أو المقدار تنشأ عن نفس الأمرين السالفين» 
ومن هتا قرر ابن سينا أنّه: امن البين أن كل يعدين اثنين أكثر من يعد واخل: 
فالعظيم في المقادير كالكثير في الأعداد. وكلما هو أكبر في المقادير قدرا 
فهو أعظم)”". ومعنى ذلك أننا لو سلمنا تداخل البعدين لسلمنا بالضرورة 
إلا نفوذ الكل فى الكل دون زيادة أو تميز لأحدهما عن الآخر". يقول 
الطوسي: «فالأبعاد الجِسْمانيّة هي المخصوصة بالعظم بالذات» ولا شك 
والقول بالتداخل يقتضي كون الكل مساويا لجزته)”". 
)١(‏ الشفاء ج ١‏ (الطبيعيات) ص .٥٤‏ ط طهران. 
(9)يقول أبن ما لان فإنه لست اداح إلآ آن تخل كلية ذا ف الأخرى: وليس 
ذلك الدخول إلا أن يلقى أحدهما كل ما قيل إِنَّه مداخل فيه» فإن ساواه كان ل شيء من 
هذا إلا وهو ملاق للآخر وإن فصل أحدهما لم يكن داخل كله بل داخله ما ساواه منه 
فحقيقة المداخلة: أن يكون لا شيء من ذات هذا إلا ويلقى ذات الآخرء فلا يبقى شيء 


لايلقى الآخر» نفس المصدر السابق ج ١‏ ص ۸. 
(۳) شرح الإشارات ج ١‏ ص ٦٦‏ . 


mM بذ‎ 


ف 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمدا لطيب ۳ 
وثانيا: لو تصورنا إمكان تداخل الأبعاد لما كان ثمة مانع من أن 
نتصور دخول العالم كله في حبة الجاروس. لأننا لو تصورنا انقسام 
العالم إلى أبعاد صغيرة وتصورنا دخول بعد وراء بعد في حبة الجاروس 
لأمكن تصور دخول كل العالم في هذه الحبة» إذ أول بعد في العالم سوف 
يداخل حبة الجاروس ويتحد بهاء ثم هي -بعد المداخلة- بُعد ولها أن 
تقبل بعدًا ثانيا وثالثا ورابعا وهلم جراء وهذا أمر بيّن البطلان بذاته”". وإذًا 
فافتراض وجود الخلاء يؤدي إلى افتراض جواز التداخل بين الأبعاد» وهو 
ا ف او و ا ييا برض ذلك ا اون كينا كرتب 
على هذا الافتراض إشكالات عقلية لا تمكن مواجهتها. 
وأ ال كات جن يواه هذا الابعدلال: الا إا باع فى 
الاعتبار الأول أن امتناع تداخل البعدين ليس أمرًا مما تقتضيه الضرورة» 
فالضرورة إنما تقضي بامتناع تداخل الأجسام» وأمًا أن ذلك بسبب الأبعاد 
فهذا ليس أمرًا بينا بذاته» وإلا فكيف غدا سبب الاستحالة هنا محل نزاع بين 
فريق وفريق! وإذا كانت الضرورة قاضية باستحالة تداخل الأبعاد بصرف 
)١(‏ حبة الجاروس هي حبة الذرة أو الدخن ويبدو أن كلمة: جاروس كلمة يونانية معربة» 
وقد ذكر الدكتور بدوي المقابل الفرنسي لهذه الكلمة في الهامش بالفرنسيّة» ومقابلها 
بالعربية هو: الذرة أو الدخن: انظر تعليق عبد الرحمن بدوي على هذه الكلمة في كتاب 
الطبيعة لأرسطو ج ١‏ ص 549. 
(۲) أبو البَرَكّات البغدادي: المعتبر في الحكمّة ج ۲ ص 550. وأيضا: ابن رشد: السماع 
الطبيعي ص ٠‏ 4» وأيض: عضد الدين الأيجي: المواقف (بشرح الجرحاني) ج ۷ ص 


TTY 


www.alimamaltayeb.com 


٤‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 
النظر عن معنى الجسم وعوارضه الأخرى فكيف غفل عنه قوم وقالوا: 
إن الاستحالة إنما ترتبط بمعنى التحيز؟! وقال آخرون: إنما ترتبط بذوات 
الأجسام أنفسها؟! وهل الضرورة مما يختلف فيها رأي عن رأي!! 
الأجسام إمكان دخول العالم بكلٌ أبعاده في حبة الجاروس فإنما 
يغالطون فى ذلك مغالطة واضحة» لأن هذا الإمكان إنما يترتب لو كان 
البعد المالئ لا ممانعة فيه من التداخل» فثمة يكون بعد خال تداخل مع 
بعد خال مثله» أي دخل خلاء فى خلاء» ويرى أبو البَرّكات أن مثل هذا 
القول وإن لم يؤثر عن أصحاب فكرة الخلاء. إلا أن فرضه لا يلزم عليه 
محال. أما والبعد المالئ ذو ممانعة تتأبى على التداخل فلا يتصور 
إمكان دخول العالم في حبة الجاروس"". 

وإذا فها هنا اتجاه خاص بأبي البرّكات في تعليل امتناع التداخل بين 
اللأجسام» يتميز به عن اتجاه كل من المتكلمين والفلاسفة» وهذا إنما يدور 
حول مفهوم «الممانعة» أو «الصلابة» التي سلف له القول فيهاء ومعنى هذا 
أن الأبعاد -فيما يرى أبو البرّكات- ليست علة تحيل تداخل الأجسام. 
ولكن هل معنى ذلك أن الأبعاد تتداخل فيما بينها عند أبي الْبَرَكَات؟ نعم. 
لا مانع لديه من أن يتصور الذَّهن دخول أحد البعدين في الآخر ونفوذه فيه 
فليست الأبعاد -بما هي أبعاد- بمتأبية على النفوذ والتداخل» ولكنها تتأبى 
على ذلك لما يلحقها من صلابة ويحصل لها من ممانعة. 


. ٥٦ أبو البَرَكّات البغدادي: المصدرالسابق ص‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۵ 

وعند أبي البرّكات أن افتراض تداخل البعدين لا يستلزم تناقضا منطقيا 
يكمن في أن معنى زيادة الحجم ومعنى التداخل نقيضان لا يثبت أحدهما 
إلا ريثما ينتفي الآخرء فصحيح-كما يقول المَشَّاءون- أن كل بعدين اثنين 
أكثر من بعد واحد» وصحيح أن العظيم هو الذي يزيد على ما هو أعظم منه 
بقدر خارج عنه» بيد أن الخطأ كل الخطأ فيما ترتب على هاتين المقدمتين 
من الزامات فاسدة» وذلك من ناحيتين: 

فأولا: إن الفكرة العتاد ھا ری فى مع الاد بين رین 
متغايرين: الزيادة بمعنى الكثرة العددية والزيادة بمعنى العظم في المقدار. 

وأبو البركات إنما يفرق بين هذين المفهومين بحيث يميز بينهما 
تمييزا لا سبيل معه إلى ترتب أحدهما على الآخرء فإذا كان الاثنان أكثر من 
الواحد من جهة أن هذين اثنان وهذا واحد أي من الناحية العددية التي هي 
الكم المنفصلء فلا يلزم أبدا أن يكون الاثنان أكثر من الواحد من الناحية 
المقدارية والتي هي ها هنا: الكم المتصل؛ فقد يتحد الشيئان بحيث 
يصبحان شيئا واحداء وفي ذات الوقت لا يقال عن هذا الشيء الواحد 
المتحد إِلّه أكثر من الشيثين أو أقل من جهة المقدار والعظم» وإن قيل: إِنَّه 
أقل من جهة العدد. ويضرب أبو البَرَكات لذلك مثالا بالواحد الذي ينقسم 
إلى اثنين» فإن هذين الاثنين لا يكونان أكثر من الواحد في المقدارء | هما 
من جيف الع اللشذارى لا الا 

وثانيا: إن قول المَشائين: إن العظيم هو الذي يربو على ما هو أعظم 
)١(‏ المعتبر في الحكمة ج ١‏ ص 05. 


www.alimamaltayeb.com 


1 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


منه ويزيد بقدر خارج عنه قول حق» ولكن من قال: إن تداخل الأبعاد يزيد 
فيه بعدٌ عن بعد بقدر زائد خارج؟! أليس التداخل هو ملاقاة الكل للكل 
بالأسر بحيث يغدو البعدان بعدا واحدا لا زيادة فيه لأحدهما عن الآخر؟ 
وإِذَا فليس ثمة بعد زاد على بعد بقدر خارج» وإِنّما البعدان متداخلان 
في ذاتيهما بحيث يلقى أحدهما جميع ما يلقاه الآخر» فصورة التداخل 
-إِذَا- لا يستطاع أن يميز فيها بين بعد وبعد حتى يمكن أن يقال: إن بعدا 
فيها أعظم من بعد آخرء كما أَنَّهِ لا یتصور فيها جزء وکل يحكم معه بأن 
الكل أكبر من الجزء. وزيادة عظم أحد البعدين على الآخر -كما يرى 
المَشاءون- إنما تتصور فيما إذا تلاقي مقداران ولم ينفذ أحدهما في الآخر 
تماماء فثمة تمكن المقارنة ورصد زيادة العظم في أحدهما على الآخر, 
أمّا فى صورة التداخل فلا مجال لكل هذه الافتراضات والإلزامات» وإذًا: 
فالزيادة العددية هي فقط كل ما يمكن أن يقال في معنى التداخل» وهذا أمر 
مسلم غير مردود» ما الزيادة المقدارية فهذا أمر لا سبيل إليه". 

واه أ شعمسك يه ابو ال کات فى مغر ضفن نقذه لهذه الحجة 
وهو ما قرره المَشَّاءون أنفسهم في أحكام المقادير من أن النقطة لاحظ 
لها من العظم المقداري» بل والخطوط أنفسها لاحظ لها من العظم إذا 
ما تطابقت في اتجاه العرض والعمق لا ما إذا اتصل أحدها بالآخر من 
جهة أطوالهاء وكذلك السطوح حين تتلاقى في اتجاه العمق لا في اتجاه 
الطول والعرضء وبعبارة أخرى: إن النقطة ليست بذات عظم» ويترتب 


()نفس المصدر وا لصفحة. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۷ 
على ذلك أن ينعدم أمر التمييز بين نقطتين مجتمعتين» فالنقطتان أو النقاط 
المجتمعة في كل واحدء لا تتميز في هذا الكل نقطة عن نقطة كما لا يتميز 
هذا الكل المجتمع عن نقطة بذاتها فيه”"2. والخطوط تشارك النقطة في نفي 
العظم إذا اجتمعت وتلاقت عرضا لا طولاء فلو التقى آلف خط من جهة 
العرض لكانت خطا واحدا لا سبيل إلى التمييز فيه بين خط وخط ولا بين 
عظم وعظم» أمّا إذا التقت في جهة أطوالها فثمتئذ يكون طول أحدهما 
أعظم أو أقل من الآخر» ومعنى هذا أن الخطوط لا تمتنع على التداخل 
إذا تلاقت من جهة عروضهاء وحكمها في ذلك حكم النقطة في جميع 
أحوالها.. والأمر كذلك في السطوح إذا تلاقت في جهة العمق فقط 
لا في جهة الطول والعرض. يقول الطوسي «واعلم أن النقطة لا حصة 
لها في العظم» فلذلك لا تتمانع عن الاجتماع الرافع للامتياز الوضعي 
على سبيل الاتحاد» والخطوط حكمها من حيث الطول حكم الأجسام 
(أي في امتناع التداخل) ومن حيث العمق والعرض حكم النقطة» 
والسطوح أيضًا حكمها من حيث الطول والعرض حكم الأجسام ومن 
حيث العمق حكم النقطة. ولذلك تنطبق الخطوط والسطوح بعضها 
على بعض بحيث يرتفع عنها الامتياز الوضعي)"". 

فإذا كان المَشَّاءون يقرون جواز تداخل الطول مع الطول والعرض مع 


(1) أرسط : الطبيعة ج ۲ ص 054. من ترجمة إسحاق بن حنين» وأيضا: ابن سينا: 
طبيعيات الشّفاء ج ۱ ص ۸۳ (ط طهران). 


www.alimamaltayeb.com 


۲۲۸ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
العرض فليس ثمة ما يحول دون سحب هذا الحكم على العمق» فالعمق 
ليس إلا بعدا ثالثا من نوع البعدين السالفين» ولا يختلف عنهما إلا باعتبار 
إضافي لا يغير من حقيقة بعديته شيئاء والدليل على ذلك أن المكعب 
-مثلا- تتحد فيه الأبعاد اتحادا يمكن معه تسميّة أي بعد فيه طولا أو عرضا 
أو عمقا. وهنا ينفذ أبو البرَكات إلى نقطة الضعف في الموقف المَشّائي إزاء 
هذا الأمرء فهو موقف يعوزه الاتساق المنطقيء بل ويتطرق إليه التناقض 
والتخالف مع نفسه في موطنين مختلفين: فأما فيما يتعلق بامتناع تداخل 
المقادير فإن معنى «الأبعاد» لمجردها كان هو العلَّة في امتناع التداخل 
واستحالته» وأمّا فيما يتعلق بأحكام المقادير فإن هذه الأبعاد ذاتها قد كانت 
مما يجوز عليها التداخل ولا تأباه. سواء كان هذا التداخل في الأطوال 
والعروض كما نص عليه المَساءون صراحة» أو في الأعماق كما هو لازم 
لا تحيصن عه باعل أن العيق لس | دا ل الطول والعرضن . غإذا 
كان الجسم -حسبما يرى المَشَّاءون- ليس إلا هذه الأبعاد الثلاثة وكانت 
هذه الأبعاد مما تتداخل -في بعض أحوالها- فكيف ساغ لهم أن يبتروا 
الحكم هنا بترا ويمنعوا التداخل بين الأجسام؟ ثم كيف يتسق عندهم أن 
تقبل الأبعاد التداخل في موطن» ثم تغدو نفس هذه الأبعاد علة لاستحالة 
التداخل في موطن آخر؟ إن المنطق ها هنا يحتم على المَشائين أحد 
أمرين: فإما أن ينسحب حكم التداخل على الأجسام ويجوز عليها ذلك 
عقلاء وإن منع مانع منه في الوجود فبسبب غير معنى البعد» وإما أن يمتنع 
حكم التداخل على الأبعاد إذا امتنع على الأجسام.. أمّا أن يكون السبب 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۳۹ 


الواحد علة للقبول وعلة للمنع فهذا تحكم لا مبرر له.. يقول أبوالبركات: 
«وأنتم قلتم: إن كل معنى في الجِسّْمين غير كميتهما ومقدارهما لا يمنع 
ذلك (أي: التداخل)» وإِنَّما يمتنع من جهة المقادير. وأول ما جوزتم ذلك 
إنما جوزتموه في المقادير إذ قلتم: إن مجموع ألف نقطة يتطابق كنقطة 
واحدة» ومجموع ألف خط . يتطابق كخط واحد منها في المقدار ولم 
تقولوا: إن مجموع حرارتين كحرارة واحدة ولا غيرها من الصّفات. ونعم 
ما فعلتم إذ جوزتموه في الأطوال والعروض والأعماقء فبماذا نفيتموه 
النّصّ التَقْدِيٌ إلى تقرير مذهبه فى مشكلة التداخل فيقول: «فإن الْتَصوّر 
الذهني لا يمنع هذا التداخل» فإن امتنع في الوجود فبسبب» ومعنى زائد 
على مفهوم البعدين المتداخلين وحيقتهما... ولعمري إن المانع هو غير 
متي الطول والعرضى والعمق: وا ماهر الكنافة والعيئلذبة والمقاوه ا 
واضح -إذن- أن معنى الصلابة والكثافة والمقاومة -أو إن شئت: المادة- 
هي العِلّة وراء استحالة تداخل الجسّمين أو الأجسام تداخلا يرفع الامتياز 
الوضعي بينهماء وآن الأبعاد لا تستلزم امتناع التداخل. 

وإذّا فالفكرة المَشَّائيّة التي تبطل الخلاء لأنه بعد يتداخل مع بعد فكرة 
باطلة من أساسها وبنفس المقاييس المَسَائيّة في معنى الأطوال والعروض 
والأعماق» فالخلاء -وإن يكن بعدا- يتداخل مع الملاء وإن يكن هذا 
الأخير بعدا أيضًا. ولأن البعد الخلائى هنا بعد لا مادي أو بعد لا صلابة 


.٥۷ ص‎ ١ المعتبر في الحكمّة ج‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


۲۰ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
آخر» ولا ريب في أن نتصوره متداخلا مع البعد المالئ له ومتحدا به كما 
لا تثريب علينا إذا رددنا البرهان المَشَّائي الذي يحيل الخلاء انطلاقا من 
مفهوم استحالة التداخل بين الأبعادء ذلك المفهوم الذي أوقع المَشائين 
فى كثير من اخلط والتنافضن والاضطراب. 
وعدد أي التركات أن أرشطر حن قال بأن الجشمين لا يندا لذن 
فإنما كان يأخذ في اعتباره الجسم بمعنى المحسوس. لأن هذا المعنى هو 
الذي يفهمه جمهور الناس من معنى الجِسّوِيّة. وكأن أبا البَرَكَات يهدف 
من تأويله هذا إلى أن أَرِسْطُو حين منع تداخل الأجسام فإنما منعه لمعنى 
«الابعاد» لم تكن -عند أَرِسْطُو- علة تستحق أن توضع في الاعتبار حين 
قال باستحالة تداخل الجسْمين» وأنه حين منع تداخل الحِسّْمَين ما كان 
يقصد البعد الخالي حتى يفهم منه امتناع تداخل الأبعاد على الإطلاق20. 
)١(‏ المصدر السابق: نفس الصفحة. وانظر أيضًا: جمال المحققين في تعليقه على نص ابن 
سينا في أن كل بعدين أعظم من بعد» حيث يبدو أثر أبي البركات في جواز تداخل الأبعاد 
واضحا وضوحا لا لبس فيه» فقد قال في تفنيد هذا النّصّ: «إن أراد الأعظمية بحسب 
المقدار فلا نسلم ذلك إلا فيما إذا تلاقي المقداران بدون نفوذ أحدهما في الآخرء 
وحينئذ بكون كل وجزء» ويكون الكل أعظم من الجزء» وأمًا إذا التقيا على سبيل النفوذ 
والتداخل فلا نسلم هما أعظم من مقدار واحدء إذ لا يتحقق حينئذ كل وجزء بحسب 
المقدار. كيف وتوهم ما ذكره يجري في الخطين أيضًا إذا التقيا من جهة العرض إذ لا 
يصير طولهما أعظم من طول واحد مع جريان ما ذكر فيهماء وكذا في السطحين إذا التقيا 
من جه الما شمن العليفات المرجودة على كابش طيعنات الكقاء ج ١‏ عن 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۲۴۱ 
الدليل الثالث: 
أي الاسند لال هنا فيدور حول استحالة وجود الخلاء لاستحالة 
الک یکل ألواعها فى الرسط الخال وقد مر با ق قصل ال کب 
أن المّشائين لا يتصورون وقوع الحَرَكة في الخلاء لأن الحَركة حالتئذ 
تغدو حَرّكَة لا متناهية» أو متصلة على نهج الاستمرار والاطراد» وذلك 
لأن مقاومة الوسط التي هي عماد الأمر في توقف الحَرَكَة عند المَشائين 
معدومة فى ساحة الخلاء -وإذا كانت هذه الحجة قد انصبت في باب 
الك غل ها عدف لبه ال اهي ال ا مو بان العاكقة ية 
الحتميّة بين مقاومة الوسط وما يترتب عليها من اختلاف فى سرعة 
الحركات وبطئها -ثم بطلانها بعد ذلك-» وأن هذه المقاومة هي العِلّة في 
كل ذلك» فإن هذه الحجة عينها قد غدت هنا عماد الأمر فى رفض فكرة 
الخلاء من أساسهاء ومن نَّمّ وجدنا تتبع المَشّائينَ -في هذا الاحتجاج- 
. «ط. طهران). وصدر الدين الشيرازي أيضًا يكاد يدرج في نفس فكرة أبي البركات 
حين يعرض لمشكلة تداخل الأجسام» فالهيولى مع المقدارء أو المادة مع المقدار -فيما 
يرى صدر الدين- هي التي تمنع من التداخل» بمعنى أن المادة إذا خالطت مقدارا منعته 
من التداخل والاتحاد بمقدار آخر مخالط للمادة كذلك والعكس صحيح. ويستشهد 
الشيرازي على صحة نظريته هذه بما يشاهده أهل السلوك في بداية سلوكهم من عوالم 
كثيرة مقدارية لا تزاحم ولا تضايق بينهاء وبما يروى عن النبي اة من أنه رأى ما بين 
قبره ومنبره روضة من رياض الجنة» وأنه رأى جبريل كأنه طبق الخافقين «فعلم من هذا 
كله أن المانع من دخول الأجسام بعضها في حيز بعض ليس مجرد المقدار بل بشرط 
المادة»» الأسفار الأربعة مجلد ١‏ ص ."5٠‏ 


www.alimamaltayeb.com 


۲ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 
وهنا يضطرنا البحث إلى متابعة هذه التفريعات والتشقيقات لكي يتسنى لنا 
إبراز موقف أبي البرّكات وما يمور به من جدال في هذا الصدد: 

أوََّا: استحالة الحَرَكة الطبيعية والقَسْرِيّة في الخلاء: وقد يكون أمرًا 
لازما هنا أن نميز بين الحركتين الطَبيعية والقَسْرِيّة بأن الثانية منهما حَرَكَة 
يقهر فيها المتحرك بها ويستكره على أن يترك مكانه الطَِّيعِي الذي يتحرك 
إليه ويسكن فيه بطبعه» فهي حَرَكة طارئة بسبب خارج عن ذات المتحرك» 
ومعنى الطروء في هذه الحَرَكة مما يشير إلى أن حَرَكة طبيعيّة غير طارئة تكون 
من تلقاء المتحرك؛ تعود به إلى حيزه الطَّيي حين تزول الحَركة القَسْريّة 
ويزول سببها الطارئ» فثمة تلازم يقضي بأن الحَرَكة القَسْريّة لا تحدث إلا 
بعد حدوث حَرَكة طبيعيّة» إِذَا ما دام معناها أنها الخروج بالمتحرك قسرا 
عن مكانه الطبييعي -سواء كان خروجا عن طبع المتحرك كتحريك الحجر 
جراء أو كان خروجا ضد طبع المتحرك مثل تحريك الحجر قذفا إلى أعلى؛ 
ومثل تسخين الماء أيضًا”". -فقد كان لا محالة سكون سالف في هذا المكان 
الطَببعي نشأعن حَرَكَة طبيعية من تلقاء المتحرك. وإذًا فالحركة القَسْرِيّة لابد 
أن تجيء تالية لحَرَكة طبيعيّة سالفة. ولهذا قرر أَرِسْطُو: «أنّه يجب ضرورة 
متى كانت حَرَكٌة قسرا أن تكون أيضًا الحرّكّة الطّببعِية» وذلك أن الحرّكَة 
القسر خارجة من الطبيعة» والحرَكة الخارجة عن الطبيعة إنما هي من بعد 
الحَركة الطَّبيعية» فواجب متى لم يكن لكل واحد من الأجسام الطبيعية 


)١(‏ ابن سينا: طبيعيات الشّفاء ص ١57‏ (ط طهران). 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۲ 
بالطبع حَرَكَة ألا يكون له ولا واحد من سائر الحركات الباقِيّة أصلا». 
أمّا استحالة الحركة الطبيعية في الخلاء فلأن كل حَرَكة تستلزم -في 
ا ومشهى» يتل ی بها من الأول إلى القاني اکر 
مناسبة له من الأول» فالجِسّم الثقيل -مثلا- يتحرك بالحركة الطبيعية من 
أعلى إلى أسفل لأن جهة السفل أنسب له من جهة العلو» وعلى العكس 
e‏ 

وملاءمة لطبعه. وأمر واضح أن يكون بين المبدأ والمنتهى للمتحرك حَرَّ 
o‏ 
فيه» والخلاء وسط متجانس لا سبيل فيه إلى التمييز بين مبدأ ومنتهى» أو 
بعبارة أخرى: لا تكون فيه جهة مقصودة بالطبع ولا متروكة بالطبع» ويترتب 
على هذا أن لا حَرَكَة ولا سكون طبيعيين في الخلاء. 

وإذا كان وجود الجسم المتحرك في الخلاء أمرًا لا سبيل إليه فالخلاء 
أيضًا أمر لا سبيل إلى إثباته. يقول أَرِسْطُو في هذا كله: «فكيف يمكن 
لیت شعري! - أن تكون حَرَكة بالطبع» والخلاء ء لا فرق فيه أصلا وهو 
غير متناه؟! وذلك أن من جهة ما هو غير متناه فليس يكون فيه فوق ولا 
أسفل ولا وسط أصلاء ومن جهة ما هو خلاء فليس يخالف فيه الفوق 
الأسفل. فكما أن لا شيء لا اختلاف فيه البتة كذلك أيضًا ما ليس بموجود 
(لعله يعني أن اللاموجود هو الذي لا اختلاف فيه) والخلاء أمر غير 


)١(‏ الطبيعة: ج ١‏ ص 0١‏ ررجمة إسحاق بن حنين). 


www.alimamaltayeb.com 


٤‏ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
موجود وعدمٌ» فإن هذا هو الظن به . وإذا استحالت الحَركة الطبيعية 
في الخلاء استحال معها وقوع الحَرّكّة القَسْرِيّة فيه أيضًا لما سلف من 
ضرورة ترتبها وتوقفها عليها. 

وعند أبي البَرَكَات أن في هذا الجزء من الدليل المَشَّائي مغالطة 
تهات كن قول الائ «لا اختلاف في الخلاء» فقولهم هذا يوهم أن 
مبدأ الحَرّكّة ومسافتها ومنتهاها كل ذلك واقع في هذا الوسط المتجانس 
وأصحاب فكرة الخلاء ما قالوا: إن كل ما في الوجود خلاء» وأن حِسْما 
واحدا يروح ويغدو فيه ذاهبا وعائدا «أو متحركا في موضع منه وساكنا في 
موضع آخر حتى تلزم هذه الشناعة ويبطل الخلاء»". والذي عناه القائلون 
بالخلاء هو مسافة الحَرّكّة دون مبدئها ومنتهاهاء لأن المبدأ والمنتهى أشياء 
من قبيل الملاء إذ الخلاء لازم للحَرَكة من جهة أن الجسم إنما يتحرك في 
فراغ» أمّا أن الجسم يبدأ حركته في خلاء وينتهي منها في خلاء فهذا أمر 
مستبعد وليس محلا للنزاع بين الفريقين. 

والإحالات العقليّة التي رتبها المَشَّاءون إنما تلزم أصحاب الخلاء 
لو كان المتحرك فيه ليس معه متحرك آخرء وهذا أيضًا مستبعد ومحل 
اتفاق كذلك. وإِدًا: فليس الخلاء هو كل ما في الوّجود حتى يلزم أن يكون 
فيداً الأجسام المسشركة ومنتهاها واقعين في الوسط الخلائي المتجانس» 
© لتر الاق ةا جي 0و ر اکا ابو ما اادج 1 (الطيعيات) ص ۹ف 

وأيضا: فخر الدين الرازي: المباحث المشرقيّة ج ١‏ ص .77١‏ 


() أبو البَرَكّات البغدادي: المعتبر في الحكمّة ج ۲ ص .5١‏ 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د / أحمد | 4 لطيب ۵ 


وحتى تلزم إحالة الحَرَكة من امتناع التمايز بينهماء بل ثمة ملاء وموجودات 
تبدأ منها الحَرَگة وتنتهي إليهاء وهي -أعني الحَرَگة- فيما بينهما لا تثريب 
علينا إذا تصورنا لها نفوذا أو سيرا في الخلاء... يقول أبو البرّكات: «فإن 
ما عنه (المبدأ) وما إليه (المنتهى) أشياء موجودة في الخلاء الكل (يقصد 
الخلاء المحيط بالعالم) مع جملة الموجودات الآخرى» وما فيه الحَرَّكَة 
(أي المسافة) بين ما عنه وما إليه هو -أو بعضه- الخلاء المدعى أن فيه 
حَرَكة». وينتهي أبو البرّكات إلى أن في هذا الاستدلال «مغالطة في 
قولهم في الخلاء حيث أوهموا أن تلك الحرّكّة لذلك المتحرك في وحده 
ولیس معه غيره» ولو كان كذلك لقد كان باطلاء لكنه ليس كذلك ولم يُدّع 
بل في الوجود السماوات والآرض وما بينهما والخلاء. فالمتحرك يتحرك 
عن شيء إلى شيء يخالفه في طبع أو حالة أخرى» والخلاء في مسافته التي 
فيها حركته بين ما منه وما إليه)7". 

وعندي أن نقد أبي البرَكات هذا مما لا تطمئن إليه النَمُسء فما زال أبو 
البرّكات يخاصم في أصل الدعوى وهي: هل تحدث الحَرّكّة في الخلاء 
ا دوي ررد كان على فد فا أن برشن عا جرا درت 
الحَرّكّة -جملة- في الخلا أو يوافق المَسائين على امتناعها. أمّا أن 
يفصل داخل معنى الحَرّكّة بين مفهوم المسافة من ناحية» ومفهوم المبداً 
والمنتهى من ناحية آخرى» ثم يضيف الأول للخلاء بينما يجعل الثاني من 
)١(‏ المعتبر في الحكمّة: ج ۲ ص .5١‏ 
(۲) نفس المصدر والصفحة. 


www.alimamaltayeb.com 


۲۳٦‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 
قبيل الملاء فهذا مما يلفت النّظر إلى ضعف ظاهر في محاولة أبي البرّكات 
لنقد الموقف المَشّائِي هنا نا. ولقد نفهم هذا الضعف في الروح التَّقدِيّة لأبي 
البركات من عباراته التي اختتم بها مناقشته لهذه الحجة» تلك التي يطغى 
فيها أسلوب الهجوم والاتهام على أسلوب النقد العلمي الهادئ» فقد قال 
معقبا على نقده السابق: «فأي محال ظهر في هذا الكلام (كلام المَشَّائِينَ) 
المطول بالحَركة الطَّبيعِية والإرادية وَالقَسْرِيّة والمكانيّة والدورية والسّكون 
المقابل لها حتى يمل القارئ ويعجز ذهنه عن انتقاد ما سمعه فيقبله عجزاء 
أو يظن أنه قد أجزىء واللبيب يكتفي بهذا حيث يتأمل الكلام فيبين له 
موضع الغلط والمغالطة فيه)""". 

وأكبر الظن أن الإمام فخر الدّين الرازي -فيما أعرف في هذا المقام- 
هو الذي وداغلى سج الكشائيق ردا تطشن إليه اللسن وبر معة قرارهاء 
فعنده أن الخلاء متشابه الأنحاء ولا يتميز فيه شيء عن شيء» لكن لا حرج 
في ذات الوقت من أن يتوقف الجسم المتحرك -أو يبدأ حركته- في أي 
نحو من هذه الأنحاء المتجانسة» إذ ليس بلازم حين تتشابه المواضع حيال 
جسم تشابها تاما أن يستحيل سكونه في أي موضع من هذه المواضع 
المتشابهة «لأن أمثال هذه المواضع أيها اتفق للجسْم الحصول فيه وقف 
فيه بطبعه ولم يهرب عنه» كحال جزء من أجزاء الهواء في جملة حيز 
الهواء وجزء من أجزاء الأرض في جملة حيز الأرض.. ولولا هذا لما 
كان سكون ولا حَرَكة بالطبع لشيء ء من أجزاء العنصر الواحد في حيزه. 


(9) المصادو الباق ف الق 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د / أحمد | 4 لطيب ۷ 


فإن الحيز دائما يفضل على مشتغل الأجزاء»(". نعم. لو انسحب مفهوم 
المَشَّائِين -في استحالة التوقف في جزء بعينه من الأجزاء المتشابهة- على 
كل ما يندرج تحته من أفراد لما وجدنا سبيلا لأن نعلل سر سكون -أو 
حَرَكة- كل جزء من أجزاء الهواء. أو الأرض أو العنصر -عموما- في 
حيزه الذي سكن فيه» ومنطق المَشاثين يتأدى بنا ها هنا إلى أن هذه الأجزاء 
الهوائية في أحيازها لا يجوز عليها التوقف أبدا لأن مناحي هذا الحيز 
متشابهة أشد التشابه وأكمله بالنسبة لكل جزء من أجزاء الهواء الشاغل 
لهذا الحيز. ولعل فكرة الرازي تعتمد على أن الفروق بين طبائع الأجسام 
هي التي تجعل الجِسْم يطلب مكانا طبيعيا بعينه فالخفة في الخفيف هي 
التي تطلب جهة اللو والتقل في النقيل هو الذي يطلب جهة السفل» لا 
العكس» أي لا أن جهة العلو أو جهة السفل هي التي تطلب المتحركات 
إليهاء لأنهما -في حقيقة الأمر - جهتان متشابهتان» إذ كل منهما جهة. واذًا 
ففي الخلاء المتشابه يكون الجِسّْم المتحرك بحَرّكّة طبيعيّة هو الذي يبحث 
عن جهته ويوجدها لا أن الجهات في الخلاء موجودة وقائمة بالفعل هناك 
تطلب إليها الأجسام. فالخلاء وإن يكن متشابه القوام ومتجانس الأنحاء» 
فإن أمر الجهة فيه لا ينهض إشكالا عقليا يحول دون إمكان الحَرّكَة فيه" . 
)١(‏ فخر الدين الرازي: المباحث المشرقبّة ج ١‏ ص ٠۳‏ 
(؟) وأمر مستغرب من الرازي أن يُسَّمِي رده هذا شكا على الجهة المَشَّائيّة ثم ينسب مع 
بعض اعتراضات أخرى إلى أبي البَركّات البغدادي. فلقد ذكر الرازي الأدلة الثلاثة التي 
عرفا المشلارة فى كمي لقي فة للج راو رذعل هذه الادلة افو فر 
ثلاثة أيضًا ثم قال في نهاية هذا النمط من الاستدلال: «... فهذه شكوك حسنة ذكرها = 


www.alimamaltayeb.com 


57 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 
ثانيا: استحالة الحَرّكّة مطلقا فى الخلاء: 
وإذا كانت استحالة الحَرّكّة في الخلاء -في الجزء السالف من هذا 
الاستدلال- قد اعتمدت على العلاقة الضرورية بين الحَرّكّة من جهة» 
والمبدأ والمنتهى من جهة أخرى» فإن استحالة الحَرّكّة هنا فى هذا 
الجزء تعتمد على العلاقة الحتميّة بين مفهوم الحَرّكّة مطلقا وبين مفهوم 
الؤّمانء وما يترتب على ذلك من نشوء علاقة بين زمان الحرّكَة من حيث 
السرعة والبطء ومقاومة الوسط الذي تقع فيه الحَرَكة؛ فعند المَشّائِين 
أن كل حَرَكة لها زمان يوازيها ويساوقها من مبدئها إلى منتهاهاء ومحال 
-فيما يرى هؤلاء- أن نتصور حَرَكة بدون أن نتصور معها زمانًا يقدرها 
ويعدهاء ومن نّم كان الرّمان فيما يرون ليس إلا مقدار الحَرّكٌة ومقياسهاء 
وإذًا فللكرّكَة السريعة -مثلا- زمان أقل من زمان الحرَكّة البطيئة» وزمان 
هذه أقل من زمان الحَرّكّة الأبطأء وهكذا.. وعندهم أيضًا -وكما سلف في 
= صاحب المعتبر على هذه الأدلة»» ولقد توقفت طويلا عند رد أبي البركات على هذه 
الحجة فلم أجد بين فكرته وفكرة الرازي نسباء لأن أبا البَرَكَات -كما سلف ذلك- لا 
يتصور سكون الجِسْم في الخلاء وهو أمر يتفق فيه مع المشائين» أمّا فكرة الرازي فقد 
ثبت فيها تحرك الجسم وسكونه في الخلاءء ثم إن رد الرازي هنا قد كان -فيما أرى- 
إلزاما للمشائين بمنطق مذهبهم» لأن ابن سيا قد قرر في صراحة ووضوح في الفصل الذي 
أبطل فيه اللاهاية في الأبعاد «أنَّه ليس يجب إذا كان لشيء واحد مواضع كل واحدمنها 
له بالطبع أن يلزمه ألا يسكن في كل واحد منها.. إلخ النّصّ الذي اقتبسه الرازي هنا من 
كتاب الشّفاء» قارن في هذا: ابن سينا: الشّفاء ج ١‏ (الطبيعيات) ص ٠١١‏ (ط طهران)» 
وأبو البَرَكات البغدادي: المعتبر في الحكمّة ج ١‏ ص .,1١ 4594.5٠‏ والرازي: المباحث 
المشرقيّة ج ١‏ ص ”7777 775 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد ل 4 لطيب ۲۴۹ 


باب الحرّكّة- أن نوعيّة المقاومة في الوسط الذي يجري فيه المتحرك هي 
مناط اختلاف هذا المتحرك في التحقق بحد من حدود السرعة والبطء”)» 
بمعنى أن هذا الوسط حين يكون كثيفا فإنه يترتب عليه أن تكون الحرَكة 
بطيئة» والأمر بالعكس أي حين يكون هذا الوسط رقيق القوام فإن الحركة 
فيه رنآ سرغة وأقل ينا سن الوسظ الأول د لأن المنائي 
يقيمون علاقة علية بين مقاومة الوسط وسرعة الحَرّكّة وبطئهاء فالمقاومة 
في الوسط الكثيف أقوى وأشد منها في الوسط الرقيق» لأن الاختلاف في 
الأوساط التي تجري فيها الحركات ينشأ عنه اختلاف في درجة المقاومة 
التي تقاوم المتحرك وتعاوقه» كما ينشأ عنه بالتالي اختلاف وتباين في 
حدود السرعة التي يجري بها المتحرك وهو تباين قد نعلم معه أن سرعة 
الحَرّكّة في الوسط الهوائي جمثلا- أكثر منها في الوسط المائي بحيث 
يمكن القول بأن زمان الحَرّكّة في الماء أطول من زمانها في الهواء» وأن 
بين هذين الزّمانين نسبة يمكن تقديرها بالنصف أو الثلث أو الربع أو ما 
شئت من هذه الإضافات والتقديرات. 
فإذا ما فرضنا أن حَرَكة تمت في خلاء فإننا لابد أن نفرض لها زمانا 
تمت فيه هذه الحَرَكَة الخلائية» لأن المسافة الخلائية منقسمة وذات 
)١(‏ ينص ابن سينا على هذه العلاقة الحَتَمِيّة المطردة بين نوع المقاومة واضطراب المتحرك 
في حدود السرعة المتباينة فيقول: «ونحن نحقق أن السبب في ذلك (زيادة السرعة 
وبطنها) المقاومة» فكلما قلت المقاومة زادت السرعة» وكلما زادت المقاومة زاد البطء 
فيكون المتحرك تختلف سرعته وبطؤه بحسب اختلاف المقاومة» طبيعيات الشفاء ص 
8 (ط طهران). 


www.alimamaltayeb.com 


£ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
أجزاء» وقطع نصفها -مثلا- سابق -لاشك- على قطع كلهاء فهي في 
زمان يقدرها من حيث التقدم والتأخر. ثم لنفرض أن زمان هذه الحركة 
الخلائية يعادل عشر زمان نفس هذه الحَركة فيما لو تمت في وسط مائي 
مثلاء وذلك لآن للماء مقاومة ومعاوقة يتأثر بهما المتحرك في سرعته مما 
يترتب عليه طول في زمان الحَرَكة التي تمت في هذا الوسط. فإذا ما قدرنا 
أن هذه الحَرَكة ذاتها قد حدثت في وسط ملائي أرق من الوسط الملائي 
الآول» كأن يكون وسطا هوائيا مثلاء وأن نسبة مقاومة الوسط الهوائي 
تعادل عشر مقاومة الوسط المائي» فلابد أن نسلم أن زمان هذه الحركة 
في الوسط الهوائي يعادل عشر زمانها في الوسط المائي ضرورة ارتباط 
زمان الحَرّكّة من حيث السرعة والبطء» بالوسط المقاوم ونوعيّة مقاومته» 
ومعنى ذلك أن زمان الحَرّكة في الخلاء قد عادل زمان نفس هذه الحركة 
في الملاء الأرق» إذ كل منهما يعادل عشر زمان نفس هذه الحَرّكّة أيضًا 
حين تحدث في الوسط المائي الأكثف. لكن إذا ما أخدنا في اعتبارنا أن 
زمان الحَرَكة الواقعة في الهواء -وهو الذي يعادل زمان الحَرّكّة الواقعة 
في الخلاء- إنما كان مع مقاومة وممانعة يزخر بهما الوسط الهوائي» وأن 
زمان الحَرَكة في الخلاء إنما كان حيث لا سبيل إلى أدنى مقاومة وممانعةه 
إذ الخلاء وسط لا مقاومة فيه» فمعنى هذا إذن أن زمان الحَرّكّة في الخلاء 
دون مقاومة وممانعة قد ساوى زمان الحَركة في الملاء مع مقاومة وممانعة 
«ومحال أن تكون نسبة زمان الحَرّكة حيث لا مقاومة ألبتة» كنسبة زمان 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ا" 
فليست متساوية ألبة لحَرّكّة في مقاومة ماء على نسبة ماء لو كانت موجودة 
ويلزم آلا شيء من الحركات في الخلاء)0". 

وعند أبي البركات أن في هذا الاستدلال مغالطتين: 

المغالطة الأولى في قول المَشّائين: (إنَّهِ لا يتساوى زمان الحَرَكة في 
الخلاء وزمانها في المقاوم المفروض»» إذ ليس ثمة ما يمنع من تساوي 
هذين الزّمانين لأن الحَرّكّة في الملاء قد تتصور على نحو تكون فيه 
المقاومة من الضعف والكلال بحيث لا تؤثر في المتحرك المندفع في 
رة وسرعة شديدتين» صحيح أن هذه المقاومة معلومة وموجودة ولكنها 
-في زعمه- مقاومة تعدم التأثير ومعاوقة المتحرك» ويضرب أبو البَرّكَات 
مثالا لفكرته هذه بعشرة من المحركين حركوا حجرا مسافة معينة في زمان 
معين» فقد لا نتصور أبدا أن الواحد منهم -بمفرده- يستطيع أن يحركه عشر 
هذه المسافة» أو يحركه في نفس هذه المسافة ولكن في عشرة أضعاف هذا 
الزّمانء بل قد لا يتحرك المتحرك بتأثير هذا الواحد» لأن قوته -أو تأثيره- 
رغم أنها معلومة وموجودة إلا أنها قُوّة لا تفعل في غيرها فعلا ولا تأثيرا 
«فليس كل معلوم مؤثرا في الموجود» فجزء النار الصغير لا يحرق» وجزء 
الشجر الضغير لا يخرن . ويخلض أبو البركات من هذا النظير إلى 
أن الحَرَكة قد يتساوى زمانها في الخلاء مع زمانها في الملاء حين يكون 
(1) ابن سا الحا الات ١‏ هن 5:85 والرائي؟ المياعك المشر واج ا من 


.7 5١ وصدر الدين الشيرازي: الأسفار الأربعة المجلد الأول ص ۷٥٠۲ء ص‎ ۲١ 
.57 أبو البَرّكات البغدادي: المعتبر في الحكمّة ج ۲ ص‎ )( 


www.alimamaltayeb.com 


+ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 
الملاء ذا وسط ضعيف المقاومة ضعفا لا يعاوق المتحرك الذي يخرقه. 

وأمّا المغالطة الثانية فهي تلك العلاقة الحتميّة بين زمان الحرّكّة ونوع 
المقاومة كما يرى المَشَّاءونَء وهنا فيصل التفرقة بين اتجاههم واتجاه أبي 
البَرّكَاتَ: إن زمان الحَرّكّة -كما سلف مرارا- مرتبط في تصور المَشَّائِين 
بالمقاومة» فكل الرّمان -عندهم- لكل المقاومة» وبعضه لبعضهاء وهذا 
الربط الضروري غير صحيح فيما يرى هذا الفيلسوف؛ لآن الحَرَكة لذاتها 
رده م ا ذلك أن دة المسرك بوخاصيةه هرما الأساس 
في هذا الباب» فبعض المتحركات أسرع من بعض لا لآن المقاومة أمامها 
ضعيفة التأثير ولكن لآن خاصية هذا المتحرك أن يتحرك أسرع من غيره. 
ما المقاومة فإنها تأتي في المقام الثاني فتزيد في سرعة المتحرك أو لا 
تزيد» ومعنى هذا أننا هنا في فكرة أبي البَرَكّات بإزاء معنيين لزمان الحركة. 

معنى يرتبط فيه الزّمان بمفهوم الحَرَكة مجردة عن معنى الوسط 
والمقاومة وهو زمان تقتضيه الحَرّكّة لذاتها وتستلزمه وتتطلبه» وهذا 
الرّمان ثابت لا يتأثر بمقاومة ولا بمقاوم أبدا. 

ومعنى يرتبط فيه الرّمان بالوسط وكيفيته من المعاوقة والمقاومة 
وهذا الزّمان يطول ويقصر حسبما تقتضيه كيفية الوسط المقاوم. وبهذا 
يحطم أبو البرَكات علاقة اللزوم التي أقامها المَساءون بين زمان الحركة 
ونوع المقاومة» ويقلل كثيرا من شأن المقاومة في هذا المضمار حين 
)١(‏ نلاحظ أن أبا البركات لا يضرب لنا أمثلة للأجسام التي تتحرك -بخواصها- أسرع من 


غيرها. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد ل 4 لطيب 73 


يضعها في المقام الثاني» ثم هو ينشئ تلك العلاقة اللزوميّة الأخرى التي 
ترجع بالزّمان إلى ذات الحَرَكة وأصلها وإن لم يكن ثمة مقاوم» وعند أبي 
البرّكات أن تحطيم هذه العلاقة بين زمان الحَرّكّة والمقاومة التي تلقاها 
أمر لازم وضروريء لأنه لو كان كل الرّمان لكل المقاومة لما كان هناك 
معنى أبدا لأن نفهم حَرَكة القَلّك على أنها حَرَكة ذات زمان. إن المَشَّائِين 
يقررون أن الزَّمان مقدار حَرَكة الفلّك» فللفلك في حركته زمان ما في ذلك 
ريب» ثم إنهم يقولون: إن حَرَكَة القَلّك الدورية «لا معاوق لهاء ولا لها 
من فوقها ولا تحتها ولا أمامها ولا خلفها مانع ولا معاوق» ولها أزمان 
مقدرة محدودة)2". وإِذًا فأين ذهب هذا اللزوم الحتمي بين زمان الحَرّكة 
وفقاوههها؟! الس ساد وا طن ا اق ها ها إلى أن شوك الات 
وقد ققدت كل لزان المقاوي- لأ رمان اا وإ كان العشاءوة 
يعتبرون الزَّمان هو اللازم الذاتي للحرّكّة من حيث هي حَرَكَة دون اعتبار 
لأي معنى آخر زائد عن معنى التقدم والتأخر في الحَرّكّة» فكيف أضافوا 
الرّمان كله -فى هذا الاستدلال- إلى معنى المقاومة والمعاوقة!! وحقيقة 
الآمر -فيما يرى أبو البركات- أن زمان الحَرَكة في الخلاء يتساوى مع 
أصل زمانها فى الملاء أعنى الزّمان الذي بإزاء أصل الحَرَكة لا الرّمان 
الذي بإزاء المقاومة كما يزعم المَشَّاءونء وبعبارة أخرى: فإن الحَرّكة في 
الخلاء تناظر الحَرّكّة في الملاء من حيث الوجه الآول» لآن الحَرَكة في هذا 
الوجه لا تتأثر أبدا بالمقاومة» والذي يجعل للحَرّكّة وجهها الآخر -أعنى 


www.alimamaltayeb.com 


ع موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 
التأثر بالمقاومة- ليس إلا وقوعها في الملاء المقاوم» فإذا ما وقعت في 
خلاء فليس من المنطق أن تنسحب عليها ملابسات الملاء ليحتج به 
على عدم الوقوع. يقول أبو البرّكات: «إن للحَرَكة زمانا محدودا من جهة 
القَوّة المحركة والجسّم المتحرك» وتزيد فيه المعاوق بحسب معاوقته 
ومقاومته» فانسبوا -إذا نسبتم- ما يخص المقاومة من الرّمان» واقسموه 
على ما تفرضونه أي قسمة شئتم» واتركوا الحصة الأصلية لزمان الخلاء 
فإنه لا يزيد عليها بمنع ولا ينقص منها بجذب)"". 

والإمام الرازي حين يعرض لهذه الحجة المَشَّائيّة فإنما يقفي على أثر 
أبي البَرَكَات ويتتبع مواضع خطوه في هذا الصدد فعنده أن لأصل الحَركة 
زمانًا ثابتاء وللمعاوقة زمانا يضطرب بين طول وقصرء وعنده أيضًا أن 
المقاومة قد تبلغ من الضعف مبلغا تفقد معه التأثير في المتحرك. وكل 
الفرق بين أبي البَرَكَات وبين الرازي هو التنوع في ضرب الأمثلة على 
فقدان المقاومة» فقد استبدل الرازي بمثال العشرة الذين يحركون حجرا 
-في فكرة أبي البَرَككات- مثال القطرات الكبيرة من الماء التي تؤثر في نقر 
الحجر بينما لا تؤثر القطرة الواحدة ذلك التأثير”". يقول الرازي: «فالحرَكّة 
لذاتها تستدعي أن يكون لها زمان» ولذلك فإن حَركة المَلّك لها زمان وإن 
لم يكن لها شيء من المقاومات. نعم ما في مسافتها من المقاومة يوجب 


عي 


آذ يضر مانا أطولة فظول ارعان انما خض .يسبت العامة واما 


انق المضد و السابق ات 


www.alimamaltayeb.com 


أصل الزّمان فإنما حصل بسبب أصل الحَرّكَة أمّا الزّمان الذي يقابل أصل 
الحَرّكّة فهو حاصل للحَرَكة التي تكون الخلاءء وأمّا الزّمان الذي يقابل 
المقاومة فلا شك أنه يقل بقلة المقاومة7©. 

كذلك نجد عند الطوسي ما يشير -من قريب أو بعيد- إلى أن أبا 
البرّكات قد كان من أوائل القائلين بهذا الاعتراض على حجة استحالة 
تساوي الحركتين في خلاء وملاء”» أا صدر الدّين الشيرازي فإنه يقرر ما 
قرره سلفاه من قبل» وتكاد تكون انطباعاته عن هذه الحجة نفس الانطباعات 
التي توسمناها -من قبل- عند الرازي والطوسي» فعند الشيرازي أيضا: 
«أن هذا الشك مما أورده صاحب المعتبر واستحسنه الإمام الرازي»2. 

وأكبر الظن أن اعتقادا قد خامر كلا من الرازي والطوسي والشيرازي. 
بأن تفنيد هذه الحجة المَشَّائيّة مما تفتق عنه ذهن أبي البَرَكَات وجادت به 
قريحته لكن حقيقة الأمر أن فيلسوفنا -في هذا المقام- عالة على يحيى 
النحوي الذي سلف لنا حديث عنه. فيحيى هذا قد اضطلع بنقد الحجة 
المَشَائيّة عينهاء وهو الذي ابتدع القول بأن أصل الرّمان لأصل الحَرّكَة أ 
طوله أو قصره فهذا أمر مرهون بمقاومة الوسط. وهو الذي نقض الدليل 
المَشَّائي بحَرَكة الفَلّك المقتضية للزمان رغم غيبة المقاوم والمعاوق هنا 
)١(‏ المباحث المشرقِيّة جا ص 775. وني هذا المصدر ينص الرازي على أن هذا الاعتراض 

«(شك حسن أورده صاحب المعتبر). 


(۲) الطبيعة ج ١‏ ص 77 (من ترجمة إسحاق بن حنين) ز 
(۳) الأسفار الأربعة: المجلد الأول ص 57". 


www.alimamaltayeb.com 


۲٦‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 
غيبة تامة» وقد انتهى من كل ذلك إلى أن زمان الحَرّكّة في الخلاء -في 
الحجة المَشَّائيّة- يتساوى مع أصل الرّمان الذي بإزاء أصل الحَرَكة. 
وبهذا تتساوى حَرَكة الخلاء مع حَرَكة الملاء» وينهدم الأساس الذي 
قام عليه الدليل المَشّائي". 

وابن سينا قد اعترض على نفسه بما يكاد يكون عين الاعتراض الذي 
أورده يحيى وتابعه فيه أبو البرّكات وذلك حين يقول: «ومما يمكن أن 
يقول القائل على هذا القول (الدليل المَشَّائي السالف) أن كل قوّة مُحَرّكَة 
تكون في جسم فإنها تقتضي بمقدار الجسم في عظمته ومقدارها في شدتها 
وضعفها زمانا لو لم تكن مقاومة أصلاء ثم بعد ذلك فقد تزداد الأزمنة 
بحسب زيادة مقاومات ما. وليس بلازم أن تكون كل مقاومة ما تؤثر في 
ذلك الجسم)”". والشيخ الركيس خين زد هذا الاعتراضن فإنما وه على 
عجزه دون صدره» أعني أنه استطاع أن يرد القول بو جود مقاومة ضعيفة لا 
تقاوم» لأنه لا يتصور مقاومة عديمة التأثر» إذ هذا -عنده- بمثابة مقاومة 
غير مقاومة. أمّا صدر المشكلة وهو: اقتضاء الحَرَكّة لذاتها زمانا لا يتأثر 
بمقاومة» فهذا ما ظل حجة قائمة على الشيخ لم يستطع لها ردا. 

لا أكاد أشك في أن ابن سينا -باعتراضه هذا - قد لفت نظر أبي البركات 
إلى مصدر هذا الاعتراض» وإِذًا فعمل أبي البركات هنا -فيما أرى- أقرب 
إلى ال جح برد اهن مال البقد را 


.Duhem: Le systeme du monde. P. o é (1) 
(ط طهران).‎ ٠١ الشفاء: الطبيعيات ج ص‎ )۲( 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۷ 

ثالثا: استحالة حَرَكة المقذوف في الخلاء: 

أمّا هذا الاستدلال فقد سبق لنا فيه حديث عارض اقتضاه الحديث عن 
الحَرّكّة في الفصل السابق. ومحور الاحتجاج هنا هو: أننا حين نفترض 
جسما قد قذف به في خلاء فكيف نفسر توقفه فيه؟ 

أمّا عند المَشّائين فأمر محال أن تنتهي حرّكٌة هذا المقذوف في الخلاء 
وتتوقف في أي نحو من أنحاته لأن بطء المتحرك - ثم توقفه- أو سرعته 
عندهم رهن بما يلقاه هذا المتحرك من مقاومة الوسط. وقد سبق لابن 
سينا أن قال: «بل الأولى أن يكون تواتر المقاومات على الاتصال هو الذي 
يسقط هذه القَوّة ويفسدها»”". وثمتئذ نقول: إن المقذوف يفتقد في الخلاء 
علة إسقاط حركته وفسادهاء لأن الخلاء لا يقاوم ولا يعاوق» ومعنى هذا أن 
المتحرك في الخلاء بالقذف لا تفتر حركته فضلا عن أن تنتهي أو تتوقف» 
إذ الفتور أو التوقف ها هنا يغدو أمرًا مستحيل التعليل والتفسير. 

وأمر آخر يأخذه المَشاءون في الاعتبار هناء وهو تعذر المبررات 
المنطقِيّة لتوقف المقذوف في ناحية بعينها دون باقي الأنحاء في الخلاء 
ومادامت الأنحاء متجانسة ومتشابهة حول هذا المقذوف فما الذي يجعله 
يتوقف هنا دون هناك؟ يقول أَرِسْطُو في هذا المعنى: «وأيضا فإنه ليس 
يقدر أحد أن يخبر بالسبب الذي له إذا تحرك فيه وقف بحيث ماء فلم صار 
-ليت شعري! - أحرى بالوقوف ها هنا منه بالوقوف هناك؟ فيجب من 


)١(‏ الشفاء: ج (الطيعيات) ض 5١‏ (ط طهران). 


www.alimamaltayeb.com 


۸ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


ذلك إما أن يسكن وإما أن يتحرك ضرورة بلا نهاية». 

وأمر ثالث يتفرع عن الاعتبار السابق وهو أله إذا تصورنا المتحرك في 
الخلاء فإنما نتصوره متحركا في جميع الحيات والآنحاء جملة واحدة 
وفي نفس الآنء وذلك لأن الحَرّكّة إنما تدفع المتحرك حيث يكون ثمة 
فراغ وخلاء» والآمرها هنا كله فراغ وخلاء فمقتضى الأمر أيضًا أن يندفع 
الجسم المتحرك في جميع الجهات مرة واحدة» وهنا يضيف أَرِسْطُو على 
نصه السالف: «وأيضا فإن الحرّكّة إنما تكون الآن -أي حين نسلم بوجود 
الحَرّكّة في الخلاء في المواضع الخالية من قبل المواتاة» فأما في الخلاء 
نفسه فإن هذا المعنى على مثال واحد في جهاته كلها. فواجب أن يتدافع 
المتحرك فيه إلى الجهات كلها)”". 

أمَا عند أبي البركات فإن فكرة التجانس التام المطلق -تلك التي 
الاق مها الارن ابال المقاومة»وانهحالة ال قفوو جرب تمده 
المسافة مع وحدة المتحرك ووحدة الزَّمان- قد كانت حجر عثرة في سبيله 
نحو إثبات مفهوم الخلاء. ومن تم وجدناه يتحول بالنقد كله إلى هذه الفكرة 
التي كانت بمثابة الأصل الذي تفرعت عنه هذه الإلزامات الفاسدة فيما 
يرى المَشَّاءونء وأبو البركات في دفاعه عن فكرة الخلاء في هذا الصدد 
يكرر بعضا مما قاله قبل» فالتجانس البحت -فيما يزعم- إنما يلزم لو كان 
()الطبيعة: ج ١‏ ص 777 (من ترجمة إسحاق بن حنين). 


(۲) نفس المصدر السابق والصفحة» وأيضاء أبو البركات البغدادي: المعتبر في الحكمّة ج 
۲ص «oY ۰٥۱‏ 1 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ع 


الغرض أن الفضاء كله خلاء ليس فيه ملاء -هنا يلزم ما ألزمه المَساءون من 
التجانسء لأنه مادام كل الفضاء -أو إن شئت: كل العالم-خلاء فلا سبيل 
-والأمر كذلك- إلى أن نتوسم تباينا أو اختلافا في هذا الوجود المتشابه 
الأنحاء والأرجاء. ولكن أنصار الخلاء إنما يتصورونه خلاء مختلطا 
بملاء أو -كما يقول أبو البَرَككات- خلاء مبثوثا مبددا في الملاء» بمعنى 
أن هذا الوجود يشتمل على مسافات خالية تنتشر فيها الموجودات لا أن 
كل الوجود خال أو كل الوجود ممتلئ. وإذن فالخلاء مجاور للملاء وهو 
متداخل معه ومختلط به. ويرى أبو البَرَكَات أن الخلاء يتآثر بما يوجد فيه 
-أو بما يجاوره- من الموجودات بمعنى أن حال الخلاء الذي يلي الشيء 
النافذ فيه غير حال الخلاء الذي لا ينفذ فيه شيءء» أو حال الخلاء الذي 
تبعد به الشقة عن الشيء النافذ. فالخلاء الأقرب للشيء النافذ لا يتجانس 
-فيما يزعم أبو البَرَكّات- مع الخلاء الأبعد منه. وكأن ابا البَرّكَات يهدف 
إلى أن مجرد اختلاف الأشياء النافذة في الخلاء يترتب عليه اختلاف أيضًا 
في ذات الخلاء المنفوذ فيه» بل إن اختلاف وضع الخلاء من حيث هو 
قريب أو بعيد من ملاء بعينه» أو موجود بعينه» يضفي على ذات الخلاء شيئا 
غير قليل من تميز واختلاف. فمثلا: طبيعة الخلاء الذي يجاور جِسّما من 
حديد غير طبيعة الخلاء الذي يجاور حِسّما من خشب. بل إن في الخلاء 
الواحد يمكن القول بأن ما يلي منه الملاء» لا يكون مثل ما لا يليه منه» 
ومعنى هذا أن الخلاء لا تتشابه فيه الأرجاء كما زعم المَشّاءون. وهنا ينفذ 
فيلسوفنا إلى بيت القصيد من هذا الحوارء ألا وهو اجتثاث فكرة التجانس 


www.alimamaltayeb.com 


۲۵۰ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
التي تشبث بها أرسطو وتلامذته من بعده. يقول أبو البَرَككات: «والخلاء 
الموجود بين الملاء غير متشابه» بل لو لم يختلف بما يوجد فيه لقد كان 
يختلف بالموضع الأقرب مما يجاوره. والأبعد» وما بين ذلك.. «ثم يقول: 
«فأما وهو (الخلاء) مبثوث مبدد في الملاء» بل الأشياء مبددة مفرقة فيه 
لا بحيث تستوعبه وتملؤه بأسره بل تترك منه أجزاء وفرجا فيما بينهاء بها 
تقل الأخسام بعقيها عن بعضي» وص المشحرلة. عبا ترك عه 
والمماس عن الملاصق فالشك أبعد». 

بيد أن التساؤل عن علة توقف الحَرّكّة في الخلاء مازال قائماء 
لأن محاولة فيلسوفنا السالفة إنما استهدفت نفي التشابه والتجانس 
في الوسط الخلائي. وأكبر الظن أن أبا البَرّكَات ما كان يعتقد أن 
الاختلاف الناشيء في ذات الخلاء عن اختلاف المجاورات أو 
الأشياء النافذة» كاف في تعليل توقف الحَرّكّة في الخلاء. ومن ته 
فالسّؤال قائم يطلب الجواب والتعليل. وإذا ما ذهبنا نتعرف على 
إجابة فيلسوفنا على هذا التساؤل فإننا نلفيه يكرر نفس الإلزام الذي 
لوده لفان فى باب الكركة من قبل .وهو القاغذة العناكية التي 
تقول: «إن علل الأعدام أعدام العلل»". ومعنى هذا -فيما يرى أبو 
البرّكات- أن حَرَكة المقذوف في الخلاء تعدم علتها المحدثة لهاء 


. 1٤ ص‎ ١ المعتبر في الحكمّة: ج‎ )١( 
قال ابن سينا في التعليقات: «عدم علة الحركة هو علة عدم الحركة) ص 40 بتحقيق د.‎ )۲( 


عبد الرحمن بدوي. 


www.alimamaltayeb.com 


داحم الطيب ۵۱ 
وهذه العلة المحدثة هي: القاذف الذي انفصلت عنه وفارقتهء فإذا 
ما توقفت هذه الحرّكّة أو عدمت فلا يتكلف في تعليلها ما تكلفه 
المَشَّاءونَ من إلزامات مستحيلة» وإِنَّما يكفي في تعليل عدمها عدم 
علتها جريا على قاعدتهم السالفة"". 

وعندي أن أبا البَرَكّات يغالط ها هنا مغالطة واضحةء فهل قال 
المَشَّاءون إن علة ضعف الحَرَكة في المقذوف - أو توقفها- هي مفارقة 
القاذف وانفصاله عنها حتى يلزمهم بتلك القاعدة؟! إن أبا البرّكات هو 
الذي ذهب إلى ذلك التعليل» أمّا تعليل ذلك عند المَشَّائِينَ فإثما هو 
المصاكات التي تحدثها المقاومة التي تلقى المتحرك في الوسط الذي 
يجري فيه» وهذا هو محل النزاع بينه وبينهم في هذا الموضوع. ولأن 
المَشَّائين لا يتصورون المقاومة مع الخلاءء قالوا باستحالة الحَرَكة 
فيه» لأن المقاومة هي علة ضعف الحَرّكّة وبالتالي علة فنائها. فإذا ما 
ليقع الفاعدة العنانة السالقة ها فإ الام يقن كنا هوه اعفراضي 
مشائي لا إجابة عليه من قبل فيلسوفناء وذلك لأن العلَّة عند المَشَّائِين 
ليست هي انفصال القاذف عن المقذوف حتى يقال إن عدمه كعلة هو 
علة عدم الحركة» وإِنَّما العِلّة هي المقاومة وهو الأمر المسئول عنه» 
فالقاعدة المَشْائيّة صحيحة وعلى بابهاء والاحتجاج بها هنا إنما هو 
بمثابة نصب للدليل في غير محل النزاع”". 
اشن المصدر والمفحة 
(۲) للمشائين على نفي الخلاء دليل نظري آخر آثرت أن أتحدث عنه في الفقرة الرابعة» لأنه = 


www.alimamaltayeb.com 


Yor‏ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 

۲- أدلة المَشّائِين التجريبية على نفي الخلاء: 

أمًا الأدلة التجريبية التي رصدها المَشَّاءون وأثبتوا من خلالها نفي 
فكرة الخلاء فهي أدلة: التخلخل والتكاثف» والنمو والذبول» ودليل 
القارورة التي امتص ما بداخلها من الهواء. وهذه الأدلة وإن كانت 
تعتمد على خطوات ذات طابع تجريبي بحت إلا أن معطياتها ونتائجها 
قد ظلت ذات طابع نظري احتدم حوله الجدل وتباينت معه وجهات 
التّْظر ومنازع الخلاف. 

الدليل التجريببي الأول: 

فأما أول هذه الأدلة فهو رد على أصحاب الخلاء أنفسهم حين 
عللوا ظاهرة التخلخل والتكائف بتناثر الفجوات الخلائية بين أجزاء 
الجسّمء وإن هذه الفجوات تنشغل بدخول أجزاء الجسم في ظاهرة 
التكاثف» كما تخلو منها حين تتخلخل هذه الأجزاء”". بيد أن تعليل 
ا ات ليله العلا يعم ميض اجر ای ام المويقوة نين ا 
الجسم المتكاثف هو الذي يتيح لها أن تجتمع حين يخرج الهواء من 
بين هذه الأجزاء» والعكس بالعكس» وقد نفهم هذا المعنى في الفكرة 
المَشَّائيّةَ من رد أَرِسْطُو على أصحاب الخلاء في هذا المقام حين 
يقول: «وقد يمكن أيضًا أن يتكائف الجسم لا إلى خلاء» بل من قبل 

= ألصق بموضوع النهاية والانهاية منه بموضوع الخلاء. 


)١(‏ أرسطو: الطبيعة ج ١‏ ص "5١‏ (من ترجمة إسحاق بن حنين). 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د / أحمد | 4 لطيب 0r‏ 


أن ما فيه ينفش فيخرج عنه» مثال ذلك: الماء إذا عصر انفشى فخرج عنه 
الهواء الذي فيه)”". 

وأبو البركات لا يغض من شأن هذا الدليل المَشَّائِيء فعنده أن كلا من 
الدليلين على درجة واحدة من المنطق والعقل» وذلك حين يكون المثال 
الذي يجري فيه هذا الحوار هو: الماء فقد تكون علة التكاثف في الماء هو 
الهواء الخارج من بين أجزائه كما يرى المَساءون» وقد لا تكون لكن إذا ما 
استبدلنا مثال الماء بمثال الهواء وذهبنا نلتمس علة التكاثف أو التخلخل 
في الهواء نفسه فماذا يكون الأمر؟ هل نجد مهربا من القول بأن الخلاء 
هنا هو سبب التخلخل والتكائف؟! أو كما يقول أبو البَرَكّات: «إذا كان 
تفلل الأشراء بالوواء تخل الهواء يناذا رلا الوا" 

الدليل الثاني: 

وأا الظاهرة التجريبية الثانية في هذا النقاش بين المَشَّائِين وأصحاب 
الخلاء فهي ظاهرة «النماء» على الأجسام النامية» إنها عند أصحاب الخلاء 
نتيجة لدخول جزئيات الغذاء فيما بين أجزاء الجسمء لأن هذه الجزئيات 
النافذة لابد لنا من أن نتصور لها جزئيات فراغية تنفذ فيها ليحدث بعدئذ 
هذا الثماء وه ولاديروة أن الخذاء زهو إلا جسيمات لها كبان وجودى 
متحقق بالفعل» ووجودها مع الجسم ليس وجودا على سبيل التلاصق 
)١(‏ المصدر السابق: ص 7507 وأيضا: أبوالبرّ كات البغدادي: المعتبر في الحكمّة ج ١‏ ص 

0 . 
(۲) أبو البرّكات: المعتبر في الحكمّة ج ١‏ ص ٥۸‏ . 


www.alimamaltayeb.com 


0٤‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


أو التجاور, وإِنَّما هو وجود على سبيل النفوذ والتداخل في ثناياه» وأمر 
ضروري أن نفرض وجود الخلاء هنا فرضا حتى يستقيم تصور ظاهرة 
التمثيل الغذائي تلك التي تحدث للأجسام النامية نماءها وتطورها. 

أمّا عند المَشّائين فليس بلازم أن نفترض للنماء وجود جزئيات خلائية 
تتداخل معها جزئيات الغذاء. بل النماء إنما يعتمد أول ما يعتمد على ظاهرة 
الاستحالة؛ أي استحالة الجسم من حجم إلى حجم» أي أن الجسم ينمو 
في مقداره لا في أصله وجوهره» ومثل ذلك مثل الماء الذي يستحيل هواء 
بالتسخين والحرارة» فإن زيادة في حجم الماء قد طرأت عليه لا أن جِسْما آخر 
زأدعليه وول ذلك قا يرق الارن أن القارورة المملوءة بالماء 
تتصدع إذا ما سخن هذا الماء سخونة بالغة» لأن الماء حين تلاصقه الحرارة 
يأخذ في الاستحالة إلى الهواء» وهنا يصاحب هذه الاستحالة ازدياد في 
الحجم يؤدي إلى صدع هذه القارورة» ويرى المَشّاءون أيضًا أن الخلاء لو 
كان لازما للنماء لكان معنى ذلك أن الجسم كله خلاءء لآن النماء إنما ايحدث 
في الجسم بأسره وفي جميع أقطاره وأنحائه» يقول أَرِسْطُو: "وقد يمكن أن 
ينمي الجسم ليس من قبل أن شيئا داخله فقطء بل قد ينمي بالاستحالة 
أيضًا. مثال ذلك كون الهواء في الماء... وقد يجب أيضًا أن يكون الجسم 
كله خلاء إذا كان بأسره ينمي» وكان النماء إنما يكون يتوسط الخلاء». 
)١(‏ أرسطو: الطبيعة ج ١‏ ص "٤١‏ 757 (ترجمة إسحاق بن حنين) وأيضا: ابن سينا: 

الشفا ج ١‏ ص 5ه (ط طهران). 


(۲) المصدر السابق: ص 707 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۲۵0۵ 

وأبو البَرَكات في نقده لهذا الاستدلال يضرب صفحا عن اعتبار زيادة 
الحجم في ظاهرة انصداع القارورة» وعنده أن صعود الماء -حين تداخله 
الحرارة- هو علة الانصداع» لأن الماء يصعد شيئا فشيئا بمعنى أله لا يصعد 
جملة واحدة مما يترتب عليه أن يكون بعض صاعدا وبعض ثابتاء فإذا ما 
أخذنا في الاعتبار أن البعض الصاعد إنما يصعد منتشرًا من المركز إلى 
جهات المحيط» فإن معنى هذا أن تجاذبا يحدث بين ما صعد من الماء 
وما بقي منه غير صاعد» وهذا التجاذب هو العِلّة في ظاهرة الانصداع لا أن 
حجم الماء قد زاد فترتب عليه الانصداع في القارورة. 

وأكا اغتراضن الان بان تفر الو بالخلهه يتارم أن يكون 
الجسم كله خلاء في خلاء فهو -عند أبي البَرّكّات: «قول محال موهم 
إيهاما عاميا ركيكا» لأن مفهوم النماء عنده هو أن النامي له أصل حاصل 
قبل النماء فإذا ما نما فإن زيادة في النماء قد طرأت على هذا الأصل» 
ومعنى النمو هنا هو تلك الزيادة الطارئة» وهذا لا يعني في نظره أن 
الأصل الحاصل لا يقال عنه: إِنَّهِ نماء بل هو نام أيضًا ولكن باعتبار أن 
شيئا طرأ عليه واتحد به لا أن هذا الأصل قد نما وتجدد في نفسه. وإذن 
فالأصل ينمو بما يضاف إليه من زيادات تتحد به وتدخل فيه لا بزيادة 
في حجمه وجوهره"". 

ولكن كيف تنفذ جزئيات الغذاء في أجزاء الجِسّم؟ والإجابة عن 
هذا امازل هك أا عابم الاجا راغات الم ين أضيعاب 


(۱) أبو البَرّكات البغدادي: المعتبر في الحكمّة ج ۲ ص .٥٩‏ 


www.alimamaltayeb.com 


۲۵٦‏ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
الخلا والمشاتين» فإذا كان الْمَشّاءون -منطلقين من فكرة استحالة الخلا 
-يقولون: «إن الغذاء إنما ينفذ بين متماسين من أجزاء النامي فيحركهما 
وينفذ بينهما""'". فإن فيلسوفنا -منطلقا من فكرة إمكان وجود الخلاء- يرى 
أن قول المَشَّائِين هذا نصب للدليل في غير محل النزاع» لأن نقطة الخلاف 
هي: هل ينفذ جزء الغذاء في جزء فراغىٌ من الجسم النامي فيثبت الخلاء» 
أو ينفذ في جزء ملائي منه فيثبت التداخل بين الأجسام؟ وهكذا يضع أبو 
البركات المشكلة بين ترديدين كل منهما باطل فيما يرى المَشّاءون» وذلك 
كي يتسنى له أن يطرح تصوره الذي يقف به إلى جوار أصحاب الخلاء. 

الذليل الثالث: 

ونصل إلى الدليل التجريبي الثالث -وهو آخر الأدلة التي ساقها 
الارن ليان اال عاك قلعتصور هنا أن قارورة فارحة قد اص 
كل ما بداخلها من الهواء. ثم وضعت القارورة منكسة في الماء» بحيث 
يكون ثقبها إلى أسفل -في الماء- وجِسّمها إلى أعلى. ثم نلاحظ فنرى أن 
الماء يندفع صاعدا إلى داخل القارورة ويملؤها. فبماذا نعلل ظاهرة اندفاع 
الماء في القارورة الفارغة؟ 

وأمر بين -فيما يرى أصحاب الخلاء- أن الخلاء الذي خلف 
امتصاص الهواء هو العِلّة في اندفاع الماء داخل القارورة» وهذا عندهم أمر 
تفرضه الملاحظة مع صدق الاستنتاج. 

أا المَشَّاءونَ فقد جنحوا إلى شيء غير قليل من الغموض والالتواء 
)١(‏ نفس المصدر السابق والصفحة. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 0" 
في استخراج العلة في هذه الظاهرة» فالعلة عندهم أن بقِيّة من الهواء بقيت 
في القارورة» وهذه البقيّة قد ازداد مقدارها بقهر المص وقسره. فلما لقيت 
هذه البقَيّة» المتزايدة المقدار ما لقيته من الماء جذبته إلى داخل القارورة» 
وهنا تعود هذه البقيّة إلى ما كانت عليه من المقدار قبل امتصاص الهواء. 

ومنطلق هذا التّعليل في نظر المَشّائين أن المقادير -عندهم- أعراض 
في الجسّمء وأن هذه الأعراض -كغيرها من سائر الأعراض الأخرى مثل 
الحرارة والبرودة- تكون طبيعيّة وتكون قسرية» فمثلا: البرودة فى الماء 
البارد عرض طبيعي» وكذلك الاستقرار على الأرض في الحجر عرض 
طبيعى» أمَّا الحرارة فى الماء الساخن -ومثلها الصعود إلى أعلى فى 
الحجر- فهي عرض قسريء والمقسور بعد زوال قاسره لابد أن يعود إلى 
طبيعته التي كان عليها قبل أن يقهر على طبعه. والمقدار حين يندرج تحت 
مفهوم العرض تنسحب عليه نفس هذه الأحكام. فقد يعظم المقدار طبعاء 
وذلك ما نلاحظه في الماء الذي يتغير فيه طبع المائية إلى طبع الهوائيةه 
وما يستتبعه هذا اتير من صيرورة المقدار إلى مقدار أعظمأ كما قد يصغر 
المقدار طبعا وذلك إذا ما عكسنا الأمر من صيرورة الماء هواء إلى صيرورة 
الهواء ماف :وقد حدق هذا ال فى المقدار لا ظعاو ما بالق والقه 
ومثاله الهواء المتزايد فى مثال القارورة الذي نحن بصدد الحديث عنه: 
«لأن المص أخذ قطعة من الهواء الموجود في تجويف القارورة فمعظم 
مقدار الباقي ليملأها لا بالطبع بل بقسر المص وامتناع وجود الخلاء في 
تجويف القارورة» فمدد الباقي في أقطاره حتى عظم وملا ما لو لم يملأه 


www.alimamaltayeb.com 


۲۵۸ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


من المكان لخلا (أي لأصبح خلاء وهو أمر مستحيل))7". 

وفيلسوفنا يقف من هذا الاستدلال موقف المعترض: 

فهذه البقيّة من الهواء التي زادت وعظمت» هل زادت في جوهرها 
الهوائي أو زادت في مقدارها فقط؟ 

ما الزيادة في المقدار فقط فمعناها أن مقدارا زائدا خاليا من جميع 
صفات الأجسام قد حدث وتجدد في داخل القارورة» فهذا المقدار 
اذ هو الخلا د الخاة لبن إل بعد اتعداديا خالا عن الضقات 
الجسمية. 


ب 5< 


وأمّا الزيادة في الجوهر فمعناها أن هواء -لا مقدارا- قد طرأ على 
هواء ونَّمَّةَ نتساءل: من أين لنا بالهواء الجديد الطارئ؟ ثم لماذا لم 
يمتص الهواء الذي كان موجودا بالقارورة -قبل امتصاصه- الماء بينما 
هو هو -بعد الامتصاص- قد تسنى له ذلك؟ ما الفرق إذن بين الهواء 
قبل أن يخرج مقسورا من قارورته وبعد خروجه منها؟ وإذا كانت 
النّظريّة المَشَّائيّة هنا تفرق ما بين الهوائين بأن الثاني أرق من الأول 
ومن نَم جذب الثاني ولم يجذب الأولء فإن فيلسوفنا يعترض على هذه 
التفرقة بأن الهواء الأول وهو الهواء الكثيف أشبه بالماء وأنسب إليه 
من الهواء الثاني الذي هو أرق وأخف. فكان الأولى -عكس الافتراض 
التائ أن يدب الماء بالهراء الكفيت :لا بالهواء الرقيى 1 
)١(‏ أبو البركات: المعتبر في الحكمّة ج ۲ ص ٥۲‏ . 


ق الاو اسان ةا 


www.alimamaltayeb.com 


وينتهي أبو البركات إلى أن مص الهواء في القارورة هو الذي أحدث 
الخلاء الذي نتج عنه اندفاع الماء صاعدا فيها.. ولكن كيف تم اندفاع الماء 
في الخلاء؟ وبعبارة أخرى: هل في الخلاء قوّة من شأنها أن تجذب إليه 
الأجسام؟ لقد ذهب أصحاب الخلاء إلى أن للخلاء قَوّة ذاتية تجذب إليها 
الأشياء» وينسب إلى الفيلسوف الطبيب أبي بكر محمد بن زكريا الرازي 
أنه المدافع الأكبر عن هذه النَظريّة("2, أمّا أبو البَرَكَات فإنه وإن كان من 
أصحدات: الاك اله لآ بعال جاب الما اة با الخ 
وإنّما يعلل ذلك بما للملاء المجاور للخلاء من أثر في جذب هذه الأشياء 
ونفوذها فيه» يقول أبو البركات: «وستعلم فيما بعد كيف يكون هذا الجذب 
وأو لاان الك سو الساانه إلى لمعلا هره لد 
الخلاء». وهنا تتجلى عقلانيّة أبي البَرَكَات ونظرته الثاقبة التي تتفق مع 
مقررات العلم -إلى حد ما-» ذلك أن الخلاء ما دام ليس جِسما ولا أمرًا 
عاتوادا قلس من بوداي ل قي واااتمني عليه ار N‏ 
أو أية ای لأن مثل هذه الى ا ولا يا م الجادة 
التي هي بمثابة المصدر الطبيعي لكل هذه القوى والآثار الناشئة عنهاء 
نعم ويكاد يقترب أبو البَرّكَاتَ من التعليل الصَّحيح حين ينكر انجذاب 
الماء في القارورة المفرغة بما تبقى فيها من هواء مخلخل بتأثير السحب 
والتفريغ» ولقد نعلم أن التعليل العلمي لاندفاع الماء في القارورة هو ثقل 
(1)ابوسينا: لاء جا صن 51 (ظطيران) وآبغنا: يفيس مذهب الذرةعقل المسلعين: 


ص ٤۷‏ هامش رقم ٦‏ من الترجمة العربية. 


www.alimamaltayeb.com 


۳۰ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


الضغط الجوي على الماء من ناحيةء والفراغ الكائن في القارورة بعد 
سحب الهواء منها من ناحية ثانية» وهو فراغ خال تماما من أي مقاوم أو 
معاوق» فهنا يندفع الماء صاعدا نتيجة الضغط أو الثقل الواقع عليه دائماء 
والخلاء الموجود أمامه في هذه القارورة. 

لكن أبا البَرَكَات لم يشأ أن يمعن التأمل في معطيات هذه التجربة» 
ومين نَم فبدل أن يضيف التأثير إلى الماء الصاعد أضافه إلى الملاء 
المجاور للخلاء» وهكذا بقدر ما كان الجانب السلبي في نقده جانبا 
علميا منطقيا كان الجانب الإيجابي -في هذا النقد- يحتاج إلى تدقيق 
علمي أكثر مما عرضه أبو البرّكات. 

هذا الدليل هو خاتمة المطاف في الجدل المحتدم بين المَشَّائِين وبين 
أبي ابر كات فيما يتعلق بإمكان وجود الخلاء ولا إمكانه» وقد لا نعرف في 
تاريخ الفلسفة الإسلاميّة -قبل أبي البركات- نقدا شاملا يستقصي شوارد 
الأدلة التي طرحها المَشاءون لبيان استحالة الخلاء كما لا نعرف -في 
ذات الوقت- دفاعا عن أصحاب فكرة الخلاء يقوم على أساس متين من 
المنطق والعقل مثل هذا الذي اضطلع به فيلسوفنا في هذا المضمار. 

وأكبر الظن أن أبا البَرَكَات كان لابد له من قبول نظريّة الخلاءء لأن 
البناء العام لفلسفته بدون هذه النّظريّة يبدو غير متسقء ذلك أنه قد ارتضى 
نظريّة الجزء الذي لا يتجزأ في بعض مواضع من فلسفته» ونظريّة الجزء 
الذي لا يتجزأ ونظريّة الخلاء هما وجهان لعملة واحدة إن صح مثل هذا 
التعبير» فالذي يقبل تركب جسم ما من ذرات دقيقة متناهية في الصغر وفي 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمدا 4 لطيب ۲١‏ 


الحجم لابد له من أن يقبل وجود فراغات تتخللها هذه الذرات وتكون 
فيها. وفيلسوفنا في كتاب السماء والعالم قد ارتضى أن جسم الأرض -من 
دون سائر الأجسام- مكون من أجزاء متناهية في الدقة والصغر والصلابةه 
ولها شكل كروي مستدير وإذًا فليس بد من التسليم بوجود الخلاي 
لأن هذه الأجزاء الدقيقة المدورة إذا ما تضورثاها متضامة ومجتمعة 
في جسم فلابد من أن نتصور بينها فراغات تنشأ من تجاور كل محيط 
بالمحيط الذي يلاصقة ثم بالمحيط الذي يلامس كلا من محيطي الجزأين 
المدورين الآخرين» ومعنى هذا أن نظريّة الخلاء في البناء الفلسفي عند 
أبي البركات ضرورة لازمة لاتساق هذا البناء وتكامله» ومن تم صرح أبو 
البركات بوجود الخلاء وجودا حقيقيا في عالمنا هذاء وعباراته في هذا 
الأمر واضحة كل الوضوح» فهو يقول عن هذه الجزئيات الأرضية: «ولها 
بحسب ذلك (آي التناهي في الدقة والصلابة) أشكال هي الكرية لا محالة 
فالخلاء واقع فيها أبدا»“. كما يقول الطوسي عنه وهو بصدد الحديث 
عن نظريّة الجوهر الفرد عند ديمقريطس: «إن الأجسام المشاهدة ليست 
ببسائط على الإطلاق» بل هي إنما متألفة عن بسائط صغار متشابهة الطبع 
في غاية الصلابة... والجِسّم البسيط الواحد منها لا ينقسم.. وقد مال 
الشيخ أبو البَرَكَات البغدادي إلى مثل هذا القول في الأرض وحدها». 

)١(‏ المعتبر: ج ١‏ (من كتاب السماء والعالم) ص »١66‏ وأيضا (من كتاب الكون والفساد) 

ص ۱۹۳ . انظر: بيئيس. 


www.alimamaltayeb.com 


3 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


-وبعد أن طال اقتضاء أبي البركات لمعنى الخلاء» وبعدت الشقة 
بينه وبين المَشائين في مفهومه وإمكان وجوده يعود ليرتبط بأساس هذه 
التفريعات الحافلة بالجدل والنقاشء, ألا وهو «المكان». وأمر سهل أن 
نقرر -بعد ذلك- أن المكان عنده هو: «الفضاء الثلاثي الأبعاد» وهو فضاء 
تقع فيه حَرَكة الأجسام, وقد يمتلئ بها وقد يخلو عنهاء والمكان بهذا 
المعنى يشهد له تعارف الجمهور والعقل الجمعي العام لأن المكان 
في أبسط معانيه هو ذلك الحيز الذي يشغله المتمكن أو يتحرك فيه 
وحين نتصور متحركا أو متمكنا فإنما نتصور أول ما نتصور فراغا يقع 
فيه التمكن أو تقع فيه الحَركة» وقد لا يخطر على البال أن نتصور معه 
السطح الباطن من الجِسّْم الحاوي المحيط بالسطح الظاهر للجشم 
المحوي» فهذا تعقيد للبسائط لا مبرر له في نظر فيلسوفناء ثم يقول 
بعد ذلك: «فالمكان الآن هو هذا بحسب التعارف العام والخاص ولا 
حاجة إلى تحويله عن تعارف الجمهور)”". 

والمكان بهذا المعنى -أيضًا- يتصوره الذّهن قائما حين يتصور ارتفاع 
الصّات الجِسّْميّة عنه» وإن كان في الأعيان لا يوجد إلا ممتلئا دائما 
«فلك أن تتصور هذا البعد مفطورا قائما مع ارتفاع الصّفات الجسمية 
التي أخصها الصلابة واللين» فإن ولو امتنع وجوده في الأعيان خاليا 
لما امتنع تصوره في الأذهان مجردا. وكما تصورنا معني الإنسانيّة 
مجردا عن الصّفات الجسْميّة ومعنى الحيوانيّة مجردا عن صفات 


0 اخراص 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 1 


أنواعه الخاصية.. فهكذا المكان نتصوره» ولو لم يخل» بطوله وعرضه 
وعمقه وهو أقدم عند الذَّهن من الملاء». 

وجب أو ال كارك بيع الان اليم ارقا أذ تكرت القول 
الأولى خالية من صفات الأجسام جميعها بحيث لا تحس ولا تتقدرء 
وليس لها شكل ولا صفة ولا وضع» كما ارتضوا أن تكون هذه الهيولى 
موجودة بالفعل تتكون منها الأجسام المحسوسة ثم هم في ذات الوقت 
يرفضون أن يكون الخلاء الخالي أمرًّا له وجود واقعي متحقق في الخارج» 
لأن الحِسّ لم يستثبته خاليا أو قائما بنفسه» أفتكون الهيولى التي سلب 
عنها كل مقومات الوجود أمرًا موجودا بالفعل» وشيئا أصلا في تكوّن 
الأجسام ثم يكون الخلاء الذي له أبعاد وجودية متحققة في ذاتها أمرًا 
عدميا لا وجود له؟ ولماذا قبل الوجود هناك ثم نبذ الوجود ها هنا؟ أليس 
هذا تحكما محضا في الفلسفة المَشَّائيّة لا مبرر له!! 

٥-النهاية‏ واللانهاية في المكان: 

ثم ألقت مشكلة الخلاء هذه بظلها على مشكلة أخرى كانت مثار 
نزاع بين المَشَّائِين وأبي البَرَكَاتء وأعني بها مشكلة النهاية أو اللانهاية 
في المكان وإذ قد تأدى بنا النقد إلى اعتبار المكان فضاء أو فراغا 
خالياء أفلا يذهب بنا الظن إلى أن مكانا لا متناهيا يسبح فيه هذا العالم 
اللا متناهي كذلك؟ وهنا نصبح أمام فكرة «اللانهاية» تلك التي نبذها 
أَرِسْطُو في مقام ثم قبلها في مقام آخر. 


www.alimamaltayeb.com 


٤‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


ولقد كانت هذه المشكلة على مدى تاريخ الفكر الفلسفي مبعث حيرة 
واضطراب شديدين نتوسمهما -يعبر عنهما- هذا اليأس الذي تنم عنه 
عبارة الفيلسوف محمد ابن زكريا الرازي تلك التي يقول فيها: «العاقل 
من يلتمس لإثبات الرّمان والمكان دليل العوام الذين لم تفسد بديهة 
نفوسهم ولم تتأثر بلجاج المتكلمين وآرائهم والذين لا يبحثون عن 
المنازعات.. ثم يقول: سألت مثل هؤلاء الناس فأجابوا: عقولنا تشهد 
أله يوجد خارج العالم فضاء يحيط به). 

ونقرر هنا بادئ ذي بدء أن رأي المشائين يتحص ر في أن «اللانهاية» 
مرقوضة من الأساس فيما يتعلق بفشكلة المكان. وهنا سق الفكر 
المَسَّائِي مع نفسه اتساقا كاملا؛ إذ مادام المكان وثيق الصلة بمعنى 
الجسّمء وكانت الأجسام والمقادير كلها عندهم متناهية فليكن المكان 
متناهياء وليكن اللاتناهي في المكان أمرًا لا سبيل إليه. ثم إن طبيعة 
المكان ومعناه عند المَشّائين تتنافر مع طبيعة اللامتناهي ومعناه. 
فالمكان في أخص خصائصه في النّظريّة المَسَائيّة سطح» والسطح 
حد ونهاية ومقدار معلوم» وكل هذه نقائض للاحد واللانهاية» وإِذًا 
ففيما يتعلق بالأبعاد من حيث هي أبعاد لا تتصور فيها اللا نهاية عند 
a‏ هها الها اابيضيه ايكون عنتقا ae‏ 
يمتد بعد في ملاء أو خلاء -إن جاز وجوده- إلى غير النهاية»0". 


)١(‏ نقلا عن بينيس في كتابه: مذهب الذرة عند المسلمين ص 5 © (من الترجمة العربية). 


www.alimamaltayeb.com 


وعند المَشّائِين أن أهم الأسباب التي أوقعت العقل البشري في حبائل 
هذا التّصَوّر الكاذب لمعنى اللا نهاية إنما هو قَوّة الوهم» تلك القَوَّة التي 
لم يقدر لها إلا أن ترى الأشياء على تتابع واطراد مستمر» فكل ما انتهت 
من تتبع شيء عن لها شيء آخر وظهر لهاء فطفقت تحسب أن الوجود 
على هذه الوتيرة جرما وزمانا وعددا وقوى» وأن كل أولئك لا يتناهى ولا 
يقف عند حد لا حد بعده» أو عدد لا عدد بعده» أو فضاء لا فضاء بعده» 
ومعقد الزيف والخداع في هذا التَصَوّر إنما هو الانتقال من المحسوس 
إلى اللامحسوس وسحب الحكم من الأول إلى الثاني. ولأن الوهم لم 
يتوقف إدراكه عند نهاية لا يتلوها بعد. ولا يعقبها امتداد» ظن أن الأمر 
في نفسه كذلك» وأن بعد كل امتداد امتداداء ملاء أو خلاء إلى ما لا نهاية. 
وهو ظن باطل ومكذوب. لأن البراهين العقليّة التي هي العمدة في الإثبات 
والنفي تحكم بأن هذا التّصَوّر ليس إلا من ألاعيب الوهم التي لا ظل لها 
من حقيقة أو واقع"". 

والبراهين العقليّة التي استدل بها المّشَّاءون على زيف فكرة اللا تناهي 
في المقادير يمكن حصرها في ثلاثة براهين: 

البرهان الأول: 

لو سلمنا بأن بعدا ما -خلاء أو ملاء- لا يتناهي» فإننا نفرض في هذا 

= تقديمة لكتاب الطبيعة لأرسطو ص ۲۳ (من ترجمة لطفي السيد). 
)١(‏ أرسطو: الطبيعة ج ١‏ ص ١7١‏ (ترجمة إسحاق بن حنين) وأيضا: أبو البرّكات: المعتبر 


A 


www.alimamaltayeb.com 


أل موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 
البعد اللا متناهي خطا له طرفان: طرف متناه من الجهة التي تليناء وطرف 
ذاهب في البعد اللا متناهي» ولا يتناهى أيضًا. ثم نتصور أن هذا الخط 
-اللا متناهي من طرف والمتناهي من طرف- قد فصل منه جزء محدد» 
ونتصور الخط مرتين: مرة بتمامه قبل أن يفصل منه هذا الجزء» ومرة وقد 
فصل منه هذا الجزء وأصبح ناقصا بدونه» ثم نتصور -في الوهم أيضًاح- أننا 
نطبق بين هذين الخطين الاعتباريين: الخط الكامل قبل الفصل» مع 
الخط الناقص بعد الفصل» بحيث ينطبق طرفهما المتناهيان» وننظر 
بعد ذلك: هل يمتدان معا متطابقين في جهة اللا نهاية بحيث يتساوى 
كل منهما بالآخر؟ أو أنهما لا يمتدان معاء بل يقصر الخط المفصول 
منه عن الخط الكامل قبل أن يفصل منه؟ 

أمّا الشق الأول فهو محال عند العقل. لماذا؟ لأن معنى ذلك أن 
يتساوى الكل مع الجزء» لآن الخطين قد تساويا في اللا نهاية مع أن نسبة 
الخط الذي فصل منه جزء إلى الآخر الذي لم يفصل منه هذا الجزء نسبة 
جزء إلى كل أو نسبة ناقص إلى زائد» ومعنى ذلك أن الجزء يتساوى -مع 
الكل- أو أن الناقص يساوي الزائد» وهذا أمر تحيله الفطرة وبداهة العقل. 

وأمّا الشق الثاني في الترديد وهو أن الخط الذي فصل منه جزء يقصر 
عن الخط الذي لم يفصل منه فهو محال أيصًاء لآن هذا الخط الأقصر قد 
صار أقصر من الخط الكامل بمقدار هذا الجزء المفصولء وهذا الجزء 
مقدار متناه» وإذن فالخط الأقصر متناه لأنه أقصرء لكن الخط الآخر واللا 
متناهي قد زاد عليه بمقدار متناه هو ذلك المقدار المفصول» وكل ما يزيد 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۷ 
عن المتناهي بمقدار متنا فهو لا شك متناو فكيف فرضناه لا متناهيا(©!! 
وموقف أبي البَرّكات من هذا البرهان هو موقف الرفض والرد. 
إذ ها هنا مغالطة تكمن في افتراض تحريك الخط اللا متناهي» فاللا 
متناهي لا تتصور له حَرَكَة؛ لآن معنى اللا متناهي ومعنى الحَرَكة أشبه 
بالنقيضين» إذ معنى الحَرَكة القطع والانتهاء من حد إلى حد» وكل هذه 
أمور لا تلتقي مع اللا حد واللا نهاية» فحيثما تتصور الحَركة يتصور 
معها المتناهي والمحدود. وهنا في هذا البرهان حين نتصور تطابق 
الخط الأقصر على الخط الأكمل فمعنى ذلك أن الخط الأول قد 
تحرك» وذلك حتى يمكن أن يتطابق مبدؤه مع مبدأ الخط الثاني. وهنا 
لابد من التسليم بأن الخط قد تحرك بأكمله مما يترتب عليه أن الطرف 
المقابل -في اللا نهاية- قد انجر وانسحب بحيث يخلو مكانه في اللا 
نهاية. وكل هذه بنايات فاسدة في الاستدلالء لأن الخط اللا متناهي 
لبسن له.طرق كما أله ليست له كر کے ولص اہو الركات إلى أ 
الوهم: «لا يتصور حَرَكة الطرف المقطوع (الخط الأقصر) إلى مطابقة 
الطرف الغير مقطوع إلا وقد تصوره متناهياء فتحركت نهايته الأخرى 
منجرة مع النهاية الأولى»". 
(1) ابن سيتاة الشقاء: الطبيعياتك ج ١‏ عن 44 (ط طهران)» رأنضا الحاة ضس +:؟ 
(القسم الطبيعي) وأيضا: أبو البَرَكات: المعتبر ج ۲ ص ۸۳» 286 وأيضا :1708]5013 


.Crescas Critique: of Aristotle p. 6 
. 160 ص‎ ١ المعتبر في الحكمّة: ج‎ )۲( 


www.alimamaltayeb.com 


۳۹۸ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


البرهان الثاني: 

لو سلمنا بأن الأبعاد لا تتناهي فإننا نسلم بأن خطين محيطين بزاوية 
يمكن أن يخرجا من نقطة واحدة ويذهبا إلى غير النهاية» وحينئذ يكون بعد 
ما بين هذين الخطين قابلا لزيادة -في عرضه- لا تنتهي» وذلك كلما ذهب 
الخطان المحيطان بهذا البعد إلى ما لا نهاية» لكن في ذات الوقت الذي 
نتصور فيه زيادة عرض هذا البعد زيادة لا نهائية نتصوره أيضًا متناهيا لأنه 
دائما محصور بين هذين الخطين» فكلما تصورته لا متناهيا تصورته متناهيا 
وهذا خلف باطإ . 

وهذا البرعان عند أبي البرگات من جس البرهان الأولء لأن اللا 
تناهي في البعد المحصور بين الخطين غير لازم» فها هنا نفرق بين 
معنيين للا تناهي. 

المعنى الأول: أن يذهب الخطان -وكذلك البعد- في اللا نهاية 
ذهابا بالفعل. 

المعنى الثاني: عدم وقوف الخطين عند حد لا يتعديانه. 

والمعنى الأول -وهو اللا تناهي الحقيقي- غير وارد هناء والذي 
يستلزمه البرهان هو المعنى الثاني للاتناهي. وإذا فذهاب الخطين لا 
يستلزم حصول اللا تناهي للبعد المحصور بينهماء لأن هذين الخطين 
كلما ذهبا في اللا نهاية فإن الذي يحدث إنما هو حصول أبعاد زائدة 
(1) ابن سيبا: الشفاء: الطبيعيات ج ١‏ هن 4111 وأيضا: الإشارات والتبيهات (شرحي 


الرازي والطوسي) ج ١‏ ص ۲۷. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۲4 
متجددة تضاف-في اطراد- على هذا البعد المحصور بين الخطين» وهذه 
الأبعاد الزائدة لا شك في أنها متناهية» فكذلك ما تنضاف إليه يبقى في 
معنى التناهي ولا يبرحه أبدا إلى اللا تناهي» ومعنى هذا أن اللا تناهي هنا 
إنما هو «من جهة أنه لا ينتهي إلى حد يلزمه الوقوف عنده فلا يزيد”"". ومثل 
ذلك مثل العددء فإنه يقبل الزيادة إلى غير النهاية بحيث لا نتصور أن نصل 
إلى عدد نتوقف عنده ولا نستطيع تجاوزه» ولكن كل هذه الزيادات العددية 
زيادات متناهية بمعنى أن كل حصول عددي فإنما هو حصول متناه حصولا 
لا يتناهى -إن صح هذا التعبير-. وإِذَا ففرق بين اللا تناهي في ذات البعد 
والمقدارء واللا تناهي بمعنى قبول الزيادة المستمرة وعدم التوقف عند 
حد محدود. وعند أبي البَرّكَات أن المَشّائين قد خلطوا في هذا البرهان بين 
هذين المعنيين للا تناهي, فعنده أنه الو زيد في الخطين في الوجود أو في 
الوهم إلى أي حد شاء فهو متناه لا يتناهى» أمّا المتناهي فما أخرجه التوهم 
ولحظة التّصَوَّرء وأمّا اللا تناهي فمن جهة إمكان الزيادة بعد الزيادة» وبهذا 
لايوجب خلفا ولا تثبت به حجة). 

البرهان الثالث: 

أمّا منشاً الاستدلال في هذا البرهان فهو استحالة الحَرَكة المستديرة 
في الخلاء -أو الملاء- اللا نهائي» فلنفرض هذه المرة أن دائرة تقع في 
خلاء لا يتناهى» وأن خطا مستقيما يخرج من مركز هذه الدائرة يقطع 
)١(‏ المعتبر في الحكمّة: ج ۲ ص 15. 
(۲) نفس المصدر السابق: ص .۸٦‏ 


www.alimamaltayeb.com 


17 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
محيطها ويذهب ممتدا في هذا الخلاء اللا نهائي الذي تقع فيه هذه الدائرة 
المفروضة» وأن خطا آخر يوازي هذا الخط الخارج من مركز الدائرة» يقع 
خارج الدائرة ويذهب في الخلاء اللا نهائي أيضًا. 

واا قينا خطاف رازان قماما: 

أحدهما مقام على دائرة» والآخر خارج من هذه الدائرة. 

وكل من الخط المقام على الدائرة والخط الخارجي الموازي له يقع 
في خلاء لا نهائي ويذهب فيه إلى غير نهاية. فإذا تصورنا أن الدائرة تتحرك 
حَرَكة مستديرة في هذا الخلاء فماذا يكون الأمر؟ 

أول ما نلاحظه في هذا التّصَوّر أن الخط المقام على الدائرة بمجرد 
تحركه وزواله عن النقطة الآولى التي كانت ساكنا فيها سيخرج عن وضع 
الموازاة للخط الثاني إلى وضع آخر وهو وضع المقاطعة مع هذا الخط 
لأنه سيلقاه أثناء حركته الدائريّة. وبيت القصيد في هذا الاستدلال هو: 
المسافة التي قطعها الخط المقام على الدائرة من أول نقطة زال عنها -من 
حالة الموازاة إلى حالة التقاطع- إلى أن بلغ النقطة التي لقي فيها الخط 
الثاني الذي كان موازيا له من قبل وهي النقطة التي قطعه فيها. إن هذه 
المسافة بين هاتين النقطتين» نقطة الزوال ونقطة التقاطع مسافة لا نهائية 
لأن ما ينشأ عن الخط اللا متناهي من بعد أو مسافة» غير متناه كذلك. لكن 
هذه المسافة التي قطعها خط الدائرة قد استغرقت زمنا مقدارا في قطعهاء 


وهذا الزمن هو بعض من الزمن الذي تستغرقه حَرَكَة الدائرة فيما لو قدر لها 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۷1 


أن تكمل دورتها وتتمهاء وإذن فقد تقدر بعد لا يتناهى بزمان متناه» وهو أمر 
بين البطلان» فالخلاء اللا نهائي أو الملاء اللا نهائي بيّن البطلان كذلك. 

هذا البرهان -فيما يرى أبو البَرَكّات- إنما يثبت استحالة الحَرَكَة 
المتناهية في اللا متناهي» لا استحالة اللا متناهي في ذاته» وهذا 
عنده أمر مسلم واس هما اهال ارون وز اص جه من اال 
هذا البرهان» فأمر واضح أن الحَرّكّة تكون دائما في شيء آخرء سواء 
كانت فيه على سبيل خرقه بالمماسة أو بالمحاذاة» وذلك ما نلاحظه 
في الحَرّكّة المكانيّة التي لا يفارق المتحرك فيها جملة مكانه فلو 
افترضنا أن ما تخرقه الحَرّكّة بالمماسة كان لا متناهيا فإن الحَرَّكَة لابد 
أن نفترضها هنا لا متناهية أيضا أما الحركة الدائرية فإنها تتماس مع ما 
تتحرك فيه وحركتها متناهية لأنها تتم بانتهاء دورتها وهذا غير مقصور 
في اللا تناهي» كذلك لا تتصور المحاذاة في اللا متناهي» لآن المحاذاة 
تقتضي نهاية وطرفا فكيف تحدث لما لا طرف له ولا نهاية!! 

وفيما يتعلق بهذا البرهان فإن المحاذاة المفروضة أمر متوهم تماماء 
والتّصَوّر الذهني وحده هو الذي يثير هذا المعنى الذي يكذبه الؤجود. ثم 
إن حر كة الخط المفروض تتطلب -فيما تتطلبه- مسافة تحدث فيهاء أمَا أن 
تكون هذه المسافة متناهية أو لا متناهية فهذا أمر لا يدخل في الاعتبار لأن 
الحَرَكة في ذاتها لا تعلق لها بالتناهي واللا تناهي» وإذَاء فما يلي الدائرة من 
المسافة في مثالنا هذا سواء «تناهى أو لم يتناه لا يوقف الحَرَكة ولا يمنعهاء 


)١(‏ ابن سينا: الشفاء: الطبيعيات ص 07 (ط طهران). 


www.alimamaltayeb.com 


۷۲ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
ولا يتعلق بتناهيه ولا تناهيه حَرَكَة الدائرة لأنه لا يحركها: ولا يوقفهاء فلا 
هو جاذبها ولا هو دافعهاء والمحاذاة المفروضة وهمية والحَرّكّة وجودية 
ولا يمنع الوهمي الوجودي سواء تناهي أولم يتناه) 7 . 

وأبو البَركات يناقض هذا البرهان بإجراء هذا الافتراض عينه في 
مجال الحَرّكّة على الدائرة» لأن مسافة الدائرة مما يمكن أن نتوهمها ذات 
أجزاء قابلة لأن تتجزأ إلى ما لا نهاية» فالمتحرك عليها لا يقطع عليها جزءا 
إلا ويقطع قبله أجزاءً لا تتناهي» ومعنى ذلك أن مسافة الدائرة التي يجري 
عليها المتحرك مسافة لا نهائيةء وأمر لازم إِذَا أن يجري المتحرك عليها جريا 
لا نهائيا لا يلقاه فيه حد ولا نهاية. فهل يمكن أن نفهم من هذا الافتراض 
أن إتمام هذه الحَرَكة دورة كاملة على هذه الدائرة يغدو أمرًّا مستحيلا؟! 
إن مثل برهان المَشّائين كمثل الحرَّكَة على الدائرة تماماء كلاهما يقصي 
العقل والوجود ويستند إلى وهم كاذب» فإذا كان حكم الوجود قد كذب 
حكم الوهم في استحالة الحَرّكّة على الدائرة» فخليق بنا أن نجري عين 
هذا الحكم في أشباهه ونظائره خصوصا والغرض هو الغرض» والعِلّةَ هي 
الاو وا ات ابا دالا ااه اها 
الدورة المَلكيّة والدولابية والرحائية عياناء القسمة المفروضة الوهمية التي 
لا تصح وجودا... فإنه ليس (اللا تناهي) هو المسافة المقطوعة بالسلوك 
حتى يلزم من لا تناهيه لا تناهي الحَرّكَة فما في هذه الحجج ما يرد أولية 
القضية ويبطلها حتى يلزمنا أن نجعلها وهمية» فتبقى على أوليتها وما 


(۱) أبو البَرَكّات البغدادي: المعتبر ج ۲ ص 85. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د / أحمد | 4 لطيب ۷ 


قضت به الأذهان فيها»“. 

هكذا يسلمنا هذا النّضّ إلى أن قضية اللا تناهي -فيما يزعم أبو 
البركات- قضية أولية» تكاد تجمع عليها الأذهان وتتفق عليها العقول» وقد 
نعلم أن الوهم وحده -عند المَشّائين- هو الذي أضفى على هذه القضية 
ظلالا خادعة من معنى البداهة والأولية» والعقل بما له من الاستنتاج 
والاستدلال إنما يكشف هذا الخداع والتضليل في حكم الوهم هذا لكن 
هكذا شاء منهج أبي البرّكات أن يمزج بين بداهة الوهم وبداهة العقل» 
وأن يلغي كل هذه الحواجز والفوارق التي اصطنعها المَشْاءون بين هاتين 
القوتين. نعم قضية اللا تناهي أولية من قبل أن الوهم يثيرها في التفس 
ويلح بها على العقل» وليس في هذا ما يغض من قيمتها المنطقِيّة ويقينها 
الواقعى» لآن ما يقف فى وجه هذه القضية قد أمكن تفنيده -أو تصحيحه- 
ليقف جنبا إلى جنب مع حكم الوهم» فلا جرم -في مذهب أبي البركات- 
أن تعتبر هذه القضية من القضايا الأولية. ويسترسل فيلسوفنا فى دفاعه عن 
فكرة اللا نهاية هذه فيتساءل إذا كان العالم -حسبما يقرر المَشاءون- لابد 
وأن ينتهي إلى ما ليس بخلاء ولا ملاء» وأن عالم الأجسام ينتهي إلى محيط 
كرة المَلّك الأول فإنني أفترض أن سهما مرميا نفذ خارج هذه الكرة» فهل 
ينفذ السهم أو لا ينفذ؟ إن القسم الثاني من هذا التساؤل غير متصور؛ لأن 
العلل المانعة من النفوذ غير واردة هنا فليس فيما بعد هذا الفلك- فيما 
ترون- خلاء أو ملاء يمنع نفوذ هذا السهم| و إِذًا فالقسم الأول من الترديد 
)١(‏ نفس المصدر والموضع. 


www.alimamaltayeb.com 


33 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


هو المُتَصَوّرء فالسهم لا محالة ينفذ ويخترق هذا الوجود الماورائي» وهنا 
لابد من الاعتراف بخلاء أو ملاء والأمر هكذا إلى غير نهاية. 

هكذا أصبح حكم الوهم هو نقطة الانطلاق في الاستمساك بفكرة اللا 
نهاية عند فيلسوفنا وهو هو قد كان نفس المنطلق أيضًا في رفض المَشَّائِين 
لهذه الفكرة ذاتها. وأمر طبيعي أن تتناقض النتائج والمحصلات الأخيرة 
في هاتين الفلسفتين» لأن المنطلق وإن كان واحدا فيهما إلا أن المنهج 
لدى أبي البَرَكات كان معكوسا تماما بل ومنقلبا رأسا على عقب» ومن نَم 
فقد استمسك بالذي نبذه أَرِسْطُو وتلاميذه من بعده» لأن المَشائين إذا كانوا 
يعتبرون الأدلة التي أودت بالتّصَّوّر الموهوم في قضية اللا نهاية أدلة عقلية 
برهانيّة» فإن هذه الأدلة في تصور أبي البَرَكّات ما كانت عة عقلية ولا برهانيّة 
وإِنّما قد صنعها الوهم صنعا أيصًاء إذ أساس الاستدلال فيها قائم على 
توهم الخطوط والدوائر والموازاة والمقاطعة في اللا نهاية المفروضة» ثم 
إن موقفه من هذه الآدلة قد كان موقف العقل -بل وموقف الوجود- من 
أدلة متوهمة ومتخيلة فلماذا يقبل حكم الوهم ف في رفض اللا نهاية برغم 
تكذيب العقل والوجود له. وينبذ حكم الوهم في إثباتها برغم ما يدل عليه 
من أحكام وهمية أخرى!! وهكذا: بينما يتصور المَشَّاءون أن اللا نهاية 
وهم دحضه دليل العقل» يتصور أبو البركات اللا نهاية فرضا أثبته الوهم» 
وأمّا أدلة المَشَّائِين فليست أدلة عقلية دحضت هذا الحكم» بل هي أدلة 
متوهمة أيضًاء على أن موقفه منها إنما كان موقفا يعول أول ما يعول على 
حكم العقل وشهادة الوجود» يقول أبو البَرَكّات: «فإن قال إن هذه (حجة 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 0 


أبي البرَكات في السهم النافذ) وهمية أيضًا وهي تفسير حكم الوهم في 
الأولى» لا حجة أخرىء قلنا: كيف تكثرت حججك في الخطوط وهي 
أوهام بطلت بالتظر العقلي من حيث توهمت» وهذه (حجة السهم) قد تم 
توهمها ولم يمكن توهم ضدها ولا وجد العقل سبيلا إلى ردها)""". 

ويبقى تساؤل على جانب غير قليل من الأهميّة في هذا الباب: هل 
استطاع أبو البركات أن يقيم دليلا عقليا حين ارتضى القول باللا نهاية؟ 
والجواب هنا بالنفي القاطع» فكل ما استطاعه هنا في هذا المقام إنما هو 
انتزاع الأساس العقلي من الأدلة المَشَّائيّة التي ناقشها آنفاء وربطها بالتوهم 
بدل العقل ليتكافاً الأساس الذي قام عليه استنتاجه مع الأساس الذي قام 
عليه استنتاج المَشائين» ثم المحاولة التي وقف بها في وجه الاستنتاج 
الْعَنَائي والتي ربط فيها بين العقل والوجود من ناحية» والمنطلق الذي 
قامت عليه هذه المحاولة من ناحية أخرى» وذلك حتى يتسنى له أن يقلل 
من قيمة هذه البراهين الثلاثة» وليتسنى له آخر الأمر إبقاء القضية في معنى 
الأول ة أو الضرووة العقلة أو الوهمة إذ الآمر ان عنده سوا 

ولق د اسعتعر آبو الب كات قبن هذا الاو لو أنهمطالب بالاسعدلال 
العقلي في محاولته هذه فقال: «فإن سأل سائل: بماذا تحكمون بوجود 
خلاء أو ملاء -أو كليهما- لا يتناهى أو بما يتناهى منهما أو من أحدهماء 
عرفناه أن التخلص من الغلط فضيلةء وإصابة الحق فضيلة أخرى وهذه 
القضية الأولى الحاكمة باللا نهاية في الامتداد الخالي أو الملاء لم نجد لها 


.۸۷ المصدر السابق: ص‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


3 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


ما ينقضها مما احتجوا به فهي باقِيّة على أوليتها في عقليتها أو وهميتهاء إما 
لنا فيما نوفق إليه من معرفة ونظر فيما بعد وإما لغيرنا ممن قربنا له المرام 
وأزلنا المعاثر عن طريقه كما قرب لنا من سبقناء فالعلوم والصنائع كذلك 
تحصل وتكمل بتعاون الأذهان وهداية بعضها لبعض وتنقضي وتبطل 
اندها وتضليل بها لض 

وإِذًا فانتقال التدليل على إثبات هذه القضية من الوهم إلى العقل» أو 
على حد تعبيره: إصابة الحق في هذه القضية» أمر قد يقع لأبي البركات أو 
يقع لغيره» لكن الذي لا ريب فيه هو أنه قد مهد الطريق لغيره» وأن محاولة 
المَشّائين لم تقم على المنطق والبرهان» وين كَمَّ كانت خطأ يجب 
التخلص منه والبحث عن الحق الذي زعم فيلسوفنا أنه أنفق في سبيل 
الوصول إليه حظا عظيما. وهنا نصل إلى نهاية الحوار العقلي الذي 
قار فى فف وف الین بين ال ایی وای ال ات فا شخان بها 
القضية الممتلئة بالمزالق والمخاطر. ونقرر هنا أن فيلسوفنا ينحاز بكل 
فكره وبکل ما يضطرب فيه من نزاعات واتّجاهات فلسفية إلى أن اللا 
متناهي أمر حق» بل هو أمر لا يرى النزاع فيه إلا نزاعا في أمر ضروري 
أولي» لأن التفس لا تستثبت أبدا امتدادا يقف عند حد لا يعدوه سواء كان 
هذا الامتداد خلاء أو ملاء. 

٦-وقد‏ لا يعنينا هنا أن نذهب مع أبي الْبَرَّكَات إلى كل ما قد ينشأ عن 
نظريته هذه من مشاكل نراها أدخل وألصق بالمباحث الميتافيزيقيّة مثل قدم 
اتنس المضيدر والصفحة: 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب يفف 


العالم وحدوثه» ومثل قدرة الله تعالى وما إلى هذه من مشاكل ميتافيزيقية 
قد لا نتفق فيها مع فيلسوفنا ولا نرى رأيه. 

لكن يعنينا في ختام هذا الحوار أن نأخذ على فيلسوفنا مأخذين قد 
يتعلقان في عمومهما بالمنهج ولكنهما -على كل حال- مأخذان لا يجد 
الباحث بدا من إيرادهما إذا ما أريد أن يعرف لهذا الفيلسوف ماله وما عليه. 

المأخذ الأول: 

إن موقف أبي البَرَكات من البرهان الثاني والثالث من براهين المَشائين 
على استحالة اللا نهاية في المقدار» لم يكن موقفا يعكس أصالة النقد 
الفلسفي عنده» بل كان موقفا نزعم أنه اعتمد فيه -إلى حد كبير- على ابن 
سيناء وهنا نقول -كما قلنا من قبل-: إن ارتباط أبي البركات في مواقفه 
التََدِيّة -أحيانا- بأفلاطون أو يحيى النحوي أو غيرهما من معارضي 
القليفة الات أف مول ولا غبار عله 

أولا: لأن سئة الفكر وطبيعته أن يتأثر ويؤثر. 

وثانيا: لأن هذه الآراء التّقديّة ربما تمثل عند فيلسوفنا الحقيقة الفلسفيّة 
العلميّة الي شغلت باله وأقضت مضجعه» لكن أن يرتد في نقده لابن سيناء 
إلى آراء ابن سينا نفسه فهذا أمر غير مقبول» والبرهان الذي نتحدث عنه هنا 
قد سقط فيه أبو البَرَكَات سقطته التي يأخذها عليه أي باحث يتتبع مصادر 
نقده وخلفياته الفكرية» فهذا البرهان قد عرضه ابن سينا عرضا مفصلا ثم 
لاحظ أنه برهان يمثل محاولة هزيلة واهية في الفكر المَشّائي» لأن افتراض 


www.alimamaltayeb.com 


7۸ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


امتداد البعد المحصور بين الخطين امتدادا لا يتتهي» لا يستلزم أبدا القول 
باللا نهاية» وابن سينا نفسه يوضح الفرق بين زيادة البعد التي لا تتوقف 
عند حد» وبين حصول اللا نهاية في ذاتهاء فليس بلازم -فيما يرى- أن 
تترتب اللا نهاية على الزيادة التي لا يتصور وقوفها عند حد» وقد ضرب 
لذلك مثالا فكرة العدد. فالعدد متناه» لكنه في ذات الوقت قابل للزيادة 
إلى غير نهاية» يقول ابن سيناء معقبا على دليل المَشّائين السالف: «وأمًا 
كلزيق الع (المحصوو يبن التخطين الذاهين لخر ا فايس نهب 
عندي أن ذلك البعد بين الخطين يصير ألبتة بلا نهاية» وكيف! ويحيط به 
الخطان الخارجان؟ أمَا أنه لم ليس يجب ذلك؟ فلأنه ليس إذا كان البعد 
دائما يزيد يجب أن يحصل هناك بعد غير متناه» بل يكون الزائد ذاهبا إلى 
غير النهاية» وكل زيادة فهي بمتناه على متناه» فكل بعد يكون متناهياء وهذا 
كما نعرفه في أمر العدد أنه يقبل الزيادة إلى غير النهاية» ويكون كل عدد 
يحصل متناهيا ولا يحصل عدد لا نهاية له)”". 

أليست ملاحظة ابن سينا على دليل المَشائين هي كل ما جادت به 
قريحة فيلسوفنا في هذا الباب؟! وإذا كانت هذه الملاحظة قد اتحدت 
بينهما فلم لم يسقط أبو البَرّكات هذا البرهان من الاعتبار؟. والأمر كذلك 
فيما يتعلق بالبرهان الثاني» ونكتفي هنا بآن نقول: إن ابن سينا قد لفت أنظار 
أبي الْبَرَكَات إلى وهن هذا البرهان الثاني وضعفه وذلك حين يقول معقبا 
على نفس هذا البرهان: «.... وجميع ذلك مما لا أفهمه حق الفهم حتى 


)١(‏ الشفاء: الطبيعياتا ص ١١١‏ (ط طهران). 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 4 
أؤمن بصحته»'. إن الأخذ -هاهنا- من ابن سينا ليرد عليه أمر لا يتناسب 
مع المنهج الفلسفي الذي زعمه فيلسوفنا من قبل. 

أمّا المأخذ الثاني: 

فإن دعوى الأولية ف قضية «اللا نهاية») عند أبي اكاك إن هي إل 
إسراف في النقد غير مقبول» فقضية اللا نهاية هذه أحفل القضايا الفلسفية 
بالجدل والنقاش العقليين» والاستدلالات الرياضية التي زخرت بها كتب 
أَرِسْطُو وابن سينا في هذا المقام دليل تعقد هذه المشكلة وغموضهاء وقضية 
ينقسم حولها الفلاسفة من قبل أَرِسْطُو ولا تزال تتفرق بهم السبل نحوهاء 
لا يصح أن يقال عنها: إنها أولية. فأية أولية في قضية زعم فيها الرأي كما 
زعم فيها نقيضه على قدم المساواة؟ وإذا كانت اللا نهاية ضرورة فكيف 
غاب ذلك عن أَرِسْطُو وابن سينا وما بينهما من أساطين العلم والفلسفة؟ 
وفيم إذن حجج فيلسوفنا وأقيسته وافتراضاته!!. 

ومهما يكن من أمر هذا النقدء فالذي لاشك فيه أن أبا البَرَكات بانتمائه 
إلى فكرة الفضاء الثلاثي الأبعادء واللا نهاية» أول فيلسوف نلتقي به في 
الفلسفة الإسلاميّة على هذا النمط الفلسفي الدقيق في الدفاع عن هذه 
المشكلات التي يرضاها وينتمي إليها. نعم ربما كان الفيلسوف الطبيب أبو 
زكريا الرازي ذا ميول واضحة إلى الانتساب لفكرة الخلاء وفكرة اللا نهاية» 
إلا أن انتماءه في هذا الصدد كان يجنح فيه كثيرا إلى العموميات المذهبية 
التي لا تتناول الجزئيات» وحقيقة قد نعتبر الرازي هنا ممهدا للفلسفة 


. ٠٠١ نفس المصدر السابق: ص‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


۸۰ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


البغدادية أو مبشرا بها من حيث إن نزعة رافضة للفكر الأرسطي على وجه 
الجملة كانت تضطرب بين جنبات هذا الفيلسوف» في ذات الوقت الذي 
يمكن أن نلمس فيه نزعة ميول وتعاطف مع الفلسفة الأفلاطونيّة إلى حد 
كبير. لكن إذا أردنا التعرف على المحاولة العقليّة المنظمة لنقد الفيزيقا 
الأرسطيّة في الفلسفة الإسلاميّة أو التعرف على المنهج النَّقَدِيٌ المتكامل 
الأبعاد في هذا المضمارء فإن أبا البَرَكَات بما قدمه لنا من نقد لفكرة المكان 
والخلاء واللا نهاية يعد نموذجًا رائعا في هذا الباب. 


www.alimamaltayeb.com 


الزمان 
1- مقدمة. 
۲- الزّمان في الفلسفة الإسلاميّة. 
3 الرّمان عند أَرِسْطو. 
4- الوّمان عند ابن سينا: 
-٥‏ موقف أبي البَرَكَات: فصل الرّمان عن الحركة. 
*- موقف أبي البَرّكَاتَ: الرّمان ليس عرضا ولا مقدارا في الحرّكة. 
۷- موقف أبي البَرككات: المنهج وراء التَصَوّر الجديد للزمان. 
۸- موقف أبي البَرّكَات: العلاقة بين الرّمان والؤجود. 
9- موقف أبي البَرّكَات: الزّمان مقدار الؤجود. 
-٠‏ موقف أبي الب گات: الآن بين المَشَّائين وأبي البرگات. 
-١‏ موقف أبي البركات: الزّمان والؤٌجود الدائم السرمدي. 


-١١‏ نظرة نقدية. 


www.alimamaltayeb.com 


www.alimamaltayeb.com 


الزّمان 

١-لعلنا‏ لا نبالغ لو قلنا: إن موضوع الرّمان من أعقد القضايا 
الفلسفيّة إن لم يكن أعقدها على الإطلاق -وأحفلها بالمناقشات العقليّة 
والاتجاهات المتباينة في القديم والحديث على السواء وذلك لأن قضية 
الرّمان إنما تمثل المركز أو المحور الذي ترتبط به معظم القضايا الفلسفيّة 
الأخرى ويمسها من قريب أو بعيد. وما يكاد الفكر الفلسفي يحصر ذاته في 
موضوع الزَّمان حتى يجد نفسه محاطا بعديد من الموضوعات الفلسفيّة 
الأخرى سواء في الفيزيقا أو الميتافيزيقاء تثور من حوله حافلة بعلامات 
استفهام تتوقف الإجابة عليها أوَّلَا وقبل كل شيء على فصل القول في 
الزّمان وتحديد الموقف حياله» بل وما يكاد مفهوم الزَّمان يمثل أمام 
الهن حتى يستحيل مفهوما ذا أبعاد مختلفات داخل هذا المفهوم 
الزّماني ذاته» وكأنه العقد قد انفرطت حباته أمام العقل فلا يدري أهو 
أمام الزّمان الفلسفي أم الرّمان الرياضي أم الرّمان التَفسي إلى آخر هذه 
الأشتات الزمائة الي انت حولا تزال شيدق - مع ركب. العلم والفكر 
السائر قذما والمتطور أيذا: 

على أن الرّمان في مفهومه الفلسفي البحت قد أنشب علائقه بأهم 
المقككلاثت ارد كال ك والمكاة وال رالا دة 


مكل ؟ نشأة الكون واللا نهاية وما يتشا غديما من مباحف تمس قضبة 


www.alimamaltayeb.com 


A٤‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 
الألوهية وعالم ما وراء الطبيعة. 

ولعل قضية الزَّمان بهذه الأبعاد المترامية الأطراف هي القضية الفلسفيّة 
الحيوية التي لا يزال فيها البحث موصول الأسباب بمنازع الفكر الحديث 
عن متفتلقه مذارسة والجافاته» وذلك لما تحدريه طيعة ال مان من 
حضور لا يمكن للعقل البشري أن يتجاهله أو يتخطاه مثل ما أمكنه تجاهل 
كثير من القضايا الفلسفيّة التي أصبحت لديه مجرد قضايا في ذمة التاريخ. 

١-والزّمانَ‏ وما يثيره من مشاكل فيزيقية وميتافيزيقيّة كان أحد 
الموضوعات التي عالجتها الفلسفة الإسلاميّة ووقفت منها مواقف متميزة» 
وإنه وإن يكن للأثر الأرسطي نفوذ وتسلط على معظم هذه المواقف إلا 
أنه ليس صعبا أن نتعرف على السمات الفلسفيّة الخاصة التي حفلت بها 
الفلسفة الإسلاميّة والتي أضافت بها إلى موضوع الزّمان إثراء وعمقا لا 
تخطئهما عين باحث منصف» ذلك أن موضوع الزَّمان قد لمس قضية 
القدم والحدوث» كما لمس قضية الأزل والأبد» ومثل هذه القضايا كان 
الشغل الشاغل للفلاسفة والمتكلمين» لأنها ترتبط ارتباطا وثيقا بمسائل 
الذين والعقيدة» فليس بد حإذًا - من معالجة فكرة الرّمان معالجة تتناسب 
مع خطورة الفكرة وجلالهاء وليس بد أيضًا من تحديد الاتجاهات إزاء ما 
وجده هؤلاء المفكرون من مواريث العقل في هذا الأمر. 

ومن هنا وجدنا الموقف الذي يتسق تمام الاتساق مع الميراث 
الإسلامي الخالصء والموقف الذي لفقت فيه فكرة من هنا وفكرة من 
هناك» كما وجدنا الموقف الفلسفي البحت الذي عالج القضية في غيبة 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب A۵‏ 


كاملة عن كل هذه المؤثرات العقليّة والعقدية» وواضح أن فيلسوفنا أبا 
البركات من أبرز الممثلين لهذا الموقف الأخير» بل لقد جمح به التأمل 
الفلسفي هنا إلى مدى زعم فيه مزاعم كانت إلى حد كبير انعكاسا لما 
يضطرب في جوانح هذا الناقد الفلسفي من رغبة في التحرر الفكري 
وأصالة النقد الفلسفي. 

ولكن ما هي أوَّلَا أبرز قسمات الفكر الأرسطي في قضية الرّمانء تلك 
التي وقف منها فيلسوفنا موقف النقد والمعارضة؟ 

۳-أبرز قسمات هذا الموقف ا يعني بادئ ذي بدء بتجسيد العلاقات 
والروابط بين تصور الزَّمان وتصور الحَرَكة» وذلك بعد أن يجسد الفروق 
الفاصلة بين معنى الحَرَكة ومعنى الرّمان» وقد نعلم أن أَرِسْطُو في تأسيس 
موقفه هذا قد كان بصدد نقد المذاهب السالفة التي عرّفت الرّمان بأنه كرة 
العالم» أو دورة هذه الكرة» أو أنه الحَرَكة على الإطلاق» وهنا يبين أَرِسْطُو 
أنه فيما يتعلق بالمذهبين الأولين فإن جزء الكرة وجزء الدورة ليس كل منهما 
كرة ولا ذورة يتما جرع الزّماث زمات: أا فما يتعلق بالنذهب الأخغير فان 
الك أمر بخص اترك والمكان اللى ف الح كت بها ال مان زمات 
للكل أي للمتحرك ولغيره بلا استثناء» على أن الحرّكّة نفسها قد نتصورها 
سريعة وقد نتصورها بطيئةء والزّمان إنما يجري على منوال متماثل ومتسق 
لا مجال فيه لأن نتصوره سريعا أو بطيئاء بل إن عنصر الزَّمان في الحَركة 
هو الذي يمد الهن بتصور الأسرع والأبطأ حين يقيس الحَرَگة ويقدرهاء 
فالسرعة ليست إلا إنجاز حَرَكة كبيرة في زمان قصير والبطء كذلك ليس 


www.alimamaltayeb.com 


50 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


إلا إتمام حَرَكَة قليلة في زمان طويل. وهكذا نتصور أن يقيس الرّمان سرعة 
الكركة ويطنهاء ينها لاقصور أن بق ال مان ال مان 

كل هذه فروق ذاتية وأصيلة تعزل مفهوم الحَرّكّة بما هي حَرَكة عن 
ال هيما هو مان ق مانو الك اا مهار ا امال فيه 
لآن نطلق أحدهما على الآ ^ 

لكننا نخطئ لو سبق إلى أوهامنا أن هذا الفصل الحاسم بين 
الحَرّكّة والزّمان يطرد في الفكرة الأرسطيّة اطرادا لا نتصور معه لقاء 
بين هذين المفهومين» فمثل هذه الوقفة الفاصلة إنما كانت من أجل 
الفكرة التي خلطت خلطا بين معنى الحَرَكة والزّمانء ولذلك ما يكاد 
يستقيم لِأَرِسْطُو فصل هذين المفهومين حتى يعود فيؤكد من جديد أن 
الزّمان والحَرَكة كل منهما يستدعي الآخر ويستلزمه في التَصور» بل 
إنهما متلازمان في الذهن وفي الوجود: 

فأما الذّهن فإنه كلما تصور تغيرا تصور معه زمانا والعكس بالعكس» 
أن ين لذ تعر اهن عقي ا ا فإذا عزب الهو عد 
معنى الحَرَكة أو عزبت عنه الحَرَكَة فلم تمثل أمامه عزب الزّمان معها في 
الصورتين» وأرسطو يوضح ذلك أكمل توضيح وأتمه في نصه الثَّالي: «إلا 
)١(‏ أرسطو: الطبيعة: ج ١‏ ص 5١7‏ (ترجمة إسحاق بن حنين)» وص 7١9‏ من ترجمة 

لطفى السيدء وص "١‏ من مقَدمة سانتهاير لهذا الكتاب. 
6) خط أن اق عنام ادف لل هارفد هى ازم عق هذا الاراد ال 

«ولا فرق فيما نحن بسبيله أن نقول: حركة أو تغير» ص 5١7‏ (ترجمة إسحاق بن 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۸۷ 
أنه ليس يكون (الزَّمان) أيضًا خلوا من تغيرء وذلك آنا متى لم نتغير نحن 
في فهمنا أصلاء أو تغيرنا ونحن لا نشعر لم نظن أنَّه كان زمان» كحال الذين 
يقال في الألغاز إن النوم يعتريهم عند المتألهين بالبلد المسمى سرد... فإن 
كنا متى لم يحصل تغير أصلا بعينه» بل توهمنا أن أنفسنا ثابتة على 
أمر واحد غير منقسم عرض لنا حينئذ أن نتوهم أنه ليس زمان» ومتى 
اخس تق ما لها تيكل إلد قن كان ران ا اله لس يكرة 
ال مان غار ام ال 

هكذا يقيم أَرِسْطُو علاقة اللزوم -في التّصَوّر- بين فكرة الرّمان 
وفكرة الحَرّكّة» ويضرب لها مثالا قصة الذين ناموا نوما طويلا بكهف 
سرديس”"» بالقرب من هيروسء أولئك الذين نفوا نفيا جازما أن يكون 
قد مر عليهم زمان في كهفهم هذا وهم نائمون» وكأن اللحظة أو الآن 
الذي ناموا فيه كان متصلا اتصالا مباشرا بالآن الذي استيقظوا فيه 
دون أن يكون ثمة زمان ممتد قد فصل ما بين آن النوم وآن الاستيقاظ» 
وتفسير هذا الإنكار للزمان أو عدم الإحساس به -فيما يرى أَرِسْطُو- 
أن هؤلاء النائمين لم يشعروا بحَرَكة ولا تغير أثناء نومهم» فلم يشعروا 
بالتّالي بوجود زمان متصرم جار عليهم» فالشعور بالحرّكّة أو التَعَيّر أمر 
)١(‏ الطبيعة: ج ص 5١5‏ (ترجمة إسحاق بن حنين). 
(۲) يقرر ابن سينا أن التاريخ يدل على أن القوم المتألهين الذين ناموا نوما طويلاء والذين 


ذكرهم المعلم الأول قد كانوا قبل أصحاب الكهف: الشّفاء: الطبيعيات ص 7٠١‏ (ط 
ا 


www.alimamaltayeb.com 


۸۸ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


لا محيص عنه للشعور بوجود الزمان وسيلانه وصیرورته'. 


وأمًا التلازم بين الرّمان والحَرَكة في الؤُجود -فيما يرى أَرِسُْطُو- فلما 
بين هذين المفهومين من وشائج الشبة والتماثل» ذلك أن أبرؤ صفات 
الحَرّكّة إنما هى صفة الامتداد أو الاتصال» ضرورة أن المسافة التى تحدث 
فيها الحَرَ كة ممتدة ومتصلة, فإذا كانت الحَرّكّة تحدث فى الممتد المتصل 
ھی لا رت تكرة ممتدة مصلة: وكذلك الر مات المتوفف على الك 
يكون مثلها ممندا متصلاء وآمر آخر أيضًا مشترك بين الزمان والحركة 
على المسافة وعلى الشركة وغل الرمان نكما اله مرجد على السواء 
تقدم وتأخر في العظم (المسافة أو المكان) الذي اجتيزء يلزم أيضًا 
أن الاثنين (التقدم والتأخر) جميعا يوجدان في الحَرَكة» وما داما في 
الحَرَكة فإنهما يظهران في الزمان مادام الزمان والحَرّكّة متكاملين» أحدهما 
للآخرء ولهما بينهما أكبر العلاقات)2". 

وإِذا ففي الزَّمان تقدم وتأخر بهما يمكن استثبات معنى الزّمان 
وصيرورته وتقضيه» ولكن لا من حيث التقدم والتأخر الزمانيين» بل من 
حيث مضاهاة تقدمه وتأخره بما في الحَرّكّة من تقدم وتأخر أيضًاء ومعنى 
)١(‏ أرسطو: المرجع السابق نفس الموضع» وأيضا يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية ص 

5 » عبد الرحمن بدوي: أرسطو ص ۲۸۱. 


(؟)أرسطو: المصدر السابق ص 5١8‏ (من ترجمة إسحاق بن حنين)» وص ° (من 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 2 


ذلك أن مفهوم الزّمان إنما ينبثق ويلوح حين نولي وجهنا شطر التقدم 
والتأخر في مفهوم الحركة» فها هنا فقط يدرك الذَّهن أن ثمة معنى مساوقها 
لهذا التقدم والتأخرء غير الحَرَكة والمسافة» لكن نخطئ إذا ربطنا الرّمان 
بالحرّكّة من حيث التقدم والتأخر في المسافة» وذلك لأن هذين المعنيين 
يلحقان الحَرّكّة باعتبارين مختلفين إذ الحَرَكَة تنة تنقسم إلى متقدم ومتأخر من 
حيث إنها تنطبق على متقدم ومتأخر في المسافة أو المكان. وهنا يمكن 
أن نفصل بين متقدم ومتأخر في مسافة الحَرّكة ومتقدم ومتأخر في ذات 
الْحَرّكّة بحيث يمكن القول بأن المتقدم والمتأخر بالمعنى الأول -أعني 
في المسافة- يلتقيان في الوجود ويجتمع كل منهما بالآخر ويبقى معه» 
بخلافهما في المعنى الثاني فإن المتقدم في الحَرَكة لا يجتمع مع المتأخر 
منها أبدا. وإذا کان الرّمان إنما يوجد على شكل سيال صائر دائما فإنه بهذه 
الخصيصة إنما يطابق المتقدم والمتأخر في معنى الحَرّكّة لا في معنى 
المسافة. ومن هنا يخلص أَرِسْطُو إلى تعريف الزّمان بأنه: «عدد الحَرَكة 
من قبل المتقدم والمتأخر)0". 

ولكن أية حَرَكة تلك التي يرتبط بها الرّمان كمقياس أو كمقدار في 
هذا التعريف؟ 

لقد طرح أَرِسْطُو نفس هذا التساؤل في نهاية عرضه لمشكلة الرّمان 
حين قال: «ومما للإنسان أن يتشكك فيه أيضًا أمر الرّمان: عدد أي حَرَكَة 


)١(‏ الطبيعة: ج ١‏ ص 47١‏ (ترجمة إسحاق بن حنين)» وأيضا: عبد الرحمن بدوي: الرّمان 
الوجودي ص 5١‏ (ط النهضة المصرية ٠۹٥٩١‏ م). 


www.alimamaltayeb.com 


۹۰ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


هو؟ فنقول في ذلك: إِنَّه عدد أي حَرَكَة كان نت؟ فإن ما يتكون إنما يتكون 
أبدا في زمان» وكذلك ما ينمي وما يستحيل وما ينتقل. فمن جهة ما الرّمان 
حَرَكَة» من هذه الجهة هو عدد واحدة واحدة من الحركات» فهو لذلك 
عدد الحَرّكّة المتصلة على الإطلاق» لا عدد حَرَكة ما)0". ومعنى هذا أن 
الزّمان مقياس للحَرّكّة كيفما كانت» فهو لا يختص بنوع معين من أنواع 
الحركات بل يعدها كلها ويقدرها كلهاء وذلك لأن الحركات الجزئية إنما 
اموت يرا تي اود ادر موسيم 
ارتباطه بالمعنى الكُلّي العام للحَركةء فهو حين يقدر حَرَكة النمو أو حَرَكة 
النقلة أو الاستحالة إنما يقدرها من حيث معنى الحَرّكّة في كل هذه الأنواع 
لا من حيث إن هذه نامية» وتلك منتقلة» والأخرى مستحيلة» وذلك لتلا 
يلزم تعدد الزّمان وتنوعه بتعدد الحركات وتنوعها. وأمر بيّن -فيما يرى 
أَرِسْطُو- أن الرّمان كل واحد وهو متشابه ومتحد بالنسبة لجميع الأنواع 
المختلفة لمعنى الحَرَكة» شأنه في ذلك شأن العدد الذي هو واحد بالنسبة 
لكل ما يعده» فالسبعة -مثلا- هي عدد مهما اختلفت الموجودات التي 
تقال غليهاء أو كما يعبر أرشطوة «ونعما يقال أيضًا: إن عدد الغنم وعدد 
الكلاب واحد بعينه إذ كان كل واحد من العددين سواء)”". 

وأمر آخر أيضًا يأخذه أَرِسْطُو في الحسبان وهو يجيب عن تساؤله 
هذاء هو أن مثل حر كة النمو وحَرَّكّة الاستحالة وحتى حَرَكة الكون والفساد 
)١(‏ المصدر السابق: ص ٤۷۷‏ (ترجمة إسحاق بن حنين). 
(۲) نفس المصدر: ص ٤۸١‏ . 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ٨۹۱‏ 


لا نستطيع أن نستثبت فيها معنى الاستواء والانتظام والاتصال» وهي كلها 
معان تشكل لب الرّمان وجوهره في الؤجود» فمثل هذه الحركات أبعد ما 
تكون عن خصائص الرّمان الكل وطبعه. 

أمَا الحَرَكَة المكانيّة فإننا وإن كنا نرصد فيها شيئا كهذاء وذلك حين 
تكون الحركة المكانيّة على سبيل الاستقامة: وَتَمّةَ لا مناض من أن 
تفقد هذه الحَرَكة اتصالها وانتظامها في نقطة ماء إلا أننا نلتقي بالاتصال 
والانتظام حين تكون الحَرّكّة المكانيّة على سبيل الاستدارة» فهنا يمكن 
أن نتصور الحَرّكّة متصلة ومستمرة» لآن المبدأ والمنتهي هنا غائبان» فكل 
نقطة في المكان المستدير بداية ونهاية وهنا يلبس أَرِسْطُو هذه الرّكَة ثوب 
الاتصال والدوام واللا توقف ويضيفها إلى الأفلاك والأجرام السماوية 
تلك التي لا تكف لحظة عن الحَرّكّة الدائريّة أو عن الاستدارة في حَرَكَة 
لا تنتهي» ومعنى ذلك أن هذه الحَرّكّة الدائريّة المنتظمة» والتي هي حَرَكَة 
القَلّكء هي الحَرّكّة الوحيدة التي نلمح فيها طبع الزَّمان وخصيصته؛ فهي 
متصلة كاتصاله ومنتظمة كانتظامه ومستمرة دائمة كاستمراره ودوامه. وإذًا 
فالرّمان حين يكون مقياسا للحَرَكة في نظريّة أَرِسْطُو فإنما يكون مقياسا 
لحَرَكة المَلّك الدوار المتصل فقطء ثم تندرج بعد ذلك سائر الحركات 
العرعية الالخرس دزت هدا ال الا المي الكلى الا 

وانطلاقا من هذه الأشباه والتظائر بين الحَرَكة والرّمان يرى أَرِسْطُو 
أن الرمان بق الك نكا أن الك كة رفورها تقبس ال نان وه يقرل 


Duhem. Le systeme du woude I. 2, L 87, 1 85 (1) 


www.alimamaltayeb.com 


4۲ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


أَرِسْطُو: «وليس إنما تقدر الحَرَكة فقط بالزّمانَء بل قد يقدر الزّمان أيضًا 
بالحرّكّة من قبل أن كل واحد منهما يحصل بصاحبه» فإن الرّمان تحصل 
به الحركة وتحد به هن :قبل أنه عددهاء وقد خضل الرّمان أيضًا بالحركة 
ويحددبها فإننا نقول: زمان كبير وزمان يسيرء ونحن إنما نقدره بالحركة». 
بعد ذلك نستطيع أن نزعم أن التعريف الأرسطي لمفهوم الزَّمان قد 
أضفى عليه ظلالا مادية كثيفة حين أبقاه رهنا بمفهوم المكان ومفهوم 
الحَرّكّة ومفهوم المَلّكء وأن الزَّمان الأرسطي -كما يستنبط ذلك بعض 
المدققين- زمان حسي لا زمان عقلي أو زمان معقول» فهو لم يبرح حدود 
الطبيعة أو المادة إلى عالم النَفس الكُلَّيَة أوعالم المعقولء ذلك العالم الذي 
ارتبط به معنى الزَّمان في الفلسفة الأفلاطونيّة ومدارسها وتلاميذها حين 
نسبوا الزّمان إلى التفُس التي هي الأقنوم العالث في عالم المعقول”". نقول 
ذلك بالرغم من أن أَرِسُطُو قد جهد الجهد كله لأن يربط الرّمان أيضًا بالتفس 
المدركة له ربطا أكد فيه أنه متى لم تكن نفس لم يكن زمانء لأن التَّمْس هي 
التي تعد الزّمان وهي التي تؤلف من الماضي والمستقبل صورته ومعناه. 
وعنده: أن العاد والمعدود أمران إضافيان» فمتى غاب أحدهما لم يبق لللآخر 
وجود» يقول أَرِسْطُو: «ومما يتشكك فيه أيضًا: هل يمكن أن يكون الزّمان 
موجوداء وإن لم تكن نَمَّ نَفْسٌ؟ أو لا يمكن ذلك؟ فنقول: إِنَّه إذا كان 
)١(‏ المصدر السابق: ص ٤٤١‏ (من ترجمة إسحاق بن حنين)» وص 771 (من ترجنة لطفي 
السيد). 


(۲) عبد الرحمن بدويك الرّمان الوجودي ص ۷۸. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 4 
العاد غير موجود لا محالة» فالذي يعد أيضًا غير موجود لا محالة.... 
فغير ممكن أن يكون الزّمان موجودا إذا لم تكن نفس موجودة)'. 

ومع ذلك فارتباط الرّمان بالحرّكٌة وبالمكان في النّظريّة الأرسطيّة يقلل 
كثيرا من شأن هذه النّظرة الذّائية التي كادت تلحق معنى الزَّمان من خلال تلك 
الصلة بينه وبين التفس» بل مثل هذه التظرة ليست إلا ظلا باهتا في الإطار 
الأرسطي السابقء إطار المسافة والحَرَكة والمَلّك. وبذلك يبقى الرّمان في 
النّظريّة الأرسطيّة زماناطبيعيا ماديا يمثل الساعات والأيام والشهور والسنين. 

إذا ما اتشلا إلى اخ .سينا فإننا لا نكاد تفي شيعا جديدا ذا بال 
في هذا الصدد. وذلك إذا ما غضضنا الطرف عن الأطر المنطقيّة الدقيقة 
التي صب فيها مفاهيم أستاذه في مشكلة الرّمان» بحيث نستطيع أن نؤكد 
أن عمل الشيخ الرئيس في هذا المجال كاد ينحصر في عقلنة المضامين 
الأرسطيّة وتقديمها من جديد في لون أخاذ من البرهنة والاستدلال وهذا 
بالإضافة إلى ظاهرة التلفيق بين أَرِسْطُو والأفلاطونيّة المحدثة حين تدخل 
معه مشكلة الرّمان في الأبعاد الميتافيزيقيّة الخالصة» أو قل: حين تتشابك 
مفاهيم العقيدة مع مفاهيم الفلسفة الأرسطيّة في هذه المشكلة. 

إن ابن سينا يبدأ -كأَرِسْطُو- بالرد على المدرسة التي أنكرت وجود 
الرّمان والمدرسة التي تفهم الزَّمان على أنه أمر متوهم» كما يرد على التي 
تلظ بين ف آل اا الك 1 مهما عونا وعد 
)١‏ الطبيعة: ج١‏ ص ٤١١‏ (ترجمة إسحاق بن حنين) وأيضا: يوسف كرم: تاريخ الفلسفة 


اليوناينة ص .١55‏ 


www.alimamaltayeb.com 


3< موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


وهو يحطم هذه الوحدة كما حطمها أَرسْطُو من قبله» ثم يربط ! بين الرّمان 
والحرّكّة بأسلوب وإن اختلف في طريقة لكر كادف إلى تسن 
النقطة التي تأدت إليها النّظريّة الأرسطيّة من قبله» وهي: أن الزَّمان مقدار 
الحَرّكة من حيث المتقدم والمتأخر“ 

وابن سينا حين يرصد الزّمان في الؤجود فإنما يرصده في مجال 
الحَرَكة أيضًا لأنه يستنبطه من المقارنة بين الحركات المختلفة في المسافة 
الواحدة» وهو مجال حسي يخضع تماما لمقاييس المكان والحَرّكّة وما 
بينهما من معاني التقدم والتأخر والسرعة والبطء وقد التزم ابن سينا في 
جميع مؤلفاته التي تعرضت للزمان» استخراج فكرة الزَّمان من تصور 
حَرَكَة ذات سرعة معينة تقطع مسافة معينة» ومعها حَرّكّة أخرى على 
ذات السرعة نفسها وابتدأتا معاء فهنا نقول إن المسافة لابد وأن تكون 
مسافة واحدة بينهما. لكن إذا ما فرضنا أن حركة على نفس هذه السرعة 
ولكن لم تبتدئ مع الحَرّكة الأولى بل بدأت بعدهاء ثم انتهيتا معا فإنا 
نحكم بأن مسافة هذه الحَرّكّة الثانية أقل من مسافة الحَرّكّة الأولى رغم 
اتفاقهما في السرعة»ء كذلك إذا ما فرضنا أيضًا أن حَرَكة ثالثة بطيئة بدأت 
ا اریت اال رات ت معها فإن المسافة لابد وأن تكون 
أقل من المسافتين السالفتين. وإذن فهذه الحركات المختلفات سرعة 
وبطئا إذا ما بدأت معا وانتهت معا فإننا نرصد بين ابتدائها وانتهائها أمرًا 


)١(‏ ابن سينا: الشفاء: الفصل العاشر من المقالة الثانية من الفن الأول في الطبيعيات ص 
۸ - ۷۲ (ط طهران). 


www.alimamaltayeb.com 


مشتركا بين هذه الحركات جميعهاء أي أمرًا منطبقا على كل من الحَرَكّة 
السريعة التي قطعت مسافة كبيرة والحَرَكة المتوسطة التي قطعت مسافة 
متوسطة» والحَرَكة البطيئة التي قطعت مسافة أقل من كل من المسافتين 
السالفتين. فهذه الحركات الثلاث المختلفات قد تشاركت تمام المشاركة 
في هذا الأمر المستخلص المنتزع بين بدايتها ونهايتها. هذا الأمر يسميه 
ابن سينا: «إمكانا» أي متسعا أمكن كأ داخله- أن تكون هذه الحركات 
ذوات مراتب مختلفة من السرعة ومن المسافة» وبحيث لا يمكن أن تقطع 
البطيئة مسافة السريعة أو مسافة الوسطىء كما لا يمكن للوسطى أيضًا أن 
تقطع فيه -في هذا المتسع- مسافة السريعة» بينما أمكن للحَرَكة السريعة 
وللحَرَكة الوسطى قطع مسافة الحَرَكة البطيئة في جزء هذا الإمكان أو هذا 
المتسع لا في كله. ثم يواصل ابن سينا تفريعاته وتشقيقاته لتحديد هوية 
هذا الإإمكان» وإبراز ذاتياته وخصاصه فيقرر أن هذا الإمكان ليس هو نفس 
الحَرّكّة ولا نفس المسافة ولا نفس السرعة والبطءء لأن هذه الأمور كلها 
مع اختلافها وتباينها قد اتفقت في هذا الإمكان» فهو إِذَا أمر مغاير لكل 

من الحَرّكّة والمسافة والسرعة والبطءء ويقرر ابن سينا -أيضًا- أن أخص 
خصائص هذا الإمكان هو أنه إمكان منقسم أو ذو أجزاء لأن الحركات التي 
وقعت داخل إطاره لا مانع يمنعنا من أن نفترض أن نصف هذه الحركات 
قد وقع في نصف هذا الإمكان وثلثها في ثلثه وربعها في ربعه وهكذا. فهو 
إذَا كم من الكموم أو مقدار من المقادير» لأن المقادير هي التي تقبل الزيادة 
والنقصان -أو إن شئت: الانقسام- لذاتها. لكنه كم متصل أي مقدار ليس 


www.alimamaltayeb.com 


۳۹٦‏ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
قار الات ولا ثابتاء لأن أجزاءه تتأبى على الاجتماع والؤجود معا. ولأنه لو 
كان مقدارا ثابتا لغدا مقدارا للمسافة أو مقدار للمادة الثابتة الموجودة في 
المتحرك» وهو أمر غير معقول» فقد سبق أن المسافة والمتحرك والحركة 
أمور قد تختلف وتتغاير فيما بينهاء ولكنها دائما متساوية الحظوظ في هذا 
الامكان المتدرفي» على ادل كان هذا الأمكان مقدارا للجادة الموجودة 
في المتحرك لأصبح لزاما أن يكون كل ما هو أبطأ أكبر مادة أو جِسْميّة 
وبالعكس كل ما هو أسرع أصغر في المادة والجِسْميّة لأن هذا الإمكان 
-الذي هو الزَّمان- أكبر في البطئ منه في السريع» فلو كان هذا الإمكان 
يقدر المادة في المتحرك لكان كلما وجد هذا الإمكان بصورة أكبر وجدت 
المادة أيضًا بصورة أكبر كذلكء إذ المقدار مطرد دائما مع ما يتقدر به نقصا أو 
زيادة. وإذا كان زمان البطئ أكبر من زمان السريع فيلزم حتما أن يكون الأول 
دائما أكبر حجما ومادة من الثاني. وهذا أمر يدحضه الحس ويكذبه الواقع. 

وينتهي ابن سينا من هذا التحليل إلى أن الإمكان المفروض 
مقدار متصل غير قار أو غير ثابث» ومن نَم فهو لا يقدر الهيئات 
القاية الات عالمينافة و كال هة و( لما قدو أن ا كله لأ يشر ولا 
شت وليين هذا الأ ال فال مان [ذن لبس إلا مدا 
للحَرَكة» يقول ابن سينا: فهو إِذَا مقدار هيئة غير قارة وهي الحَرَكة» 
ولهذا لا يتصور الزَّمان إلا مع الحَرَگة» ومتى لم يحس بِحَرّكّة لم 
يحس بزمان كما قيل في قصة أصحاب الكهف)2. 


)١(‏ النجاة: ج ۲ ص ۹٩۱۸ء‏ طبيعيات الشفاء: ص ۷۲ - ۷٤‏ (ط طهران). الإشارات:- 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 2 

واضح كل الوضوح مما قدمه لنا ابن سينا في هذا المقام أنه ليس 
صعبا أن نرد الفكرة السينوية هنا إلى الأصول الأرسطيّة التى أسلفناها 
من قبل وهي: مقدارية الزمان» وعرضيته» وارتباطه في التصّور بمفهوم 
الحَرّكّة ومفهوم المكان. ولا أكاد أشك في أن ابن سينا قد ترسم هنا 
خطوات أرِسْطو خطوة خطوة بحيث لا نتوقع جديدا في الفكر السينوي 
فيما عدا هذا العرض المنطقي الذي عرض فيه -من جديد- فلسفة 
ارش فيما تعلق ومشكلة زل مان 

وفكرة ارتباط الزَّمان بالحَرَكة نجدها أيضًا عند الكندي أول فلاسفة 
الإسلام» وهي تعكس -بلا ريب- مدى تغلغل الأثر الأرسطي في بعض 
مناحي الكندي واتجاهاته. ويرغم أن المحصلات النهائية لفكرة الرّمان 
تتعارض وتتعاكس تماما بين فيلسوف العرب وفيلسوف اليونان» ضرورة 
أن الزّمان والحَرَكة والجرّم حوادث ذوات بداية ونهاية وجوديتين عند 
الكندي» بينما الزّمان والحَرَكة في المفهوم الأرسطي لا نهائيان في جانب 
الماضى» آل برغم هذا التعارض الصريح فين المنحى انات فقل 
ظل الرّمان مرتبطا عند الكندي بالحَرَكة ويدور معها وجودا وعدماء وبرغم 
أن فكرة الرّمان عند الكندي قد عراها شيء من غموض وإبهام إلا أنه ليس 
صعبا أن نتعرف على هذه العلاقة الحتميّة بين الرّمان والحرّكّة في فلسفته» 
فهو يقول في إحدى رسائله: «ولا جرم بلا زمان لأن الرّمان إنما هو عدد 
الحَرّكّة أعني أنه مدة تعدها الحَرَكة» فإن كانت حَرّكّة كان زمان وإن لم 


= ج ١‏ ص 7١1075‏ (بشرحي الرازي والطوسي): التعليقات: ص ١١9‏ تحقيق بدوي. 


www.alimamaltayeb.com 


۳۹۸ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
تكن حَرَكَة لم يكن زمان... ثم يقول: فالجرْم والحركة والزّمان لا يسبق 
بعضها بعضا في الآنية فهي معا)0". 

وإذّا فلا نعدو وجه الصواب لو قلنا: إن فكرة أَرِسْطُو في ربط الرّمان 
بالحَرّكّة قد كانت في الفلسفة الإسلاميّة أشبه بالأمر الحق الذي لا اختلاف 
عليه ولا جدال حوله» وذلك بالرغم من تباين الاتجاه أحيانا بين الفلسفتين 
أو إن شئت: برغم التباين بين الروح الإسلاميّة والروح اليونانيّة. 

وإذا كان الأمر كذلك فما هو موقف أبي البَرَكَات من مشكلة الزَّمان؟ 

-أول سمات هذا الموقف أنه ينهج نهجا مغايرا للنهج الأرسطي 
-والمَشّائين من بعده- من حيث انتساب مشكلة الزّمان إلى مجال الفيزيقاء 
ذلك أن دراسة الزَّمان عند أَرِسْطُو إنما هي دراسة في صميم المسائل 
الفيزيقيّة. فالرّمان هو مقولة تلي مقولة المكانء والأين والمتى -في 
منطق أَرِسْطُو- مقولتان متجاورتان» وهما على تجاورهما ذواتا وشائج لا 
تنفصم بمعنى الحَرَكة والمُتَحَرّك ولقد سلف أن رأينا أَرِسْطُو يشترط في 
الحَرّكّة أن تكون في مسافة -أي في مكان- ومع زمان يقدر هذه الحَركة 
أو يعدها. فالمجال الصحيح -إِذًا- لدراسة الرّمان -فيما يرى أَرِسْطُو- هو 
المجال الطَبِيعي وأشد المفاهيم الطبيعية التصاقا بمعنى الرّمان هو المكان 
والحَرَكة والتَّمَيِّرهِ ولا حرج على أَرِسْطُو -فيما أعتقد- أن يصنف الزَّمان 
في قائمة المَشّاكل الطَّيعِية مادام مفهومه يستلزم مفهوم الحرَكَة ويستدعيه» 
ومادام علم الطبيعة في لبه -عند أَرِسْطُو- ليس إلا نظريّة للحركة إذ هي 


)١(‏ رسائل الكندي الفلسفيّة: ج ص 5 ۲٠١ 27١‏ تحقيق د. أبو ريدة. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۲۹4 
أعم المبادئ الطَّيعية وأكثرها بروزا وأشدها وقعا على الإحساسء بل لا 
حرج على أَرِسْطُو في أن يصنف الزَّمان في مباحث الطبيعة» لأننا نستطيع 
أن نزعم أن الرّمان والمكان والخلاء واللا نهاية -فيما يرى أرسطو- ليست 
الامسائل آولية أو مداخل شترورية للوضول إلى النطرية الخابنة للك 115 

والآمر عند أبي البَرَكّات يختلف كثيرا عن هذا النمط الأرسطي حيال 
موضوع الرّمان» فالزّمان عنده مشكلة تنتسب إلى عالم الفيزيقا انتسابا ما 
ولكنها تشي إلى غالم الشعور الذاتی اتساب أمكن وأدغل وين ل رايا 
أبا البركات لا يستقصي القول في فكرة الرّمان في القسم الطَِّيعي مثل ما 
استقصاها في مشكلة المكان في نفس هذا القسم» وواضح أن ثمة فرقا بين 
مفهومي المكان والزَّمان من حيث طبيعة كل منهما وصلاته بالفيزيقا أو 
الميتافيزيقاء وهذا الفرق فيما أرى قد حمل فيلسوفنا على أن يشطر دراسته 
للزمان شطرين: شطر عرض فيه للمشكلة عرضا نقدياء وهو شطر فيزيقي 
محض وشطر آخر طرح فيه تصوره الجديد في مشكلة الزَّمانء وهذا هو 
الجانب الميتافيزيقي في المشكلة» أو هو جانب مزج فيه بين معطيات 
الشعور وتأملات الميتافيزيقا. وقد حرص على أن يجعل القسم الأول 
من دراسته هذه في العلم الطبيعي» والقسم الثاني منها في العلم الإلهي 
أو العلم الكلّي الميتافيزيقي. وبهذا نستطيع أن نؤكد بادئ ذي بدء أن أبا 
البركات قد أضاف لمشكلة الرّمان بعدا سيكولوجيا جديدا لم نجد له 
ظلا عند أَرِسْطُوء والمَشَّائين من بعد أولئك الذين استخلصوا صفات 


)١(‏ بارتلمي سانتهلير: مُقَدّمة كتاب الطبيعة لأرسطو ص "١‏ الترجمة العربية. 


www.alimamaltayeb.com 


و موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المشَانِيّة 
الرّمان «ابتداء من صفات الامتداد والمكان» ولهذا جاءت الصورة التي 
أعطاها أَرِسْطُو للزمان صورة مادية آلية قد سلبت الرّمان كله حيوية». 
نعم قد كانت للزمان ظلال ميتافيزيقيّة في الفلسفة المَشَّائيّة نشأت من تعلق 
مفهومه بمفهوم القدم والحدوث والأرَليّة والأبيّة إلا أن هذه الظلال 
الميتافيزيقيّة ما كانت لتنشأ لو أثنا بحثنا مشكلة الرّمان بحا بعيدا عن مجال 
الميتافيزياء بمعنى أن البعد الميتافيزيقي للزمان في الفلسفة المَشَّائيّة إنما 
يتجسد حين يتشابك الزّمان مع مفاهيم الأزل والأبد والسرمد وحين يحرك 
الزّمان مشكلة القدم والحدوث والنهاية واللا نهاية» فإذا ما تجاوزنا مثل 
هذه الملابسات العقليّة التي تنشأ وتثور بالقصد الثاني لا بالقصد الأولء 
فإن الزَّمان عند المَشَّائِين لا يبرح معنى الحَرَكة والمكان والتَغيّر وهي 
معان تعكس لنا في المقام الأول الوجه الجامد الساكن للطبيعة والمادة. 
أكا أو ال کات ققد عال بالزمان كله وافحاد ال جائي 'الشعور 
حين ربطه ربطا وثيقا بمعطيات هذا الشعور التلقائي الل ناا س 
وينبغي ألا نفهم من هذا الارتباط بين التَفْس والرّمان أن الرّمان قد عاد في 
فلسفة أبي البركات أمرا طبيعيا أو مادياء ضرورة أن التفس مرتبطة بأمور 
طبيعيّة كالقوى الحسَيّة الظاهرة والباطنة -مثلا-» لأن أبا البَرَكَات حين 
يربط الزّمان بالتقس فإنما يعني بالتقس هنا الجانب الفطري البعيد عن 
هذه الاعتبارات الجسْمية أو المادية» وهذا ما سوف يؤكده هو نفسه وهو 


.77١ عبد الرحمن بدوي: أرسطو ص‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۴۰۱ 


يتحدث عن الوّجود والرّمان ذ في القسم الميتافيزيقي من كتابه المعتبر". 
كما يضيف أبو البركات إلى الزَّمان بعدا ميتافيزيقيا جديدا حين يربط 
الزمان بمفهوم الوجود لا بمفهوم الحَرَكة ومن ثُمّ يكون بحث الزمان في 
القسم الطبيعي عند أبي البرگات جانبا سلبيا فقط» أي جانبا نقديا حاول 
فيه فصم العلاقة الحتميّة التي أقامها المَساءون بين الزّمان والحَركة أمّا 
الجانب الإيجابي أو جوهر مذهب : البرّكات في الزَّمان فإننا لا نعثر 
عليه إل في نهاية خر ته الميعانيريفة 


وفيلسوفنا في هذا الجانب الفيزيقي يجهد الجهد كله ليحطم 
ارتباط الزَّمان بعالم الحس أو عالم العقل» وهو في محاولته هذه يمهد 
لهدم التظريات التي تجعل الزَّمان أمرا محسوسا هو معنى الحَرَكة وذاتها 
ومفهومها كما يمهد أيضًا لهدم الأسس العقليّة الفلسفيّة التي اعتمد عليها 
المَشَّاءون في استخلاص مفهوم الرّمان من ملاحظة معنى الحرَكة ومعنى 
المكان» والتي تأدت بالمدرسة المَشَّائيّة -في المحصلات الأخيرة- إلى 
أن تغرف ال مان بان مقدار الشركة 

وأبو البركات حين ينفض عن الرّمان ثوب الحِسٌ فإنما ينهج نهجا 
غاية في البساطة والقوّة في نفس الآن» ذلك أن ذات الرّمان أمر لا يناله 
الح أنذاك ل ما لست ل اء لا لمكاو لاير اد كما الجا لست اا 
ولا ليناء فالرّمان -في ذاته- لا يقع في دائرة الحواسٌ وآلاتهاء والحسٌ وإن 
أمكن أن يستثبت الحَرّكّة -ولو في بعض وجوهها- إلا أنه يعجز عجزا 


)١(‏ انظر: الفصل الثاني من الباب الثالث من هذا البحث. 


www.alimamaltayeb.com 


۲۰ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


تاما عن استثبات الزَّمان وحصره وتحديده. وبهذا يخرج مفهوم الزَّمان عن 
حدود المعرفة الحسَيّة ويند عن ميدانها إذ يتعالى على وسائلها وطبيعتها. 

والأمر قد لا يختلف كثيرا بالنسبة للتصور العقلي للزمان أو -على 
حد تعبير أبي البركات- محصول الأذهان في: ما هو؟ وكيف هو؟ ومن 
أين حصل؟ وهنا نلتقي بالمحاولة المَشَّائيّة السالفة» وانطباعات فيلسوفنا 
عن هذه المحاولة: أن خطأ الملاحظة والاستنتاج قد لعب دورا كبيرا في 
قوام هذا التَصور وبنائه» ولعل ما بين معنى الرّمان ومعنى الحَرَكة من 
أوجه الشبه قد اضطر المَشائين إلى ما اضطروا إليه من استثبات الرّمان 
بالحَرَكةء وأن الذي لا يتصور حَرَكة لا يتصور زماناء وهذا فيما يرى أبو 
البركات جحد صريح لمنطق الفطرة والوضوح» فمعرفة الرّمان -فيما 
E a e a‏ ميق هذ 
وجود الحَرَكة. وإِذًا فقول المَشَائيّة إن من لم يشعر بِحَرّكَة لا يشعر بزمان» 
قول باطل ومردودء والحق -فيما یری أبو البَرَكّات- أن من لا يشعر بزمان 
لا يشعر بحَرّكّة لأن الشعور بالحَرَكة يستلزم الشعور بمعنى القبل والبعده 
وهذا القبل والبعد لا نعثر عليهما متجاورين في معنى الحَرّكّة بينما نستطيع 
في التَفس -أو في الهن- تصورهما متجاورين» ومعنى هذا أن القبل 
والبعد المتجاورين تصوراهما ضووة الرّمان أو عات وإذًا فالقبل والبعد 
الرّمانيان -أو إن شئت: الرّمان- هو الذي يظهر القبل والبعد في الحَركة 
لا العكسء وين نَم لا يتوقف تصور الرّمان على تصور الحَركة أبداء يقول 
أبو البرّكات في هذا المعنى: «والذين قالوا: إن من لا يشعر بحَرّكّة لا يشعر 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۳.۴۳ 


بزمان يعكس القول عليهم فيقال: بل من لا يشعر بزمان لا يشعر بِحَرّكّة 
فإن الذي يشعر بالحَرَكة يشعر بقبل وبعد في مسافة لا يجتمع القبل والبعد 
فيهاء بل (تجتمع) في الأذهان» وذلك القبل والبعد (المتعلقان بالحركة) في 
قبل وبعد هو الرّمان»“. وكأن أبا البَرَكَات يهدف إلى أن صيرورة الحَرّكَة 
إنما ينبغي علينا أن نعيها عبر صيرورة الزَّمانء لأن الرّمان الحي المتدفق 
المتمثل في قبل وبعد متعاقبين على التوالي إنما موطنه التّفْس أو الشعورء 
فثمة يعيش الزَّمان جوهرا سيالا لا يكف أبدا عن الحضور والظهورء وهو 
في هذا الموطن إنما يبدو وكأنه مبتوت الصلات والروابط بإطار الحركة 
ومعنى القبل والبعد فيها. 

والحقيقة التي تطالعنا في هذا المجال أن أبا البركات يعمد في أول 
الأمر إلى تحطيم العلاقة المكينة بين مفهوم الزَّمان ومفهوم الحَركة» وهو 
بهذا يقلب المفهوم الأرسطي رأسا على عقب فإذا كان المذهب المَشَّائي 
لا يتصور انفصاما بين هذين المفهومين فإن أبا البَرَكَات لا يتردد لحظة 
في أن يجوز تصور زمان بدون حَرَكة» وإذا كان المَشَّاءونَ لا يرون بأسا 
في أن نتصور مكانا لا حَرَكة فيه فلماذا يحيلون تصور زمان لا حَرَكة فيه! 
ويعجب أبو البرَكات من أَرِسْطُو وابن سينا كيف استخرجا من قصة أهل 
الكت هيدا ارقاظ الزمان بالكركة لمجره أن أضبحات الف حي 
تيقظوا وتنبهوا لم يصدقوا أن ثمة زمانا طويلا قد أظلهم في رقدتهم هذه 
وأنهم ما أنكروا الرّمان إلا لعدم شعورهم بالحَرَكة وجريانهاء ولو أنهم 


)١(‏ المعتبر في الحكمّة: ج 7 ص /الا. 


www.alimamaltayeb.com 


1 موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


أحسوا بها لكانوا قد أحسوا بالزّمان ولما ثقوه. إن أضحاب الكيف قد 
أنكروا الزّمان -فيما يرى أبو البركات- لأنهم فقدوا في نومتهم هذه أصل 
الشعور وأصل الإحساس» لأن النائم لا يشعر بشيء سواء أكان هذا 
المشعور به حوّكة آم زمااء فاتعدام الشعور هنا هى العلّة في إنكار 
امان وقرق بين الايكرة الحداء أصل الشعرو هو الا وبيق أن يكون 
انعدام الشعور بالحَرَكةء هو العلّةء فإنكار الزّمان في هذه القصة ليس 
مخذاذ يفية ll‏ كن كما يقالط EA‏ يفي صل 
الشعور بكلٌ شيء على الإطلاق» وأصحاب الكهف كما لم يشعروا 
بزمان لم يشعروا بحَرّكة أيضًا لنفس العلّةَ والسبب» فكلاهما معلل 
بعلة واحدة هي فقدان أصل الشعور. «لا أن عدم الشعور بهذا علة عدم 
الشعور بهذاء ولو كانوا في كهفهم وظلمتهم على حال يقظة لما مضت 
عليهم ساعة (زمان) لا يشعرون بهاء فإن الواحد منا إذا كان كذلك وادعا 
ساكنا لا يدرك شيئا ببصره ولا يشعر بِحَرَكة متحرك» يشعر بما مضى 
من الزّمان في حالته تلك.. فيشعر بالزَّمان مع عدم شعوره بالحَرّكّة)2. 

5-وبعد أن يفرغ فيلسوفنا من تحطيم هذه العلاقة الثابتة بين الرّمان 
والحرّكٌة في التَصور المَشَّائِي يوجه سهام نقده صوب نقطة أخرى في ذلك 
التَصَوّره تلك التي تقرر أن الزّمان عرض في الحَرَكةء فابن سينا يصرح 
أن الرّمان ليس جوهرا لأنه لا يقوم بذاته ويعلل هذه العرضية بأن الزَّمان: 
"كيف يكون مما يقوم بذاته ولیس له ذات حاصلة وهو حادث فاسد» وکل 


)١(‏ أبو البَرّكّات البغدادي: نفس المصدر والصفحة. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۵< 


مايكون مكل هذا فوجوده متلق بالمادة فيكوث الرّمَانَ ماديا ومعتى 
ذلك أن الزّمان ليس جوهرا لأنه متصرم متجدد» فهو عرض في المادة 
وليس أمرًا مستقل الوجود والحصول في ذاته. وأبو البركات لا يرتضي هذا 
التعليل لأن مفهوم الجوهر -فيما يرى المَشَّاءون أنفسهم- أنَّهِ الموجود لا 
في موضوع» وأن العرض هو الموجود في موضوع لا كجزء منه» أو كما 
يقرر ابن سينا: «إن الموجود على قسمين: أحدهما: الموجود في شيء 
آخر وذلك الشيء الآخر متحصل القوام والنوع في نفسه» وجودا لا كجزء 
منه» من غير أن تصح مفارقته لذلك الشيء وهو: الموجود في موضوع 
(العرض). والثاني: الموجود من غير أن يكون في شيء من الأشياء بهذه 
الصّفة فلا يكون في موضوع ألبتة» وهو الجوهر)””". فإذا كان الجوهر هو 
الموجود استقلالا أي لا يستند في وجوده وعدمه على مقارنة شيء أو 
مفارقته» فلماذا ننفي صفة الجوهرية عن الرّمان؟ إننا إذا قلنا: إن الزّمان 
ليس جوهراء وعللنا قولنا هذا بأن الرّمان متصرم متجدد فإن هذا التعليل 
يحتم أن يكون تعريف الجوهر: أنه الموجود أبداء أو الذي لا يحدث ولا 
يعدم» لا أنه الموجود استقلالاء أو لا في موضوع» فالتناسق هنا مفقود 
بين تعليل المَشَّائِين والأمر الذي عللوه. وإذّا فليس ثمة ما يمنع -بنفس 
المقايين لكشا أن وال مان جره 
617 ان سيغا: الكقاء: الشات 1/4(ط واف 
(9) الشقاء: االات ع ۷د (ط القاهرة 5 )١‏ عطق الأب قران وسعيد زايد هوآيضاة 
تعليقات صدر الدين الشيرازي على هذا eT‏ الكقاء ص ۴ 12 


ظيراة): 


www.alimamaltayeb.com 


۳٦‏ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


وإذا كان العرض هو ما لا يصح له وجود إذا فارقه موضوعه أو زال 
عنه فكيف يكوك الزّمان عرضا وهو بهقوفة حاضل متجده لا نتضون له 
عدما ولا زوالا؟ والذهن حين يتصور وجود الموجودات وعدمها فإنما 
يتصورها بالقياس إلى وجود زمان سيال حاضر دائماء بل إن الذَّهِن لا 
يتصور الأشياء إلا في الرّمان بينما لا ينضور الزمان في شيء أبدا؛ فمن 
قال: إن الزّمان عرض وليس بجوهر» وهذا معنى الجوهر والعرض عنده 
أجل زره فد حا رو ودرا ا رر 
ارتفاعه وعدمه؟! بل يتصور وجود كل شيء وعدم كل شيء معه وبالنسبة 
ال وور كل کی تور يشريه ف کے 

ويتابع أبو البركات نقده لعرضية الرّمان عند المَشائين على أساس من 
المفاهيم المَشَّائيّة ذاتها في هذا الصددء فالعرض لا يخرج عن أن يكون 
حاصلا في المحل كالحرارة والبرودة» أو يكون له باعتبار ذهني أي بنسبة 
أو إضافة إلى شيء ماء مثل الأبوة والأخوة. والعرض بهذين المعنيين لا 
يصح أن يكون زمانا لأن الأبوة والأخوة قد يرتفعان فلا يتصورهما الذهن 
-كما لا يوجدان في الواقع الخارجي- وذلك حين نفترض عدم وجود 
المضاف أو المسوب إليه» فمخال أن يتصور الذهن أبوة إذا لم يتضور 
الأب والابن» لكننا -فيما يتعلق بالزّمان- لا نعرف شيئا من موجودات 
الأذهان أو الأعيان إذا رفعناه ارتفع معه معنى الزّمان وانعدم» وأيضا ليس 
بصخم ما يقوله المشاؤون من آله عرض فى البيدل لها سال هة 


.۷٤ أبو البرّكات: المصدر السابق ص‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۳.۷ 
ما هو هذا المحل؟ وهنا يستشهد فيلسوفنا بالعرف العامي في دحض هذا 
التَصَوّر المَشَّائِيء ذلك أن المعرفة البسيطة الأولى لا ترتاب لحظة في 
وجوة الرمان» ينما لا نتصور أن محلا بعينه يعرض له الرّمان» غروضا 
ذاتيا. وقد يقول المَشاءون: إن محله الجسْم المتحرك, أو إن الرّمان عرض 
في عرض في جوهر أي عرض في الحرّكّة التي هي عرض في الجسم 
المتحرك» لأن قيام العرض بالعرض في الفلسفة المَشَّائِيّة أمر مقبول 
ومسلم. وقد قال ابن سينا في هذا المعنى: «وآمًا أنه هل يكون عرض في 
عرض فليس بمستنكر» فإن السرعة في الحَرَّكَة والاستقامة في الخطء 
والشكل المسطح في البسيط.... وهذه -كما سنبين لك- كلها أعراض» 
والعرض وإن كان في عرض فهما جميعا في موضوع» والموضوع بالحقيقة 
هو الذي يقيمهما جميعا وهو قائم بنفسه)'. فإذا كان الرّمان موجودا في 
الحَرّكة على هذا النمط من وجود العرض في العرض» فمعنى هذا أن 
الرّمان يعدم -لا محالة- إذا عدمت الحَرَكةء لأن العرض لا يبقى له قوام 
مستقل في الوجود بعيدا عن محله القائم فيه» ولأن هذا المحل -على ما 
يرى ابن سينا- هو الذي يقيم العرض الحال فيه ويحفظ عليه وجوده. لكن 
الزّمان ليس من هذا القبيل لأنه لا يلحقه العدم إذا لحق الحَرَكة عدم» ذلك 
أن الزّمان «يكون واحدا مع حركات عدة» لمتحركات عدة في مسافات 
عدة» وما منها ما يرفعه» فيلزم أو يجوز مع رفعه رفع الزّمان). 

)١(‏ الشفاء: الإلهيات ص ٥۸‏ (ط القاهرة). 

(۲) أبو البَرَكّات: المعتبر ج ۲ ص .۷١‏ 


www.alimamaltayeb.com 


۳۰۸ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


ويتساءل آبو ال گات: ا : إن الزّمان عرض في 
الحَرَكة؟ هل هو عرض في كل الحركات مجتمعة» بمعنى أن الرّمان عرض 
عام مشترك بين جميع أنواع الحركات أو أنه عرض في كل حَرَكة حَرَكة 
منهاء أو أله عرض في واحدة بعينها دون سائر الحركات؟ ومع كل هذه 
الافتراضات فالزَّمان أمر آخر غير معنى العرض في الحَرّكّة. لأن الافتراض 
الأول معناه: أن الرّمان قدر شائع في الحركات كلها جملة واحدة» ومثله 
في ذلك مثل العشرية الشائعة في العشرة جملة ومجموعاء إلا أن هذه 
العشرية لا تبقى إذا افترضنا أن العشرة -أو ثلاثة منها مثلا- قد عدمت» 
إنها لابد أن تنعدم أو ينعدم جزؤها مع انعدام العشرة أو جزئهاء فهل إذا 
جا ا سس ات 
عدم معها؟ وهل للزمان أبعاض تفنى وأبعاض أخرى تبقى؟ وإذا قيل إن 
الرّمان يبقى موجودا مع ارتفاع بعض الحركات فكيف أمكن اعتباره عرضا 
في الحَرّكٌة؟ وفيم يكون قوام ووجود هذا الجزء الزّماني الذي انعدمت عنه 
الحَرّكّة تلك التي هي له بمثابة الموضوع المقوم؟ وإذا أمكن ارتفاع بعض 
الحركات مع بقاء الرّمان في كله فليس معنى هذا إلا أن وجود الرّمان غير 
متوقف على وجود الحَرَكة. وإذَا فهو فيها ليس عرضا بالاشتراك. 

أمّا الافتراض الثاني وهو أن الرّمان عرض في واحدة واحدة من 
الحركات فهذا ما ترفضه بدائه العقول عند الناس جميعاء لأنه سيؤدي 
إلى تفتيت وحدة الرّمان وبساطته» بحيث نتصور الزَّمان منقسما إلى أزمان 


عدة» ضرورة أن لكل حَرَكة حَرَكة زمانها الخاص بهاء ويرى أبو البَرَكَات 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۹ 
أن هذا من أشنع المحالات «لأن كل شيء مع شيء في الزَّمانء فكيف 
يكون الزَّمان مع الرّمان في الرّمان؟ وهذا مردود بفطرة الأذهان)0". 
كذلك الافتراض الثالث وهو الذي قامت عليه النّظريّة المَشَّائية 
حيزع. خضت" الزمان بالحَرَكة المستديرة» وعلى وجه التحديد: حَرَكَة 
القَلّك النهاريةء لأنها أسرع الحركات ولأنها دائمة لا تنقطع. وعند أبي 
البركات: أن هذا التخصيضص يفقد مبرراتة المتطتبة لأن الحركة المستديرة 
أو حَرَكة القَلّك ليست إلا من طبيعة الحركات الأخرى» لأن الحَركة في 
رما می وإنحن كا لاسا را ما تحاف أفرادها قيما متها باعغارانك 
وخصائص خارجة عن ماهية الحَرّكّة» مثل المتحرك» والسرعة والبطء 
والمكان والزّمان وكل هذه أمور طارئة وزائدة على ماهية الحرّكٌة التي هي 
الخروج من القرّة إلى الفعلء فإذا ما حدد المَشَّاءون الحَرّكٌة المستديرة 
موضوعا للزمان فلأمر ما زائد على ماهية هذه الحَرّكّة صارت موضوعا 
للزمان عندهم» لأن ماهيتها هي هي ماهية الحركات الأخرى. ومعنى هذا 
أن ماهية الحَرَّكَة لذاتها لا تقد تقتضي الزَّمان ولا تستلزمه» وإلا لما كان ثمة 
مق ت ن ال الا موضوها لر انان ولكن إذا 
ضربنا صفحا -مع المَشائين- عن ماهية الحَرَكةء وانتقلنا إلى الاعتبارات 
الأخرى الطارئة على ماهيتهاء اتضح أيضًا أن طبيعة الرّمان بعيدة كل البعد 
عن هذه ا لامور قالح ل لا بكرن مر ضرعا للومان» لذن الزمان مر جرد 
مرا تحر الج ك أو سكن وا كان الام 5 برو انال مان عرض 


.۷١ أبو البرّكات البغدادي: المصدر السابق ص‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


1۰ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
في المتحرك من جهة حر كته فإن هذا تحكم محض. لأننا نعلم أن الجسم 
الساكن موجود في الزَّمان أيصًاء وكذلك السرعة والبطء» فإنهما يعرفان 
بالرّمان فكيف يكون الزّمان فيهما عرضا؟: «فالرّمانَ ليس بعرض موجود 
في الحَرَكّة» فإنه ما من حَرَكة إلا ويتصور الذهن رفعها بسكون المتحرك 
ولا يتصور رفع الرّمان». 

وإذا كان قول المَشّائينَ: إن الرّمان عرض في الحَرَكة متهافت في نظر 
فيلسوفنا فكذلك أيضًا يتهافت قولهم: «إن الرّمان مقدار الحَرَكةء وهو فيها 
كالمقدار للمسافة»» والنقد هو النقد. أعني بقاء الزّمان في التَصَوّر وفي 
الؤجود مع ارتفاع الحَرّكٌة في التَصَوّر وفي الوّجود أيضّاء وأمر واضح أن 
المقدار في المسافة لا يمكن أن يكون كذلك» لأنه لا يتجرد عنهاء فأبو 
البَرَكَات يرى: «أن المتساويين وإن كان يتقدر أحدهما بالآخرء كما يتقدر 
الآخر به. فلا يكون أحدهما في الآخرء بل قائما بنفسه دونه» فإن أريد 
ذلك في الحَرَكة والزّمان فالحركة تتقدر بالزَّمان والزَّمان يتقدر بالحَرّكَة 
مجهول هذا بمعلوم هذاء فيقال: زمان الحَرّكّة ميل» ويقال: مسافة يوم أو 
يومية» ولیس احدهما بتقذير الأخر أولى من الآخر بمفديره)”. 

وإذا كان الزّمان ليس عرضا في جوهر عيني خارجي -كما يتأدى إليه 
نقد فيلسوفنا هنا- أفلا يقال إِنَّه عرض ذهني؟ وأبو البَرَكَات أيضًا يرفض 
عرضية الرّمان عرضية ذهنيّة لأن عوارض الأذهان ذوات منشأ وجودي 
)١(‏ أبو البَرَكّات: المصدر اللسابق ص 75. 
0 المصتر اا فس العاتعة: 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 51١‏ 


في عالم الأعيان» مثل الكُلَّية والجزئية والجنسيّة والنوعيّة فإنها معقولات 
ثوان عن أفراد وجودية أو معقولات أول تحاذيها في الخارج» والربط بين 
العارض في الذهن أو الموجود الذهني وبين منشئه الخارجي ربط وثيق 
لا مجال فيه للفصم بين الموجود الخارجي وما ينشأ عنه في الذَّهن أو 
التصور من معقولات» فرفع المنشأ يلزم عنه -ضرورة- رفع الناشئ عنه 
في الهن. ومن هذا المنطلق يرفض أبو البَرَكَات كون الرّمان عرضا ذهنياء 
لأن اتس لا تعرف من الأمور الوجودية في عالم الأعيان أمرًا يلزم من 
عدم تصورها له عدم تصورها للزمان. 

ويذهب أبو البَرَكات إلى أبعد ما يمكن أن يذهب إليه في النقد 
والمعارضة والاستقصاء فيهماء فيتساءل أو يفترض تساؤلا مشائيا يقول: 
ألا يمكن أن يكون الزَّمان عرضا أوليا في الذَّهِنْء بمعنى أن الرّمان يعرض 
للذهن كمعنى لازم أو معنى أولي في الذّهن وليس له منشأ في عالمنا 
الخارج هذا؟ وهنا يجيب أبو البركات إجابة تعتمد إلى حد بعيد على 
الاتجاه الحسّي في معارفنا ومدركاتناء وذلك إذ يقول: «وإن كان يعرض 
في الأذهان عروضا أوليا لا لشيء فهو محالء فإن الذي يوجد في الأذهان 
مما لا وجود له في الأعيان هو الكذب المحال»". 

وقد لا يعنينا هنا أن نذهب مع فيلسوفنا إلى استقصاء كل لفتاته التَقدِيّة 
التي أوغل بها في الإطار المَشّائِي هدما وتقويضاء ولكن نكتفي في هذا 
الجانب التَّقِدِيّ أو الجانب السلبي في نظريّة أبي البَرَكّات عن الرّمان بهذه 
)١(‏ نفس المصدر والموضع. 


www.alimamaltayeb.com 


1۲ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


المحاولة التي اعتمدت على فكرة تحطيم العلاقة اللزوميّة بين الرّمان وبين 
الحَرّكَة» تلك التي استطاع من خلالها أن يهدم الفكرة المَشَّائيّة في أصولها 
الثلاثة: وأعني بها: علاقة الزَّمان بالحَركة» وعرضية الرّمان» ومقداريته 
فى الحَرّكّة. وهذه المحاولة قد شكلت فى موقف أبى البَرَكَات المنطلق 
الان الذي ل ريت للد راص 

فماذا عن الجانب الإيجابي في نظريّة أبي البركات؟ 

۷-وقد يقتضينا الأمر هنا أن نلقي بعض الأضواء على الخلفيات 
المنهجية التي كانت رابضة وراء تصور أبي البَرَكات للزمان تصورا خاصا 
به هنا. فالمشاءون -كما عرفنا سالفا- ينطلقون في موقفهم من الرّمان 
منطلقا حسيا بحتاء هو منطلق الحَرّكّة والمكان والجِسْم المتحرك مما 
أضفى على مشكلة الزمان إطارا حسيا تمثل في معنى الساعات والأيام 
والشهور والسنين» ورغم أن في النّظريّة المَشَائيّة لفتات سيكولوجية تبدو 
على استحياء في موقف أَرِسْطُو وابن سينا من تحديد الصلة بين التفس 
ال مان[ انها دوك ساف هنا لكت ما اسعطاعة اا آن اظ شن 
الرّمان الأرسطي تلك الجوانب المادية التي أمسكت بتلابيب هذا المفهوم» 
وأصبحت أول ما يطالعنا فيه من جوانب وأبعاد» نعم لابد وأن يكون الرّمان 
ماديا إذا ما أريد له أن يكون ذا علائق ووشائج لا تنفصم بمفهوم الحركة 
ومفهوم الجسم المتحرك ومفهوم المكان المادي. وهنا نستطيع أن نتوسم 
فرقا واضحا كل الوضوح في المنطلقات الفكرية وراء مفهوم الزّمان 


8 4 


3 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمدا 4 لطيب 1۳ 


عند المَشّائين وعند أبي البَرّكات. فأبو البَرَكَات يهمل -في التعرف على 
الزّمان- أمر الحسٌّء وإن شئت: أمر العقل أيضّاء وهو إنما يبحث عنه في 
عالم الشعور, أو ملكة الشعور عند الإنسان» وهذا أقل ما يمكن أن يفهم 
من قول أبي البركات: «الزَّمان تشعر به النفس بذاتها ومع ذاتها ووجودها 
قبل كل شئ تشعر به وتلحظه بذهنها»0". وإذًا فلسنا نذهب بعيدا حين 
نقول: إن أبا البَرَكَات قد عاد بمشكلة الزَّمان إلى منطق غير المنطق الذي 
رجع إليه المَشَّاءونَ في استخلاصهم لهوية الرّمان وخصائصه. إن الأقيسة 
والأشباه والتظائر بين الرّمان والحَرَكة تختفي هنا حتى لا تكاد تبين» إذ 
منطق الشعور ليس منطق القياس والتحليل والحد الأوسطء وإِنّما هو 
منطق المباشرة والمعايشة والحضور الذَّاتي فَالتّمّس هنا أمام الرّمان تدركه 
وتحسه بحيث لا يغيب عن عيانها المباشر لحظةء والشعور بالرّمان شعور 
أصيل في التَفْس بمعنى أنها لا تستجلبه بملاحظة الأشياء أو بمقارنتهاء 
وَإِنَّما يثار فيها تلقائيا غير مرتبط ببواعث أو بمثيرات مادية» فالإنسان يشعر 
بالزَّمان حتى وإن كان وادعا ساكنا لا يدرك شيئا ولا يفكر في شيء. ومعنى 
هذا أن الشعور بالرَّمان شعور أولي أو فطري في التَّمُسء وأبو البركات يقرر 
هذا في وضوح حين يجعل للنفس إدراكات ثلاثة أولية: إدراك ذاتها وإدراك 
الزّماث» وادراك القجوة©,_وهذه الأدراكات الثلاقة إذراكات مباشرة: 
00 خر ا ات و 


Pines: Abul - Barakar’s poetic 41d المصدر السابق: نفس الصفحة وأيضا:‎ )۲( 
Metaphysics 2. 150 


www.alimamaltayeb.com 


٤‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


والتفس بشعورها تنفذ إلى صميم هذه الإدراكات أي تعرفها معرفة ذاتية 
لا تتوسط فيها الوسائل والأدوات على اختلاف ضروبها وأشكالهاء وإِنّما 
تلتقي فيها الذّات المدركة بالموضوع المدرك التقاء مباشرا. 

وأبو البَرَكَات حين يربط الزَّمان بمنبع الشعور في الإنسان فإنما يضفي 
عليه ظلالا من اليقين تفوق كثيرا تلك الظلال المادية الباهتة التي ارتبط بها 
الرّمان في الإطار الحِسَّي عند المَشَّائِينَ. 

ومنهج أن لكات الذي تحدثنا عنه فيما مضى يطل برأسه -من 
جديد- في مشكلتنا هذه فالرجوع إلى بداهة الشعور أو الإحساس التفسي 
البسيط قد غدا هنا أمرّا فيصلا في النزاع بينه وبين المَّشّائين» لأن الحقائق 
التي تتمخض عنها عمليات الشعور أكثر يقينا وصدقا من التأملات التي 
تسفر عنها العمليات الذهتيّة التحليلية» ضرورة بساطة الشعورء وتعقد 
الفكر» والأبسط دائما أصدق وأثبت لأن الوضوح أو الظهور -وهما معيار 
الصدق وميزان الحق- أكثر فيه من غيره.. و ذا فالشعور بالرّمان شعور فطري 
في النَمْسء وهي ليست بمستطيعة أبدا أن تنعزل عنه أو توصد أبوابها دونه. 

۸-إن أبا البركات حين يربط بين الإدراكات الأولية الثلاثة وهي: 
التفس والؤجود والزَّمانء فإنه بهذا يجعل الرّمان في بداهته وظهوره 
ووضوحه على قدم المساواة مع الوجود ومع إحساس التَّفْس بذاتهاء 
وبحيث يلتحم الزّمان مع الوجود في نظريّة أبي البركات» وينشأ عن هذا 
الالتحام بين المفهومين علائق ووثائق لا تنفصم» فكلاهما غير محسوس 
وكلاهما من أعرف الأقياء عند العقل .وأظهرها لدف الذهن» وإن كان 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 1۵ 
لدى الإحساس من الأمور الخفية الغامضة» يقول أبو البرّكات: «والوجود 
أظهر من كل ظاهر وأخفى من كل خفى بجهة وجهة» أمَّا ظهوره فلأن كل 
من يشعر بذاته يشعر بوجوده وكل من شعر بفعله شعر معه بذاته الفاعلة 
ووجودها ووجود ما يوجد عنها ويصدر من الفعل»... وكذلك الرّمان 
يشعر به كل إنسان» أو أكثر الناس» جملة ويشعرون بيومه وأمسه وغده... 
وإن لم يعرف جوهر الرّمان وجملته وكذلك الوٌجود يشعرون بآنيته وإن لم 
يشعروا بماهیته»"'. ولكن إذا كان الرّمان هو توأم الؤجود لدى التَّمْس فهل 
نحن في مشکلتنا هذه أمام زمان نفسي أو زمان وجودي؟ ومع أن فيلسوفنا 
مقتصد في نصوصه التي لا تكاد تبين في هذا المقام» إلا أنه يمكننا أن 
نستشف في الصورة التركيبية للزمان عند أبي البَرّكات مرحلتين متمايزتين: 

مرحلة نتعرف فيها على الرّمان كموجود متميز في ذاته حاصل للنفس 
وتحس به» أو -على حد تعبيره-: آنية الرّمان» أو الزّمان جملةء وفي هذه 
المرحلة لا ينبغي لنا أن نبرح معنى الشعور أو التجربة الداخلية» فثمة 
يستعلن الرّمان واضحا ظاهرا أمام الشعور. 

ومرحلة نتعرف فيها على خصائص الزّمان ومقوماته وصلاته 
بالموجودات الأخرى أو بمعنى آخر نتعرف فيها على ماهية الزَّمانء وهنا 
يقرن فيلسوفنا مفهوم الرّمان بمفهوم الؤُجود بحيث نصبح أمام زمان 
وجودي لا زمان نفسي. وأبو البركات -كما سلف غير مرة- لا ينكر أن 
الذُهن يدرك غلافة ما بين الزّماك والتركة» ولكن حين يعمد الذعن إلى 


(7١)المعببر‏ ف السكمةة م اصن ۴ة 


www.alimamaltayeb.com 


33 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


فلل الفدة أو الزماق الل بالف من مقارلة الح كات درك أن 
الرّمان لا يتوقف على الحَرَكة ولا يرتبط بهاء وفي هذا الصدد يفترض أبو 
البرَكات نفس ما افترضه المَشَّاءون من قبل من اختلاف الأجسام الثلاثة 
المُتَحَرّكَة في السرعة والبطء والمسافة» واتحادها في الرّمن» بحيث يتأدى 
هذا الافتراض في التحليل النهائي إلى إدراك الإمكان المشترك الذي هو 
معنى المدة أو الزّمِانَ عند المشائين لكن إذا افترضنا أن جشما واحدا من 
هذه الأجسام ظل ساكنا رغم تحرك الجسْمَين الآخرين فماذا يكون الأمر؟ 
لا ريب أن المدة تبقى هي هي ثابتة للمتحركين الآخرين كما كانت ثابتة 
للمتحركات الثلاثة من قبل» ويعني هذا أن رفع حَرّكّة واحدة من الحركات 
الثلاث لا تزيد هذه المدة ولا تنقصها لا فرضا ولا وجوداء «فحكم الثلاث 
(حركات) في ذلك كحكم الواحدة» فحكم كل المتحركات في ذلك مثل 
حكم المتحرك الواحد. فهذه المدة أو الزَّمان مستمرة في الوّجود مع 
سائر المتحركات في حركتهاء والساكنات في سكونهاء ومع رفع حَرَكَة 
أيتها شئت وسكونهاء أو فرض حركته فيعقل من ذلك أنها (المدة) كذلك 
مع رفع الكل» حتى لو سكن كل متحرك أو تحرك كل ساكن لم يتغير 
في الموجود والمعقول ما يعقل» أعني من مدة الزَّمان المعقولة بحَرّكَة 
المتحرك ولا بسكون الساكن... فكل متحرك وساكن يتحرك ويسكن فيها 
(المدة)» يتعلق وجود حركته بها ولا يتعلق وجودها (المدة) بحركته ولا 
بسكونه»'» واضح من هذا النص الصريح أن الحرّكّة توجد في الزّمان 


.7/8 أبو البَرَكّات البغدادي: المصدر السابق: ج ۳ ص‎ ١١ 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 1۷ 


وليس الزَّمان هو الذي يوجد في الحَرَكة؛ لأن الحَرَكة تزول وتعدم والزّمان 
كما هو باق سيال» وإذًا فوجود الزَّمان أسبق وأقدم من وجود الحرّكة 
ووحوة الشكون لان ال مان يق رجا درن الشركة رال و 
تستمر في الوّجود بدون الرّمان» بل إن الرّمان في وجوده لا يتوقف على 
شيء ء مطلقا حَرَكَة أو غير حَرَكَة لأن الأشياء كلها تقع في الزَّمانء وكأن 
الزّمان في فكرة أبي البركات وعاء للموجودات أجمع ومن نَم فهو قبلها 
وسابق عليهاء أو كما يقول أبوالبَرَكَات: «الرّمان ومعقوله أقدم في الوؤجود 
والمعقول من كل ما يعرف به ومعه)”'. 

4-وحين تنقطع علاقات الزَّمان بالحَرَكة وملابساتهاء وتأخذ سمتها 
نحو الوجود وذلك في إطار النقد الفلسفي العلمي الذي رأيناه في المحاولة 
السالفةء نصل إلى بيت القصيد في نظريّة أبي البركات عن الزَّمانء وذلك 
حيو قر فن ال مان إث#مقدارالتسوه لأ مقار الشركة ولس عد هنا 
من أن نجد نفسنا أمام الرّمان الؤجودي لا الزَّمان المادي» وهي خطوة 
كبرى -وجريئة في ذات الوقت- خطاها فيلسوفنا بمشكلة الزّمان وانتقل 
به من المعنى المادي الحِسَّي إلى المعنى اللا مادي الميتافيزيقي إِنَّه 
البعد الجديد الذي تسربل به الزّمان في فكرة أبي البركات الجديدة أيضّاء 
وذلك برغم ما قد ينشأ عن هذا الرّمان الؤّجودي من مشكلات وصعوبات 
واجهها فيلسوفنا مواجهة (لم يخضع فيها) إلا لمقاييس البداهة والحدس» 
وما تمليه فطرة الشعور عند الإنسان» يقول أبو البَرّككات: «ولو قيل إن 
(١)المصتر‏ الاين صن ۴۹ 


www.alimamaltayeb.com 


۸ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 
الآماق مقدار آل جود د كان أولى مى أن بقال؟ إل مقذان الكركة فاه 
يقدر السكون أيضًا والساكن والمتحرك يشتركان في الوجود)0". 

ولكن .ما معتى أن الرمان مقدان للوجود». هل المقدازية عاهنا 
كالمقدارية فى اریت القشاقى معن .أن الرّمان هاهنا عرض ف 
الؤجودء أو أن المقدارية في فكرة أبي البَرَكَات أمر آخر؟ إن معنى المقدار 
فعند المَشّائين أن المقدار في الجسم معناه عرضية هذا المقدار فيه» وقد 
نعلم أنهم يستدلون على عرضية المقادير أو عرضية الأبعاد بمثال الشمعة 
التي تتبدل أشكالها فتتبدل معها بالتبع تلك المقادير بينما معنى الجسْميّة أو 
جوهر الشمعة باق كما هوء وهذا معناه أن الأبعاد من باب الكم فهي عرض 
طارئ على الآجسام» بل هو مناط الاختلاف والتمايز بين الأجسام لأنها 
جميعا تشترك في معنى الجِسْميّة وإِنّما تتخالف وتتمايز بالمقادير» وما به 
الاتفاق غير ما به الاختلاف» فالمقدار ليس هو ذات الجسم وإِنَّما هو 
عرض زائد على الجسم» وقد افرد ابن سينا الفصل الرابع كله من المقالة 
الثالثة من إلهيات الشفاء لبيان: أن المقادير أعراض» وكثيرا ما كان ينص فى 
هذا الفصل على مقدارية الزّمان وعرضيته". 
(1) المعيدر البناية لين ا 
(؟) ابن سينا: إلهيات الشفا ص 15» وأيضا الصفحات من ١١١‏ - ۱۱۸: تحقيق الأب 

قنواتي» سعيد زايد (ط مصر)» وأيضا السهروردي: حكمة الإشراق بشرح قطب الدين 


الشيرازي ص 2707 وأيضا: أبو البرّكات» المعتبر في الحكمّة ج ١‏ ص 5 5٠0:5١‏ ج 
۳ص ۱۹۷. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۴۹ 


بيد أن الأمر ليس كذلك فيما يتعلق بمفهوم المقدار عند أبي البركات» 
نه ليس أمرًّا خارجا عن الجشْم» لأننا حين نفترض أن جِسْما أعظم من 
جسم فليس معنى هذا أن مقدارا طرأ وزاد على الجسم بل معنى أن ثمة 
جشْميّة أعظم من جِسْميّة أخرى. «ولأن العظيم من الأجسام يزيد على 
الصغير بجِسْميّة أيضًاء لا بكميّة والكميّة معقول تلك الزيادة بالقياس 
إلى ذلك النقصان» فالكميّة معرفة نسبة الأعظم إلى الأصغر كما هي 
الأكثر إلى الأقل هذا بالانفصال (يقصد الكم المنفصلء العدد)ء وذلك 
بالاتصال... فالكميّة معتبرة في الأذهان» والذي في الوجود عظيم لا 
عظم» كما أن الذي في الو جود معدو لا عدو)27, 

وكآن المقدار في فكرة أبي البَرَكَات إنما هو انعكاس ذهني للموجود 
العيني المتفاوت بالأعظم والأصغر والأكثر والأقل» وأن منشاً هذا 
الاتعكاس ليس أا زائدا على ذات هذا المتفاوت في الخارج تفاوتا 
وا اا و اق ی واا و وفعت هذا اننا ؟ 
نستطيع أن نثبت جوهرا ثابتا بينما يصبح مقداره الوجودي قابلا للزيادة 
والنقص» لأن المقدار إِذَا ليس حالة تضاف إلى الجوهر كما تنضاف إليه 
الحرارة مثلاء وقد تزيد هذه الحرارة أو تنقص بينما جوهر الجسم ثابت لا 
يتحول معها بزيادة أو نقص» ومن تم كانت فكرة أبي البركات عن الجسم 
عموما أنه الامتداد أو الجِسْمية أو مجرد المقدار لا الجوهر القابل للأبعاد 
كما ترى ذلك المدرسة المَشَّائيّةَ وهو ينقض فكرة المَشّائين في عرضية 


(۱) أبو البَرَكّات: المصدر السابق (الإلهيات) ص 79 - .5٠‏ 


www.alimamaltayeb.com 


۲۲۰ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


المقدار في الجسْم» تلك التي تعتمد على اتفاق الأجسام في الجوهرية 
الجسْميّة» واختلافها في المقدار» وأن هذا يتأدى في النهاية إلى طروء 
المقدار وعرضيته جريا على القاعدة القائلة: بأن ما به الاتفاق غير ما به 
الاختلاف» وذلك حين يطبق نفس هذه القاعدة في معنى المقادير» فإنها 
تتفق في المقدارية ما في ذلك ريب» لكنها تتخالف بالأكبر والأصغر 
والأطول واللآقضرن ورلن فنع الأكير والأطول إل اله الككير دارا 
الأصغر والأقصرء فكيف غدا هنا ما به الاختلاف عين ما به الاتفاق؟ 

یجن ترشن انارت بان الذي افق به هده المقادير. هو 
المقدارية» بينما الذي اختلفت به هو العرض الإضافيء أي معنى الأطولية 
والأقصرية» يرد أبو البرّكات هذا الاعتراض بقوله: «فهلا قيل ذلك في 
الجسم وجعل الجسم حِسّما بفصل المقدارية» ومخالفة الجسم للجشم 
بهذه الأعراض الإضافية!!). 

وقد لا يهمنا أن نستعرض هنا نظريّة أبي البَرَكَات في الجسم بكامل 
أبعادها الَّقَدِيّة» لكن يعنينا من هذه النظريّة» فكرته عن المقدار فإنها تمس 
موضوعنا الذي نحن بصدده بل تلمس لب نظريته في الرّمان» فالمقدار ليس 
عرضا خارجا على ماهية الجِسْم المقدر, وإلّما هو فصل ذاتي في الجِسْمء 
فالجسّم جسم لأنه مقدارء لا لآنه جوهر يعرض له التكمم والتقدر بالأبعاد. 
وقد يحسن أن ننقل هنا نصا لأبي البَرّكَات في هذا المعنى يلخص فكرته 
في المقدار تلخيصا وافيا لا مجال فيه لتقدير ولا تخمين» يقول: «إذا راجع 


.٠۹۷ المصدر السابق: الإلهيات ص‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د / أحمد | 4 لطيب مف 


الإنسان نفسه وجد ذهنه لا يتصور ولا يتخيل ولا يتمثل ما لا مقدار له من 
ميقن أن كر ا ا ا ا بوقادورو لبس ال در نينا زر غير 
المقدر... وإلافالمقدار للمقدرء والمقدر على جهة واحدة» وكما أن العدد 
ليس شيعا غير المعدود إلا في الذهن والتّصَوٌّ ركذلك المقدار ليس هوشيئا 
غير المد ر إلا في الذهن:.. فليس المقذار شيعا غيره (المقدر) خالا فيه حتى 
يقال إن المقدار هو صورة الجسم أو عرض لازم لصورته)”". نعم» المقدار 
في نظريّة أبي البركات والمقدر على جهة واحدة» والفصل بينهما عمل 
تصوري اعتباري محضء والعرضية التي يضفيها المَشَّاءون على المقدار 
عرضية زائفة وخاطئة» وبنفس منطلق المَشَّائِين في مقايبسهم وقواعدهم. 

وإذا ما رجعنا بهذا التَصَوّر الذي طرحه فيلسوفنا عن المقدار في 
مواضع عديدة من الفيزيقا والتفس والميتافيزياء إلى مشكلتنا التي نحن 
بصددها لنربط بين هذا التّصَوّر العام للمقدار» وبين قوله: إن الرّمان مقدار 
الوجود» اتضح لنا إلى أي مدى صدق زعمنا الذي زعمناه من قبل وهو 
أن الزّمان عند أبي البَرّكَات زمان وجود, أو إن شئت فقل عنه: إِنَّهِ الؤجود 
مفهوما بمقايسات وإضافات» ومعنى أنَّه مقدار الؤجود أنه ليس عرضا في 
الوؤجود ضرورة أن المقدار ليس طارئا على المقدر أو على ما يتقدر به 
ل ان کل هارن المجرة مساوق المقدار ر اا ورتب 
على ذلك أن يكون للزمان وجود أيضًاء وهو ليس وجودا متقوقعا في 
دائرة الذهن والتصور فحسب» بل هو ذو وجود حقيقي أيضًاء لأن الوجود 


.۲٠۷ المصدر السابق: الإلهيات ص‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


۲ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 
الخارجي يقابله بالصدق وبالكذب» فأنا حين أزعم أن الساعة مثل اليوم 
فإن الوؤجود يشهد على كذب زعمي هذاء لأن اليوم له وجود متميز عن 
وجود الساعة مثلاء والرّمان باعتباره مقدارا يقدر الوجود فهو بهذا التَصَوّر 
اعتبار ذهني نقيس به الموجودات المتخالفة في مقدار وجودهاء يقول أبو 
البركات: «الزّمان يقدر الؤّجود لا على أنه عرض قار في الوجود» بل على 
أنه اعتبار ذهني لما هو الأكثر وجودا إلى ما هو أقل وجوداء وكما لا يتصور 
ارتفاع الؤّجود في الأذهان كذلك لا يتصور ارتفاع الرّمان». 

٠‏ -ولكن كيف يلتقي الرّمان بالوؤجود ويدخل فيه أو ما هي نقطة 
الالتقاء بينهما؟ هنا يعمد فيلسوفنا إلى فكرة «الآن» ليجيب بها عن هذا 
التساؤل» فالرّمان يدخل في الوُجود عن طريق «الآن»» ذلك أن الزَّمان لا 
يمكن أن نتصوره أمرًا متصلا في الوجود, لأن الذي مضى منه قد أصبح في 
عداد المعدومات» وكذلك ما يأتي منه لم يحدث بعد» كذلك لا نستطيع 
تصور الزَّمان على أنه أمر منفصل في الوجود. لأن ماهيته لا تتوقف في 
الحضور والظهورء بل هو في تلاحق وتتال مستمرء ومن نّم كان الزّمان 
أمرًّا محيرا للأذهانء فقد يبدو وكأنه بؤرة التناقض ومجمع الأضداد» بيد 
أن هذه الحيرة قد تتلاشى حين نعلم أن الزَّمان متصل في ماهيته منفصل 
في وجوده» وإذن فهو ليس كما متصلا أو كما منفصلا بالمعنى السائد 
في الفلسفة المَشَّائيّةَ بل هو أمر واحد ثابت في ذاته لا يجري عليه تبدل 
)١(‏ المصدر السابق: الإلهيات ص ٠‏ 5» وأيضا: سعد الدين التفاتازاني: شرح المقاصد ج ١‏ 

ص »١9‏ وأيضا الجرجانيك شرح المواقف ج ه ص .1١17- 1١١7‏ 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د / أحمد | 4 لطيب ۳ 


ولا تحول ولا تغير إلا حين نعتبره ونقيسه إلى ما يقع فيه من المتبدلات 
والمتغيرات» ومن ثَمَّ قيل: «زمان عدل وزمان جور وزمان نعيم وزمان 
بوس وما أشبه هذا)("» فإذا ما أردنا أن نتعرف على هذا «الآن». الثابت 
المتصل والذي لا يتغير إلا بنسبة أو إضافةء فإن علينا أن ندركه ونستشته 
عبر معنى «الآن». وفكرة الآن هذه فكرة جد غامضة في الفلسفة الأرسطيّة 
أَرِسْطُو ذاته كان غامضًا وهو يعرض لهذه الفكرة» ولكن نستطيع من أن 
نبت من أن « الآ عند أرط وغيد الان لسن جزم الزماقه لآن 
«الآن» لا ينقسم» والزّمان ينقسم ومحال أن يقوّم ما لا ينقسم ما ينقسمء 
وينص أَرِسْطُو على هذا فيقول «وأمًا «الآن» فليس بجزء» وذلك أن الجزء 
قد يقدر الكل» وقد يجب أن يكون الكل مركبا من أجزائه» والزّمان ليس 
يظن به أنه مركب من الآنات)20 ولعل أَرِسْطُو حين رفض أن يكون «الآن) 
جزء الزّمان فإنما كان يأخذ في الاعتبار أن «الآن» بخصيصة عدم انقسامه 
هذه لا يغدو موطنا لحَرّكّة ولاسكون. لان «الآن) دائما هو حد بين زمانين» 
فإذا تصورنا شيئا يمكن أن يتحرك في الآن فإنا تتصوره متحركا ساكنا في 
ذات هذا «الآن» فهو متحرك باعتباره في نهاية أحد الزَّمانين وساكنا بوصفه 
عند بداية الآخر»”"» أي حين تكون له علاقة بأحد الزّمانين يكون متحركا 
وكذلك حين تكون العلاقة بالزَّمان الآخر نستطيع أن نتصوره ساكناء لأنه 
(۱) أبو البرّكات: المعتبر في الحكمّة ج ۳ ص ۷۸. 

(۲) أرسطو: الطبيعة ج ١‏ ص 5٠5‏ من ترجمة إسحاق بن حنين. 

(۳) عبد الرحمن بدوي: الزّمان الوجودي ص 55. 


www.alimamaltayeb.com 


33 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


بما هو متحرك أو ساكن يلزمه التعلق أو الوقوع بالزَّمان وإذا كان الآن ليس 
زمانا بل أمر يكتنفه الزّمان من ناحيتين» فمعنى هذا أن الجسم إذا تصور 
متحركا في الآن فإنما يتصور متحركا ساكناء وهذا أمر واضح البطلان» 
فإذا كان الرّمان مركبا من هاته الآنات التى تند بطبعها عن معنى الحركة 
والسّكون فكيف يمكن أن نقول: إن في الزَّمان حَرَكة أو إن الزّمان مقدار 
ال 1١5‏ ق ا اا مز رهی معلل أجداء الزماق أوهو 
نهاية لجزء من الزّمان وبداية لجزء آخر زمانى أيضًا وهو غير قابل القسمة 
لأنه لو كان جزءا لكان منقسما بانقسام الزّمان”'". فلا يفصل بين أجزائه أو 
يدها وت الآن إلى ال ماود الان أرقا ن ال إلى الط 
فإذا كانت النقطة المفروضة فى منتصف الخط حدا فاصلا بين نصفى هذا 
الخط» وكانت لا تنقسم» لأنها لو انقسمت لغدت جزءا من الخط. لا حدا 
بين نصفيه» فكذلك الآن المتوهم المفروض في منتصف أية فترة زمنيّة هو 
حد فاصل بين نصفى هذه الفترة لا جزءا منهاء وإلا لما كان ثمة تنصيف 
بل تثليث مثلا لأن «الآن» حين يكون جزءا من الزّمان فإنه ينضاف إلى حد 
النصفين فيصبح طرف أكبر من النصف» وطرف آخر أقل من النصف. 
ومن أحكام الآن عند المَشائين أنه لا يتتالى لأن الآنات يستحيل 
(۱) يقول يحيى في شرح الطبيعة: «إِنّه ليس يجوز أن يتركب الزَّمان من الآنات ولأنه غير 
ممكن أن يتتالى آنان وإنما نجد الزّمان بالآن: على آنه (الزّمان) فيما بين الآنين لا على 
هما آنان» لكن على أنهما زمانان» وكذلك قال (أرسطو): ولنضع ذلك وضعاء أعني أن 
الرّمان يكون بين الآنين» فإنه يبين في المقالات الأخر أنه لا يجوز أن يتركب عظم مما لا 


ينقسم» أرسطو: الطبيعة ج ١‏ ص 4550. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۲۵ 
عليها أن تتعاقب وتتالی» بل لا يتتالى آنان متعاقبان» لأننا حالتئذ نتصور 
بالضرورة أن إزاء هذين الآنين المتتاليين جزأين لا يتجزآن من الحَرّكَة 
وبإزاء هذين أيضًا مثلهما في المسافة التي تقع فيها الحَركة فتكون الحَرَكَة 
والمسافة والرّمان متركبة من أجزاء لا تنقسم ولا تتجزأ وهذا يصدم الأصول 
المَشَائيّة في مسألة الجواهر الفردة أو الأجزاء التي لا تتجزأء ومعنى هذا أن 
بین الآن والآن زمانا لا آناء فالرّمان يكتنف الآن من قبل ومن بعد» وعدم 
الآن السابق واللاحق يكون في الزَّمان لا في الآن. 

ونصل في نهاية الفكرة المَشَّائيّةَ هذه في «الآن» إلى أن «الآن» هو 
الحاضر الماثل أمام الهن وهو يتصور الرّمانء لأن بعض الزَّمان دائما 
منقض ومتصرم وواقع في الماضي الغائب» بينما بعضه الآخر لم يقع بعده 
فالحاضر الزّماني غير موجود وهنا تبدو أهمية «الآن»» لأن الرّمان ثمتئذ 
سوف يتخيل «من آن حاضر ثم آن آخر يكون حاضرا بعد زمان لطيف بينه 
وبين الآن الآول» ثم آن آخر بعد زمان لطيف آخرء وهكذاء آن مستمر سيال 
كأنه راسم للزمان كما يتخيل من القطرة النازلة قطرة سيالة ترسم خطاء 
ومن الشعلة الجوالة شعلة سيالة ترسم دائرة. 

إذا ما رجعنا إلى أبي البرّكات وجدنا في فكرته أيضًا عن الآن ظلالا 
من الغموض الذي يطالعنا في الفكرة الأرسطيّة السالفة» وذلك لأن عرضه 
)١(‏ محمد فضل العمري: الهدية السعيدية في الحكة الطبيعيّة» مبحث الآن ص 07 - 5ه 

وأيضاء ابن سا الفا الطبيعيات نج ١‏ ص 2 من عل طهران)» والسباكات ص 


7 . وأيضا عبد الرحمن بدوي: الزّمان الوجودي الصفحات 257 ۳٦ء‏ 54. 


www.alimamaltayeb.com 


3 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


لفكرته هاهنا عرض غير متميز بل هو ممزوج بالفكرة الأرسطيّة في هذا 
الصدد» وبحيث يمكن القول إن عرض فيلسوفنا هاهنا هو -إلى حد كبير- 
عرض تاريخي لمشكلة الآن» وموقف المدارس الفلسفيّة منها.. 

ولكن برغم هذا الغموض والاختلاط في موقف فيلسوفناء فإننا 
ال ا ل ا 

تجاه يتمثل في أن المَسائين إذا كانوا يعتبرون الآن خارجا عن مغ ال مان 
وأنه فصل متوهم مفترض افتراضاء فإن أبا البركات قد يبدو أنه يميل إلى 
قاذ كم ا عا و[ن #كاقجرحووا بالقرسن والافيان ذأ أن وسرةه جره 
اتصالي أو استمراري» لا يتخلله العدم والوجود على التوالي» ويضرب 
أبو التوكات اا لاسهران ال مان على الوؤجوه بخيظ يجري على جد 
سيف بالعرض» والخط هنا -في التمثيل- هو الزَّمانء وحد السيف هو 
الؤؤجود» فالخيط كله يلقى حد السيف ما في ذلك شكء لكنه لا يلقاه إلا 
حدًا بعد حَذَّ أو لا يلقاه إلا في نقطة بعد نقطة بحيث لا يتوقف الخيط 
لحظة واحدة في أية نقطة من نقاطه المتصلة الجريان والسيلان على حد 
السيف» فكذلك أمر الزَّمان في استمراره على الوؤّجود ولو قال قائل: إن 
السيف لم يلق الخيط ولا جزء الخيط لكان قوله هذا صادقا باعتبار أن 
السيف لم يلق بالفعل من الخيط إلا نقطة لا طول لها ولا عرض» وهي 
باعتبارها نقطة -أو إن شئت حدا من حدوده- ليست جزءًا من الخيطء إذ 
جزء الخيط لابد وأن يكون خيطا مثله» وهذا مع تأكدنا من أن الخيط كله قد 
مر على السيف ولاقاه.. «فقد لقيه كله (لقي الخيط حد السيف) وقد لقيته 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۷ 


أجزاؤه بوجه» ولم يلقه ولا جزء منه» بل حد من حدوده غير منقسم بوجه 
آخرء وما دام الخيط يتحرك على السيف فالسيف أبدا يقسمه إلى سابق 
ولاحق لم يلقياه ولا أحدهما معاء فهكذا نتصور وجود الرّمان وتعرف منه 
الآن كما عرفت النقطة من الخطء ولا يقال: إن الآن يوجد ويعدم بل الآن 
يوجد بالفرض والاعتبار ولا يتعين موجودا في الرّمان بالذَّات. وبه يلقى 
الزّمان الوؤجودء ولكن لقاء غير قار كلقاء الحركةء فوجود الآن مثل وجود 
اا مان لذ فار وتافص من اال أن فة خط ت 
اضطرابا بين الفلسفة الأرسطيّة وبين منزعه الخاص» فهو أرسطي حين 
يضفي على الآن وجودًا غير قار» وذلك حين يقول في نصه السالف «وجود 
الآن مثل وجود الزّمان لاقرار له» ثم هو ذو منزع خاص حين يضفي على 
الآن وجودًا استمراريا متصلاء وذلك حين يقول أيضًا في نفس النّضّ: 
«ولا يقال: إن الآن يوجد ويعدم» وكأن أبا البَرَكات متحير بين أن يجعل 
الوجود الحقيقي للزمان عبر آنات مفروضة فرضا ومتوهمة توهماء فالآن 
متئذ ليس إلا لحظة غير معقولة» وبين أن يضيف هذا الؤجود الحقيقي 
«للآن» باعتباره الموجود الحقيقي من الرّمان» وثمتئذ يصبح الزّمان أمرًا 
غير موجود لأنه يستحيل -فيما عدا هذه اللحظة الآنية الحاضرة- إلى 
ماض ومستقبل غير موجودين... وهنا تتتالى الآنات تتاليا حقيقيا إذ هي 
أشيه يآجزاء ار مان أو أشيه أن يكون ال مان مكونا مھا وعيدى أن آا 
البرّكات يكاد يقترب من هذا الرأي الثاني» أعني أن الرّمان الحقيقي هو 


.۷۹ »۷۸ أبو البَرَكّات: المعتبر ج ۲ ص‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


۸ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 
الآن» أو هو اللحظة الحاضرة» وأن هذه الآنات في اتصالها المستمر إنما 
تعني الزّمان في جوهره المتدفق مع الوّجودء وذلك لأن الآن إنما يعني 
الحضور أو الوجود» فلو لم يكن ثمة «آن» لما استطعنا أن نقول: إن هاهنا 
حضورا أو وجوداء فنقطة الالتقاء بين الؤّجود والرّمان هي دائما «الآن» 
الذي يجري أزلا وأبدا مع الوجود دون توقف أو سكون» وقد صدر أبو 
البركات عرضه التاريخي لمشكلة الآن بهذا الاتجاه الذي نزعم أنه يقترب 
منه أو يكاد يقول به» ونص أبي البرکات في هذا هو: «وقيل إن الآن هو 
الذي يوجد من الزَّمان ولا يوجد زمان ألبتة» أي لا يقر في الوّجود منه شيء 
يتجدد بآنيين» بل الموجود آن بعد آن على التتالي» وهو مالا ينقسم من 
الرّمان كما أن النقطة من الخط مالا تنقسم بل هي بداية ونهاية)0". 

وعد أن عرض قرف مدعب الكشائين ورف لفكرة الآن 
باعتبارها الموجود الحقيقي الذي يتتالى ويستمرء يعود إلى هذه الفكرة 
ذاتها فيقول في نص نلمح منه أن هذا هو ما يختاره ويرضاه: «والزّمان 
يلقي الموجود بالآن فلولا الآن لما دخل الزَّمان في الؤّجود على الوجه 
الى عله ولبس در ل بان يتلق (الزهاة) آنه بل بان عور مج راعلى 
الاتضال» فمتى القت إلبه ملتقت أو اعثيره معتبرء أو وقته موقت وبجد 
الداخل في الوجود منه هو آن لا زمان». 

ولعلي لا أتعدى حدود الحقيقة لو قلت إن أبا البرّكات في نصوصه 


.۷۸ المصدر السابق: ص‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۳4 
هذه يرفض فكرة المَشائين في افتراضية «الآن» ووهميته» وفي استحالة 
تتاليه وتواليه» وفي استحالة تركب الزَّمان منه» بما طالعنا به من أن «الآن) 
هو اللحظة التي نعقلها من الرّمان أو نعقل عبرها الرّمانء وأن الآن يتتالى 
في استمرار وتعاقب على الاتصالء وأنه نقطة الالتقاء التي يتعانق فيها 
الزّمان مع الؤجودء وبهذه الخصائص التي استخلصناها استخلاصا من 
نصوص أبي البركات» وقد اختلط فيها عرض الآراء بنقدها خلطا معيبا 
والتي أضفاها على فكرة «الآن» تتسق نظريّة فيلسوفنا في ارتباط الزّمان 
بالؤّجود واقترانه به اقترانا لا سبيل معه إلى فصم أيهما عن الآخر إلا بشيء 
من التقدير أو الاعتبار الذهني الخالص. 

١١-وتبقى‏ نقطة أخيرة في نظريّة فيلسوفنا هذه» وأعني بها أَرَلَِة 
الزّمان وأبديته» وأمر واضح أن الرّمان حين يرتبط بالؤجود في نظريّة 
أبي البَرَكَات فليس أمامنا إلا إضفاء الْأَرَلِيّ والأبَدِيّة على هذا الرّمان 
الؤجودي ولا مجال هنا أبدا لحدوث الزَّمان أو أوليته» بل لا مجال -فيما 
قرع ها النطرئف لآن صو العقل للزجان اة أى عدماء:رهذا افر س 
تمام الاتساق في نظريّة أبي البَرَكَاتَء لأن الوّجود الذي اقترن به الزّمان 
في هذه النّظريّة إنما هو الوُجود المطلق أو الوُجود على الإطلاق» فحيثما 
يتصور العقل الوّجود يتصور توأمه وقرينه ومقداره الذي هو الزّمانء وأية 
محاولة هاهنا لإضفاء الحدوث على الرّمان تحمل في طياتها معاول 
هدمهاء لأن الوجه الآخر لهذه المحاولة هو حدوث الو جود والوجود عند 
أبي ال كات «لا يعدم كما لا يوجدء فلا يقال في الوجود (على الوجود) 


www.alimamaltayeb.com 


۲۰ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


موجود ولا معدوم وإِنّما يحكم بالعدم على الموجود... فلا يعقل زمان هو 
مبدأ ليس قبله زمانء إِذَا لا يرتفع الرّمان في التَصَوّر -لا في القبل ولا في 
البعد- قبل كل مبدأ مفروض» وبعد كل منتهى محدود)”"» وإذا كان الأمر 
كذلك أفلا يتصور العقل لونا من الوجود تنحل فيه العلاقة بين الوجود 
وبين الزّمان؟ وتغدو النسبة هاهنا بين هذا اللون من الوٌجود الزّماني نسبة 
لا زمانيّة؟ وبعبارة أخرى: هل الزّمان يقدر الؤجود بما هو وجود» بمعنى 
أله يقدر الوٌجود الثابت الدائم كما يقدر الؤجود المتغير المتحولء أو أنه 
في التقدير قاصر على الؤّجود المتغير فقط؟ وبالإجابة عن هذا التساؤل 
تبعد الشقة بين اتجاه فيلسوفنا واتجاه الْمَشَّائِين في فكرة الرّمان» بل هاهنا 
-فيما أعتقد- حد فاصل وحاسم بين الفلسفتين» لا سبيل معه إلى التقاء 
أو تقارب» وإذا ما رجعنا إلى ما سبق أن قرره أَرِسْطُو وجدنا أن الزمان 
مقدار الحَرَكة باعتبار أنها الحَرَكَة المستديرة المتصلة» فالرّمان مقدار لهذه 
الحَرّكّة بالمعنى الذي يصبح به ذاتيا وأولياء ثم هو مقدار لسائر الحركات 
الأخرى سط هذه الحوكة المستديرة المتصلة» ونضوت انق سينا مغلا 
لهذه الفكرة بالذراع من الخشب» فالذراع يقدر الخشبة التي هي منها 
(خشبة الذراع نفسه) بذاته» ثم يقدر سائر الأشياء الأخرى بتوسط هذا 
الذراع الخشبيء وهذا الوجه من التقدير بين الرّمان والحَرّكّة هو ما ينبغي 
أن تع و هه من ادير آل مان اق ال کات الأعرى رلک إذا كادف 
[0 المخثير ق اة ج اصن ١‏ 

(۲) ابن سينا: عيون الجكمَة ص 277 (نشر حلمي ضياء أو لكن» إستامبول سنة »)۱۹٥۳‏ = 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۳۳۱ 
الحَرَكة المستديرة التي هي حَرَكة القَّك قديمة فهل معنى ذلك أن الزّمان 
المرتبط بها قديم عند المَشائين؟ نعم فهذا أمر لازم ولا مفر منه. 

بيد أننا حين نواجه التساؤل الذي أثرناه من قبل وهو: هل الزّمان 
متخب عل ال روات ال رالا دا اا د 
موقفا فيه شيء غير قليل من الاعتساف والتحكم» فأما أَرِسْطُو فينص في 
هذا المقام على أن الزّمان إنما يفهم دائما من معنى التغير» بل هو حين 
LEE NE‏ به لما EN, Nel‏ 
وَإذا كان الموحود انها بسر بال و الالتقال من الا جد إلى اللاو جرف 
فأحرى بال ماك الذي هو عدد اسع والانتقال أن يكون علة في الفساد 
كذلك» فحين نكون بصدد الموجودات الاأبديّة فإننا نسقط من أذهاننا 
هنا معنى التَعَير والانتقال» وبالتَّالي يسقط معنى الرّمان أيضًاء ولعل هذا 
ما عناه أَرِسْطُو بقوله: «وذلك أن الرّمان بذاته هو أن يكون سببا للفساد 
وأحرى وأولى» لأنه عدد الحَرّكّة والحرّكّة تزيل الموجود. فقد وجب 
من ذلك وظهر أن الأشياء الأَبَديّة من جهة ما هي أَبَدِيّة الوجود ليست في 
زمان» وذلك أنه لا يشتمل عليها زمان»" وإذا ما ولينا وجهنا شطر الشيخ 
الرئيس وجدناه يطرح هذه الفكرة ذاتها ولكن بعد أن صبغت بصبغة فلسفية 
صوفية أضفتها عليها المدرسة الأفلاطونيّة المحدثة» تلك المدرسة التي 
نلتقي فيها بتحددات صارمة بين معنى السرمد والدهرء والرّمان» فهذه أشبه 


= وانظر أيضًا: أرسطو: الطبيعة: ج ١‏ ص ٤١١‏ (ترجمة إسحاق بن حنين). 
)١(‏ الطبيعة: ج ١‏ ص ٠١٠٠٤٠١١‏ (ترجمة إسحاق بن حنين). 


www.alimamaltayeb.com 


۲ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
بعوالم متفارقة ومتخالفة» وذلك بالرغم من أن الذهن هو الذي يرصد هذه 
الحدود حين يقارن الأشياء الثابتة بالأشياء المتغيرة» فهنا يقول أفلاطون 
في مفتتح كتابه أثولوجيا: «فغرضنا في هذا الكتاب» القول الأول في 
الربوبية والإبانة عنها وأنها هي العِلّة الأولى وأن الدهر والرّمان تحتها»“. 
«وبوقلس» في كتابه «الخير المحض» يطالعنا أيضًا بهذه الفكرة ذاتهاء 
بحيث تتسق مع روح الأفلاطونيّة المحدثة تارج الوجود من الله 
الأولى إلى العقل النَمفْسِي إلى عالم الكون والفساد. فالعِلّة الأولى هي فوق 
الدهر أو قبل الدهرء والعقل مع الدهر لأنه آنية ثانية بالنسبة للآنيّة الأولى 
التي هي علة له» وأمّا التقس فهي بعد الدهر وفوق الرّمان» «لأنها في أفق 
الدهر سفلا وفوق الرّمان»”» ثم يطالعنا ابن سينا بنفس الفكرة بعد أن 
اكتملت لها أبعاد جديدة انبثقت في مدرسة فلسفية لا تكاد تتصور حدودا 
بين الؤجود الثابت والؤجود المتغير إلا في هذا الإطار التأملي الهزيل» 
وهنا يقول الشيخ الرئيس: الجسم الطبيعي في الزّمان لا لذاته» بل لأنه 
في الحَرَكة» والحَرَكة في الرّمان» وذوات الأشياء الثابتة» وذوات الأشياء 
الغير الثابتة من جهة والثابتة من جهة» إذا أخذت من جهة ثباتها لم تكن في 
الرّمانء بل مع الرّمان. ونسبة ما مع الزَّمان -وليس في الزَّمان- إلى الزّمان 
هو الدهر» ونسبة ما ليس في الزّمان إلى ما ليس في الزَّمان من جهة ما ليس 
)١(‏ د. عبد الرحمن بدوي: أفوطين عند العرب ص .٦‏ 


(؟) برقلس: كتاب الخير المحض ص 6 (ضمن مجموعة الأفلاطونية المحدثة عند العرب 
تحقيق د. عبد الرحمن بدوي. القاهرة .)١965‏ 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب قف 


في الزّمان الأولى به أن يُسَمَّى سرمدًا..»"» وإذا شتنا أن نصوغ هذا النَص 
في عبارة أخرى نقول: إن السرمد هو المعنى الذي ينبغي أن نفهمه حين 
نقارن بين موجود ثابت وموجود ثابت آخرء فالعلاقة الوجودية -إن صح 
مثل هذا التعبير- بينهما هي السرمدء أمّا الدهر فهو العلاقة التي ينبغي أن 
ها بين الموجود الات و الم جرد الي فإذا ما اهت الغا 
بين موجود متغير وموجود آخر متغير مثله فإن العلاقة بينهما آنئذ هي 
«الزّمان». فالسرمد والدهر والزّمان معان متخالفة وبينها حدود وفواصل 
تترتب عليها حدود وفواصل بين عوالم وجودية متمايزة'". 

وأمر واضح هنا أن الفلسفة المَشّائيّة سواء في صورتها الحقيقيّة عند 
أَرِسْطُوه أو في صورتها المختلطة عند تلامذته من بعده» تجعل الرّمان 
أمرًا خاصا بالموجودات المتغيرة أو الموجودات الكائنة الفاسدة. أما 
الموجودات الأبَدِيّة فهي في السرمك أو الذهر ياغشان واعمارء وال 
أو الكون والفساد أو الدثور هو المبرر المنطقي في الفكرة المَشَائيّة 
حين تنحاز بالزّمان إلى عالم وبالدهر والسرمد إلى عالمين آخرين وإذا 
كان الرّمان -في الفلسفة المَشَّائيّة- يدور مع الحَرّكّة وجودا وعدماء 
فأمر منطقي أن يستبعد الزّمان من الوّجود الأبدي الثابت الذي لا 
يعتريه تغير ولا تلحقه حَرَكّة. 

وإذا ما رجعنا إلى أبي البَرَكَات فإننا نجد أنفسنا أمام موقف مختلف 


)١(‏ ابن سينا: عيون الحكمّة ص ۲۲ (ط طهران). 
() ابن سينا: التعليقات ص ”57» ورسالة الحدود ص .٩۲‏ 


www.alimamaltayeb.com 


٤‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 
كل الاختلاف عن هذا الموقف المَشائي السالف في هذا الصدد, لأن 
المنطلقات في الفلسفتين مختلفة تمام الاختلاف فارتباط الرّمان بالحرّكَة 
في الفكر المَشَّائِي يقيد الرّمان بأغلال عالم الكون والفسادء فهو مقترن 
بهذا العالم المتحرك الداثر لا يزول عنه ولا يبرحه. ومثل هذه الأغلال قد 
لا تجد لها ظلا حين يرتبط الرّمان بمعنى الؤّجود في فكرة أبي البَرَكَاتَ 
وعصوضا هين تفال الل ال حون ار قا ال ادوج 
منه مقدارا للوجود على الإطلاق» فثمة يغدو الرّمان وكأنه اللازم الذّاتي 
للوجود بما هو وجود. فهاهنا لا نصطدم بالحواجز التي اصطدمت بها 
الفلسفة المَشَّائيّة وهي تنظر إلى الموجودات المتعالية عن الحركة وَالتَعَيّ 
لآن هذه الموجودات هي في المقام الأول ذوات وجود» بل الوجود 
السرمدي الدائم هو فيصل في التفرقة بين هذا اللون من الوجود ولون آخر 
لا يدوم ولا يتسرمد» فلتكن هذه الموجودات في زمان بهذا المعنى» أعني 
بالمعنى الذي يصبح فيه الرّمان معقول الوّجود ولازمه الذهني, والزّمان 
بهذا المعنى لا يضاف إلى الموجودات الْأبَدِيّة باعتبار أبديتها أو أزليتهاء 
كما لا يضاف إلى الموجودات اللا أبَدِيّة باعتبار تغيرها وكونها وفسادهاء 
ولكن باعتبار الوجود الذي هو قدر مشترك بين الموجودات جميعا سواء 
منها الموجودات الأبَديّة أو الموجودات المتغيرة» فحيثما تصورنا الوجود 
تصورنا معه مدته وزمانه» ومثل هذا التصور لا يتوقف على كون الوجود 
المقدر -أو الذي هو منشأ إدراك الرّمان- وجودا أبديا أو لا أبدياء ومن 


هذا المنطلق لم يجد أبو البرّكات حرجا في أن يقرر أنه «لا تتصور الأذهان 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د / أحمد | 4 لطيب ۵ 


وجرا ليس له اة ولة زهان ول وجرد شالق و لا وحوة مشلوق: قاذ 
اعتبار بما يقوله اللسان من دون الذهن والعقل)”©. وهو يبرر قوله هذا 
بآن الات قد افطروا اضطرازا لع د الخال عن ال مان لآن الزماك 
عندهم مقدار الحركة» والخالق -سبحانه- لا يتحرك فليس في زمان» 
لكن حين تقصي الفلسفة المَشَّائيّة فكرة الرّمان عن الخالق الذي لا يتحرك 
وتقرر أنه ليس في الرّمان فإن عليها أن تعترف بحدوث الرّمان. 

نعم» النتيجة المنطقيّة الصحيحة لتجريد الخالق عن الزّمان هي 
حدوث الرّمان وسبقه بالعدم المحض الصريح» بيد أن المَشّائين -فيما 
يرى فيلسوفنا- قد خيل إليهم أنهم قضوا على هذا الإشكال العقلي 
القائم» حين قالوا بفكرة الدهر والسرمد بينما جوهر الإشكال باق كما 
هو لان محاؤلة الان هنا ما زادت على أن اسقيدلت ألفاظا بالفاظ 
أخر يختلف جرسها ولكن يتفق معناها تمام الاتفاق» أليس السرمد أو 
الدهر عند المَشائين هو البقاء الدائم الذي لا حَرَكة فيه؟ وإِذًا فما معنى 
هذا الدوام؟ أليس الدوام مدة طويلة لا تنتهي؟ وتّمَّةَ ألسنا نكون أمام زمان 
مقطاول لا يدناهن؟ إن السرهد أو الدهر فى جرهرة ليس إلا زماتاء وكوته 
زمانا طويلا لا حَرَكة فيه أو زمانا نسبيا فيه حَركة لا يغير من جوهر الزَّمانيّة 
اء ]ذ هفل هذه الأعبارات انما تقتشأ حن تقس أو تقارة من المعحر اه 
واللا متحركء وهذه المقايسة أو المقارنة لا تؤثر في جوهر المدة التي 
سميناها هنا: زمانا وهناك: دهرًا أو سرمذاء يقول أبو البركاتة «والذين 


.5١ 25٠ ص٣ المعتبر في الحكمّة: ج‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


۳۳٦‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


جردوا وجود خالقهم عن الرّمان قالوا بأنه موجود في الدهر والسرمد» بل 
وجوده هو الدهر والسرمدء فغيروا لفظ الزّمان وما تغير معناه» ولما قيل ما 
الدهر وما السرمد؟ قالوا: إِنَه البقاء الدائم الذي ليس معه حَرَكة والدوام من 
صفات المدة والرّمان فغيروا الاسم» والمعنى المعقول واحدء ينتسب إلى 
ماسح كد وال الاسم ان فعاف ال اف الشية المعقول 
الاد الى حو المدة وال مان 

وأكاد أعتقد أن نقد أبي البرّكات هذا هو أول معول يضرب في فكرة 
السرمد والدهر والزَّمان المَشَائيّة أو المَشَّائيّة الأفلاطونيّة» وهي فكرة 
قد تعتبر من الركائز البارزة في هذه الفلسفة» ونقد أبي البركات هنا دليل 
أخرة يضاف إلى سااسق على آنه ماکان سد باعلال المدارس الفكرية 
الشامخة؛ (وأنه كان -إلى حد كبير- صادقا في تحليل هذا الفكر ونقده 
على أساس منهج جديد لا يلتزم فيه إلا بالحق والوضوح والبداهة. 

وأكبر الظن أن محاولة فيلسوفنا هذه وقد لقيت رضا في مدرسة علم 
الكلام السني كما لقيت نقدا في ذات الوقت أيصًاء فالرازي -منطلقا من 
أسس كلاميّة- ينقد فكرة الزَّمان بالمعنى الأرسطي, أي ارتباطه بالتقدم 
والتأخر في الحَرّكّة. ومما يورده في هذا المقام أن مثل هذا التقدم والتأخر 
قد نعثر عليه في مواضع تفارق الحَرّكّة أو لا تلحقها الحَرّكّة فمثلا وجود 
الباري يكل وجود منزه عن معنى الحَركة والتعَّر» وهذا موضع اتفاق بين 
الفلاسفة والمتكلمين» لكن لا شك في أن وجوده تعالى سابق على وجود 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د / أحمد | 4 لطيب ۴۷ 


الحوادث» ثم -بعد حدوثها يكون معهاء وبغض التظر عن أنواع التقدم 
التي هي العلية أى القت أو الطبع» نقول: إِنَّه يله كان موجودا مع عدم 
هذه الحوادث» ثم هو الآن موجود معهاء فهاهنا لا ريب -قبلية للحوادث 
مرة» ومعيّة لها مرة أخرى. فإذا قلنا بأن ثمة قبلية ومعيّة تحصل مع ارتفاع 
الرّمان وارتفاع التعْيْر فمعنى هذا أنه ليس كل قبلية ومعيّة تتطلب زمانا 
وإذن فليس معقول التقدم والتأخر خاصا بالحَرّكّة» ومقتضى النقد هنا أن 
سحب مهوم ال مان على ال جرد الإليني» لآن الذمن لأ يرز أن بقيف 


34 


إلى هذا الو جود قبلية ومعيّة وبعدية» وهذا ما ترفضه الفلسفة المَشْائيّة رفضا 
ضريحا..:.وهاهنا قطل فكرة ابن سينا فى السزّمة:والدهر والزمان لتشحجب 
دقل هذا النقد لکن الراق يردها يكل ها رفغا به أب ال كات من قبل : 
يقول الرازي: «ولا يندفع هذا الكلام بما قاله الشيخ وهو أن معيّة المتغير 
تكون بالزَّمانَء ومعيّة الثابت مع المتغير بالدهرء فيكون الدهر محيطا 
ا د ا و 
هذه تهويلاات خالية عن التحصيل والتحقيق ىة ف 

لسر ا يس 
يحتوي على فكرة أبى البَرَكَات هذه» ولكن باعتبارها إلزاما فاسدا يترتب 
على الفكرة الأرسطيّة وهنا يقرر الإيجي: أن الزّمان لو كان أمرّا موجودا 
قفر الح ك لكان مرا يقدر الر جرد المطلقء لماذًا؟ لان آل مان إذا كان 


www.alimamaltayeb.com 


۳۴۸ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


الزّمان على الؤّجود الإلهي ضرورة أن الله -تعالى- موجود الآن. وقد 
كان موجوداء وسيبقى موجودا فيما يستقبل» فهاهنا قبلية ومعيّة وبعدية 
فليقذرها ال مان وليكن آل مان مقذار المورحوة المظلق لأ مارا لكر ك 
ولكن هل يرتضي الإيجي تقدير الرّمان للموجود المطلق؟ كلاء لأن الرّمان 
إما أن يكون قارًا أو متجدداء فإذا كان قارا فهو ينطبق على الثوابت فقط» 
ولآ نطق على المغيرات المح کات وان كان ددا فيو متطيق على 
المتغيرات دون الثوابت وإِذًا فالرّمان لا يقدر الموجود على الإطلاق» 
لأن الموجودات بأسرها تشتمل على الذي هو قار والذي هو ثابت. ثم 
يستشعر صاحب المواقف أن فكرة ابن سينا في هذا المقام ضعيفة إذ 
هي لعب محض بالألفاظ والعبارات» «فإن قيل: نسبة المتغير إلى المتغير 
هو الزّمانء وإلى الثابت: الدهرء ونسبة الثابت إلى الثابت السرمدء قلنا 
قعقعة ما تحتها طائل»'. 

وإذا كان الإيجي يرى أن الدهر والسرمد قعقعة ما تحتها طائل فإن 
الجرجاني يوجه هذه الفكرة المَشَّائيّة وجهة تجعلها في الوجه الآخر 
المقابل لفكرة أبي البَرَكَات. وفكرة الجرجاني في هذا المقام تتلخص في 
أن الموجود حين يكون من ذوات الهويات الاتصالية غير القارة -كالحرَكة 
مثلا- فإن في ذات هذا الموجود تقدما وتأخرا لا يجتمعان وتَمَّةَ لابد له 
موادا اة ن عل ا ال غر تاره هاا خر ال 0 
الشبه هنا التصرم والتجدد الذي يقابله المتقدم والمتأخر في هذا الموجود 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۳۳۹ 


ذي الهوية الاتصالية غير القارة» فهذا الموجود لابد له من زمان ينطبق عليه 
لأنه موجود متغير متدرج في الوجود. كذلك الموجود الذي يوجد دفعة 
أو يتغير دفعة لابد له من زمان لآن الحدوث الدفعي أو الموجود الدفعي 
لحظي آني» فمثل هذا الوجود واقع في الآن -لا محالة-» فهو في طرف 
الزّمانء ومن نَّمّ هو في الزَّمان ولابد له منهء أمّا الأمور الثابتة فهي بذاتها 
متعالية على التخير وعلى التدرج» وهي بذاتها متعالية أيضًا على الؤجود 
الدفعي الآني وهي بهذا تتسامى عن التقدم والتأخرء كما تتسامى عن الآن» 
وإذا كان الزّمان يوجد حيث يوجد التقدم والتأخر أو الآن» فليس ثمة ما 
يبرو تضوو الزّمان أو انتدعاءه فى الذهن لينطيق على هذه الموجودات 
الثوابت» لأنها في ذواتها توجد بغير الرّمان» وثمتئذ إذا نسبنا متغيرا إلى 
متغير بقبلية وبعدية فلابد من تصور الزّمان في كل من هذين المتغيرين» 
وإذا نسبنا ثابتا إلى متغير بالقبلية والمعيّة بن نقول مثلا: إن الثابت قبل 
المتغير» أو هو معه» فالرّمان مُتصَوّر في جانب واحد هو جانب المتغير لا 
في الجانب الآخر الذي هو جانب الثابت وإذا نسبنا ثابتا إلى ثابت بالمعيّة 
-إذ القبلية غير مقصورة هاهنا- فإن الذّهن لا يتصور زمانا لأي من هذين 
الثابتين» لكن هذا لا يمنع من أن نتصور مقارنتهما للزمان مقارنة وجودية 
لا مقارنة ظرفية» ثم يقول الجرجاني «وإذا تؤمل هذا اندفع ما ذهب إليه أبو 
البَرَكَات من أن الرّمان مقدار الوّجود0©. 

١١‏ - وعندي أن مثل هذا النقد قد لا يهدم فكرة أبي البرّكات في أساسها 


.١١7 شرح المواقف: ج ۵ ص‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


۲6٠‏ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


فالرّمان في نقد الإيجي والجرجاني مازال هو الرّمان بالمعنى الأرسطي» 
وأعني الزّمان المأخوذ ضمن معنى التقدم والتأخر أو إن شئت: الرّمان 
المأخوذ ضمن التََيّر في معنى الحَرَكةء والرّمان بهذه الخاصة هو أساس 
النقد عند الإيجي.. فمن خلال ارتباط الزَّمان بالتخير ألزم الاين عروض 
الرّمان للوجود الإلهي لأن العِلَّة متحققة هناء أعني أن هاهنا قبلية ومعيّة 
يمكن أن يلحظا في هذا الوجود وكذلك الأمر فيما يتعلق بنقد الجرجاني» 
أنه يقوم على تجريد هذا الوؤجود من التعَير بك صوره» أي التَعَيّر بمعنى 
ال الصو از هع ال وو ادان ماو الشيرنيت هال 
لايتصوران إلا في الرّمان» فعبث محض أن نتصور الزَّمان في و جود لا يصير 
ولا يتكون ولا يفسد. وفيما أرى فإن أبا البَرَككات لا يخالف أيا من هذين 
ال ان ال مان غعدم وكا سلف لمن وقذا على معت ال ا 
لير بل هو قد حطم هذه العلاقة المَشَائيّة التي جعلت الرّمان يدور في 
فلك الحَرَكة ولا يبرحهاء وأحل محلها تلك العلاقة الجديدية التي ربطت 
الرّمان بالوؤجود فإذا كان الرّمان هو معقول الوّجود وكان التّصَوّر لا يمتنع 
من استثبات الوجود الإلهي مستمرا قبل الحوادث ومعها وبعدهاء فليس 
بد -فيما يرى أبو البَرَكَات- من أن يتصور الزّمان في الوّجود الإلهيء لكن 
الرّمان الذي يقصده أبو البَركَات هنا هو الزّمان المعقول من هذه القبلية 
والبعدية في هذا الوّجودء لا الرّمان المعقول من القبلية والبعدية في التَعَيّر 
أو في الحَرّكٌة حتى يمكن أن تنشأ المشكلات التي اصطنع المَّشّاءون لها 
تفرقة بين أمرين هما في الحقيقة أمر واحد. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۳۱ 


إن مشكلة الزَّمان بهذه الأبعاد التي عرضناها آنفاء سواء بالمقاييس 
الأرسطيّة أو الأفلاطونيّة المحدثة» مشكلة معقدة غاية التعقيد» وقد عرفنا 
ما يرد على هذه النظريات من نقض ومنع ورد تكون معه هذه التظریات 
آخر الأمر موطن أخذ ورد» ومحل نزاع واختلاف. الأمر الذي لا تطمئن 
معه التفس إلى أن هاهنا القول الفصل في مشكلة الزَّمانء والأمر-في 
نظريّة فيلسوفنا- قد ينتهي بنا إلى نفس الحيرة والاضطراب الباديين في 
التّطريات التي أسلفنا القول فيهاء فلقد نذهب مع عضد الدَّين الإيجي في 
رأيه السالف» في أن الزَّمان لا يقدر الوّجود على إطلاقهء لأننا نعثر في 
هذا الوجود المطلق على وجود ثابت دائم» كما نعثر فيه على وجود متغير 
صائر» فكيف يقدر الرّمان هذا الؤّجود؟ إِلّه إن كان زمان الثبات والدوام 
فهو لا يقدر الجانب المتغير الصائر» وإن كان زمان اتير والصيرورة فهو 
لايقدر الجانب الثابت الدائم ومحال أن يكون الزَّمان ثابتا متغيرا في نفس 
الآن حتى ينطبق على هذا الوجود بمفهوميه: الثابت والمتغير» وين نَم 
فإن نظريّة فيلسوفنا وإن كانت أكثر صراحة ووضوحا واتساقا منطقياء فإن 
هذا لا يعني أبدا أنها أصدقء أو أنها الحق في عينه وذاته» وحقيقة. 
إن التّصَوّر الذهني يصعب عليه أن يتخيل وجودا عاريا عن مدة أو 
مار بنا ف الا خا الان م الامفير ار ااال ولو 
للحظة واحدة فهو -لا محالة- واقع في حبائل المدة والرّمان» وين 
نَم كان أبو البَرَكَات بنظريته هذه -فعلا- يطبق منهجه الذي يعتمد فيه 
على معطيات القَوَّة الواهمة» لأنه لا يتصور أن يتعرى الوّجود الإلهي عن 


www.alimamaltayeb.com 


3 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


المعقول الزّماني اللازم لمعنى الوٌجود الممتد المتصل. 

وفيما أرى فإن نظريته هذه قد استطاعت أن تة تقضي على كثير من 
الصعوبات المنطقِيّة التي تقف في وجه النّظريّة العقَّايّة: وأهم هذه 
الصعوبات: السرمد والرّمان وهل هما في الحقيقة أمران متغايران أو هما 
مصطلحان يردان على معنى واحد؟ 

لكن هل يعني هذا أن نظريّة أبي البَرَكَات تنبني على أساس منطقي 
ثابت لا يتزحزح» حين يعود إلى منطلقات القَوّة الواهمة في تصوراتها 
وأفاعيلها؟ ليس بد هاهنا من أن نقرر أن نظريّة فيلسوفنا في منطلقها 
الأساسي : تصبح أمرًا مشكوكا فيه -وإلى حد بعيد-» بل محلا للنزاع 
E‏ ي أن حكم الوهم هذا صادق في ذاته ومطابق للواقع 
ونفس الأمر؟! ولم لا يكون الوهم هنا إنما يقيس أمرًا على أمر لا سبيل إلى 
القياس أو الجمع بينهما؟! وإذا كان الوهم قد قضى عليه أن يكون محدودا 
بإطار الرّمان والمكان فهل يعني ذلك أن هذين الإطارين لابد منهما لكل 
تصور أو كل إدراك؟!» وهل يعني ذلك أيضًا أن كل موجود لابد له من زمان 
ومكان؟! وإذا كان أبو البَرَكَاتء لا يتردد في أن ينفي عن الوجود الإلهي 
معنى المكانيّة فلم تشبث هاهنا في إضافة الرّمان لهذا الوجود» بحكم 
الوهم» مع أله هو هو نفس الحكم سواء في مشكلة الزّمان أو المكان؟! 

إن مشكلة الزّمان -فيما يتعلق منها بالؤّجود الإلهي- قد لعب فيها 
الوهم دورا بالا خطيراء لأنه الحجة الوحيدة في ميدان الإحساس بهذه 
المشكلة أو التعرف عليهاء ومن ته كانت أحكامه -عند فيلسوفنا- هي 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب e‏ 


الأحكام الوحيدة الجديرة بالقبول والاعتقاد أيضًاء وقد لا يهمنا -فيما 
يتعلق بمشكلة المكان مثلا- أن يثبت الوهم اللا نهاية ثم يثبت الدليل 
النهاية» فهذا أمر قد لا يمس جانب العقيدة عند المرء. وفلاسفة الإسلام 
أنفسهم قد اختلفوا في هذا الأمر اختلافا وإن ذهب من النقيض إلى 
النقيض إلا أنه كان دائما داخل إطار العقيدة لا يخرج عنه ولا يصدمهء وإذا 
كان الإمام الغزالي قد رأى: «أنّه ليس وراء العالم لا خلاء ولا ملاء» وإن 
كان الوهم لا يذعن لقبوله)”"» فإن الرازي يقول في ذات هذه المشكلة 
وهو بصدد تفسير قوله تعالى: «الحمد لله رب العالمين»: «ثم إن العالمين 
عبارة عن كل موجود سوى الله تعالى» وهي على ثلاثة أقسام: المتحيزات» 
والمفارقات» والصّفات... واعلم أنه لم يقم دليل على أنه لا جِسْم إلا هذه 
الأقسام الثلاثة» وذلك لأنه ثبت بالدليل أله حصل خارج العالم خلاء لا 
نهاية له» وثبت بالدليل على أله تعالى قادر على جميع الممكنات» فهو 
تعالى قادر على أن يخلق ألف ألف عالم خارج العالم» بحيث يكون كل 
واحد من تلك العوالم أعظم وأجسم من هذا العالم» ويحصل في كل 
واحد منها مثل ما حصل في هذا العالم من العرش والكرسي والسماوات 
والآرضن مواقي 

نعم إن الدفاع عن القدرة الإلهية اللا محدودة كان هو الهدف الذي 
يصبو إليه الرازي في نصه هذاء كما كان الدفاع عن محدودية العالم 
)١(‏ تهافت الفلاسفة: ص ١١7”‏ من تحقيق الدكتور سليمان دنيا. 
(۲) الرازي: التفسير الكبير (مفاتيح الغيب) ج١‏ ص ؟ (المطبعة الخيرية ١۷١١١ه).‏ 


www.alimamaltayeb.com 


ع موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 
وانحصاره هو الهدف الذي يصبو إليه الإمام الغزالي في نصه السالف, وكلا 
الأمرين مقبول ومرضي عنه فيما يتعلق بأمر العقيدة وجلالها وخطرها. 
أمّا مشكلة الزّمان فإنها تمس -في نظريّة أبي البركات- حدود العقيدة 
حين تصرح بأن الله تعالى له مدة وزمان» وبرغم أن الرّمان الذي يعنيه 
أبو البرّكات هنا زمان متجرد كل التجرد من معاني الحَرّكّة والمكان» أو 
قل: معاني المادة على وجه الإطلاق» إلا أن فيلسوفنا بارتداده إلى حكم 
الوهم قد أضفى على زمانه هذا ظلالا كثيفة من شك وارتياب لا يمكن 
تخطيها أو تجاهلهاء لو أردنا أن نعرف وجه الحق في هذا الجدال المليء 
بالنقائض والأضداد في مشكلة الزّمان. إن نظريّة أبي البَرَكَات وإن كانت 
بسيطة» متسقة الأجزاء» قريبة إلى الس إلا أنها تفقد المبرر المنطقي لهذه 
البساطة وهذا الاتساق» ومن ثم فهي ليست بأصدق من غيرها ولا أثبت» 
فالوهم وراءها -دائما- يشير إلى احتمال الخطأ فيهاء ومن هنا نزعم أن 
مشكلة الرّمان هذه ليست إلا إملاء الوهم فيما يتعلق بالجانب الإلهي 
الأقدس» ولعل فكرة الإمام الغزالي في أن الرّمان حادث ومخلوق» 
وليس قبله زمان أصلاء تصيب كبد الحقيقة في هذا الأمرء لأنني حين 
أقول: إن الله متقدم على العالم والرّمان» فمعنى قولي هذا: أن الله تعالى 
كان ولا عالم معه» وليس معنى هذا إلا أن ثمة وجودا من ناحية وعدما من 
ناحية أخرىء أعني وجود ذات الباري وعدم وجود ذات العالم» فهاهنا 
معنيان فقط» وجود ذات وعدم ذات» ولا يلزم ضرورة أن ينشأ معنى ثالث 
هو التقدير بين المعنيين السالفين «وإن كان الوهم لا يسكت عن تقدير 


www.alimamaltayeb.com 


أ/ ا جمد الب +٤0۵‏ 
شيء ثالث» وهو الزَّمانء فلا التفات إلى أغاليط الأوهام». 

إن قوّة الوهم هنا هي التي توهمت الرّمان وأنشأته إنشاء بين أمرين 
قد لا يكون بينهما -في نفس الأمر وحقيقته- تقدير ولا مقايسة؛ والزّمان 
إنما حدث ووجد مع حدوث هذا العالم وبدايته» فعبث محض أن نطلبه 
ونتصوره بقياس أو إضافة في وجود سابق على هذا الوجود الذي حدث 
فيه الرّمان ووجد. نعم إن التفس قد تطمئن ويقر قرارها مع مثل هذا التصور 
في مشكلة الزَّمانء فهاهنا -حقيقة- تكاد تختفي كل هذه المشكلات 
التي علقت بالنظريات السالفة» فثمة تختفي مشكلة السرمد والأزل» 
كما تختفي مشكلة تقدير الرّمان لوجود واحد من الوجودين المتخالفين 
بالذّات والحقيقةء تلك المشكلة التي تعترض نظريّة فيلسوفناء كما تختفي 
أيضًا مشكلة الوهم مع ما تتأدى إليه من فقدان اليقين المنطقي في البنايات 
التصورية في هذه النّظريّة» ثم تتلاشى -تماما- مشكلة المشكلات في 
الرّمان وأعني بها قدمه وأزليته سواء عند المَشَّائين أو عند أبي البَرَكَات فهنا 
الرّمان له أول وله حد يمكن أن نتصور الزَّمان حادثا عنده وبادئا في وجوده 
وسيلانه منه» وفكرة الغزالي هذه هي فكرة الأديان السماوية تلك التي لا 
تريد للإنسان أن يتصور القدم والأزل إلا لذات واحدة واجبة الوجود» وهي 
بهذا إنما تلقي في روحه تصورا مستأنسا لدى الذهن والتّفْس والشعورء لا 
يخالطها معه حيرة ولا يغشاها غموضء وإذا شئنا أن نلخص موقفنا من كل 
هذه الأخلاط الفلسفيّة التي عدونا في أثرها كثيرا فلنقل مع الشهرستاني 


.١١١ الغزالي: تبافت الفلاسفة ص‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


۳٦‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


«والرّمان والمكان توأمان تراكضا في رحم واحد» وارتضعا من ثدي واحد» 
ولوعي عليهما في مهد واحد» فاضرب الدهري بالجسمي» والجسمي 
بالدهري واطلب دين الله تعالى من الغالي والمقصرء وجلال الله تعالى 
فوق الأوهام والعقول» فضلا عن المكان والرّمان. وحيثما اشتقت العبارة 
باستعارتها في آفاق الفكر الجائل في عرصات المطلوب» صار ما يرام 
وشوج اا ی كه اناه د وا ا 
وعاد العقل الإنساني عنده هباء» والحيلة استحالت عفاء» فلا وجه بعد 
هذه المعاني التي طلعت عليها شمس العظمة فطبختها في أمواج البحارء 
وسيحتها في أدراج الرياح» إلا الركون إلى الشرع الظاهر» والحنيفي 
الطاهرء فإنه يؤنس كل الأنس ولیس يوحش كل الإيحاش ولو أنه لم يرو 
كل الإرواء» ولم يعطش كل الإعطاش)”"'. 


)١(‏ الشهرستاني: مصارعة الفلاسفة ص 2١١٠‏ ۸ تحقيق سمير مختار (القاهرة سنة 
ه). 


www.alimamaltayeb.com 


www.alimamaltayeb.com 


13 

0# 
® 
8 

: 
SF 

۰ 

‘3 


www.alimamaltayeb.com 


-١‏ مقدمة. 
-١‏ تعريف النفس بين المشائين وأبي البركات. 
۳ نظرية القوئ النفسية عند المشائين: 
5- أصضول هذه النظريةا . بين المشائين وأبي البركات. 
- نقد النظرية عند أبي البركات. 


- الإدراك بين المشائين وأبي البركات. 
۸- الإدراك البصري (كنموذج للإدراك الحسي) بين 
العشائين واي البركات: 

8- الأدراك العقلى بين النشائيق وا البركانت: 
3 مدرك اليصوسات والسقولات بين المقاتين وأ 
البركات. 

-١‏ قدم النفس وحدوثها. 


www.alimamaltayeb.com 


www.alimamaltayeb.com 


١-موضوع‏ التَّمْس موضوع حير أرباب الفكر والنظر على إطلاقهم 
من فلاسفة وعلماء وصوفية ومتكلمين» ولعل انصراف العلم الحديث إلى 
دراسة الظواهر التْفْسِيَّة والاقتصار عليها -بعد أن عز على رسائله اكتناه 
التفس ومعرفة أسرارها- ما يشير من قريب أو بعيد إلى أن هذا الميدان 
من ميادين الفكر والتأمل والبحث» قد يظل -إلى الأبد- موصد الأبواب 
أمام العقل مهما تسامت تأملاته» وحسبنا هذا التراث الفكري الممتد عبر 
الأزمان والعصورء والذي حاول فيه العقل الإنساني أن يلج رحاب التفس 
ويتقحم حماهاء فكان أن دار حولها في افتراضات وتقديرات قد تكون من 
الحق في شيء وقد لا تكون حسبنا أن يتطاول هذا التراث ويتراكم وحقيقةٌ 
التقس» كما هي» حقيقة مجللة بالغموض ملفعة بالحيرة. وقد لا نعدو وجه 
الحق لو قلنا: إن معرفة التفس- معرفة حقيقِيّة - برغم تقدم العلم والإدراك 
البشريين» ما زالت كما كانت أيام سقراط وأفلاطون وَأَرِسْطُو إن لم تكن 
قد ازدادت بعدا عن الحقيقة ونفس الأمر. نعم ربما كان ذلك لأن التفس 
سر من أسرار باريها ومنشئهاء وحجة بالغة على خلقه وعباده» ودليل قائم 
-إلى أن تقوم الساعة- على محدودية هذا الإنسان وعجزه وكلاله تجاه 
معنى لا يرتاب لحظة في أنه يحمله بين جنبيه وفي ثنايا ذاته» فغريب حقا 
أن تكون الس المضدر الأول لكل ما يحض عله الاسان من سارف 
وعلوم وإدراكات» ثم ما تكاد ترجع البصر نحو ذاتها حتى ينقلب إليها 
البصر خاسئا وهو حسير» وغريب أيضًا أن يكون منبع الوضوح والظهور 
والعرفان هو في ذاته غير واضح ولا ظاهر ولا معروف. 


www.alimamaltayeb.com 


۵۲ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 

ومع ذلك فالعقل البشري دائما ذو طبيعة باحثة منقبة» فهو لا يكف عن 
الركضن ورا المجيول عت وان أيقن أنه لآ سيل إلى الوضول اليه فما 
من فلموت | لا ولهو ف رل وقد تقس رح اء ك اا تي هة 
يتأملها ويدقق التّظر فيهاء ويحلل ويقارن» ثم يتركها وكأنها ما امتدت إليها 
-من قبل- يد باحث أو مفكر أو فيلسوف. 

والفلسفة الإسلامية ليست بدعا من سائر الفلسفات الأخرى التي 
درست هذه المشكلة وكانت لها إزاءها أقاويل ونظريات» ومع أن الفكر 
الأرسطي في هذه المشكلة أيضًا قد تخلل الفلسفة الإسلاميّة وضرب فيها 
بجذور بعيدة الأغوارء إلا أننا سوف نلتقي بفيلسوفنا هنا ناقدا ومحللاء 
متجاوبا مع الفلسفة المَشَائيّة حينا ومتخالفا معها أحيانا أخرى» وذلك 
بغض التّظر عما يكمن وراء هذا النقد من منطلقات منهجية قد تكون في 
اھا عقيو لوقن لا کون 

١-وأول‏ ما نلتقي به عند فيلسوفنا هنا إنما هو تحديد التَّمْس أو 
محاولة تحديدها وتعريفهاء وذلك لضرورة تمييز مفهوم النَفْس كموضوع 
محدد القسمات والملامح قبل الانطلاق فيما يتعلق بهذا الموضوع أو 
يدور حوله من مباحث قد تتعلق بالجانب الفيزيقي -في موضوع النَّفْس- 
أحياناء وبالجانب الميتافيزيقي فيه أحيانا أخرى. 

وفي مجال تحديد التَفْس يعرض فيلسوفنا التعريف المشهور عند 


3 
85 


المَشائين وهو التعريف الذي يحدد التَّفُس بأنها: «كمال أول لجسُم طبيعي 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د / أحمد | 4 لطيب ۵ 


آلي ذي حياة بالقوّة)”. ومعنى هذا التعريف: أن الكمال هو مايتم به النوع» 
سواء كان هذا التمام متعلقا بذات النوع وتحصله في نفسه متميزا مستقلا 
أو كان متعلقا بصفاته التي تأتي بعد تحققه نوعا متميزاء وبمعنى آخرء فإن 
الكمال يطلق على وجهين: كمال أول وكمال ثان: 

فأما الكمال الأول فهو الذي يصير به النوع نوعاء وذلك مثل الشكل 
في الأشياء» كصورة الوردة أو الزهرة مثلا. 

ما الكمال الثاني فهو أمر يترتب على الكمال الأول ويتبعه» وذلك 
مثل ألوان الورود وروائحهاء فهذه كمالات تتعلق بالنوع لكن لا من جهة 
تحققه في ذاته نوعا مستقلاء لأن النوع بما هو نوع لا يتوقف على مثل هذه 
الكمالات الثواني وإنّما تحصل له هذه الكمالات بعد أن يحصل له الكمال 
الأول الذي هو المبدأ لهذه الأمور الطارئة ومن نَم يمكن أن يقال على 
الكمال الأول: الكمال المنوع لأنه يُحصّل النوع ويُقوّمهء بينما الكمال 
الثاني لا يقال له ذلك؛ لأنه لا يلحق النوع إل عارضا وتاليا للكمال الأول. 
والتفس من الكمالات الأول التي تعرض للأبدان فتكون فيها كونا أوليا 
لا كونا ثانياء لأنها أصل في تحقق النوع نوعا في ذاته» وأصل في عروض 
الكمالات الثواني ولحوقها كعوارض لهذا النوع. 
)١(‏ أرسطو: كتاب التَّْس ص 47 (ترجمة د. الأهواني القاهرة سنة19471م) وعبد الرحمن 

بدوي: أرسطو ص٠۲۳‏ وابن سينا: الشّفاءج١‏ ص۳۷۹ (ط طهران)ء وأحوال النّفْس 


ص" ه تحقيق الأهواني» والنجاة ج۲ ص۸٥‏ 2 والرازي والطوسي: شرح الإشارات 
جا ص نينا (ط الخشاب) والإيجى: المواقف ج۷ ص۷۳١‏ . 


www.alimamaltayeb.com 


۵٤‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


ولكن أي شيء هذا الذي تلحقه التَفْس ككمال أولي؟ إِنَّه الجسم 
ولكن لبس على إطلافه» لأن الكشاتين يقيدوثة بالطبيعي» فالنقس كمال 
أول لجسُم طبيعي» وأبو البَرَكَات يتوقف قليلا عند هذا القيد فيراه غير ذي 
بكرن :د لك د و را لماعي ا 
والكرسي مثلا"» فمثل هذه الأجسام الصناعيّة لا تعرض لها النفوس 
كمالات أول على الإطلاق» لكن فيلسوفنا يرى أن هذا مخالف لإطلاق 
المكاين ومزاهقاتهب فى مدي الحتتي تقد تعلو أنهي ضعو الج 
لطعي في مقابلة الجسم التعليمي دائماء وهي مقابلة بين جسم موجود 
متحقق بالفعل وهو الجِسْم الطَِيعِي» وبين جسم موهوم مأخوذ في الاعتبار 
فقط وهو الجسم التعليمي. فهل هذا القيد عند المُشَّائِين لإخراج الجشم 
التعليمي. وإذا كان الأمر كذلك فهل يحتاج في إخراج أمر متوهم غير 
موجود. لا يتصور فيه كمال أولء إلى قيد واحتراز؟ ثم إن الأجسام - 
يرى أبو البرّكات- كلها طبيعيّة» بمعنى أن للدم الصناعيّة والأجسام 
غير الصناعيّة مشتركة في أنها كلها أجسام طبر اوغا ا کے ا 
يناج جاران لع رن ود لاه ل طبيعيا وبعضها 
غير طبيعي)”". فمثل هذا القيد -سواء أريد به إخراج الجن التعليمي أو 
الجسم الصناعي- قيد لا فائدة منه» ويرى أبو البرّكات أن كلمة طبيعي هذه 
(۱) ابن سينا: الشّفاء ج١‏ ص١7‏ (ط طهران)» وصدر الدين الشيرازي» الأسفار الأربعة: 

المجلد الثاني ص ١5١‏ . 


(۲) المعتبر في الحكمّة: ج۲ ص .”٠٠‏ 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 00" 
إنما وردت عند أَرِسُْطُو قيدا للكمال لا للجسّمء بمعنى أن ثمة كمالا طبيعيا 
وهو الكمال الذي لا يخضع لفعل الإنسان, أو هو الذي لا يكون أثرا عن 
فعله وعمله» مثل الألوان والأشكال النباتية» أو مثل القوى الموجودة في 
الحيوان أو الإنسان» وهذا في مقابل الكمال الصناعي وهو الكمال الذي 
يكون أثرا لصنعة الإنسان وأفاعيله مثل التشكيلات الصناعية وما إليها مما 
للإنسان فيه مدخل بعمل أو صنعة. وأَرِسْطُو إنما كان يقصد أن التّمّس كمال 
طبيعي لا كمال صناعي» وهنا يجزم أبو البَرّكّات بأن ورود كلمة «طبيعي» 
في التعاريف المَشَّائيّة قيدا للجِسّم إن هو إلا غلط في النقل عن أَرِسْطُو 
فيما يتعلق بهذا الأمر”". 

مما يكو من آم ر هذا الخلاف قان الس ما رى الارن 
هي هذا الكمال الأول للجسْم الطبيعِي لا للجسْم الصناعي» لكن قد 
يشترك مع الجسم الطَِّيعي هذا -في معناه- البسائط العنصرية كالنار 
والأرض والهواء والتراب» فمثل هذه الأجسام الطبيعية البسيطة لا نفوس 
لها وهنا يضيف المَشَّاءون كلمة «آلي» قيدا للجِسم الطبيعي ليقتصر الأمر 
على الأجسام الطَّبِيعِية ذوات النفوس» ومعنى الآنية هنا: القوى المختلفة 
مثل التغذي والنموء فإنهما آلتان للنفس بذاتهاء كذلك الأعضاء المختلفة 
هي آلات للنفس أيضًاء وإن يكن بينها وبين التغذي والنمو فرق من حيث 
إنهما آلتان للنفس في ذاتها بغير واسطة» والأعضاء آلات للنفس بتوسط 
القوى التّفْسيّة بين التفس في ذاتها وبين هذه الأعضاء المختلفة. 


.777 المصدر السابق: نفس الصفحة» انظر أيضًا: الرازي: المباحث المشرقِيّة ج۲ ص‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


۳۵٦‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


والتّمْس بهذا المعنى الكَلْي اسم مشترك يطلق على النّفْس النباتية 
والتفس الحيوانيّة» والتّفس الإنسانيّة» ولكن الفروق التي تتخالف بها 
هذه النفوس هي -عند المَشائين- فروق ترجع في المقام الأول إلى معنى 
«المعرفة)ء بمعنى أن التفس النباتية هي التي تفعل في أبدانها بغير معرفة ولا 
إرادة» والتفس الحيوانيّة هي التي تفعل في أبدانها هذه الأفعال المختلفة - أو 
المتفننة- بمعرفة وإرادة» أمّا الس الإنسانيّة فهي التي تفعل هذه الأفعال 
بمعرفة وإرادة -كالتفس الحيوانيّة- ثم تزيد عليها معرفة المعاني الكلية 
والقضايا العقلية) أو إن شئت: تزيد عليها التفكير أو النطق بمعناه العام. 

وقديكون الأمرعلى غير ذلك» قيما بزى فيلسوقناء قالفرق الذئ تنشأً 
عنه هذه المراتب المختلفة في ماسر اا ور 
بالأفاعيل التي تفعلها هذه النفوس» بمعنى أن التَّفُْس النباتية تشعر بأفعالها 
شعورا ماء وتعرف مقاصدها التي تتوجه إليها وتتوخاها بحركتها معرفة 
ماء وكذلك التفس الحيوانية والتّفس الإنسانيّة مع اختلاف أو تفاوت في 
مراتب هذا الشعور أو الإحساسء فكل هذه النفوس إنما تشترك في أن 
لديها قدرا من الشعور بأفعالهاء أو قدرا من الإحساس بهاء إلا أن الفرق 
يكمن في معرفة هذا القدر من الشعور, أو الشعور بالشعور إن جاز مثل هذا 
التعبير» فالتّفُْس النباتية تشعر بحركاتها نحو جهات مختلفة محددة» وهذا 
أمر لا يتمارى فيه أبو البَرَكَاتء لآنه لولا فرض الشعور والتمييز في عالم 
النبات لما أمكن أن نفسر انّجاه بعض النباتات في حركتا إلى أعلى واتجاه 
البعض الآخر منها إلى أسفل» وهو في ذات الوقت لا يتمارى أيضًا في 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 0۷ 
أن النبات فاقد للشعور بهذا الشعورء أو فاقد لمعرفة هذه المعرفة البسيطة 
التي يفعل حركاته على هدى منهاء والأمر يختلف -كثيرا أو قليلا- بالنسبة 
للنفس الحيوانيّة» فهي تشعر شعورا أكثر من شعور النبات» وتعرف معرفة 
أتم من معرفته» بمعنى أنها تشعر بشعورها وتعرف معرفتهاء أما الس 
الإنسانيّة فهي الغاية في هذا الباب» لأن شعورها أكبر وأرقى من شعور 
التفسين السالفتين» ومعرفتها أتم وأكمل من معرفتيهما. 

ا اف الام كبا قد ادو هن القليفة ال )اد أمر ققد 
الشعور أو حصوله» بل قوّة هذا الشعور أو ضعفه بين مرتبة نفسيّة 
ومرتبة أخرى منهاء ودرجة الاختلاف في القوّة أو الضعف كفيلة -عند 
فيلسوفنا- بأن تقيم الحواجز والحدود بين أنواع أو مراتب في عالم 
النَفْسء متخالفة بالذّات وبالجوهرء ومن نَم ينص أبو البَرَكَات على: 
«أن الاختلاف بينها اختلاف بالجوهر والنوع» لا بالأشد والأضعف 
ويتبعه الاختلاف بينها بالقوٌة والضعف والوسع والضيق والقدرة 
والعجزء فالاسم لها مشترك لا محالة أعني للنفس النباتية والنقس 
العيوائة والس الإتسانية» وسيريك النظن أن الاسم مشدرك في 
النفوس الإنسانيّة أيضًاء وفيه الاختلاف بالنوع والجوهر تختلف به 
نفوس أصناف الناس اختلافا أصليا بالجوهر إلى غير ذلك)2"2. 

وقد لا نرى أن هذا الاتجاه في فلسفة أبي البرگات جديد عنده كل 
الجدة» بل قد يمكن أن نتوسم هاهنا تأثرا -من قريب أو بعيد- بفكرة 


.” ١7ص المعتبر في الحكمّة: ج۲‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


۳۵۸ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 
الشعور عند الشيخ الرئيس وهي وإن تكن فكرة قد اضطرب فيها ابن 
ماكر ا ی وا ل اکت 
على نظريّة أبي البَرَكات التي نحن بصددها. ولقد سكل ابن سينا مرة 
من أحد تلاميذه: «هل تشعر الحيوانات الأخرء سوى الإنسان بذواتها؟ 
وما البرهان عليه إن كان ذلك» فأجاب: «يحتاج أن يفكر في هذا ولعلها 
تشعر بذواتها بآلات أو لعل هناك شعورًا بأمر مشترك من الإظلال» أو 
لعلها لا تشعر إلا بما تحس وتتخيل» ولا تشعر بذواتها وقواها ولا 
أفعال قواها الباطنة. يجب أن يفكر في هذا». 

نعم» قد لا نتحقق هنا من رأي ابن سينا فيما يتعلق بالشعور في النفس 
الحيوانيّة فالأمر عنده قيد البحث ورهن التأمل» ولكن قد نتحقق من 
أن ابن سينا -متابعًا و ینفی معنى الشعور تماما ی الس 
النباتية» وهو بهذا -فيما أعتقد ربما لفت نظر أبي البَرَكّات إلى الاستفادة 
من فكرة الشعور هذه وصياغتها- من جديد في أبعاد تشمل عالم النفوس 
کله من ادناه ا أعلاه. 

ومهما يكن من شىء» فإن فكرة الشعور هذه قد غدت عند أبى البرّكات 
محورا أساسيا سواء فيما يتعلق بالمراتب المختلفة أو الأنواع المتباينة 
للنفسء أو فيما يتعلق بتصور المعنى العام للنفس بما هي نفسء وفيلسوفنا 
)١(‏ الدكتور أحمد الأهواني: «الشعور» مقال في الكتاب الذهبي للمهرجان الألفي لذكرى 

ابن سينا ببغداد ص۲۲۳ (القاهرة 91657١م).‏ 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۳۵۹ 


-من هذا المنطلق- لا يرضى كثيرا عن التعريف المَشّائي السالف لأنه 
يسلب عن ماهية التفس -في بعض أحوالها- أخص خصائصها ألا وهو 
خصيصة الشعور» وذلك في محاولة لتعريف النفس تعريفا جديدًاء أيضًا 
يذهب فيه إلى أن التقس بحسب عمومها واشتراكها هي: «قوّة حالة في 
البدن تفعل فيه وبه ما يصدر عنه من الأفعال والحركات المختلفة الأوقات 
والجهات» بشعور ومعرفة مميزة معينة لها بحسبهاء ويحصل له بها كماله 
النوعي وتحفظه عليه)""". 

لاط علن هلاال ف: 

أوّلا: أنه يعبر عن التفس بالقوّة وفي هذا نفي صريح لمعنى الجسْميّة 
عن التَّمْسء لأن الجسم ليس قَوّة» بل هو ذو قُوَّة» والجِسْم لا يفعل بذاته 
بل بالقوّة التي فيه فإذا كانت التَّمْس -في تعريف أبي البَرَكَات- فة كانت 
فاعلة بذاتهاء ومعنى ذلك أنها ليست جِسّما. 

ثانيا: حلول النفس في البدن» يمهد به أبو البَرَكَات للتفرقة 
الي سيتيمها فيا بعك بين الفس بهذا التصور وبين ها سميه 
الكتاءون عقو ل نقاوقة للأيداتة.والمواة» ولكم ١‏ اناا وراك 
الفكر المَشّائي في هذه التفرقة» بل لمحاولة هدم هذه النَظريّة من 
أساسهاء إذ ليس ثمة -فيما يرى- إلا النّمْس فقط. 

ثالثا: التعبير عن أفعال التفس بأنها إلى جهات مختلفة إنما يفرق به ابو 
ال كات ين مع الس ورم الظبيذة» لآن هذ الا رة وإن كانت رة 


.” ١ ٤ص المعتبر في الحكمّة: ج۲‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


۳ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


ذات أفاعيل إلا أنها دائما في جهة واحدة وعلى سنن مطرد» وذلك لفقد 
التمييز في الطبيعة أو الشعور بفعلها. 

رابعا: بروز معنى «الشعور» أو «المعرفة المميزة» في تعريف التفس 
على عمومها مما يضع أيدينا على هذا الاتجاه الجديد الذي يطالعنا به أبو 
البركات في تصوره هذاء وهو لا يمل من تكراره والإشارة إليه كلما عن له 
ذلك» فعنده: «أن القاصد التارك لجهة دون جهة؛ والفاعل في وقت دون 
تعد نس ويغرق الثر اميه اضر دواد هه ال وا 
فيه هذا دون هذا من الوقتين والحالتين الموقتتين فإن الأوقات من الزَّمان 
على ما سبق فيه الكلام متميزات بمتجددات الحوادث من الأحوال)20. 

وهذا التعريف العام لمعنى النَمْس قد يتخصص بحيث يقتصر إطلاقه 
على مرتبة بعينها من مراتب التَّمْسء وذلك إذا ما أضيف إليه -فيما يتعلق 
بالتفس النباتية-: «من غير إرادة ولا روية» ومع إرادة وروية» فيما يتعلق 
بالتقس الحيوانيّة أمّا إذا كنا بصدد التفس الإنسانيّة فيضاف: «مع سعة 
المعرفة بمعرفة المعرفة والروية» حتى يفصل النطق» الذي هو تعريفهاء 
لغيرها ما تريد مما تعرف)”7"). 

على أن معرفة الإنسان بنفسه -فيما یری أبو البَرَّكّات متابعا فيه ابن 
سينا-”" لا تدخل ضمن هذا الحدء إنها معرفة لا يدل عليها بحد ولا 
(1»المسدن السا شس الفط 
(۲) المصدر السابق: ص٥ .7١‏ 


() الشفاء: ج٠‏ ص۳٠۳‏ (ط طهران)» والإشارات بشرحي الرازي والطوسي: = 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۳۹۱ 
بتعريف» بل هي معرفة مباشرة عيانيّة ومعرفة الإنسان بنفسه تسبق كل 
ما يعرفه الإنسان من معارف وأشياء أخرى» بل يعرف إنسان نفسه حتى 
وإن فقد كل مسموع وكل مرئي» وهو لا يكاد يغفل عن هذه المعرفة أبداء 
ا من دی حم اتاد ودب هن انه وأفعاله إلا وت فيه على ما بد 
الأقرار و جردا ركا و كد او ال كانس كما قلقت الا المضهومة 
في اللّخة العربيّة نشأ إحساس بالتفس وشعور ومعرفة بها. وقد مر بنا أن 
الإدراكات البديهية لدى التقس -في فلسفة أبي البرّكات- هي الإدراكات 
الثلاثة وأعني بها إدراك النفس لذاتها وللوجودا وللزمانا فهذه التصورات 
الثلاثة تمثل أمام النفس مثولا مباشرا دون توسط شئ آخر بينها وبين أي 
من هذه التصورات. وأمر واضح أن أشد هذه التَصَوّرات حضورا لدى 
التفس إنما هو تصور التفس ذاتها وشعورها بهاء ومع أن هذا التَصَوّر قد 


وضوحا وتمييزا وأكثر تحققا وتثبتا من أية معرفة أخرى تردد بين جنبات 
المرء» يقول أبو البَرَكّات: «فإنك لو فرضت إنسانا خلا بنفسه عن كل مرئي 
ومسموع ومدرك من المدركات» لقد كان شعوره بنفسه موجودا وعنده 
حاضرًا لا يغيب عنه» وفي كل فعل يفعله الإنسان يشعر بنفسه معه).'") 
؟٠-إذا‏ ما انتقلنا من تعريف النَّفُس وتحديد مراتبها وأنواعهاء 
إلى بحث الوظائف التَفسيّة المختلفة التي نجدها في النبات 


= ج۱ ص۱۲۱ وما بعدها. 
)١(‏ المعتبر في الحكمّة: ج۲ ص٦ .٠*‏ 


www.alimamaltayeb.com 


۳1 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 
والحواة و الا سان افا بهذا تمل إلى :تقطة ذف ل لقا معا 
بين أبي البَرّكات والفلاسفة المَشّائين. 

وإذا ما انتقلنا إلى الفلسفة المَسَائيّة في هذا الصدد وجدناها تطالعنا 
بعديد من التقسيمات والتحديدات للقوى والوظائف التَفْسيّة في مختلف 
مر اها وحدوؤدها فا هناك ق تف الوظافك التنسية إلى : 

-وظائف يشتر ل فيها الحيوان والنبات وذلك كالتغذي والنمو والتوليد. 

-ووظائف تشترك فيها التفس الحيوانيّة مع النّمْس الإنسانيّة ولاحظ 
فيها للنفس النباتية من قريب أو بعيدء وذلك مثل: الإحساس والتخيل 
والحرّكّة بالإرادة. 

- ثم وظائف تنفردبها التّمْس الإنسانيّة وحدهاوهي: الوظائف العقليّة”". 

ونَّمّةَ قسمة أخرى تجعل للنفس الحيوانيّة قوتين: قوّة مُحَرٌكة.. وقوّة 
مدركة. فالقوّة المُحَركّة تيم على صورتين: 

-صوة يكون فيها التحريك على هيئةٍ باعثةٍ ذاتٍ تروع واندفاع نحو 
شيء ما. وهنا نلتقي بالقرّة الشهوية والقرّة العَضَبيّة. 0 

-وصورة يكون فيها التحريك على هيئة قوَّة تنبعث في الأعضاء فتفعل 
الحَرَكة وتحدثها وهي القوّة التي تسَمّى: القوّة الإجماعيّة”". 

ما القرّة المدركة فهي أيضًا ذات نهجين: 


اتن ما أحوال الس ص 007 وأيضا ص۲۷ من مُقَدّمة الدكتور الأهواني لهذا 
ااا 
عا تجا الإدراك الحشى تدان سا ص سدم 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۳1 


-نهج يكون فيه الإدراك في صورة خارجية» وأدوات هذا الإدراك هي 
الحواس الخمس الظاهرة التي هي: السمع» البصرء الذوق» الشم» اللمس. 

-ونهج يتم فيه الإدراك عبر قوى أو آلات مركوزة في باطن الإنسان 
وداخله» وهي الحواس الباطنة.. وقد نعلم أن أرسطو لم يعرف من 
الحواس الباطة هذه ]لا قرى ثا الج امرك اليل دالقاك 01 
- أمّا ابن سينا فإن هذا التصنيف يربو في فلسفته- ليصل إلى خمس قوى 
باطنيّة» وذلك حين يعيد ترتيب هذه القوى من جديد بحيث يشمل القوى 
التالية: الحس المشترّك- الخيال أو الصورة - التخيل أو التفكير - الوهم 
- الحافظة الذاكرة. 

وقد يقتضينا البحث هنا أن نقف على معاني هذه القوى في الفلسفة 
المَشَّائيّة أولا وقبل أن ندخل مع فيلسوفنا في محاوراته ومجادلاته للمشائية 
في هذا المقام. 

(أ) ّا الحس المشترك: 

فهو حس باطن تلتقي فيه كل الإحساسات التي يتم إدراكها عبر 
الحواس الظاهرة مهما بلغت كثرتها ومهما تعددت أنواعهاء ومن نَّمَّ فقد 
كدو هدوا أونهذا الج الك ا الاس الا لاف 
)١(‏ يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية ص١١٠.‏ 
(۲) ابن سينا: الشّفاء ج۱ ص۲۹۱ (ط طهران)» والنجاة ج۲ ص 750, أحوال التفس 


A. M. Goichon: Vocabulaire Compare صض11-11« وأيضًا:‎ 
.@Aristote et dIbn sina. P. 40 


www.alimamaltayeb.com 


۳٤‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


صور المحسوسات الآتية إليها من أدوات الجس الظاهرء وهي بهذا إنما 
تنشب علائقها بالقوّة المصورة والقوّة الواهمة» لأن أولى هاتين القوتين 
تحفظ هذه الصوة الحِسّيّة أو تختزنها بعد أن يتم ورود هذه الصّوّر عبر 
الحس المشترك فهذه الصّوّر لا ترحل إلى القَوَّة المصورة لتختزن فيها إلا 
بعد أن تكون قد حصلت هناك في الجس المشترك من قبل» كذلك حين 
نعرف أن وظيفة القرّة الواهمة هي إدراك المعاني الجزئية» نعلم في ذات 
الوقت أنها -لا محالة- تتعامل مع هذه الصّوّر الحِسِّيّة التي حصلت آنفا 
في الحسٌ المشترك. وكذلك يترك الجس المشترك بصماته على كل من 
القوتين الأخريين. أعني الحافظة الذاكرة» والمتخيلة» لأن الأولى منهما 
إنما تحفظ المعاني الجزئية التي استخلصها الوهم من الصّوّر المحسوسة 
المنبثقة في الح المشترك» أمّا القوّة الثانية التي هي التخيل أو المتخيلة 
فإنها إنما تجمع أو تفرق بين الصّوّر المحسوسة والمعاني الجزئية» وكلا 
هلين ارين هما له أرق الضاخف ندر الس المشفر ك وها يكون 
الجس المشترك بمثابة القلب أو المركز في عالم الحواس الباطنة من حواس 
النَمْسء يقول ابن سينا في وصف هذه القوّة: «أليس قد تبصر القطر النازل 
خط ستفيها؟! والنقطة الذاكرة سرعة خطا مهدا "كله على ميل 
المَشّاهدة لا على سبيل تخيل أو تذكر» وأنت تعلم أن البصر إنما ترتسم فيه 
صورة المقابل والمقابل النازل أو المستدير كالنقطة لا كالخط. فقد بقي 
في بعض قواك هيئة ما ارتسم فيه أوّلاء واتصل بها هيئة الإبصار الحاضرء 
فعندك 3 قبل البصرء إليها يؤدي البصر کال تاھد وعندما تجتمع 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د / أحمد | 4 لطيب ۳1۵ 


المحسوسات فتدركها.... فهي المسماة بالجس المشترك وبنطاسيا»". 

وبهذا التّحليل الدقيق يكاد ابن سينا يضع أيدينا على قَوّة الحسّ 
المشترك» ذلك أنني حين أبصر الخط المستقيم المصنوع من قطر هاطل 
متتابع» لا أكاد أشك في أنه فعلا خط مستقيم» لكنني في ذات الوقت حين 
أرصد واقع الآمر» لا أشك لحظة في أن الموجود أمام ناظري إنما هو 
نقطة وراء نقطة وليس خطا مائيا سائلاء فمن أين جاءتني صورة هذا الخط 
السائل؟ وتعليل ذلك -فيما يرى ابن سينا- أنني حين أبصر هذه النقطة في 
مكان بعينه» فإن هذه الصورة ترتسم في قُوّة ما من قواي الحسَيّة الباطنيّة ثم 
تحصل في نفس القوّة الصورة الثانية لنزول هذه النقطة ووجودها في مكان 
نال للمكان الأرلووذلك قبل أن ترو هن هده اة الضورة الأوان» قدا 
ما ارتسمت في هذه القَوّة صور الانتقالات المتلاحقة للنقطة» أحست بهذا 
الخيط المائي المستقيم وكأنه ممتد في الهواء. 

وللحس المشترك -كما يرى أَرِسْطُو- وظائف ثلاث: 

أولهاة إذدواك المتحسوسات. المشدركة الآتية عن طريق. الحواسن 
الخارجية بملابساتها وأحوالهاء وبما بينها من علائق الشكل والعدد 
والمقدار وال كة والشكوث: 

ثانيها: إدراك الإدراك» أو قل: الشعور» فلولا الحس المشترك 
لما أمكن أن يثبت الإنسان نفسه في حالة رؤية وسماع أنه راء وسامع» 
فالحواس لا تعطيني هذا الشعور, لأنها لا تدرك ذواتهاء أو لا تنعكس على 


) الآشارات والترييهات شر الرازى والظوسى :اصن 1417 وما بعدهاء 


www.alimamaltayeb.com 


۳٦‏ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
أنفسهاء وذلك لأن أفعال الحواس غير موضوعاتهاء أعني أن العين مثلا 
تبصر موضوعها الذي هو اللونء لكنها لا تبصر فعلها الذي هو الرؤية» لآن 
الرؤية ليست ذات لون حتى تدركها العين» فلابد إِذَا من انتهاء الحواس 
كلها إلى نقطة التقاء مشتركة ينبعث منها إحساس بأنني أسمع وأرى وأشم 
وآتذوق وألمسء أو -في كلمة واحدة- ينبعث منها الشعور عامة. 

أمّا ثالثة هذه الوظائف فهي التمييز بين أنواع المحسوسات من حيث 
هي أجناس مختلفة الحقائق والماهيات» فمثلا: التمييز بين لون أخضر 
ولون أبيض مرده إلى حاسة الإبصار ذاتها لأن كل حاسة ظاهرة -حسبما 
يرى أَرِسْطُو- هي في دائرتها الخاصة قُوَّة حاكمة مميزة» أما التمييز بين أن 
هذا الصنف من المحسوسات هو من قبيل اللون وذلك من قبيل الضوت» 
والآخر من قبيل الذوق أو الشم أو اللمس» فهذا هو ما يقوم به الجسّ 
N‏ 

وقد نعلم هنا أن أفلاطون ينحاز بوظيفة التمييز هذه بين المحسوسات 
المشتركة إلى جاب العقل لا إلى جاتب القوى التنسيّة الح وان ابن 
سينا -متابعا أستاذه أَرِسْطُو- لا يرتضي رأي أفلاطون في هذا المقام جريا 


3 
85 


وراك الما القشاق فى النثر ب الق والسى وجو حت إن ال 


(1)أرسظر+ كتاب الت :ص 58 وما بعذها من التنمة العربية) وآيضنا؛ عقمان تجان: 
الإدراك الحِسَّيُ عند ابن سينا ص ١56‏ . 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۳۹۷ 
مدرك للكليات فقطء أمّا إدراك الجزيئات الحسيّة فهو وقف على القوى 
الحا الس مياه كانت د #اظاهره ار ا 

وإذًا فالحس المشترك في الفلسفة الأرسطيّة هو القَوّة التي تتيح لنا أن 
نتعرف على الأشياء ونحكم بأن هذا هو كذلك أو ليس كذلك: «فلولا أن 
فينا قوّة واحدة مدركة للمحسوسات كلها بحيث ترتسم فيها بأسرهاء لما 
أمكننا الحكم ببعض المحسوسات على بعضها إيجابا ولا سلباء مثل أن 
نحكم بأن هذا الملموس هو هذا الملون أو ليس هذا الملونء فإن القاضي 
الحاكم بالنسبة» لابد أن يحضره الخصمان أي المحكوم عليه والمحكوم 
به حتى يمكنه ملاحظة النسبة بينهما وإيقاع أحد طرفيهاء وليس شيء من 
ال الظاعر»(السواس الخاريجة) الات لايد من با 

ولكن هل لهذه القرّة مكان محدد في باطن الإنسان؟ والإجابة عن 
هذا التساؤل -فيما يتعلق بِأَرِسْطُو- غامضة إلى حد بعيد» فبعض الباحثين 
بيلعت إلى. أن أَرِسْطُو يحدد عضو «القلب» في الإنسان مكانا للحس 
المشترك لأن القلب هو مصدر الحرارة المنبعثة مع الدم المدفوق في 
سائر أنحاء الجِسْمء لأن الحرارة شرط أساسي في كل عملية إحساس 
تقوم بها النَمّسء فمن ثم كان عضو «القلب» أقرب إلى أن يكون هو المكان 


SET TE 


(۲) الشريف الجرجانيك شرح المواقف ج ۷ ص٠٠۲‏ وأيضا الإمام الغزالي: تهافت 


www.alimamaltayeb.com 


۳۹۸ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


للخس المشفرك: وبعض اخريرئ أن الحس المشكرك عند أرشطو ليس 
حسا خاصا له عضو خاص. وإِنَّما هو طبيعة مشتركة بين مجموعة الحواس 
الظاغرة» يمع أن شمة د واعمدة ححاسة» لها وظائق اا اة 
تقوم بها عبر آلات أو قنوات خمس هي الحواس الخمس الظاهرة» فإذا 
ا مدر هله الرظافقك ال كان لا من عا الال فلك ال 
الجامعة التي أسماها بالحس المشترك. وأرسطو حين يتحدث عن عضو 
«القلب» في هذا الصدد فإنما يقصد أنه عضو التَّفْس الحاسة أو مركزها 
باعتبار عام”". أمّا فيما یری ابن سینا فالأمر لديه جد واضح ومحدود» ذلك 
ااال الول :ا ا وول ومكاتيا العقيو 
الأمامي أو التجويف الأمامي من المخ عند الإنسان» وفي هذا المعنى 
يقول الشيخ الرئيس: «فمن القوى المدركة الباطنة الحيوانيّة: قَوّة فنطاسياء 
وهو الحس المشترك» وهي قُوّة مرتبة في التجويف الأول من الدماغ» تقبل 
بذاتها جميع الصّوّر المنطبعة في الحواس الخمس المتأدية إليه»". 

(ب) الخيال أو المصورة: 

أمّا هذه اة فهي: ل مرتبة أيضًا في آخر التجويف المقدم من 
الدماغ تحفظ ما قبله الحس المشترك من الحواس الجزئية الخمس» 
)١(‏ يوسف كم: تاريخ الفلسفة اليونانية ص١١٠‏ . 
(۲) عثمان نجاتي: الإدراك الحسّي عند ابن سيناء ص5/8١»‏ وأيضا: عبد الكريم العثمانيك 


الدراسات النفسية عند السلمين و الف ر الى بوجه خاض: ص۲۷۹ (القاهرة) ۱۹۹۳ 
(۳) الشفاء ج ص۲۹۰ (ط طهران)ء وأيضا: أحوال التفس صن .1١‏ 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د / أحمد | 4 لطيب ۳۹ 


وتبقى فيها بعد غيبة المحسوسات»''. وأمر واضح هنا أن هذه اة انما 
يقتصر دورها في عملية الإدراك على مجرد حفظ صور المحسوسات 
الى در كا الح المتعر لك وذلك ند أن غيب عن هذه الصو ر خواملها 
المادية» فالمحسوسات حين تمثل أمام الحواس فإن صورها تنطبع في هذه 
الحواس» وفي ذات الوقت ينطبع مثل تلك الصّوّر في الحس المشترك 
وفى الخال فالشيال هنا أشيه بيقوانة يقترن فيها الحسن المقدرك صورة 
المحسوسة» وحين يغيب الحامل المادي لصورة محسوسة» تغيب معه 
تلك الصورة عن الحواس الظاهرة» لكنها تبقى موجودة ذ في القّة الخيالية 
أل المصور» راك ار ا الجن المفر لند رون اى ا 
منها ما ياء لله أو يقضوره» كما إذا تمثل صورة شخص غائب أو شىء 
غاب فاا فا ةا ما قل الح الشدرك عن نطالعة هذه الصوّر بيت غير 
مشعور بها في القّوّة الخيالية» ومعنى ذلك أن قَوّة الخيال هذه ليست بذات 
أثر إيجابى فى عملية الإدراك فمثل هذا الآثر إنما هو خاصة الحس المشترك 
مع الحواسء أمّا المصورة فوظيفتها وظيفة سلبية هي حفظ الصّوّر للحس 
الوك افيف ماما يشا إلى سات البحافيرة الو قية» ولعي 
له الحكم بعد مقارنة ومقايسة بين هذه الصّوّر المختزنة وبين إحساساته 
الجاهزة أمامه في عملية الإدراك الحسي. 

ال د مله انوك e‏ 


نن سينا : أحوال الس عن ؟ ااافا الا ا 


www.alimamaltayeb.com 


148 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 
الحفظ وين نَّمَّ كان لحفظ الشكل قوَّة تخالف قُوَّة قبوله وإدراكه 
وإِذا فليس بد من وجود قوتين: قوَّة تدرك وهي الحس المشترك» وقوٌة 
تحفظ وهي الخيال أو المصورة. 

١ج‏ ) لقو ةالمفخيلة أو ال فة 

ومكان هذه القرّة -حسبما يرى الشيخ الرئيس- التجويف الأوسط 
من الدماغ البشري» ووظيفتها أنها تجول دائما في مخزونات الصّوّر 
الحسيّة المحفوظة في القَوَّة السالفة» أعني: قَوّة الخيال أو المصورة 
كما تجول -كذلك- في مخزونات الصّوّر المعنوية التي تختزنها القَوّة 
الحافظة» فتركب بعضا من هذه الصّوّر إلى بعض» كما تفصل بعضا عن 
بعض» وهي بهذا ذات مقدرة خاصة على أن تستعيد الصّوّر المحسوسة 
والمعاني الجزئية التي يدركها الوهم ويختزنها في القَوّة الحافظة» ولعل 
دور هذه القَرّة لا يتجاوز معنى التحريك إلى معنى الإدراك الفعلي للصور 
أو المعاني» يقول الغزالي فوع هله لذ #أوشانيا أذ تركب الصو 
المحسوسة بعضها مع بعض» وتركب المعاني على الصوّر» وهي في 
التجويف الأوسطء بين حافظ الصَّوّر وحافظ المعاني ولذلك يقدر الإنسان 
على أن يتخيل فرسا يطير» وشخصا رأسه رأس إنسان وبدنه بدن فرس» إلى 
غير ذلك من التركيبات» وإن لم يشاهد مثل ذلك والآولى أن تلحق هذه 
القوّة بالقوى المحركة لا بالقوى المدركة». 


.١58ص الرازي: شرح الإشارات والتنبيهات جا‎ )١( 
تهافت الفلاسفة: ص ”57 ؟.‎ )۲( 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۴۷۱ 


بيد أن هذه القوّة تارة يستعملها العقل في تركيب الصّوّر أو تفريقهاء 
وتارة يستخدمها الوهم في ذلك أيضًاء وهي بالاعيار الكول تصني: قو 
مفكرة» أمّا بالاعتبار الثاني قشي ر مدا 

(5) القوّة الواهمة: 

أمّا هذه القَرّة فخصيصتها انتزاع المعاني الجزئية الغير المحسوسة 
الكائنة في محسوسات جزثية» ثم إدراك هذه المعاني إدراكا جزئيا أيضَاء 
أي من حيث هو معنى متعلق بالمحسوسات ومرتبط بها. وإذا كان الحس 
المشترك إنما يدرك الصّوّر المحسوسة في حواملها المادية فإن الوهم 
يدرك المعاني التي لا يتوقف إدراكها على وجودها في موادها وأجسامهاء 
وإن كان يعرض لهذه المعاني أن تكون في جسْم. ومثل ذلك مثل إدراك 
معنى العداوة أو المحبة» فالشاة حين تدرك الذئب فإنما تدرك منه شكلا 
ولونا وهيئة» وكل ذلك لا يكون إلا في جسم أو خلال مادة جِسْميّة كذلك 
يدرك الحمل الصغير شكل أمه ولونها وهيتتهاء لكن ثمة معنى مدركا زائدا 
على معنى الشكل واللون والهيئة» هو هذا المعنى الجزئي الذي يترتب 
عليه أن تهرب الشاة من الذئب» ويعدو الحمل خلف أمه. وهذا المعنى 
الجزئي الذي هو الحب أو النفور ليس من ضرورته أن يبقى في جسم أو 
مادة» مثل ما يبقى فيها اللون والشكل» لكن قد يعرض له أن يكون مرتبطا 
بلون وشكل أو مرتبطا بجسْمء ولعل هذا ما يعنيه الشيخ الرئيس حين 
يقول: «وها هنا قُوَّة أخرى في الباطن تدرك في الأمور المحسوسة ما لا 
يدركه الحس» مثل القّوّة التي في الشاة التي تدرك من الذئب معنى لا يدركه 


www.alimamaltayeb.com 


3 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


الحس ولا يؤديه الحسء فإن الحس ليس يؤدى إلا الشكل واللون» فأما أن 
هلا ضار أو غد وأو عقوو مك قد رها نه أخرع» وفس وها 
ولكن كيف يستنبط الوهم معنى العداوة أو المحبة؟ أو كيف ينفذ إلى 
معنى الضار والنافع» وربما لم يكن له من قبل علم أو معرفة بهذا المعنى؟. 
وبعبارة أخرى: لو فرضنا أن شاة لم تر الذئب من قبل» ثم لمحته مرة فإنها 
تهرب منه إدراكا منها للمعنى الضار في هذا الذئب» فكيف عرف الوهم 
أن في إهاب هذا الشكل المعين ضررًا يجب الهروب منه؟ يرى ابن سينا 
أن ثمة إلهامات وغرائز تكمن وراء الوهم» وعلى هدي من هذه الإلهامات 
يعرف الوهم المعنى الضار والمعنى النافع» وهذه الإلهامات إنما تفاض 
على التفس فيضا من العالم العلوي» فثمة اتصال دائم بين النفوس ومباديها 
وفيض مستمر لا ينقطع من هذه الإلهامات» وحتى الحيوانات -فيما يرى 
الشيخ الرئيس- لها إلهامات غريزية خاصة تتوهم على أساسها النافع من 
الضار» وهنا يقول ابن سينا: «وكذلك للحيوانات إلهامات غريزية» والسبب 
في ذلك مناسبات موجودة بين هذه الأنفس (الحيوانيّة مطلقًا) ومبادئهاء 
هي دائمة لا تنقطع.... فإن الأمور كلها من هناك» وهذه الإلهامات يقف 
بها الوهم على المعاني المخالطة للمحسوسات فيما يضر وينفع» فيكون 
الذئب تحذره كل شاة وإن لم تره قطء ولا أصابتها منه نكبة» وتحذر 
)١(‏ ابن سينا: طبيعيات عيون الحكمّة ص۲۸ (ضمن مجموعة تسع رسائل في الجكمَة 
والطبيعيات)» وأحوال النَفْس: ص۲٠‏ والنجاة: ج ۲ ص157. وأضا: الإمام الغزالي: 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد ل 4 لطيب 2 


الأسد حيوانات كثيرة» وجوارح الطير يحذرها سائر الطير»”". 

(ه) الحافظة الذاكرة: 

ونصل إلى القوّة الحيوائيّة الأخيرة» وأعني بها: القَرّة الحافظة 
الذاكرة وهي وة تحفظ المعاني الجزئية التي يدركها الوهم» وهي تشبه 
إلى حد بعيد القوّة المصورة» في أن هذه تحفظ الصّوّر المحسوسة للحس 
المشترك» والحافظة تحفظ المعاني الجزئية للوهم» ونسبة القوّة الحافظة 
إلى المعاني الجزئية كنسبة القَوّة المصورة إلى الصّوّر المحسوسة؛ ومكان 
هذه القوّة التجويف المؤخر من الدماغ. 

ولكن هل هي قَوَّة واحدة حافظة وذاكرة أو أنهما قوتان؟ 

هنا يضطرب ابن سينا اضطرابا واضحاء وإن كان يصرح أحيانا بأنها 
وة واشدة ذات و كفن .وة الفط ووظيفة التذكر أو لاساد 
ميد أله قو اف لنا 0او سا حين .قر له نين المظبورة و اص اله 
كان عاد ارقا عا أن الوه الوانعدة آمر سيط وین ت فين 
لا تقبل الشكل ثم تحفظه في نفس الآنء لأن قبول الشكل وحفظه 
أمراق ماو وا ال اد الضيطة لأ رصي عضا دان ذو سيق 
متغايرتين» فكيف كانت القَوّة الحافظة هنا هي هي بذاتها القوّة المتذكرة 
المستعيدة مع أن الحفظ والاسترجاع ليسا أمرّا واحداء وإِنّما هما 
أمران متخالفان» فلم كانت القوّة البسيطة هناك لا يصدر عنها فعلان 
0 ابن سيناة المد الاق ص ۲۴ 


www.alimamaltayeb.com 


۷٤‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 
متغايران» ثم كانت هنا يصدر عنها هذان الفعلان المتخالفان؟! 

ومهما يكن من أمر هذا التضارب عند الشيخ الرئيس» فإن هذه هي 
نظريّة القوى النفسيّة التي اخترعها أرسطو اختراعاء وهي تدور حول: 
الح اوا الذى يدرك ال ر الا وله ا فحت له 
الصّوّر هي القَوّة: المصورة» والوهم الذي يدرك المعاني الجزئية» وله قَرَة 
ظط لد هده النعاق وهي ا 3 العاف أكا اله #المشفيلة أو المفك؟ 
فهي التي تسكن العالمين: عالم الصَّوّر المحسوسة» وعالم المعاني 
الجزئية» أو قل: هي المواطنة في خزائن الحس المشترك» وخزائن الوهم» 
تأخذ من هنا لتضيف إلى هناك كما قد تزاوج بين صورتين حسيتين» أو 
بين معنيين جزئيين» أو بين صورة حسيّة ومعنى جزئي سواء كانت هذه 
الصورة المتخيلة على منوال ما تراه النَّمّْس في واقع الأمرء أو كانت لا 
تمت إلى هذا الواقع بأدنى صلة أو سبب. 

مغر اول لاد اط ال اون ف د مه القوف 
وتنوعها إلى هذا الحد الذي قد لا نجد معه مبررا عقليا لأن تتخصص 
رة للإدراك في مجال معين» ثم تتخصص قوّة أخرى لحفظ المدركات 
التى انبثقت عن القرّة الأولى؟! 

إن الفلسفة المَشَائيّة في هذا المقام تبني موقفها على مسلمة لا تقبل 
إلا أنها انعكست هنا -فى هذا المجال- بكلّ ظلالها وأبعادهاء فالتفس 
-عندهم- لا تصل بذاتها إلى مدركاتهاء بل لابد لها من قوّة وآلات تقوم 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۵ 
دوي الوسانظ بيو انس ون مر اها 0 لآن الس ب سا 
وز اة الات جما فنالا الاش و و الا جاور هة المحدة الا 
إلى كثرة وتعدد بالغين» وهنا يظهر المبداً الميتافيزيقي الأرسطي القائل: 
إن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد» ويستعلن من جديد في مشكلة وحدة 
النفس .وكفرة أقحالهاء فإذا كانت هوية النفس أمرًا واحذا غير علد ولا 
منقسم فكيف نفسر ما يصدر عن هذه القَوَّة من أفعال ربما بلغت من كثرتها 
وتعددها حد التضاد أو التضارب» أليس الغضب قُوّة ينتج عنها فعل يضاد 
الفعل الذي تنتجه القَوّة الشهوانيّة؟! ثم إن النّمّس لو كانت هي المبدأ 
المباشر لهذه الأفاعيل» فإنها حين تنشغل بفعل بعينه من هذه الأفعال 
فكيف نفسر صدور الفعل أو الأفعال الأخرى في ذات الوقت؟! ليس بد 
إذَا من تفسير العلاقة بين التَفس وأفاعيلها التي تصدر عنها كثرة مُتعَدّدة -بل 
ومتضادة أحيانا- تفسيا لا يصدم الأصول الميتافيزيقيّة في فلسفة أَرِسْطُو. 

من هذا المتطلق تشأثت: نظريّة القوى التنسيّة التغلب على هذه 
الصعوبة التي واجهت أمر العلاقة بين النّمس وما يصدر عنها من أفعالء 
ولتنشئ في ذات الوقت علاقة جديدة ترتبط فيها التّمْس البسيطة بالقوى 
والأفعال ارتباط السببية والمسببية» بمعنى أن هذه العلاقة تشبه علاقة 
الأثر المتبادل بين المبدأ والأفعالء والنفس عبر هذه العلاقة قد تنفعل 
أو تتأثر بقواهاء والعكس صحيح» أي قد تنتقل انفعالات النّفْس إلى هذه 
القوى فتتأثر أو تنفعل بهاء مثلا: حين تتعلق القَرّة الحساسة -أو الشهوية 
أو العَصَبيّة- بمتعلقاتها الخارجية» فإن هذا لا يحدث إلا ريثما تنعكس 


www.alimamaltayeb.com 


۳۷٦‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


آثاره على التفس + وسرعان ها ته الس أو تشتهي أو تغضب» وس هله 
الانفعالات قد تنعكس على القوى آتية من عالم النَّقْس وملكوتهاء أو كما 
يعبر ابن سينا في إشارة بديعة يقول فيها: «انظر: إنك إذا استشعرت جانب 
الله» وفكرت في جبروته» كيف يقشعر جلدك» ويقف شعرك!!)'. 

وحين نرجع إلى فيلسوفنا أبي البركات نجده يعرض هذه النظريّة 
الا فى تر کر و لص شديديق م قب علا فقول تلن أن تكثر 
هذه الأفعال إلى حد ينيف على هذا التصنيف» وأن نختصره ونحصره فيما 
هو أقل عددا من هذه الأصنافء لکنا أوردناه كما أورد حتى يعتبر ما قيل فيه 
بنسبته إلى التفس وقواهاء فقد رتبت على تصنيف وتعديد لم يحتج عليه 
بحجة صريحة ولا مضمرة مما يعتمد عليه..)”". 

نعم» أول ملاحظة يبديها أبو البركات بعد أن فرغ من حكاية مذهب 
المَشَّائينَ في القوى التّفْسيّة هي: لماذا هذا العدد بالذَّات؟ وهنا لا يجد 
فيلسوفنا مبررا منطقيا لحصر القوى الباطنيّة في خمس لا تزيد ولا تنقص» 
باتعو ان اعد من للف حيو يقرو أن العناين ريما ارتهيوا أن يكون 
لكل حَرَكّة من حركات الأعضاء مبدأ أو قَوّة موجودة في العضلة التي 
تختص بتلك الحَرّكّة”". ومعنى هذا -فيما يرى أبو البَرّكَات- أن تبلغ 
)١(‏ الإشارات والتنبيهات: ج ۲ ص۳۳۲ (ط د. دنيا)» وأيضا: شرح الرازي والطوسي 

للإشارات ج ١‏ ص79١.‏ 


() أبو البَرَكّات البغدادي: المعتبر في الحكمّة ج ۲ ص ."١١‏ 
(۳) المصدر السابق: نفس الصفحة. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب يفن 


الوق حسما وسبعا وفشترين ارا خرورة وجوه مكل هذا الد من 
العضلات في جسم الإنسان. 

على أن أبا البركات لا يجد معنى أيضًا لمقابلة الحواس الخمس الباطنة 
بالحواس الخمس الظاهرة» ذلك أن ابن سينا نفسه قد توقف قليلا عند حاسة 
اللمس» ثم خرج من وقفته هذه زاعما أن حاسة اللمس أو فَرّة اللمس ليست 
وة واحدة» بل هي أشبه بجنس لأربع قوى مختلفات: وة تحكم في التضاد 
الذي يوجد بين الحار والبارد» وثانية تحكم في التضاد بالوجود بين اليابس 
والرطب. وثالثة تحكم في التضاد ما بين الصلب واللين» ورابعة تحكم في 
التضاد بين الخشن والأملس”". ويعجب أبو البركات: لم لَمْ يجعل ابن سينا 
للذوق أيضًا عدة قوى تفرق بين مر وحلو» وحامض وحريف. وللبصر قوی 
تفرق أيضًا بين أبيض وأخضر وأحمر وأصفر وغيرها!! وهكذا تبدو ملاحظة 
فيلسوفنا هنا صادقة إلى حد بعيد لأن هذا التصنيف -فعلا- لم تقم عليه حجة 
صريحة ولا مضمرة مما يعتد به'". 

وأكاد أعتقد أن ملاحظة فيلسوفنا هذه كانت من العمق والدقة بحيث 
وجدنا صداها قويا في موقف علماء الكلام من نظريّة القوى التَفْسيّة عند 
المَشَّائِينَ» فالإمام الرازي يبدي في مباحثه المشرقِيّة هذه الصّفحة المضطربة 
في فلسفة ابن سينا فيما يتعلق بهذا الأمر. ويذكر أن الشيخ الرئيس في كتاب 
(١)ابن‏ .سينا النجاة ج ۲ ض +57 وأحوال القن ص٠‏ وأيضا: التفتازاي: شرح 

المقاصد: ج ۲ ص١٠.‏ 
(۲) المعتبر: ج ۲ ص١۳۱۰ ."١١-‏ 


www.alimamaltayeb.com 


۷۸ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
«القاترق» قساءل عن الترّة الحافظة وار ة المعذكره هل هما ذرَّة واحدة أو 
قران وأنه قد ك هذا الساول هكذادون إجابة حاسحة |3 المجال عاك 
مجال طب وتشريح» وليس هذا اللون من المعرفة مما يلزم الطبيب من 
قريب أو بعيد» 005 -في كتاب «الشفاء»- يعود فيطالعنا برأي نستخلص 
اوا يدود حورل وا اا ولس ل 
فصل فيها القول تفصيلا في مواضع عدة من كتبه ومؤلفاته» فهنا يقول 
ابن ما وة آن تكرة: اة الرح هى بها المظكرة والمفكيرة 
والمتذكرة» وهي بعينها الحاكمة» فتكون بذاتها حاكمة بحركاتها وأفعالهاء 
متخيلة ومتفكرة» فتكون متفكرة بما تعمل في الصّوّر والمعاني» ومتذكرة 
بما ينتهي إليه عملهاء وأما الحافظة فهي قوّة خزانتها»”". ثم يعقب الرازي 
على هذا النّضّ فيقول: «واعلم أن هذه الاضطرابات دالة على أن الشيخ 
كان مضطرب الرأي في أمر هذه القوى»2". 

آنا الا الات الى يقرر بان الراخد لا يصدن عه لأ الولحكب 
فإنه -فيما يرى فيلسوفنا- مبدأ زائف يفقد كل مقوماته المنطقيّة بل هو 
مبدأ منقوض بنفس المقاييس المَشَائيّة أيضَاء لأنه حين ينسحب على معنى 
القوى التَّفْسيّة وما ينتج عنها من آثار مختلفات فإن نفس الإشكالات التي 
EEN)‏ 

المباحث المشرقيّة: ج ۲ ص ."٠٠*‏ انظر أيضًا: الإيجى في المواقف حيث يردد(۲) 

نفس ملاحظة أبي البركات في موقفه من هذه النّظريّة ولك حين يعقب بقوله: 

«(وليت شعري لم لا ا الذائقة أيضًا مُتعَدّدة لتعدد المذوقات؟!» ج ۷ 


117 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۷4 
طالعت المَشائين في العلاقة بين التّمْس وأفعالها تنشأ هنا أيضًا وتنبثق من 
جلي :ذلك أن ال 8اا -عندهم- أمر بسيط ووحداني الذَّاتء 
فكيف تكثرت أفعالها وآثارها؟ 

وهنا يتساءل أبو البَرَكّات: ما المراد بهذه الوحدة؟ إن الواحد -فيما 
هو معروف- قد يكون واحدا بالجنس.ء أو واحدًا بالنوع» أو واحدًا بالعدد. 
وما قتف الميدا الائ يلوم آذ يكو الواح ال ل فا عه 
إلا الواعه بالخس» وكذلك نفس اللووم فى الراحد بالتوع أو الراحد 
اله ف كانت ال ا هنا و اع ال تعض ذلك آل در 
عنها من الآثار إل واحد بالجنس» ويلزم من ذلك أن تكون القرّة التفْسيّة 
الواحدة بالعدد لا تتصور لها إلا أن تفعل فعلا واحدا فقط» ثم تبطل بعد 
ذلك لآن اميد هذا بازمنا أن اراح لا دوعن ا الراحده وك در 
نفسيّة واحدة بالعدد ما في ذلك ريب فكيف صدرت عنها -إذَا- أفعال 
مُتعَدّدة؟ بل أفعال لا تكاد تدخل تحت الحصر والعد؟ ويذكر أبو البرّكات 
أن قوما التزموا ما تأدي إليه هذا المبدأ من نتائج خاطئة فقرروا: أن كل 
فعل يحدث ويبطل فعن قَوّة تحدث في الشخص وتبطل مع بطلان هذا 
الفعل”". وأمر بديهي أن يغدو مثل هذا القول ضربا من اللغو والعبث» 
ذلك لأن القرّة الفاعلة باقيّة ومستمرة مع حدوث الأفعال وبطلانهاء وآية 
ذلك -فيما يرى أبو البَرَكات- الشعور الذَّاتي الحاكم بأن الذي فعل كذا 
أمس هو الذي يفعل الآن كذا وهذا الشعور أصدق بكثير من الاعتبارات 


(۱) أبوالبَرَكات البغدادي: المعتبر في الحكمّة: ج ۲ ص5 .7١‏ 


www.alimamaltayeb.com 


0 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 
الحسيّة التي لا تصدق فيها الوسائط والآلات. 

وإِذًا فليس أمرًا ضروريا أن تنشأ الكثرة في المبادئ والقوى إزاء الكثرة 
فيما يصدر عنها من آثار وأفعال» وإذا أمكن أن تصدر الآثار المتكثرة بالعدد 
عن قرّة واحدة بالعدة فلتصدر الآثار المتكترة بالنوع عن قوّة واحدة لا 
كثرة فيها لا بنوع ولا بعدد» بل فلتصدر كل هذه الأفعال والآثار عن التّمس 
مباشرة من غير حاجة إلى توسط هذه القوى بينها وبين آلاتها الظاهرة. 

وقديقال دقاعا عع ال الا ماه إن كتر الآثار بالعده غن 
القوّة الواحدة بالعدد ليس لأن هذه الوحدة قد انثلمت أو تكثرت في ذاتهاء 
بل لأن ثمة كثرة من دواع وصوارف خارجية» بعيدة عن معنى الوحدة في 
القوّة» تطرأ في أوقات وأحوال مختلفة فيتكثر معها الفعل والأثر الصادر 
تكثرا بالعدد. ولكن مثل هذا القول عند أبي البَرَكَات مردود عليه أيضَاء 
لآننا إذا ارتضينا هذا التفسير فلا تثريب علينا أن ننقله إلى محل النزاع 
الك لش العلاقة ن التفسن ال راح وسار هذه الأفال المجعانات 
على نفس هذا الأساس أيضًا من كثرة الدواعي والصوارف هذه» وحينئذ 
تقش اظ الترى من الأساين» فلا كرق دة إل الس .والقنيا 
فط درن قرع فوسظ بها ون هذه اللات راذا فاظر 2 القوي النفسية 
وتعددها تخفق كل الإخفاق -في فلسفة أبي البَرَكّات- في إزالة ما قد 
رئب على المبدأ المشاقي من إشكالاك وضعويات قبت كما هي فلا 
يزال القول «بأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد» قولا مشكلا في نظريّة 
المَشائين في التَّمْس كما كان قولا مشكلا أيضًا في نظريتهم في الصدور 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۴۸1 


وفكرة العقول» وهذا المبدأ -في مشكلتنا هذه- إما أن يصدق فتكذب 
لطر القرى الس وذلاك كن الاحظ صدور الأقغال الكغيرة بالعدة 
غو آل ة"الواحدة بالعدة وما أن يكذب قصندق هذه الط رة 
كان دور الأعال: الكقيره بالعده عن الف الو احدة بالعذد اما قد 
لآ يمار ف المشاءون قبل مى ذلك إلا أن هذا الميدا قد عاد هنا 
مجرد دعوى لا دليل عليها! 

يقول أبو البَرَّكّات بعد أن وضع المبدأ الأرسطي هذا فيما يشبه قياس 
الإحراج؛ «أحكم التظر الآنء وإن حضرك الشك فتشكك» وإن حصل 
لك اليقين فهنيئًا لك» وإذا وصلت إلى هناك (يقصد: إلى هذه النقطة من 
مباحث الإلهيات) فالفتوح غير ما يؤثر فيها»"". 

وإذا ذهبنا إلى الإمام الرازي وجدناه في هذا المقام متقيدا بموقف أبي 
اكات وى هده لظ ت ا ادد رقا أن خا مو الم فين 
يقول الرازي في هذا المعنى: ”إن الدليل الذي دل على أن الواحد بالجنس 
لا يصدر عنه إلا واحد بالجنسء والواحد بالنوع لا يصدر عنه إلا واحد 
بالنوع» كذلك بعينه (أي عين هذا الدليل) دل على أن الواحد بالشخص لا 
يصدر عنه إلا واحد بالشتخصء فيلزم أن تكون القَوّة الباصرة التي أدركنا بها 
سوادا غير القوّة التي آذ ركنا بها سوادا عر وإن كن لا فلتزمون ذلكه بل 
جوزتم أن يصدر عن الواحد الشخصي أكثر من معلول واحد شخصي فقد 
خالفتم مقتضى الدليل الذي دل على أن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحده 


(9) العضادو الباق ف الصاتحة: 


www.alimamaltayeb.com 


35 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


وحينئذ تبطل حجتكم)""'. 

٥-بيد‏ أن هناك نقدا تفصيليا يجريه فيلسوفنا مع استدلالات قد 
تقف إلى جوار النّظريّة المَشَائيّة في تعدد قوى النَّفْس البشرية» وهذا 
النقد -فيما أرى- أمر لابد منه» لأنه بصدد هدم نظربيّة القوى هذه. 
وإقامة نظريّة أخرى جديدة تماماء ومنهجه في هذا كله هو الانطلاق 
من معطيات الشعور الذَّاتي في الإنسان» سواء كان ذلك في الجانب 
السلبي أو الجانب الإيجابي في نقده هذا. 

فأما أول هذه الاستدلالات» فهو تلك التفرقة بين القوى الطبيعية 
والقوى الإدراكيّة في الإنسان. فالنوع الأول من هذه القوى مثل القوى: 
الجاذبة والماسكة والهاضمة؛ يتخالف مع النوع الثاني مثل: الإحساس 
والتخيل والتوهم والتذكر» من حيث إننا نشعر بالنوع الثاني ولا نشعر 
بالنوع الأول» فمن منا يقدر أن يشعر بما يحدث في بدنه من استحالات 
الغذاء وحركاته» حتى يشعر بكيفية تغيره!! إن هذه التفرقة معناها أن هاهنا 
قوق ا وا و وله ولو كاك كزياع ن اة المفركة 
لكنا نشعر بدقائق ما يجري في الأمعاء والعروق والأعصاب ولكنا نعرف 
التشريح معرفة مباشرة دون اكتساب له تعلم أو تفكرء وإِذَا فثمة قوى 
طبيعيّة» وقوى إدراكية» فالقوى متعددة ومختلفة". 

وفيلسوفنا يصف هذه الحجة بأنها «حجة بالغة» بيد أنها تحتوي على 
09 الات السشروة ج ا ريعاش الإشاراك اروا 


(؟) أبو البرّكات: المصدر السابق: ص7١‏ "7. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۸۲ 
مغالطة نشأت من الخلط في معنى الإدراك» ذلك أن إدراك أي شيء إنما 
يتم عبر مراحل محددة» فأول الأمر يُستثبت الشيء بالملاحظة» ثم يحفظ 
بعد الملاحظة» ثم يتذكر عند الحكم؛ والإدراك بهذا الترتيب لا يكاد يبلغ 
أفعالنا الطبيعة بلوغ الإدراك المستثبت» ذلك أن خصيصة هذه الأفعال أنها 
على نهج الاتصال المستمر» فهي -دائما- على وتيرة واحدة سواء في 
حركاتها أو في أماكنهاء والشيء الذي لا تفاوت في حركته» أو الذي لا 
تتغير حر كته بسرعة ولا بطء» ولا ينتقل من حد الحرّكة إلى حد الشّكون لا 
نع قي | ع افر ادافين ا ا مهاه ادرف نيف ل 
أبدا أن يلاحظ فيه تمييز أو اختلاف ومن ثَمَّ يتشابه الأمر على الإدراك 

تستوي حياله أنحاؤه وأرجاؤه. ول أبن الور كات (إنك لا تشر يضر ك 
ا 
أو طفرة أو سرعة أو بطء» وتستثبت تستثبت منه حالاا سبقت في ذهنك» فتقابلها 
بحال أخرى مخالفة لها تدركها فی فإن الشمس في حركتها لا يشعر بها 
من استمر على مشاهدتها وتأملها حتى يستثبت موضعا معينا مما يدرك فيه 
حركتها فيحفظه ويتذكره بعد مدة تمتد» ومسافة طويلة تنقطع» يقيس فيها 
بين الموضعين فيجد الفرق بينهماء ويشعر بالحَرّكّة من أحدهما إلى الآخر 
شعورا معقولا لا محسوسا)”". 

وذ فمكل هذه الا نال عا لا پر بها شهورا موسا و إن يكن 
مشعورا بها شعورا عقليا أو إن شغت: شعورا نفسياء وذلك لأنها أفعال 


www.alimamaltayeb.com 


۸٤‏ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
صماء لا تمييز بين حدودها ولا تغاير» ومثل ذلك -فيما يرى أبو البرّكات 
أيضًا- مثل الإنسان حين يعطي قدرا من ألم شديد في صورة شديدة البطء 
وعلى حدود شديدة التدرج» فإنه لا يكاد يشعر بهاء على حين أن نفس هذا 
القدر من الألم لو باغته جملة واحدة» فإنه يشعر به شعورا واضحا متميزاء 
أو قل: شعورا حسياء وإذا كانت هذه الأمور مما يصعب على الإدراك 
الحسي فإنها في الاستثبات الحسيء أو التذكر» أشد صعوبة وأكثر تعذرا. 

ومعنى هذا أن نظريّة فيلسوفنا هنا تفرق في معنى الإدراك بين مرتبتين 
متمايزتين: مرتبة شعورية نستثبت فيها المشعور به» ونحسه في تميز 
ووضوح» ومرتبة أخرى شعورية أضعف من المرتبة الأولى» لها فعل 
الإدراك والشعور ولكن في غير تميز ولا استثبات ولا وضوح» فالتَّمّس -أو 
0 بصورة شعورية أو بأخرى- حاضرة أمام مدركاتها وأفعالها بشكل 

ائم» ولها بهذه الأفعال علائق شعورية ما في ذلك ريبء بيد أن الفرق هو 
في درجة هذا الشعوز أو ذللك»ه أو في درجة تميز الشعور والإحساس به. 
وهو فرق يعود -في المقام الأول- إلى طبيعة الأفعال المشعور بهاء وهل 
هي مما يمكن أن ب شت لا نها قايلة للمفاسنات والمقارتات والاضافات»: 
اوسا لل س e‏ متشابهة الأجزاء» متجانسة الأوضاع والحركات. 
ا | ی اک کوت وا ا 
أفعالها في الحالين» ولا يعني عدم إدراكها أو عدم شعورها بالأفعال شعورا 
متميزاء أنها بمعزل عن هذه الأفعال ولا تحدثها ولا تؤثر فيها» ويضرب أبو 
التكا لذلك غالا بالسكراك أو المريضن باغتلاط الذهن» فاثهما يفعلدن 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۸۵ 
أفعالا لاعلم لهما بها ولا معرفة» ولا يعني ذلك أن فاعل هذه الأفعال أمر آخر 
غير نفس السكران أو نفس المريض. بل هي الفاعلة لكل هذه الأفعال ولها 
بها شعور أو إدراك لا محالةء لكنه إدراك ضعيف أو إدراك غير مشعور به" 

وهنا تكاد تسبق نظريّة أبي البركات نظريّة «ليبنتز (1715-1555) 
في الإدراك الإنساني» تلك التي تجعل الإدراك -أيضًا- على درجات 
مختلفات» بحيث يمكن أن نميز بين إدراك متميز» معلوم بالشعور» وإدراك 
هيولاني مختلط» لا يتميز في ذاته ولا يقع في دائرة الشعور. والدليل على 
وجرد هذا اللون غير ال من الأدواك هو أن اللنس ل يمك أن نكرة 
في وقت ما غير فاعلة» لأنها مدركة دائماء وإننا وإن كنا لا نشعر دائما بأننا 
ندرك فليس معنى ذلك أننا لا ندرك في حقيقة الأمرء بل معناه أن في نفوسنا 
إدراكات غير مشعور بهاء ويكاد يضرب «ليبنتز» نفس الأمثلة التي ذكرها 
فيلسوفنا في هذا المقام» فعنده أن ثمة ظواهر لا يمكن أن تفسر أو تعلل بغير 
هذه النّظريّة» وذلك مثل الأفعال التي تبدو غير معقولة ولا مفهومة -ولعله 
يقصد أفعال المخمورين والمهلوسين, والتي لا مناص لنا من أن «نعللها 
بإحساسات ضعيفة غير مشعور بها آثية من داخل الجِسّم أو من خارجه)”". 

واذة ا تعتمد على المفهوم المَشَّائِي في التفرقة , بين أنواع 
النفوس على أساس من هذه القوى التَفْسيّة» بمعنى أن بعض الأنواع يفقد 


(۲) يوسف كرم: تاريخ الفلسفة الحديثة ص۳۲٠‏ (الطبعة الرابعة: القاهرة سنة 955١م)‏ 
وأيضا: 65 ,2 .S. Pines: La Conception de la Cousciene de Soi,‏ 


www.alimamaltayeb.com 


51 موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
تماما بعض القوى» فمثلا: الشعور أو الإحساس ينعدم في النبات» بينما 
يوجد في الحيوان» والقوى النطقِيّة مفقودة ذ في الحيوان بينما هي موجودة 
في التفس الإنسانيّة. 

وأيضا: فإن بعض أنواع الحيوانات تفقد أكثر الحواس ما خلا حاستي 
اللمس والذوق» فبعض أنواع الحيات تفقد السمع» والحيوان المسمى 
«الخلد» حيوان لا بصر له. 

بل القوّة الوهميّة لا نكاد نجدها في أكثر أنواع الحيوان» فالفراش 
يتعشق النار لضوتها أو تورها المنبعث منهاء فإذا ما دنا متها وأحس برها 
رجع أدراجه. ثم لا يلبث أن يقتحمها ثانية وثالثة» وربما وقع فيها واحترق 
بها وما ذلك إلا لأنه ينسي في كل مرة ينجذب فيها إلى هذا الضوء أن 
ل وهجا وعرارة قن ادى يسا من قبل ة .وغلة ذلك أن الثرّة الوه 
التي تنتزع المعنى الجزئي اللامحسوس من الجزئي المحسوس» والقوًة 
المتخيلة التي تستعيد الصّوّر السالفة غير موجودتين في التركيب الداخلي 
للفراش» «(فعدم بعض هذه القوى في البعض» ووجوده ذ في البعض الآخر 
ل بر دان ال سار لسع و در ا 

غير أن هذا الاحتجاج لا يعني -عند فيلسوفنا- أن ثمة قوى موجودة 
مُتعَدّدة تحصل في نوع ولا تحصل في نوع آخر» فإن معصوب العينين مثلا 
دلا شمكن لهوو ال اء ألا ولس اهناب الرؤية عنده لان ينقد اة 
(۱) أبو البرّكات البغدادي: المصد السابق ص7١‏ 7 وأيضا: 21265 المصدر السابق نفس 


الصفحة. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۸Y‏ 
الباضرك ]ذ لريب أف هله ال ة مرخرة قعل تابرل لأ اجات 
الآلة الباصرة هو العِلَّة هاهناء وهذه الأنواع الفاقدة لبعض الأفعال فاقدة 
لآلات هذه الأفعال» لا قوى موجودة فيها تفعل هذه الأفعال» ويرى أبو 
البرّكات أن هذا عائد في المقام الأول إلى اختلاف النفوس وتمايزها في 
الحقيقة والجوهر بمعنى أن نفسا بعينها ليس من طبيعتها أن تفعل أفعالا 
بعينهاء وهو ما يعبر عنه أبو البَرّكّات بالاستعداد في التّفْسء وأمر واضح أن 
الاستعداد في التَفس عند فيلسوفنا أمر آخر غير القوى الباطنة عند المَشَّائِينَ 
ذلك أنهم يضفون على هذه القوى كثيرا من صفات الآلات الحسيّة المادية» 
بل قد يسمونها أحيانا: الحواس الباطنة» أو الآلات المدركة الباطنيّة 
زد على ذلك أنها ذوات أوضاع وأماكن معلومة في التجاويف الأماميّة 
والوسطى والخلفية من الدماغ» آما الاستعداد عند أبي البركات فهو أشبه 
بالطبائع النفسية أو الجبلات التي تفطر عليها هذه النفوس» وتختلف بها 
من حد إلى حد» ومن قدر إلى قدر» من حيث الإدراك والشعور والمعرفة 
والعلم. وإِذا فليس الأمر فة موجودة وقَوَة مفقودة بل أمر نفس معينة 
على درجة معينة» من سعة الإدراك وضيقه» تكون معه مالكة لآلات معينة 
تتطلبها منزلتها الخاصة بها من منازل الإدراك والشعورء كما تكون فاقدة أو 
عادمة لبعض آخر من هذه الآلات ليس لها إليه -ألبته- من سبيل”". 

5 -وإِذا كان هذا هو الجانب السلبي في نقد أبي البَرَّكَات لنظريّة القوى 
فماذا عن الجانب الإيجابي؟ وأمر واضح -مما تقدم- أن أبا البركات لا 


0 أبو البَرَكات البغدادي: المصدر السابق ص8١‏ 7. 


www.alimamaltayeb.com 


۸۸ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


يرتضي أمر هذه الوسائط الحسيّة بين التفس وبين أدواتها الخارجية في 
عملية الإدراك» ذلك أن التَقَس هي القرّة الأولى والأخيرة في هذا الباب» 
فهي أصل الإدراك ومصدره ومنبعه. وهي تلتقي بالموضوع المدرك التقاء 
مباشرا عبر الآلات الإدراكية الخارجية التي هي الحواس الخمس الظاهرة» 
وبهذا يتخطى أبو البَرَكَات القوى النَفْسيّة الباطنة تلك التي يسند إليها 
الكشاءون دورا مهما في الإدراكات الحسيّة وفي نقلها بعد ذلك إلى الس 
أو العقل. إن مصدر كل هذه الأفعال المختلفة -ومهما كان نوعها وعددها 
فاق ارال كاهد اهر واخد ال ات والس ی لهذا الم 
الوائعة الم( اا ف ر اا اد ات ال احا 

وأول ما يستمسك به أبو البركات في إثبات نظريته هذه هو الشعور 
الّاتي» ذلك أننا نشعر في نفوسنا شعورا محققا ثابتا بأن الواحد منا هو الذي 
يبصر ويسمع ويفكر ويتفكر ويشتهي ويكره ويرضى ويغضب وأنه هو هو 
بذاته الواحدة التي لا تعدد فيها ولا انقسام وراء كل ما يصدر عن هذه الات 
من أفعال وأحوال وآثار» كما يشعر أيضًا شعورا ثابتا بأن ذاته لا تنقسم أو 
سكير أن تاف دين قدانف به علا لافطال و الح الو الان فالات 
واحدة» وهي في كل فعل تفعله لا يعتريها معه تغير ولا تلحقها به كثرة. 

ويرى أبو البَرّكات أن المَشَّائِين وقد ارتضوا تقسيم القوى المدركة 
وكعددهاء قد لا ستطعوة اتات وخدة الى راطا الآن الأعيان 
المُتعَدّدة لا وحدة لها في أنفسهاء وشيئان لا يكونان بالات شيئا واحداء 
بل في حالة تجمعهماء وصفة تشملهماء والقول بوحدة الكثيرين والأغيار 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۳۸۹ 


إنما هو غفلة من قائله وتجزيف في قوله» وتحريف في تفهم ما يقال له 
وإذا كان ذلك كذلك فلا يمكن أن تكون هذه القوى المتكثرة في الشخص 
الواحد منا هي ذاته الواحدة التي يشعر بها». 

ولقد نعتقد مع فيلسوفنا أن وضع قوى مدركة بإزاء التقس أمر محير 
للعقل فعلاء فأنا حين أفترض مع المَشَّائين أن في داخلي نفساء ثم قوّة على 
الإبصار ثم آلة للإبصار» فما هي العلاقة -إِذًا- بين هذه الأمور الثلاثة؟ 

لا يخلو الأمر إما أن تكون هذه القَوة هي المبصرة» فيكون المبصر 
أمرّا غير نفسي» وفي هذا جحد صريح للشعور الفطري الذي يمدني 
بالإحساس المستمر بأنني آنا بنفسي المبصر والسامع والقائل والفاعل إلى 
آخر كل هذه الأفعال المتباينة المتكثرة. 

وأمّا أن تكون نفسي هي الباصرة بآلتهاء وثمتئذ لم تعد بي حاجة إلى 
هله آل المفوسيظة نين اللفس ر 0 الإيصار» قا ا يدون بين تفن 
مدركة وآلة أو محل للإدراك فالعين التي هي الآلة محل قابل للإدراك 
لا محل فاعل للإدراك» والشخص لا يشعر بفعل الإبصار في العين» أو 
بعبارة أوضح: لا يشعر بأن في الآلات قوى تفعل فيها الإدراك» بل يشعر 
بأن ذاته هي الفاعلة للإبصار في آلة هي العين» وللذوق في آلة هي اللسان 
وهكذاء أو كما يقول أبو البَرّكات «فيكون الباصر الذي أعرفه وأشعر به هو 
أناء أعني نفسي التي هي ذاتي وهويتي» وما سواها إما حامل وإما موصل 
كالعين والروح التي فيهاء وليست هذه (الروح الموصلة) قَوّة باصرة» فإنني 


.7"١8ص‎ ۲ المعتبر في الحكمّة: ج‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


۹۰ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


لا أنتفع بإبصارهاء بل بقبولها واتصالها)"". 

۷-وقد يترتب على انبثاق هذه التظرة الجديدة في فلسفة أبي البرّكات 
أن يختلف موضوع الإدراك الحسى والعقلي للنفس بينه وبين المَشائين» 
ذلك أن إلغاء القوى التَمْسيّة المتوسطة بين التفس وآلاتها في عملية 
الإدراك -عند فيلسوفنا- ينشأ عنه تغاير بعيد الأمد بين الفلسفتين في هذا 
المقام» فإذا كانت التَّمْس -في الفلسفة المَشَّائيّة- إنما تصل إلى مدركاتها 
عبر قواها الحسيّة الفاعلة» فإنها -عند أبي البركات- تلتقي بمدركاتها دون 
وسائط أو قوى حسيّة فاعلة» ومعنى هذا أن طبيعة الإدراك تختلف في 
فلسفة أبي البَرَكّات عنها في فلسفة المَشائين. 

إن ابن سينا حين يعرف الإدراك في عمومه» أي سواء كان إدراكا حسيا 
أو عقلياء يقول: «إدراك الشيء هو أن تكون حقيقته متمثلة عند المدرك 
يشاهدها بما به يدرك)”» ومعنى هذا القول أن الإدراك هو قبول المدرك 
لصورة المدركء بيد أن هذا القبول قد يكون على أنحاء مختلفة فقد يكون 
قبولا لصور المحسوسات في الحواس» وذلك هو الإدراك الحسي» كما قد 
يكون قبولا لصور المعقولات في العقل» وهذا هو الإدراك العقلي» والذي 
يهمنا في هذا المقام أن الإدراك في جملة أحواله هو عبارة عن حضور 
مثال المدرك أو صورته عند المدرك» ولكن باعتبار أن هذه الصورة -أو 
المثال- منطبعة في القوى المدركة التي هي الحواس الباطنة أو الظاهرة» 
)١(‏ المصدر السابق: ص9١".‏ 
(0) الإشارات والتنبيهات بشحي الرازي والطوسي: ج ١‏ ص١۳٠‏ . 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۳۹۱ 


والتفس تدرك ذلك أو تعرفه حين تستشرف هذه القوى وتستطلع ما فيها 
من صور ومثل. 

ومثل هذا القول مرفوض عند أبي البَرَكَاتء لأن الإدراك عنده ليس 
انطباعا لصورة المدرك في القوى المدركة» بل هو عبارة عن «حالة إضافية 
للشيء المدرك ألا وبالدّات إلى الشىء المدرك. وإذًا فليس الأمر 
عنده أمر صور ترحل عن أشيائها وتنطبع في قُوَّة أو حاسة معينة» بل الأمر 
هنا دائر بين مدرك من ناحية ومدرّك من ناحية أخرى» وحالة بين هذين 
الطرفين تنشأ حين يتجه المدرك إلى المدرّك» هذه الحالة هي التي يسميها 
أبو البَرَكّات: الإدراك» وهي حالة ترجع في المقام الأول إلى المدرك 
أعني التفس في نظريّة فيلسوفنا. وعنده أن وجود المدرك والمدرّك غير 
كاف لاتفاق م الأدزاك وحضوله وإلا لكائت الس الانسائة تدرك 
كل موجود» بل لا يعزب عنها حال من أحوال الموجودات على الإطلاق» 
فلابد -إذًَا- من وجود هذا الأمر الثالث الذي هو الحالة الإضافية بين النَمُس 
وبين الأشياء المدركة» وإذا كانت الإضافة مما تقتضي بالضرورة وجود 
مارا إليس ا لاوراك الذيكوة كيين لتر قبن حوس دين فين 
نَمَّ يغدو القول بإدراك المعدومات عبثا محضاء بل «الذي أدي إلى القول 
بإدراك المعدوم هو التقصير في نظر القائل وفهم السامع)”” وإِذَا فلابد من 
وجود هذه الحدود الثلاثة في عملية الإدراك -فيما يرى فيلسوفنا- وهي: 


E CC 
نفس المصدر السابق والموضع.‎ )۲( 


www.alimamaltayeb.com 


4 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 
المدرك والمدرّك» والحالة الإضافية بينهما. 

ولكن كيف تنشأ هذه الحالة الإضافية بين التفس المدركة والشيء 
المدرك؟ هنا نستطيع أن نقول: إن الحواس الظاهرة هي التي تلفت التَفس 
إلى شيء مما يزخر به عالم الأعيان في الواقع الخارجيء فثمة علاقة 
حميمة بين نشاط التفس وبين هذه الحواس» الأمر الذي ينتج عنه دائما 
نشوء حالات إضافية متكررة بين النَفس ومدركاتها الخارجية» تتمثل في 
إبصار وسمع وشم وذوق ولمس. 

۸-ولقد نختار هنا مشكلة الإدراك البصري كنموذج للاختلاف بين 
اتجاه أبي البركات واتجاه المَشّائين فيما يتعلق بموضوع الإدراك الحسي 
للنفس» فأما كيف تدرك الس المبضرات ققمة تعليلذن لحدوث الإبضارء 
أو نظريتان مشهورتان: 

النّظريّة الأولى: ترى أن الإدراك البصري إنما يتم بخروج شعاع من 
حدقة العين يمتد إلى المبصرات حيث هي فيدركها. وهذه هي نظريّة 
أفلاطون في هذا الموضوع. 

النطريّة الغائبة: ترى أن الأدراك البضري إنما يعم بان تبثن عن 
الأشياء الخارجية -حين يشرق عليها النور- صور مادية تتأدى إلى 
العين فتنطبع فيها كما تنطبع الصورة في المرآة» ويقول ابن سينا عن 
هذه النّظريّة إنها: «طريقة أَرِسْطُو الفيلسوف وهو القول الصَّحيح 
المعدمن270. 


.١5١ مبحث عن القوى النفُسانية» ضمن كتاب أحوال التفُسن: ص‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمدا لطيب 4۳ 

وهاتان التّظريتان -أعني نظريّة الشعاع» ونظريّة الانطباع- قد سادتا 
عند معظم الفلاسفة المسلمين» وقد كان أمرًا طبيعيا أن يختار ابن سينا 
النّظريّة المَشَائِيَّ في هذا الصددء ويعرف الإدراك البصري بأنه: ١قوّة‏ مرتبة 
في العصبة المجوفة تدرك صورة ما ينطبع في الرطوبة الجليدية من أشباح 
الأجسام)0". 

آنا أبو ال كات فاه عرض هات اللظريتين ليقف متها مر فقا نقديا 
خاصاء فأما النّظريّة الأفلاطونيّة فإنه يقدم بين يديها تلك الاعتراضات 
التي أسلفها -من قبله- ابن سينا وهو بصدد نقد هذه التَظريّة:"". فالشعاع 
الخارج من العين قد نفترض فيه أحد أمرين: 

فهو إما جِسْم أو غير حِسُم. فإن كان جِسّما فإنني أفترض -في حالة 
رؤيتي لكوكب ما مثلا- أن جِسْما يخرج من حدقة عيني» على صغرهاء 
فيمتد إلى فلك هذه الكواكب ليدركها هنالك. ومثل هذا الافتراض أمر 
لا يكاد يتنازع في بطلانه. على أن هذا الشعاع لو كان جِسْما لكان غاية 
في الدقة والضعف» وثمتئذ لابد له من أن يضطرب وهو يعدو مسرعا 
نحو المدركات» بل ويتموج مع تموجات الهواء» بل وينقطع بمصادمات 
الأجسام الأخرى فتنقطع معه الرؤية والإبصار» ثم كيف يكون الأمر 
حين يتداخل شعاع هذا مع شعاع ذاك؟ أو تتداخل أشعة الناس كلها 
خارج حدقات عيونهم؟ أكان يحجب بعضها بعضا؟ أم كانت روى 


(1) الفا ج١‏ عن 15 والتصدر الساق أيضا كنس الصفحة: 
© الشفاء ج صن ۳١۷‏ الات * عن 577 أحوال النفس :صن ١1‏ 


www.alimamaltayeb.com 


3 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


الناس كلها واحدة لا تتخالف ولا تتعدد!! والأمر كذلك فيما إذا 
افترضنا أن هذا الشعاع ليس جِسّماء وهنا لا مناص من أن نفترضه 
عَرَضا في جِسْمء وإِذَا فكيف ينفصل العَرَض عن محله ويسري في 
الهواء حتى يبلغ إلى حيث يبلغ؟!. 

ويتابع أبو البرّكات نقد هذه النّظريّة منطلقا من مفهوم الشعور الذَّاتي 
فيقرر أن هذا الشعاع الخارج من العين إذا كان هو الذي يدرك أي هو الذي 
فيه قُوّة الإدراك» فمعنى ذلك أن النَفْس التي هي الات ليست هي الباصرة» 
وهذا ما يكذبه الوجدان التَمْسيء وإن كان هذا الشعاع له دور الوساطة بين 
نفس ومرئياتها فثمتئذ لا حاجة للنفس به. لأنها بذاتها قادرة على الإدراك 
عبر آلتها التي هي العين'". 

ثم يعمد فيلسوفنا إلى النّظريّة الأرسطيّة في ظاهرة الإبصارء تلك التي 
تنتهي إلى أن أشباح المرئيات تنطبع في مكان معين هو الرطوبة الجليدية 
في العين» وهنا يتساءل أبو البَرَكّات: إنني إذا نظرت إلى السماء مثلاء فهل 
معنى ذلك أن صورة السماء على عظمها وضخامتها تنطبع في الرطوبة 
الجليدية على صغرها ودقتها؟ وكيف تنطبق صورة عظمى على صورة 
صغرى قد لا تتخيل بينهما نسبة لا في مقدار ولا في حجم؟ بل كيف 
يحدث ذلك والعين قد تبصر عدة من هذه المرئيات الكبرى في آن واحد 
وتستثبتها في وقت واحد كذلك؟!. 


)١(‏ المعتبر في الحكمّة ج ۲ ص۲۷". 
() نفس المصدر ص7"7/8. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 4۵ 

وقد يتقرضن المشاءون إزاء مكل هذا الاغتراضن أن اننقاشا تدريجنا 
يحمل صور المبصرات على صورة تدريجية أيضًاء إلى العين الباصرة» 
بمعنى أن الثواني من هذه الانتقاشات تترى بعد الأوائل» فلا تقبل العين إلا 
قدر ما يناسبها أو يحاذيها من أحجام المرئيات» ثم تقبل قدرًا ثانيا وثالثاء 
وهكذا إلى أن تتم الصورة المتأدية» وتنتفش بتمامها في العين» أو في 
الروح الباصرة كما يقولون» ولآن للبصر خاصة الانتقال السريع في أقصر 
زمن متخيل» فإننا لا نستطيع أن نستثبت هذه الانتقاشات الصغيرة السريعة» 
بل نظن أننا ندركها هكذا جملة واحدة. 

والآمر عند أبي البَرَككات باق كما هو مع هذا الافتراض» فمازال 
الإشكال قائماء لأن هذه الانتقاشات الصغيرة السريعة» إن كانت تنمحي 
من العين فور حصولها على التتالي والتعاقب» فثمتئذ لا يقال: إن صورة 
المدرك قد تحقق لها في العين الباصرة مقدار أو حجم» بل لا يقال: إن 
صورة المدرك قد انطبعت في الرطوبة الجليدية حسبما تقرر ذلك النَظريّة 
المَشَّائيّة أمَا إن كانت هذه الانتقاشات تبقى وتتراكم وتتجمع فقد عاد الأمر 
إلى أصل الإشكال وهو استحالة انطباق العظيم من الصّوّر على الصغير 
الدقيق من أجزاء العين أو الروح الباصرة. 

ولكن ألا يقال: إن ثمة قوّة أخرى غير القَرّة الباصرة» هي قُوَّة الحس 
المشترك مهمتها إدراك» أو قبول الصُوّر المتادية إلى حدقة العين» وأنها 
تقبل هذه الصّوّر على نهج التدرج فتضيف منها الثواني إلى الأوائل» 
وتكتمل الصورة بإدراكها معا جملة واحدة؟ ألم ينطلق ابن سينا في البرهنة 


www.alimamaltayeb.com 


47 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


على وجود الحس المشترك مثال القطر الهاطل الذي يبدو وكأنه خط مائي 
متصل؟! وأن صورة هذا الاتصال إنما هي أثر الحس المشترك الذي 
يجمع الصّوّر إلى بعضها في وحدة واحدة!! وإِذًا فإن كان انطباع 
المبصرات في الرطوبة الجليدية في العين فإن إدراك المبصرات 
إنما هو مع الحس المشترك وهو قوّة أوسع من ملتقى العصبتين الذي 
تنطبع فيه صور المبصرات. 

غير أن الأمر لا يزال -أيضًا- كما هو فيما يرى أبو البرّكات» ذلك أن 
اتناف ين ا هذ القوض وها الجر ال ف ا 
قوى مادية حسية» وحددوا لها أماكن مخصوصة في الدماغ» فإنهم بهذا 
التحديد يضعون القوى المدركة في إطار حسي مادي محدود» بحيث تبدو 
الاد بن القرى وين مدر كات الس دات الآفاق 'الشايعة ريا من 
اعات أو التشباري» قبهها كانت ت الح ال ك قافر ةغل ا 
الصّوّر الحسيّة واستثباتها واستعادتهاء فإنها -برغم كل ذلك- محدودة 
بمساحة مادية ضيقة في عضو صغير هو الدماغ. والشّؤال الذي تشبث به 
فيلسوفنا لا يزال يطرح نفسه هناء بل سيطرح نفسه كلما ربطنا إدراكات 
ان بمساحة مادية أو بعضو مادي محدود الحجم والمقدار. 

وحقيقة يضعنا أبو البرَكات أمام لغز محير في عملية الإدراك» فنا حين 
أنظر -مثلًا- إلى حديقة غناء واسعة الأطراف فإنني أدركها بصورة مجتمعة 
متكاملة بما يضطرب فيها من أزهار وأشجار وورود وأنهار وأطيار» فهذه 


الصورة التي في ذهني الآن هي بين ثلاثة فروض: 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 4۷ 

الفرض الأول: 

أن هذه الصورة هي ذات الحديقة التي تترامى أطرافها أمامي الآن. 
ومقل هذا الفرضى وإن كانت تستلزمه نظريّة الشعاع المتفق من العين» إلا 
أن هذه الط قد أطت مر الات تماما ويس النقابيين القليقيةة 
لأنني -في ظاهرة السراب- أرى ماء لا أشك في أن عيني تبصره وتقع 
عليه» فلو كان الشعاع الخارج من العين والواقع على الأشياء هو العِلَّة 
في إدراك المبصرات. لكان الماء الذي يقع عليه الشعاع في هذه الظاهرة 
ماء حقيقيا لا ريب فيه» ولأن العلم الحديث -أيضًا- تجاوز هذه النّظريّة 
وتخطاهاء بل قلبها رأسا على عقب حين فسر الإبصار بالأشعة الضوئية 
المرتدة عن الأشياء إلى العين لا العكس» بل إننا «لا نملك من الأشياء 
المرتية إلا الأشيعة المتعكسة منها على الشيكيّة» حت لقد أثيث العلم 
الحديث أن رؤيتنا للشيء قد تحدث بعد انعدام ذلك الشيء بسنين» فنحن 
لا نرى «الشعرى» في السماءء مثلاء إلا حين تصل الموجات الضوئية 
الصادرة عن الشعرى إلى الأرض بعد عدة سنين من انطلاقها عن مصدرها 
فتقع على العين فنقول: نحن نرى الشعرى» غير أن هذه الموجات الضوئية 
التي تؤدي بنا إلى رؤية الشعرى إنما تنبئنا عنها كما كانت قبل عدة سنين» 
ومن الجائز أن تكون الشعرى قد انعدمت من السماء قبل رؤيتنا لها بأمد 
طويل» وهذا يبرهن علميا على أن الصورة التي نحس بها الآن ليست هي 
الشعرى المحلقة في السماءء أي الواقع الموضوعي للنجم»'. 


= محمد باقر الصدر: فلسفتنا ص٤ 5” (دار الفكر: بيروت) وجدير بالذكر أن المؤلف‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


۹۸ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


أمّا الفرض الثانى: 

نيو ارف الان الذى. يرق أن الصورة ا صورة ماد 
منطبعة أو قائمة في عضو مادي هو الدماغ» أو -بتعبير حديث- بعض 
المراكز العصبية في مخ الإنسان. 

وهنا يتعقد الأمر أيضًاء لأن الثغرة القائمة أبدَا بين الصورة المدركة 
بأشكالها وأطوالها وعروضها وأعماقهاء وبين ما تحل فيه هذه الصورة 
من مساحة صغيرة وقدر دقيق ضئيل» موجودة هنا في هذا الفرض بكل 
أبعادها وإشكالاتها.. كيف تنطبع صورة الحديقة في هذا الجزء المسمى 
بالحس المشترك؟ بل كيف تنطبع في مساحة المخ كلهاء بل كيف يحدث 
ذلك ومعه كثرة لا تكاد تحصى من الد المتفاوتة حجمًا ومقدادًا 
واا إنني حين أرى الجبل أمامي فإنني أراه بكامل أبعاده وأشكاله 
الهندسيّة المادية من ضخامة وارتفاع وعظم ومقدار» وأحس في ذات 
الوقت أن هذه الصورة في ذهني أوفى وعيي بنفس هذه المقاييس الهندسية 
القبابعة تان رده الصورة ت اعا د 0ا ان ا 
منطبعة في مقدم المخ الذي هو مكان الحس المشترك» ومعنى ذلك أن ثمة 
مكانا ماديا محسوسا هو هذا الجزء أو هذه المساحة التى يمكن لى قياسها 

= إنما يعرض لهذا الموضوع مستهدفا نقد الفلسفة الماركسيّة في مشكلة الإدراك» وهو 

في نظريته يكاد يتفق مع نظريّة أبي البَرَكَات ولا أزعم أن المؤلف متأثر بفيلسوفنا في هذا 

الموقف» ولكن أكاد أجزم بأن المنطلقات» والمضامين» وللحصلات الأخيرة» لا تكاد 

تختلف -في قليل أو كثير - بين الموقفين. 
)١(‏ أبو البَرَكّات البغدادي: المصدر السابق: نفس الصفحة. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد ل 4 لطيب 4 


وتقديرها في مقدم عضو المخ. فإذا ما أضفنا إلى هذا الشق من النَظريّة 
المَشَّائيّة الشق الأول الذي يقرر بأن الإدراك البصري ليس إلا انتقال أشباح 
المبصرات إلى ملتقى العصبتين أو الحس المشترك نتج لنا من ذلك أن 
الإدراك الحسي عند هؤلاء هو: انتقال صورة مادية وانطباعها في أماكن 
مادية أيضًاء وهنا يظهر التضارب الذي يثيره تساؤل أبي البَرَكّات: إذا كان 
الأمر كله يدور في نطاق مادي حسي من حيث ذات الصورة المدركة» ومن 
حيث ما تحل فيه من أمكنة؛ فليس بد إِذَا من أن يتساوى مكان الصورة مع 
حجمها ومقدارها وعظمهاء وإلا فكيف يعقل أن أطبع صورة جبل يبلغ 
ارتفاعه مائة متر مثلا على ورقة لا تتعدى مساحتها شبرًا في شبر؟! إن 
المنطق هاهنا يحكم بين أمرين لا ثالث لهما: فإما أن تصغر صورة الجبل 
حتى تصل إلى مساحة الورقة أو تعظم مساحة الورقة حتى تبلغ مساحة 
الجبلء أمّا أن يقال: أن صورة الجبل الموازية له في الارتفاع منطبقة على 
ورقة مساحتها شبر في شبر فهذا هو المستحيل الذي لا يمكن تصوره ولا 
تخيله. وإذا ما نقلنا هذا المثال إلى الإدراك البصري عند الإنسان اتضح لنا 
إلى أي مدى تقصر نظريّة المَشَائيّةَ عن شرح العلاقة بين الصورة المادية 
المدركة وما يوازيها من صور حسيّة تحاكيها في هذه القوى الباطنيّة. يقول 
أبو البَرَكَات: «والقول في هذه القرّة (الحس المشترك) وصغر محلهاء لأنه 
جزء من الروح الدماغي» كالقول في الحدقة لا بل في الدماغ بأسره» لاء بل 
في جميع البدن» فإن الإنسان يرى الجبل العظيم والقطعة الكبيرة التي هي 
فراسخ من الأرض والسماء» والتي تكون أضعافا أضعافا يعجز عدهاء ولا 


www.alimamaltayeb.com 


5-7 موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
ينسب جدها إلى البدن بأسره فكيف إلى الدماغ؟! فكيف إلى جزء صغير 
من أجزائه وهو هذا الروح؟! وهذا رد أصدق من ردودهم على خصومهم 
وأشهر وأظهر من أن يخفي أو يتمحل له بتلبيس أو مغالطة موهمة لجاهل 
من السامعين فكيف للعلماء!. 

الفرض الثالث (أو نظريّة أبي البركات): 

وإذا كانت التّظريتان السالفتان متهافتتين في نظر فيلسوفنا فإنه هنا 
يطالعنا بتفسير آخر لهذه الظاهرة» ينطلق فيه من نفس المنطلق الذي تقيد به 
في نظريّة الإدراك على وجه العموم. وفكرة أبي البرّكات في هذا المقام قد 
تفرم الن جل كبير من النّظريّة الأفلاطونيّة السالفة» ذلك أله قل ادل 
فكرة الشعاع بفكرة النور الموجود في العين» ولكن يفترق عن هذه النظرية 
بن النور الموجود في العين يلتقي بالمرئيات المضيئة فتحصل عملية 
الإبصارء ولعل موقف أبي البَرَكَات هنا موقف وسط بين الموقفين» وهذا 
هو أقل ما يمكن أن يفهم من قوله في نصين متباعدين» يقول في أولهما: 

«من الظاهر المعلوم أن الإبصار إنما 0 للحيوانات بالأنوار الواقعة 
على الأشياء المرئية» ويقول في ثانيهما: : «وتتحقق أن الإبصار يكون بالنور 
إما الذي في العين» وإما الذي بعينه في المرئي» فالنور الذي في أبصارنا 
إنما يتأدى إلى ما يحاذيه كغيره من الأشياء المنيرة من الشمس والقمر 
والمصابيح)”". وهذا النور المتلاقي والذي تتم به عملية الإبصار» يشبه 


0 الم سالرت الاق 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ا 
ل ا 
أبو البَرَكَات في تفنيد ما أسلفه ابن سينا الارن عام من امغر اضيا 
على فكرة الشعاع في نظريّة أفلاطون. وضرورة المنهج التَّقَدِيّ هنا تلزم 
أبا البرك ت بمثل هذا التفنيد» + لأاثمة چا مشتركًا بين نظريته ونظريّة 
أفلاطون في هذا الصدد. فكل ما يرد على فكرة الشعاع من تساؤلات 
ل ل ل 
الأشياء المنيرة من أنوار أخرى مكتسبة» فهل هذا النور جِسْم أو عَرّض؟ 
وهل هو متموج مع الرياح أو ثابت -خلالها لا يهتز؟ دعل هو ار 
الباصر أو أمر آخر غيره؟ إلى آخر هذه الاعتراضات التي عَرَضها الشيخ 
الرئيس في نقده لنظريّة الشعاع. 

وأبو البركات حين يعقد أوجه الشبه بين فكرة النور المتلاقي التي 
تهدف إليها نظريته» وبين شعاع الشمسء يكاد يعثر على نص سحري 
يقضي به كل الاعتراضات التي أثارها المَشَّاءون هناء فعنده أن حكم هذا 
النور هو حكم شعاع الشمسء بمعنى أننا نعلم بالتجربة أن شعاع الشمس 
ثابت مع هبوب الأرياح وهيجانهاء فليكن هذا النور مثله -ثابتا أيضًا لا 
يتموج ولا يضطرب. ومثل هذا يقال في بقِيّة الاعتراضات الأخرى. 

وعفيق تفل إلى الأعدراضن الآخير المتسائل عن الخدرك الباصر هل 
هو النور أو التفس وكيف ذلك؟ نصل إلى فيصل التفرقة بين نظريّة أبي 
البرّكات هذه والتّظريتين السالفتين» فهذا النور -في نظر أبي البَرَكَات- 
يتعرى عن أي فَرَة يمكن أن نصفها بأنها مدركة أو باصرة إِلَّه هنا مجرد آلة 


www.alimamaltayeb.com 


5 موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


تستعملها التفس في الإدراك البصريء أو هو أشبه بالأمر المتمم لآلة العين 
التي تستخدمها النَّفُس في الإبصار» وإذ يسلب عنه أبو البركات معنى القّة 
المؤثرة في الإدراك فإنه يعود بالأمر كله إلى التّفس. فالمدرك أو المبصر 
هو «التفس» ولكن بآلة هي النور الموجود في العين. على أن هذا النور 
لا تتأدى -عبره- صور المرئيات أو أشباحها إلى الرائي فتنطبع في أجزاء 
مادية محسوسة» بل إن هذا النور يستثبت الأشياء في أماكنها الحقيقِيّة 
وكما هي في أعيانها n‏ أشكالها المقدارية المختلفة”). وإذًا 
فهاهنا جوانب جديدة وجديرة بالاعتبار والتأمل في نظريّة ة أبي البركات: 

فأولا: هو يرفضء كلية» تلك القوى الحسيّة التي ينيط 
المَشاءون فعلا تأثيريًا في صميم عملية الإدراك» وذلك حين يتخطى 
هذه السات و يحص الأمر يبع ال .وبين مدركاقيا رال ران 
يكن هنا عيرق وثويه قل هذه الآمور ليست لآ أذواك أو جرال 
ادر وقرق كير مين ا الناضرة باللا العو دال ان وه 
الس الباصرة بآلة العين عند أبي البَرَكَات. 

وثانيًا: بصرف التظر تمامًا عن الاعتبارات المادية في الصورة المدركة 
عند التفس» تلك التي كانت -عند المَشّائين - حجر عثرة في تفسير العلاقة 
بين الصورة الحسيّة المنطبعة والمكان الذي تنطبع فيه» فهنا -في نظريّة 
أبي البَركات- يكاد يختفي مثل هذا الإشكال, لماذا؟ لآن الصورة المدركة 
هاهنا هي الوجه الآخر للصورة الحسيّة الموجودة في الخارج» ومعني 


)١(‏ المرجع السابق: ص ”/ا". 


www.alimamaltayeb.com 


داحم الطيب 61 
ذلك أنها ليست محسوسة حتى ينشأ إشكال الأبعاد وما تحل فيه» بل هي 
صورة معقولة» وهي بمعقوليتها هذه في النفس مباشرة» دون أن تمر عبر 
سلسلة من القوى الحسيّة تندرج فيها من الحس إلى العقل كما ترى ذلك 
التظريّة المَشَائيّة. نعم يختفي هاهنا مثل هذا الإشكال. لأن عالم التقس 
يغدو حالتئذ هو عالم هذه الصّوّر وعالم النقس عالم بريء عن المادة 
وملابساتها فلا تثريب علي - إذَا- إذا ما نظرت إلى الجبل أن ترتسم في 
نفسي صورة هذا الجبل بكل ما تحكيه أو تعكسه هذه الصورة من أبعاد 
وأحجام ومقادير» وأقول هنا: «تعكسه أو تحكيه» لأن مثل هذه الصّوّر 
لسن هي الات الاه ة الل قن الخارس» بل ولستا هي شا ماديا 
راحلا عن ذات الجبل إلى التفس» بل هي انعكاس عقلي تقوم به التَفس 
حين تكون أمام الأشياء. وإِذَا فالأمر هنا أمر صورة عقلية موجودة في عالم 
عقلي مجرد مماثل هو: عالم التفس» وهو عالم تسقط فيه الاعتبارات 
الجسْميّة أو الحسيّة من الحساب تمامًا. فلا حرج أن تتكائر الصّوّر وتتعاظم 
ما شاءت لها الكثرة» وما شاء لها العظم والامتداد» فالمجال هنا غير مغلول 
بأغلال الامتداد الحسي حتى يقال فيه: كيف؟ ولم؟ 

وثالتًا: يضرب صفحًا عن فكرة المثال أو الشبح» بمعنى أنه إذا كان 
المدرك في نظريتي الشعاع والانطباع هو مثال الشيء أو شبحه» المنتقل 
من الأشياء إلى القوى الحسيّة» فإن الأمر يكاد يكون على العكس عند أبي 
البَرَكَاتَء ذلك أنه يرى أن التقس هي التي تدرك الشيء في ذاته على ما 
هو عليه من جهة ومقدار ومسافة ومكان لا صورًا منتزعة من هذه الأشياء 


www.alimamaltayeb.com 


٤‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
في أوضاعها وملابساتهاء يقول أبو البركات: «ويبقى الذي لا شك فيه 
الآن مما يشعر به الإنسان» وما أوضحته المشاهدة والبيان» أن المبصر من 
الإنسان نفسه التي هي ذاته التي يشعر بها شعورًا لا يرتاب به أنها هي التي 
أبصرت» ولكن بالعين» وسمعت» ولكن بالأذن» ويتحقق أنه هو الرائي لا 
غيره» والسامع لا غيره» وليس الرائي منه غير السامع» مع أنه يرى الشيء 
في مكانه وعلى مقداره لا مثاله في داخل دماغه)”'. 

وإِدًا فالتفس مدركة بذاتها بتوسط آلات لا بتوسط قوی» وإدراكها هو 
وقوعها على الأشياء» أو إن شئت: انكشاف الأشياء أمامها على ما هي عليه 
من أوضاع وكموم وكيوف وأيون. وهنا نلمح تأثرًا واضحًا بفكرة أفلوطين 
في هذا الموضوعء فهو أيضًا يرفض كلا من مذهبي الشعاع والانطباع في 
تعليل ظاهرة الإبصارء وينتهي إلى أن التقس هي المبصرة بذاتها لأن الس 
عنده تحتوي على الحقائق الوجودية من ذي قبل» فعند لقائها بالأشياء 
الخارجية تحصل لها عملية الإدراك» وآلتها في هذا اللون من الإدراك هو 
النور الذي يقع على الأشياء الخارجية فينبه التفس فتلتفت إليهاء على أن 
إدراك الس للذاشياء لا يكرن باتقال صورها وأشباحها إلى الغي ولا 
بخروج الشعاع الذي تنتقل من خلاله أمثال الأشياء في الخارج”. 

ونفس هذه الفكرة نجدها عند السهروردي المقتول» حين يعرض 
)١(‏ المعتبر في الحكمّة: ج ۲ ص 7717. 
© التساعة الرابعة'لأفلوطين ف السن» تريحمة فؤاد زكريا (القاهرة +/181) صن 1 ب 


.S. Pines: La Conception de la: Conscience Soi, 2, 75 وأيضًا‎ «1Y 


www.alimamaltayeb.com 


أ جهن الطب ۰۵ 
لموضوع الإبصار» مما يدلنا على أن أفكار أفلوطين قد تغلغلت في البنايات 
التَقدِيّة التي واجهت الفكر المَشَّائي البحت في الفلسفة الإسلاميّة» يقول 
عنه السبزواري «فعند شيخ الإشراق لا انطباع ولا شعاع» وَإنّما الإبصار 
بمقابلة المستنير للعضو الباصر الذي فيه رطوبة شفافة» فحينئذ يقع للنفس 
علم إشراقي حضوري على المبصر)"". 

ونتتهي من كل ذلك إلى أن فيلسوفنا في نظريته عن الإدراك الحسي 
يرفض القول بالقوى الحسيّة الباطنة التي نادت بها الفلسفة المَشَائيّة سواء 
عند أَرِسْطُو أو ابن سيناء وأنه يعود بالإدراك رأسًا إلى التقس التي هي ذات 
الشخصء وأن هذا الإدراك ليس انطباعا لصور ولا مثل ولا أشباح» بل هو 
لقاء مباشر بين النّفْس والمدرك أو بين الذَّات والموضوعء بل هو معرفة 
الكشاقرة عاضر ةلا وط ها وسائظ ولا قوق بين المذرك وما يدرك 
وهي معرفة تأتي من لدن عالم النَمُسء ذلك العالم الذي يعثر فيه فيلسوفنا 
على التفسير الصحيح لعملية الإدراك عند الإنسان» حين يعود بالمشكلة 
إلى أصلء أو علةء مبتافيزيقيّة تحدث في النَفّس هذا الإدراك بكل ما يمور 
به من لوان وأفانين وضروب معرفية لا تكاد تحصي كثرة ولا اختلاقًا. 

4- ولكن ماذا عن الإدراك الذهني أو العقلي عند أبي البركات؟ 

إننا إذا ما ذهبنا نسترجع المأثورات المَشَّائيّة في هذا اللون من الإدراك 
طالعنا -أيضًا- نفس هذا التصنيف في أمر القوى الباطنة عند الإنسان» 


)١(‏ شرح السبزواري على منظومته في الحكمّة: ص7١١‏ (ط طهران) وأيضًا: السهروردي: 
حكمة الإشراق ص 50. 


www.alimamaltayeb.com 


61 موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


وهذه القوى لما كانت حسيّة كانت مدركاتها حسيّة وإذَا فلا نزال في 
حاجة إلى معرفة هذا اللون من المدركات العقلية كيف يحدث؟ وما هو 
أمر العلاقة بينه ونين المدركات النحضيّة 9 والفلسفة المشائية قصل فصا 
بين هذين اللونين من الإدراك. 

فة إذراك عسي تقل في الصوّرن المسوسة الي تا من 
الحواس الظاهرة إلى الحواس الباطنة» والتي تبقى فيها هناك مختزنة 
أو مسترجعة مستعادة أو متخيلة على الوجه الذي سلف للمشائين في 
أمر القوى الباطنيّة ووظائفها. 

نّم إدراك عقلي أو ذهني يناسب تجرد العقل بحيث تصبح 
الصورة المدركة لدى العقل» لا محالة صورة كاملة التجريد من 
الملابسات المادية والأبعاد الحسيّة» فهذه الصورة كيف يحصل عليها 
العقل أو كيف تحصل هي في العقل؟ 

إن الإجابة لدى المَشائين تنبثق من نظرتهم لمراتب التجريد في 
المدرك الحسي عبر القوى الباطنيّة السالفة» فهم يرون أن أنواع الإدراك 
-أو إن شئت: مراتبه- أربعة هي: الإحساس. والتخيل» والتوهم» والتعقل. 

(أ) والمدرك في المرتبة الأولى يتجرد قدرًا من التجريدء ذلك أن 
الذي يحل الحاسة المدركة من الشيء المدرك إنما هي صورة أو مثال» 
وهذه الصورة وإن كانت مجردة من أثقال المادة وذاتها في الخارج. إلا أنها 
مرتبطة بها ارتباطًا وثيقاء فهي على قدر هذا الشيء المادي وهيئته وحالته 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۷ 
التي هو عليهاء وذلك لأنها انعكاس لكل هذه الأعراض المجتمعة في 
هذا الشيء المدرك في الخارج» ولأن الحامل المادي هنا في هذه المرتبة 
-شرط لابد منه في نشوء هذه الصورة في عضو الحس المدرك وحضورها 
فيه» بحيث لو غاب عن العين -مثلا- الحامل المادي الخارجي للصورة» 
لغابت عنها في الوقت ذاته تلك الصورة التي حصلت فيها حين كانت أمام 
الحامل المادي للمدرك الخارجي. 

(ب) ثم تأتي المرحلة الثانية وهي مرحلة تخيل هذه الصورة أو 
استعادتهاء وهنا يتخفف المدرك عن الملابسات المادية أكثر من ذي قبل» 
أعني أكثر مما تخفف حين كان في مرتبة الإحساس.ء ذلك أنني أستطيع الآن 
أن أتخيل الصورة السابقة التي انطبعت في عيني -أو في الحس المشترك- 
بعد أن غاب عنها حاملها الخارجي» إنني هنا لا أحتاج إلى أن أكون في 
مواجهة الشيء الخارجي مبصرًا له حتى أحصل على هذه الصّوّرء بل في 
مقدوري أن أنظر إليها بخيالي وإن كانت قد رحلت عن ناظري لرحيل 
واقعها الموضوعي في الخارج. وإِدًا فهاهنا مرتبة من الإدراك لا تشترط 
المثول أمام الواقع الموضوعي ولا حضوره لدى المدرك» كما كان ذلك 
شرطًا لابد منه في المرتبة السابقة من مراتب الإدراك. ولكن برغم هذه 
الخطوة المتقدمة في مراتب التجريد -فلا زال المدرك مقيدًا بشيء غير 
قليل من ملابسات المادة وغواشيهاء ذلك أنني وإن كنت بمستطيع أن 
أتصور المدرك بعيدًا عن حامله المادي في الخارج» إلا أنني لا أستطيع 
أن أتصوره إلا مع كم وكيف وأين وما إلى ذلك من العوارض المادية 


www.alimamaltayeb.com 


۸ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


المعروفة» وهذا إنما يدل على أن المدرك في هذه المرتبة قد ارتقى درجة 
في سلم التجريد أو التعري عن عوارض المادة وأحوالها. 

(ج) أمّا المرتبة الثالثة فهي مرتبة الوهم أو التوهم» والتجريد في هذه 
المرتبة أتم وأكمل من المراتب السابقة» لأن خصيصته عند المَشائين -كما 
سلف ذلك- تجريد المعنى الجزئي من ملابساته المادية الجزئية وإدراكه 
على وجه جزئي أيضًاء فإدراك العداوة أو المحبة لزيد من الناس مثلاء هو 
إدراك لمعنى جزئي» أي عداوة أو محبة - جزئية» ولكن لا يزال هذا المعنى 
متعلقًا بالجزئي المادي من حيث إِنَّهِ كان الأصل أو المصدر الذي أدرك 
عنه» فالوهم وإن جرد المعاني إلا أنَّه تجريد جزئي بمعنى أن العداوة الكُلّية 
أو المحبة الكلية أو هما بالمعنى العام المطلقء أمر لا يستطيعه الوهم وليس 
في مقدوره ولا من طبيعته. 

(د) ثم نصل إلى قمة التجريدء وذلك حين نصل إلى مرتبة التعقل فهاهنا 
يكون الإدراك بريئًا عن شوائب المادة وغواشيها وكل ما يتعلق بها من قريب 
أو بعيد» لأن المعنى المدرك هنا معنى كلي لا يختلف ولا يتباين» وإِذَا فأمر 
الأفراد الجزئية وخواصها التي تعزل فردًا عن فرد وارد في هذه المرتبة على 
الإطلاق» فليس هاهنا كم ولا كيف ولا متى ولا أين» بل المدرك هنا معنى 
فوق كل هذه الأعراض والاعتبارات» هو المعنى الكل العام الذي يناسب 
تجريد العقل وإحاطته وشموله» وهنا -في مرتبة التعقل- يمكن أن نضيف 
للعقل إدراكين: إدراكا آتيّا عن طريق الحواس» وهو وإن كان إدراكًا حسيًا 
ماديا في مراتبه الأولى إِلّا له حين يصل لمرتبة الخيال فإنه يصبح وكأنه 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۹ 


نفض عنه كل ثوب حسي مادي» فأصبح لا يكون إلا مجردًا تمام التجريد. 
وهنا يدركه العقل لأنه يناسبه بهذه المرتبة التجريدية التامة. 

وإدراكًا هو في ذاته مبرأ من لواحق الأجسام وصفاتهاء والعقل يقع 
على هذه المدركات المجردة وقوعا مباشرًا لا يحتاج فيه إلى سلسلة 
المحزيل الى مرت بها المدركات الحببة الآنقة الذكرء يقول ابن سينا فى 
هذا كله «وهو (زيد فدلا ) عدلها يكون محسوساء بكوة قد غه خوراش 
غريبة عن ماهيته لو أزيلت عنه لم تؤثر في كنه ماهيته» مثل أين ووضع 
وكيف ومقدار بعينه. لو توهم بدله غيره لم يؤثر في حقيقة ماهية إنسانية» 
والحس يناله من حيث هو مغمور فى هذه العوارضء. التى تلحقه بسبب 
المادة التي خلق منهاء لا يجرده عنها ولا يناله إلا بعلاقة وضيعة بين حسه 
ومادته ولذلك لا تتمثل فى الحس الظاهر صورته إذا زال. وأمًا الخيال 
الباطن فيتخيله مع تلك العوارض» لا يقتدر على تجريده المطلق عنهاء 
لكنه يجرده عن تلك العلاقة المذكورة التى تعلق بها الحس فهو يتمثل 
صورته مع غيبوبة حاملها. وأمًا العقل فيقتدر على تجريد الماهية المكتوفة 
باللواحق الغريبة المشخصة متثبنًا إياها حتى كأنه عمل بالمحسوس عملا 
جخله معقولاء و( تما عا حر فی ذاته بر من الشوائب المادية واللوااحق 
الغريبة التي لا تلزم ماهيته عن ماهيته» فهو معقول لذاته)""". 

وأبو البَرَككات -وقد ضرب صفحًا عن أمر القوى الباطنية- لا يرى 
ضرورة للفصل بين قوى حسيّة تدرك صورا حسية» وأخرى عقلية تدرك 


)١(‏ الإشارات والتنبيهات: ج ۲ ص78". وما بعدها (ط. د. دنیا)۔ 


www.alimamaltayeb.com 


3 موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


صورًا مجردة بريئة من الحس» وهو هنا يردد نفس الاعتراض الذي أورده 
في نظريّة الإبصار من أن الصورة المبصرة أو الشبح المبصر كيف ينطبع 
في جزء ضئيل المساحة والمقدار» فالخيال أو الوهم يرد عليها نفس ما 
ورد على نظريّة الإبصار» من حيث إن لكل منهما مكانًا حسيًا محددّاء 
واا قالندرك ليده الآموو كلها هن الس ولا فرق دهان أن بكرن 
الد كر ةا أو عضا أو ذامقدار ضغو أو کی لآن الى جور 
قائم بذاته والإدراك حاصل لها لذاتها لا لقَوّة أخرى جِسْميّة أو حالة في 
جِسْمء ولأنها بريئة عن البدن بإنيتها وقوامها فهي ذات طبيعة لا تضيق 
عن أفعال حسيّة أو خيالية أو وهميّة أو عقلية» ولا يرفض أبو البَرَكَات ما 
أثبته المجربون وعلماء التشريح من وجود بطون ثلاثة في الدماغ» ولكن 
معقد الخلاف بينه وبين المَشَّائِين هو: أنهم يجعلون في كل بطن من هذه 
البظوان 453 ها فة الأدراك يمن أنيا د قاعلة لأكدراك» وأن هذه 
البطون أمكنة وخزائن لما يرد عليها من مدركات الحواس» فالبطن المقدم 
لفاكت والأوسظ انار وة كب الور رال غر اليسقوظات 
والمتذكرات» أمّا موقف أبي البَرَكَات من هذا كله فهو أنه ليس ثمة قوى 
فعالة تقوم بعمليات إدراكية مع التفس أو بالتّمّسء فالمدرك هو ذات التَمْس 
ولا واسطة بينها وبين ما تدركه» وهذه البطون التي يتحدث عنها المَساءون 
إن هي إلا آلات للمدركات الذهنيّةء وعلاقة النّمْس بهذه البطون ليست إلا 
مثل علاقتها بآلات الإبصار والسمع والشم والذوق. أمّا حفظ هذه الصّوّر 
أو هذه المعاني فليس هو انتقاشا في هذه البطون» بل هذه الصور حاضرة 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ١‏ 


وکیا فى ذات الس فلا يكن الحافظ والمدرك إ١‏ قات الس لا 
قوّة جسْمانيّة هي عَرَض في جسشم» ولا روحًا هو لطيف من الأجسام» ولا 
عضوًا تنتقش فيه أو في الروح تلك الصورة التي يضيق عنها الفضاء -فلا 
تحد عن نفسك بأن تقبل بأن جزءًا من دماغك يكون خزانة لمحفوظاتك 
الذهنيّة أو لوحًا لنقش ما تدركه من ملحوظاتهاء فإن من يفهم هذا ويتصوره 
ويجوزه ويعتقده ليس ممن هذا الكلام له ولا هذا الكناب اليه 

إن أبا البرّكات» وإن كان يفرق بين لونين من الإدراك: إدراك أشياء 
حا فى العلاسنات المادية» وإدراك صور ذهنيّة مجردة» إل أله يرفض 
أن تكون هذه الصور محفوظة في مكان حسي والاعتراض هو الاعتراض» 
أعنى ضيق المكان عن الإحاطة بكل ملحوظات الإنسان ومتصوراته حتى 
وإن قال المَشاءون: إن هذه الصّوّر إنما تنبق في المكان في صور مقدارية 
مداهية اليغر والذقة» ذلك أن رة ذه الصوّر لا شك بالف يها ملعا 
لا يحويه الجسم بل ولا البلدة التي فيها ذلك الإنسان المتصوّر» على 
أن المَسائين حين يقولون ذلك فإنما يغالطون أنفسهم» فالذي نحسه في 
نفوسنا هو أننا نتتصور الأشياء على ما هي عليه في أحجامها وأبعادها في 
واقعها الخارجىء ودليل ذلك أننى حين أرى الشىء مرة ثانية وقد تغير به 
الحجم إلى زيادة أو نقص» فإنني أحكم على الفور بأنه أصغر أو أكبر مما 
كان عليه من ذي قبل» فلولا أنى أدركته مرتين على بعدين متخالفين لما 
أمكن لي أن أدرك الفرق أو التفاوت الحاصل بين هذين الإدراكين. 


(۱) أبو البَرَكات البغدادي: المعتبر في الحكمّة ج ۲ ص٤‏ 5 7. 


www.alimamaltayeb.com 


۲ء موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


ويصل أبو البرّكات إلى نفس النتيجة التي تمخضت عنها فكرته فيما 
يتعلق بالإدراك الحسي» وأعني بها أن الصّوّر الذهنيّة في ذات التّفْس لا في 
مواطن أخرى باطنة ولا ظاهرة”". 

١-ولكن‏ هل يعني هذا أن التفس تدرك المحسوسات وتدرك 
المعق لات أو أن الس قاضر#غلى إدراك السات شو اها الا 
والخارجية» أما المعقولات فإنها من مدركات العقل؟ 

الحقيقة في هذا الأمر أن المَشَّائِين يفرقون في الإدراك بين مدركات 
محسوسة ومدركات مجردة أوبين مدركات جزئية ومدركات كلية» والصنف 
الأو لمن هذه المدوكات تدركه الس يقواها الح الظاهرة والناطة 
شيقى فيه اهت المد ر كات صِؤرًا محسوسة أو تعجر د عبر الخال والوهم إلى 
أن تصبح مدركًا مجردا كليًا ينتمي إلى عالم العقل لا إلى عالم الحس. أمّا 
الصنف الثاني فهو الذي يدركه العقل» سواء كانت هويته معقولة في ذاتهاء 
أي بريئة عن المادة وملابساتها أو كانت معقولة من حيث إنها قد ترقت 
في ساسلة من العجريد حى وصلت إلى هذه الصورة الكاية التي طرحت 
عنها كل ما يتعلق بالمادة من جزئيات طارئة على هذا المعنى الكُلّي» وين 
نَم قيل في الفلسفة المَشَّائيّة: إن مدرك العقليات فينا غير مدرك الحسيات. 

وأكبر الظن أن المبداً الأرسطي الذي يرى أن العقل لما كان مجردًا 
فإنه لا يدرك إلا المجردات» قد كان هنا وراء فكرة القوى الحسيّة التي نادى 
بها العشاءون واخترعوها التشراماه ذلك آن العقل أو الس حباغهارها 


)١(‏ المصدر السابق: ص۳۹۷. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۳ 


فة مجردة- لا تدرك الصّوّر المحسوسة المادية» بينما هنا -وفي مجال 
الآدراك عة الشيخض - ضور شحسوسات ل برتات فها مر تابه وها 
تبدو المعادلة الصعبة في الفلسفة المَشَّائيّة بين قوى مجردة وصور إدراكية 
محسوسة» وهنا -أيضًا- لا يجد المَشَّاءون مناصًا من اصطناع تفرقة بين 
التفس وبين قوى حسية باطنيّة لها فعل الإدراك فيما يتعلق بهذا الوسط 
الحسي المادي. يقول ابن سينا: «والتفس إنما تدرك بوساطة الآلة الأشياء 
المحسوسة والمتخيلة» والأشياء المجردة لا تدركها بآلة» بل بذاتهاء لآنه 
لا آلة لها نعرف بها المعقولات. والآلة إنما جعلت لها لتدرك بها الجزئيات 
وال ا و ا ا ا ات 
لها آلة جِسمانيّة تدرك بها المعقولات لم تكن المعقولات إلا محسوسة أو 
متخيلة» وهذا محال» فيجب ألا تدركها بآلة» بل بذاتها». 

بهذا الفصل الصريح الواضح بين طبيعة الصورة المحسوسة الجزئية» 
وطبيعة الصورة المعقولة الكليةء يضع ابن سينا العقل أو النَمْس المجردة 
في مقابل القوى الحسيّة الظاهرة أو الباطنة في داخل الإنسان» وبحيث 
تصبح للقوّة المجردة مدركاتها الخاصة بهاء وللقوى الحسيّة مدركاتها 
الاس لها بقار معنا تال 

لماذا لا يرتضي المَشَّاءونَ حلول الصورة المعقولة في القوّة 
الحسية الأدراكية؟ 

والجواب عند هؤلاء هو: أننا لو فرضنا أن الصورة المعقولة تعرض في 


(۱) التعليقات: ص .8١‏ 


www.alimamaltayeb.com 


٤‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 
قوّة حسيّة أو مكان حسي ذي أبعاد ونهايات» فلابد من القول بأن الصورة 
المعقولة تنقسم بانقسام محلهاء وهنا يتساءل المَشّاءون: لو سلمنا انقسام 
الصورة المعقولة -ضرورة انقسام ما تحله وتنطبع فيه- فإن جزئي الصورة 
المعقولة المنقسمة إما أن يكوثا سشابهين أو غير متشابهين: 

أما إنهما متشابهان فهذا فرض غير معقولء إذ كيف يجتمع من جزأين 
متشابهين آمر لايتشايه أو غلى حد تغبير ابن سينا: «فكيف يجتمع منهما ما 
لبس إياهما»7". ولحل ابن سينا يريد هن هذا التساول أن الكل غير جره 
وهذه الغيرية ربما تنشأ لأن أجزاء الشيء المكونة له أجزاء متخالفة متغايرة» 
فهنا غيرية بين أجزاء الشيء الواحد كالمادة والصورة مثلا -ينتج عنها كل 
مركب مغاير - بدوره -لكل جزء من هذه الأجزاء ومن نَم يستبعد ابن سينا 
أن يتكون عن جراد ین متشابهين مجموع -أو كل- غير متشابه معهما وهذا 
هو ها يمكن أن تخلضة من التعليل الذي يشوقة: ابن سينا لامها 
الاستنکازی السالف» والذى يقول فيه: «إذ الكل من هيك هو كل» ليس 

هو الجزء)”". وإذًا فأمر سهد أن يتشا عن الجراين ع المتشابهين كل أو 
مجموع غير متشابه معهماء إلا إذا قلنا: إن هذا الكل يتغاير مع جزئيه باعتبار 
المقدار المتزايدء أو باعتبار الزيادة في العدد» أعني من حيث إن الكل هو 
عبارة عن جزأين ثفن لمم حيت | لكل بافغار ذانه أو صدويكه لكاي 
وحينئذ تكون الصورة المعقولة أمرًا مشكلا أو أمرًا معدوداء وإنه لمن البين 


.87 الشفاء: ج ۱ ص44 ” النجاة: ج ۲ ص۰۲۸۷ أحوال النففس: ص‎ )١( 
)تقس المصادر والصتحات السابقة.‎ 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۵ء 
الواضح في الفلسفة المَشَّائيّة أن الصورة المدركة إذا تطرق إليها شكل أو 
مقدار فإنها تكون -لا محالة- صورة خيالية لا صورة عقلية. 

والأمر كذلك فيما لو فرضنا أن جزئي الصورة المعقولة المنقسمة 
غير متشابهين فهنا تنشأ محالات تترتب على هذا الفرض وتتأدى به في 
النهاية إلى البطلان. ذلك أن الأجزاء المتخالفة في الشيء الواحد إنما هي 
الأجزاء التي يحويها حد هذا الشيء أو ماهيته» فالأجناس والفصول هي 
الأجزاء التي لا تتشابه في الحدء فإذا ما ذهبنا نفترض جواز انقسام الصورة 
المعقولة إلى جزأين غير متشابهين لزم من ذلك أن كل جزء في الجسم 
يقبل القسمة بالقوّة إلى مالا نهاية ويلزم أن تترتب الأجناس والفصول ترتبًا 
لا نهائيا أيضّاء وهذا أمر واضح البطلان لأن الأجناس والفصول الذَّاتية 
للشيء الواحد يجب أن تكون متناهية بالفعل وبالقوّة أو من كل وجه وإلا 
لما صح أن يجتمع جنس وفصل معا في جسم ماء إذ معنى هذا -أي حين 
لا تكون الأجناس والفصول متناهية من كل وجه- أن الجسم الواحد قد 
فصل أو تميز بأجزاء غير متناهية"©. 

أمّا أبو البَرَكَات فيطالعنا بهذا النّضََّ الذي يحسم به هذا الخلاف 
المغرق في الجدل العقلي: «ولست أفرق في هذا الإدراك بين ما يسمونه 
صورة عقلية وبين ما يسمونه صورة حسيّة فإنهم قالوا ما قالوه في ذلك 
لقولهم في الأجسام ورفع المقدار والتجزي عن النفس وغيرها مما هو غير 


)١(‏ ابن سينا: الفجاة ص۲۸۹ 


www.alimamaltayeb.com 


٦ء‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


جِشم)"". وموقف فيلسوفنا من هذه التفرقة بين مدرك العقليات ومدرك 
الحسيات هو موقف الرفض الحاسم» لأنها تفرقة مصطنعة ومزعومة» 
وعنده: أن الس هي المدركة للصور المحسوسة» وذلك بصرف التّظر 
عما يلزم على ذلك من طروء المقدار والقسمة الفرضية على معنى التفس 
ولحوقها بهاء فهذا أمر لا يكاد يترتب عليه محال عند أب البَرَكَات بل إن 
المَشَّائِين ما استطاعوا أن يقيموا على امتناعه حجة ولا دليلاء فبرغم كل ما 
قاله ابن سينا هنا لقطع العلاقة بين المحسوساتء وبين التَفْس أو العقل» 
قطعًا لا سبيل معه إلى التقاءء فقد بات الأمر مشكلا محيرا كما كان من 
ذي قبل: إننا إذا سلمنا مع المَشائين أن العقل أو التفس تدرك المجردات 
لذاتهاء بينما تدرك الصورة الحسيّة باستخدامها للقوى الباطنيّة أو الظاهرية 
لترفعها إليها -في نهاية الأمر- صورا مجردة» فإننا نتساءل كيف أدركت 
التفس هذه الصورة من قوتها التي رفعتها إليها؟ 

أبان تلقي ذات المدرك بملابساته المادية في هذه القوّة الحسيّة؟ وهنا 
تتهاوى النّظريّة المَشَّائيّة من الأساس لأنه قد أمكن إِذَا أن يلتقي المجرد 
باللامجرد, أم بأن تدرك ذات المدرك فقط دون الشكل والمقدار» فكيف 
-إذن- أفسر ما أشعر به في نفسي من أمر التفرقة بين الصغير والكبير 
والبعيد والقريب» سواء فيما أراه أو فيما أحفظه أو فيما أتذكره؟ 

هل شرل المُشاءوق إن الى لا ال ذات هذا المدرك المحسوس: 
وإِنّما تلقاه فقط دون أن تتلبس به أو تتداخل معه؟ وإذًا فكيف يقال إن 


() المعير ف المكمةاج اض 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۷ 


اها إخراكا بون ارو والادراك كبك كان مره دلا پیک أن پرا ف 
المدرك عن لقاء ذات المدرك؟ : ثم إذا صح أن تلقى التّمْس مدركاتها دون 
أن تنال ذوات هاته المدركات» وصح -مع ذلك- أن نسميه إدراكاء فلماذا 
لم يفرض المَشّاءونَ هذا الإدراك عينه بين التقس ابتداء- وبين المدركات 
الح باعقيان أن الس قت هذه المدركات الحية ذوق أن ثناك 
ذوائهاء وهنا لا ينركب الميحظون الذئ الجا الاين إلى تمل كل هذه 
التّظريات والفروض؟ إذ سوف تظل التفس -مع هذا الإدراك- بمنأى عن 
معنى المقدار والتجزئةء لأنها سوف لا تتلبس بالذوات المحسوسة. فلا 
يلحقها بالضرورة مقدار ولا مادة ولا انقسام؟ يقول أبو البركات: «فإن 
تيل فهل هو (الأدراك) على مقابلته (مقابلة المدرك) سن يفال: إن 
المدرك لا ينال ذات المدرك ولا يلقاها؟ فهلا قلتم هذا أُوَّلَّا واسترحتم 
من القول بالقوى الجسمانيّة التي خلقتموها من غير أن يدلكم عليها دل 
صادق» فإن الإدراك إذا لم يكن لقاء الات للذات لم يحوجكم القول بأن 
النفْس أذركت الصُوّر المنشمائية إلى القول رة الس !ا لكنه لا يمكق 
أن يقول مُتصَوّر: إن الإدراك لا تلقى فيه ذات المدرك ذات المدرك» ولو لم 
يكن نين المدرك وغير المذرك>هالنسبة إلى المدرك فرق)7, 

على أن هذا الاحتجاج الذي قدمه ابن سينا بين يدي دعواه هذه 
لا يغبت لخاد انيه الفعلية في الأجزاء, أا منع القسمة الوهميّة 
ا فهي لا تثبت بهذا الاحتجاج لأن توهم القسمة هاهنا 


54 
ِ 
-أو 


.5٠ المصدر السابق: صا‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


۸ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


افتراضها- لا يلزم منه بالضرورة حدوث قسمة فعلية وجودية تلحق 
الصورة المعقولة ويلزم عنها ما ألزمه المَشَّاءونء ذلك أله ليس بلازم 
أن يخرج إلى الفعل كل أمر ممكن» فضلا عن أمر متوهم مفروض. 
ومثل هذا الدليل قد تكون له قيمة برهانيّة فيما لو لزم عنه أن ينقسم 
المحل انقساما فعلياء فهنا تنقسم الصورة وتلزم المحالات غير أن 
المحل هاهنا لا ينقسم بالفعل فالصورة غير منقسمة. 

ثم كيف يمنع ابن سينا انقسام الصورة العقليّة بمقدمته التي 
ينكر من خلالها أن يجتمع من الجزأين ما ليس منهما؟ أليس 
الجزءان من قطعة الذهب -مثلا- شبيهين» ثم هما نفس القطعة 
في المعنى؟! أليس معقول كل منهما ليس أمرًا آخر غير معقول هذين 
الجزأين مجتمعين في كل واحد؟! إِنَهِ إن كان ثمة فرق فإنما هو فرق في 
المقدار والعدد لا في الدّات والحقيقة. 

وإذا كان ابن سينا قد ربط في استدلاله هذاء بين صيرورة الصورة 
العقليّة أمرّا آخر غير جزئيها من حيث مقداريتها وزيادتها في العدد. وبين 
انقلابها إلى صورة خيالية لا عقلية» فإن هذا الربط -فيما يرى أبو البركات- 
قفزة في الاستدلال تعوزها الحجة والبرهان» فأبو البركات لا يرى أن ثمة 
دليلا عقليا يحيل أن تكون الصورة العقليّة البسيطة ذات مقدار أو عدد. 
أليست الصورة العقليّة عندي غير الصورة العقليّة عند زيد» وهما غير التي 
غيذيكر؟ وهل مع ذلك إلا أن كل واحدة من هذه الصُوّر غير الأ حرق 
بالعدد!! وإذا جاز أن تتخالف الصورة العقليّة بالعدد فلم يمتنع أن يتصور 


www.alimamaltayeb.com 


1/ جمد الطب 4 
لها مقدار؟! «فإنا ما نرى أحدا إلا والذي في أولية عقله وفطرته تصور 
الأقطار والمقدار وقبول القسمة الفرضية لكل ما يتصوره بحيث لا يتأتى له 
أن يرفعه بذهنه عن شيء مما يتصوره ذهنه, لا بدليل ولا حجة يوافق عليها 
الڏهن إلا فسا 

ومرة أخرى يقع فيلسوفنا في حبائل الوهم وخداعه» فيخلط بين 
مشاغر الهدس وأقاليل ال ال اهت ولك سيق أن تافهن هذه ال 
في منهج فيلسوفناء وذلك حين عجز عن تصور عار عن الزَّمان» وحين 
اعتبر هذا التَصَور هو القول الفصل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا 
من خلفه. وهنا يكاد فيلسوفنا يفعل نفس الشيء حين يمزج بين أولية الوهم 
وأولية العقل» نعم لا شك أن الإنسان -كما يقرر أبو البرّكات- لا يتصور 
شيئا بدون مقدار أو قسمة فرضية إلا قسراء لكن هذا لا يعني أبدا أله تصور 
حق يحتج به لحسم الخلاف القائم في هذا الصدد. 

ومهما يكن من أمر هذا الاستدلال فإن أبا البَرَكات يضرب صفحا 
عن كل هذا الجدل العقيم» ويعمد إلى الشعور الذّاتي يستنطقه ويستهديه 
فيعلم: «أن مدرك الصورة العقليّة والحسيّة وبالجملة مدرك الموجودات 
في الأعيان» والمُتَصَرّرات في الأذهان فينا واحد هو ذات الإنسان» كما 
يشعر به كل واحد منا من ذاته أنه هو الذي أبصر وسمع وعرف وتصور 
وحفظ وتذكر وعلم... ومن هذا القبيل تقول: عرفت وعلمت» وقبلت 
ورددت» وصدقت وکذبت» ورأيت وسمعت» والتاء في كلامك واحدة 


)١(‏ المصدر السابق: نفس الموضع. 


www.alimamaltayeb.com 


2 موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


الإشارة والمعنى على ما قيل غير مرة)”'. 

ولفيلسوفنا عود على ذات هذه المشكلة حين تلقي بظلالها على 
الجانب الميتافيزيقي في مشكلة العلم الإلهي بين المَشَّائِين وأبي البَرَكَات 
وذلك حين يلتزم المَشّاءون بأن الله تعالى -وهو عقل العقول- لا يدرك 
إلا ما كان كليا مجردا من المدركات» ثم يقف أبو البركات محطما هذه 
التفرقة المزعومة ويلزم المَشَّائِين بأنه تعالى يعلم الكَلَيّات والجزئيات. 

-١‏ ويبقى أن نعرف -في الجانب التَّقدِيٌ عند فيلسوفنا- موقفه في 
التفس من جهة قدمها أو حدوثها. والقول بقدم النفوس الإنسانيّة هو من 
مأثورات أفلاطون عند الفلاسفة المسلمينء أمَّا القول بحدوثها فهو مما 
ينسب للمذهب الأرسطي الذي انتمى إليه المَشَّاءونَ في الفكر الإسلامي 
وعلى رأسهم ابن سینا" إلا أننا -فيما يتعلق بابن سينا- نكاد نعتقد بأن 
فكرته -رغم انتماته للمذهب الأرسطي هنا- يشوبها قدر غير قليل من 
تضارب وتذبذب» وحقيقة تطالعنا كتبه -على اختلافها- باستدلالات 
صريحة على أن التَّفُس الإنسانيّة حادثة مع البدن» لكننا ما نكاد نذهب إلى 
أبعاد أخرى في فلسفته حتى نعتقد بأن ثمة تضاربا نفذ إلى هذه القضية حين 
تبدل بها موضعان مختلفان في فلسفة الشيخ. 

فأما فكرة الحدوث عنده فهي فكرة تعتمد على مذهبه في أن النّمْس 
نوع واحد متفق» تختلف أفراده أو ما صدقاته» ومن هذا المنطلق لا يتصور 
(9)المصدر السابق؛ ص + 2. 
(۲) صدر الدين الشيرازي: الأسفار الأربعة: مجلد ۲ ص777. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 1 


ابن سينا أن يكون للنفس وجود سابق على وجودها في البدن. لأنه حين 
فض جدل إمكان وجوه الس وج دا قد ماقا ال غ هذه الس 
في ذاتهاء أهي ذات واحدة أو ذوات متكثرة؟ وعلى كلا الفرضين فالأمر 
في النهاية متأد إلى استحالة وجود نفس سابق على وجود البدن. 

فأما أن النّمْس في وجودها السابق على البدن ذوات متكثرة بالعدد 
فهذا أمر باطل» لأننا نتساءل أيضًا: ما هو مناط الكثرة والتغاير بين هذه 
النفوس المتفقة النوع؟ وليس بد حالتئذ من أن تكون العِلّةَ في هذا التغاير 
عائدة إما إلى الصورة والماهية» وإما لما بين التقس وبين موادها العنصرية 
الموجودة فيها من علائق ووشائج. 

ويستبعد ابن سينا الفرض الأول من هذين الفرضين» أعني: أن تكون 
الصورة والماهية هي مناط الاختلاف في النفوس» لأنه منذ البداية يقرر أن 
التفس واحدة الماهية فهي لا محالة ذات صورة واحدة أيضّاء وإذَّا فهي 
قد تغايرت بموادها «لأن الأشياء التي ذواتها معان فقط» وتتكثر نوعياتها 
بأشخاصهاء فإنما تكثرها بالحوامل والقوابل والمنفعلات عنهاء أو بنسبة 
ما إليها وإلى أزمنتهاء وإذا كانت مجردة أصلا (أي: من الحوامل والقوابل) 
لم تتفرق بما قلناء فمحال أن تكون بينها مغايرة وتكثر» فقد بطل أن تكون 
الس قبل دخولها الأبدان متكثرة الذَّات بالعدى». 

وأمّا أن الس قبل وجودها في البدن كانت ذاتا واحدة فهذا أيضًا أمر 


بن مهاه اغا جد اهن 009 والحوال الف هن 5ش واا الرازئ"السالحف 
المشرقِيّة ج ١‏ ص٠۹"‏ والشيرازي: الأسفار الأربعة مجلد ۲ ص۲۹۸. 


www.alimamaltayeb.com 


۲ء موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 
باط لأنه حن يحدت يذنان -مغلا- أو أك فهاتان التنسان هما شقا 
هذه التَمس القديمة الواحدة الذَّات. وحيتئذ لا مناص من القول بانقسام 
المجردات التي لا عظم لها ولا أحجام» وابن سينا قد أبطل هذا فيما سلف 
له من أقاويل في هذا المقام. كذلك لا يقال: إن هذه التَفس الواحدة الات 
هي بعينها في هذين البدنين أو في هذه الأبدان. فمثل هذا القول مما لا يكاد 
يتوقف عنده بنقض أو برد. وإِذًا فافتراض وجود التَّمْس قبل البدن افتراض 
باطل عند أبن سينا بكل المقاييس والاعتبارات» ويلزم بالضرورة عن كل 
هذا أن تكون التفس حادثة مع البدن. 

ولكن القضيدة العيدة التي أضفى بها این سينا على «النّفس) 
معنى الهبوط والتنزل من المحل الأرفع إلى عالم البدن والمادة» قد 
تقف عقبة في وجه كل ما استدل به ابن سينا على حدوث النَفْسء إذ 
النَّفْس في قصيدة الشيخ نفس قديمة» وهي تسكن عالمًا رفيع الجلال 
والجمال. ولذا فهي -حينما تفارقه وتهبط عنه» فإنما تفارقه كرها 
وتهبط عنه كرهاء ومهما طال بها الأمد في عالمها المادي فإنها تبقى 
فيه دائمة الحنين والالتفات إلى ديارها الأولى. نعم» مثل هذه اللفتات 
الإشراقِيّة في قصيدة الشيخ لا تدعنا نتردد في الاعتقاد بأنه متأثر -إلى 
حد بعيد بالمذهب الأفلاطوني في هذا المقام» وهو تأثر قد يبلغ مبلغ 
التناقض بين نظرتين متضادتين في مشكلة قدم النفس وحدوثها. 
وحقيقة لا يمكن إغفال هذا التضارب في فلسفة ابن سينا ولا رفعهء إلا 


)١(‏ المصادر السابقة: نفس الصفحات. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۳ 
إذا أسقطنا من اعتبارنا هذه القصيدة العينية تماماء سواء عللنا ذلك بأن 
لغتها الشعرية لغة عالية» وهو أمر غير معهود فيما طالعنا به ابن سينا من 
قصائد وأراجيز» أو عللناه بهذا التناقض الصارخ في فلسفة الشيخ”. 
وأبو البرّكات صريح كل الصراحة في أن النَّفْس حادثة مع حدوث 
البدن» وهو هنا يكاد يتأثر خطى ابن سینا ويتتبع مواضع آقدامه» إلا أنه لا 
يتفق معه في أن النَفّس واحدة بالنوع» ذلك أن ابن سينا يقرر: أن نفوس سائر 
الحيوانات قوى جِسْمانيّة» وليست جواهر مجردة. أمّا النفوس الإنسانية 
الناطقة فإنها ذوات جواهر مجردة» وهي -على رغم تعددها- متساوية 
في تمام مهاياها وحقائقهاء وإذا كان ثمة اختلاف بين أفراد النفوس فمرده 
إلى الأمزجة والاستعدادات والأبدان”". ومثل هذا القول مردود عند أبي 
البركات» لأن ابن سينا نفسه يعرض لنا مفهوم النوع على وجهين: 

(أ) وجه يكون فيه النوع مركبا من جنس وفصل» وذلك حين يحلل 
«الجنس» إلى أنَّه: كلي تنضاف إليه فصول ذاتية فتحدث منه الأنواع التي تندرج 
تحت هذا الجنس العام» بحيث تتشارك الأنواع فيما بينها بمعنى» هو جنس» كما 
تتخالف -في ذات الوقت- في معنى الجنس» بمعنى آخر هو الفصلء والنوع 
بهذا المفهوم لا محالة مركب من جنس عام مشترك وفصل ذاتي غير مشترك. 
)١(‏ د. الأهواني: مُقَدّمة كتاب أحوال النَّفْس ص5 ". 

(۲) المعتبر في الحمة: ج ۲ ص 17/7 7. 
(۳) الرازي: المطالب العالية: الكتاب السابع: لوحة رقم 41 (مصورات معهد المخطوطات 
العربية القاهرة). 


www.alimamaltayeb.com 


4 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


(ب) ووجه يكون النوع فيه معنى بسيطا وهو الذي: يقال على غير 
مختلفين بالحقائق الذّاتية في جواب ما هو" ومفهوم النوع بهذا الاعتبار 
لا نراعي فيه معنى المشاركة مع آخرين في جنس عام» بل لا نلاحظ فيه 
إلا الكلّية التي تقال على هذه الكثرة المتفقة الحقائق» والنوع بهذا المعنى 
لا يتركب من جنس وفصل» ولا يحتاج في تحقيق نوعيته هذه إلى كثرة 
وجودية فعلية يقال عليها بالفعل أيضًاء بل يكفي في تحقق هذه النوعيّة 
ولقد نتوهم لهذا الفرد أمثالا وأندادا ذهنيّة ننسبها إلى هذا المفهوم الكُلّي 
للنوع والمثال المعروف لهذا الفرد النوعي هو «الشمس» تلك التي لا نجد 
اا ورای دا راا ا 

وإذّا فكل ماهية بسيطة غير مركبة لا يقال عليها الجنس» ذلك أن 
بساطتها مانعتها من أن تتشارك مع أمور أخرى في معنى ذاتي حتى تكون 
اک عدت ی كلك لوليا راا اتال س اوسا 
عوحسيما يز ابد ما وا اموق ر هراو حابم الو رالات 
فكيف تكون متماثلة الحقائق في نوع ومتخالفة الحقائق في أفراد!! 

وهكذا لا يرتضي أبو البَرّكّات تماثل النفوس في نوعهاء بل هي عنده 
-رغم كثرتها وتعددها- جواهر متخالفة بحقائقها وذواتها وأحوالها ولا 
اشتراك بينها في معنى ماء بحال ما من الأحوالء ودليل فيلسوفنا هنا: هو 
(۱) أبو البركات البغدادي: المعتبر في الحكمّة: ج ۲ ص 7/7. 
كاتس المصلى الان م ١٠‏ 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۵ 


منطق الوجود ومنطق الشعورء فواقع هذين المنطقين يحكم بأنواع مختلفة 
من النفوس والطبائع والأمزجة بحيث لا نكاد نعثر على نفسين تشابهتا فيما 
بينهما تشابها كاملاء وإلا فكيف انقسم الناس وتفرقت بهم السبل بين عالم 
وجاهل» وقوي وضعیف» وشريف وخسيس» وخيّر وشرير» وغضوب 
وخمول» وصبور وملول. فهذا الاختلاف لا محالة مرجعه إلى اختلاف 
في غرائز النفوس وهوياتها: «فتعلم من ذلك أن نفوس الناس مختلفة 
الجواهر والطبائع قبل اختلاف الأبدان وأشكالهاء وتختلف أحوال الأبدان 
لاختلاف حالات النفوس أكثرء وعلى الأكثر» وفي الأكثر وتختلف حالات 
النفوس: لاختلاف حالات الأبدان» أقل» وعلى الأقل»ء وفي الأقل.. وأقل 
ما في يدك من هذا التظر: أن وحدة النفوس بالنوع واتفاقها في الحقيقة 
والماهية لم تصح لك عليه حجة توجب عندك اعتقادا ولا ظتا غالبا»0". 
5 -ونكتفي بهذا الجانب النَّقِدِيّ في فلسفة أبي البَرَكَات تجاه 
موضوع التفس هذاء مرجئين منها أمورا قد تطرح نفسها على بساط البحث 
فيما يتعلق بمسائل أخرى في فصل تال. وقد لا نتفق مع أبي البرّكات في 
نظريته التي تفسر الإبصار بخروج نور من العين يلتقي بالنور الواقع على 
الأشياء فتحدث الرؤية أو الإبصارء لأن هذه النّظريّة ليست إلا تذبذبا بين 
النّطريّة الأفلاطونيّة وما يضطرب في نفسه من نقد النّظريّة الأرسطيّة والرغبة 
في هدمها وتحطيمها. ثم إن العلم الحديث قد حسم هذا الإشكال بما لا 
يدع مجالا لأدنى ريب في أن القول بالشعاع -أو النور- الخارج من العين 


)١(‏ المصدر السابق: ص7/5. 


www.alimamaltayeb.com 


٦ء‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


قد بات ضربا من اللغو والعبث» كما لا نتفق معه في (انبهاره) بمعطيات الوهم 
في مجال لا سبيل إلينا أبدا لأن نحكم فيه بمثل هذه المعطيات. وعندي أن فرقا 
واضحا بين أن تكون معطيات الوهم وأحكامه لا يخالجني أدني ريب في أنها 
ماثلة في ذهني ولا قبل لي بردها ولا بدفعهاء وبين : أن تكون هذه المعطيات و 
أنفسها- حقا لا ريب فيه. نعم نأخذ على أبي البركات في حديثه عن انقسام الصورة 
العقليّة في موضوع التَّمّس هذا التمسك الأعمى بقوَّة الوهم» فأية علاقة ضرورية 
حتمية بين كوني لا أستطيع أن أتصور موجودا بدون مقدار ولا قسمة فرضية وهميّة 
وبين أن يكون كل موجود -في واقع الأمر- لا مهرب له بالفعل من مقدار أو 
ف 

وأبو البركات وهو يخلط بين هذين الجانبين فإنه -فيما أري- يتجاوز حدود 
الحق بصورة أو بأخرى» فإذا كانت الأدلة المَشَائيّة التي تحيل الانقسام والمقدار 
والشكل بالنسبة للصورة العقليّة» متهافتة في نظره» فإن منطق الحق هنا يقضي بأن 
يطرح لنا البديل على أساس من هذا اليقين العقلي الذي حطمه. لا على ساس من 
خلجات الوهم وتصوراته تلك التي يسهل فيها الخداع والتضليل. إِلّه حين يقول 
قولته الآنفة: «لا يتأتى للمُتَصَوّر أن يرفع المقدار والقسمة عن شيء مما يتصوّره 
ذهن» فهل يبقى -بعد ذلك- على حدود نقف عندها لنقول: إن هاهنا مجالا 
يتعالى على المقدار والشكل والهيئة والقسمة الفرضية!! ثم هل قدم بين يد 
أوهامه هذه حجة أو دليلا مما يعتمد عليه ويعثل نه!! 

وإذا كنا نختلف معه في هذه النقطة لأنها قد تمس -من قريب أو بعيد- 


حقاكة ثق مصونة الذَّات عن أوهام أ بي البَرَكّاتء فإننا نقدر له قدره حين رفض 


www.alimamaltayeb.com 


اخم الطب ۷ 
نظريّة القوى النَفْسيّة الحسيّة في فلسفة أَرِسْطُو وابن سينا رفضا على أساس 
من من القد الهج الجات هتو النظرية الأرسظةة الى سيطرك على 
دوائر الفكر البشرى حتى مطلع هذا القرن» قد تجاوزتها أبحاث علم 
القن الحديت حن انيت إلى ريف ما تكن في عل الس القديم 
بملكات نفسيّة خاصة تصدر عنها أفعال نفسيّة خاصة كذلك. ومن هنا 
نستطيع أن نزعم أن محاولة أبي البرّكات» تلك التي التقينا بها في دحض 
رة القوى النفسيّة»:هى محاولة قريدة سبقت أوانها بمراحل متطاولة. 
وأمر غير أن يعتقد جمهرة الباحثين في علم التَّفْس القديم أن النَّظريّة 
الأرسطيّة هذه قد سيطرت سيطرة كاملة على الفكر الفلسفى فى مدر ستيه: 
الإسلاميّة والمسيحية في العصور الوسطىء دون أن تبدو من أي منهم أية 
إشارة إلى هذا النقد العنيف الذي واجه التّظريّة الأرسطيّة في فلسفة أبي 
الكات واسقطها من الأعتار تماما حن قرر أنه لا مخوسطات بين الغن 
وبين آلاتها”". ولعل أبا الركات بمحاولته هذه يعتبر رائدا في هذا المجال. 


)١(‏ الأهواني: مُقَدّمة كتاب التقس لأرسطو: ص77» وإبراهيم مدكور: في الفلسفة الإسلاميّة 
منهج وتطبيقه: ص 181. 

(۲) انظر على سبيل المثال: عثمان نجاتي: الإدراك الحِسّي عند ابن سينا: ص۳۹ »5٠‏ 
والأهواني في مقدمته لكتاب أرسطو في النَمُس ص77 وعبد الكريم العثمان: الدراسات 
التَفْسيّة عند المسلمين والغزالي بوجه خاص: ص 770. 


www.alimamaltayeb.com 


www.alimamaltayeb.com 


الفصل الثاني 
الميتافيزيقا: الوجود العام والوجود الإلهي 


-١‏ مدخل. 
- تقسيم العلوم بين المّشائين وأبي البَرَكَات. 


+ اة اللات وا فط اب ای انر کات ها 


- الؤجود (بداهته وأصالته أو اعتباريته) بين المَشَّائين وأبي البرگات. 
- الوجود (الوجود الواجب والممكن). 

5- الصّفات بين ابن سينا وأبي البَرَكَات. 

۷- مشكلة العلم الإلهي (نظريّة أرشطو). 

۸- مشكلة العلم الإلهي (نظريّة ابن سينا). 

9- مشكلة العلم الإلهي وموقف أبي البركات من النظريتين السالفتين. 


-٠‏ مشكلة علم الله بالجزئيات وموقف أبي البَرَكَات منها. 


www.alimamaltayeb.com 


www.alimamaltayeb.com 


١-إذا‏ كان قد أمكن لأبي البَرَكّات فيما مضى من المباحث الطبيعية 
والتّفْسيّة أن ينفذ بنقده إلى لب هذه المباحث وصميمهاء فإنه هنا -فيما 
نرى- يكفكف كثيرا من غلواء هذا النقد وشططه والإسراف فيه» بحيث 
تبدو محاولته هاهنا أقرب إلى التعديل والتحوير منها إلى الهدم والتقويض» 
ولعل ذلك راجع إلى إحساس فيلسوفنا بأن المجال هاهنا قد يتعسر فيه 
الاعتماد على تجربة أو على شعور نفسي» وهذان هما كل ما في جعبته من 
آيات الحق ودلائل اليقين. وبعبارة أخرى: لعل فيلسوفنا يضع نصب عينيه 
نه هاهنا قد فارق عالم الطبيعة وعالم التَّمْس إلى عالم آخر قد لا نملك 
حياله رؤية مباشرة تنفذ إلى أعماق ذاته كما هو الحال -مثلا- في حقائق 
الطبيعة وحقائق النَّمْسء ومن نَّمّ كان الاعتماد على المحصلات الأخيرة 
التي وصل إليها أبو البركات في هذين المجالين يجيء باعتباره أمرًا هاديا 
له في رفض ما يرفض أو اختيار ما يختار» ولعل هذا هو ما يفسر لنا ظاهرة 
التوافق بين أبي البَرَكّات وبين المَشائين في جوانب كثيرة في هذا المجال 
من مجالات الفكر الفلسفي» وأعني به الجانب الميتافيزيقي أو العلم 
الإلهي. وهو أمر قد يكون غريبا بالقياس إلى ما قدمناه له من محاولات 
الهدم التي كاد يقوض بها كل البنايات الفلسفيّة في الفكر المَشَّائِي سواء 
في ميدان الطبيعة أو في ميدان التفس. 

ولكن بالرغم من ذلك كله فقد كانت له هنا -أيضًا- وقفات لا يمكن 
للباحث أن يتجاهلها أبداء وهي وإن تكن ذات طابع نقدي هادئ أحيانا 


www.alimamaltayeb.com 


۲ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 
فإنها -فيما أرى- كافية في أن تصنف فيلسوفنا بعيدا عن الفكر المَسائي» 
وعلى خط فلسفي جديد قد لا يلتقي مع الفلسفة المَشَّائيّة في أمهات بعض 
المسائل الميتافيزيقية من قريب أو بعيد. 

-وأولى هذه اللفتات التَقَدِيّة في المجال الميتافيزيقي هي نظرته 
إلى طبيعة العلم الميتافيزيقي ومكانته بين سائر العلوم الأخرى. ولقد 
نعلم أن نظرة أَرِسْطُو في هذا الموضوع -وكما سلف الحديث عنها في 
بداية فصل الحَرَكة- هي قسمة العلوم إلى التّظريّة والعملية» ثم قسمة كل 
من هذين القسمين إلى علوم فرعيّة أخرى. فالعلم التظري يطوى تحته: 
العلوم الفلسفيّة الثلاثة التي هي: الطبيعيات والرياضيات والإلهياتء أ 
العلم العملي فيتفرع بدوره إلى فروع أخرى هي: السياسة» وتدبير المنزل» 
والأخلاق. كما نعلم أيضًا أن ابن سينا يحذو حذو أستاذه أَرِسْطُو في هذا 
التقسيم ويتتبع مواضع أقدامه موضعًا موضعًا. 

لکن أبا التركات قد يختاف -قليلا أو كثيرا- في نظرته إلى هذه العلوم 
وتقسيمها وعلاقاتها ببعضهاء ولعل أول مواطن هذا الاختلاف هو الأساس 
الذي ينبني عليه هذا التقسيم في فلسفة المَشّائين وفلسفة أبي البركَات فأَرِسْطُو 
-وأتباعه- ينطلق في تقسيمه هذا من موضوعات العلوم» فالعلوم تتمايز 
وتتخالف بحسب تمايز الموضوع الذي تتعلق به هذه العلوم أو تتناوله بالبحث 
والتفصيل» ومن نَم وجدنا مورد القسمة -أو مناط الاختلاف- في الفلسفة 
الأرسطيّة هو الشيء المبحوث عنه» ثم مدى تعلقه بالمادة أو تجرده عنهاء ومن 
تحديد هذا الشيء وصلته بالمادة نشأت فروق وحدود ترتبت عليها أنماط 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د / أحمد | 4 لطيب فك 


مختلفات من العلوم والمعارف تتمايز فيها المبادئ والمسائل والموضوعات 
تمايزا لا تختلط فيه هذه الأمور ولا تنداحر. 

أمّا أبو البركات فمنطلقه في هذا كله هو معنى «الوجود» في هذه 
العلوم» أو بعبارة أخرى: الأنماط الوجودية التي تنتمي إليها العلوم 
وتتحقق بهاء ثم ما يترتب على هذه الأنماط من إدراكات ومعارف تتغاير 
فيما بينها وتتخالف. وفكرة أبي البَرَكَات هنا تعتمد على أن العلم والمعرفة 
والإدراك صفات إضافية للعالم والعارف والمدرك إلى المعلوم والمدرك 
والمعروف» لكن ثمة فرقٌ بين معرفتي أو إدراكي لموجود ما من موجودات 
الأعيان» وبين معرفتي أو إدراكي له مع صفات وأحوال تتعلق به» ذلك أننا 
في المقام الأول ندرك ونعلم وجود الشيء أو الأشياء» والمعرفة هنا هي 
الصّفة الإضافية بين هذه الموجودات وبين الأذهان التي تدرك وتعلم 
أمّا في المقام الثاني فإننا نعلم وندرك صفات ذهنيّة إضافية تتعلق بهذه 
الموجودات» كالمجاورة والمماسة -مثلا- بل ومثل هذه المعرفة الأولى 
التي سبق لنا أن حصلناها ونحن تجاه هذا الموجود العيني» ثم يضيف أبو 
البرّكات علما ثالثا إلى علمي موجودات الأعيان» وصور الأذهان» يسميه 
علم الآلفاظ والكتابات» وذلك ضرورة أننا نعبر عن هذين العلمين السالفين 
بالألفاظ» وعن الألفاظ بالكتابات. وترتيب هذه العلوم -حسبما يرى أبو 
البرّكات- من حيث الأولوية في معنى العلم والمعرفة هو كالآتي: علم 
الأعيان الوجودية ثم علم الصّوّر الذهنيّةء ثم علم الألفاظ والكتابات. ذلك 


)١(‏ انظر: فقرة رقم ١‏ من الفصل الأول من الباب الثاني من هذا المبحث. 


www.alimamaltayeb.com 


4 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


أن العلم بموجودات الأعيان علم أولي» فهو أولي بمعنى العلم وبمعنى 
المعرفة من العلمين الآخرين ويليه في هذه المرتبة ة علم الصّوّر الإضافية 
الذهنيّة» لأن هذه الصّوّر وإن لم تكن موجودات أولية» إلا أنها صفات لهذه 
الموجودات الأولية» وهي صفات موجودة في الأذهان وفي النفوس» وإذا ما 
كانت الأذهان والنفوس أعيانا وجودية فيلزم ضرورة أن تكون هذه الصفات 
الموجودة فيها موجودة أيضًا لأن الموجود في الموجود موجود. وإن كان 
وجودها حالتئذ وجودا تابعا أو عارضا للموجود الأول الذي هو وجود الذوات 
العينيّة» ونسبة العلم بهذه الصّوّر إلى العلم بالموجود العيني نسبة الأعراض إلى 
الجواهر أو اللواحق المعلولة إلى العللء أمّا العلوم اللفظية فتجيء ثالثة في هذا 
الترتيب لأنها من لواحق العلوم الذهنية أو من لوازمها وعوارضها. يقول أبو 
البَرَكات: «فالعلم يقال قولا حقيقيا أوليا: على العلم بالأعيان الؤجودية» ومن 
أجلها. وثانيا: على العلم بالصور الذهنيّة العلميّة» والعلم بالألفاظ والكتابات 
يبعد عنهما في المعنى كثيراء فإذا كان العلم الأول هو العلم بالموجود. والعلم 
بالشيء علم بصفاته ولواحقه ويكون من جهة العلم بأسبابه ومباديه» فالعلم 
بالموجو د كذلك اشا" 

ولكن هل «الموجود» في نظريّة أبي البركات هذه» هو الموجود 
الحسي أو «الموجود اللاحسي»؟ وبعبارة أخرى: هل العلم بالموجود 
الواجب الوجود» والعلم بالموجود الممكن يندرجان تحت معنى العلم 
بالموجود. أو أن العلم بالموجود الواجب ينتمي إلى لون آخر من ألوان 


)١(‏ المعتبر في الحكمّة: ج ۳ ص" (الإلهيات). 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۵ 


العلوم؟ الواقع أن الموجود -في نظريّة أبي البَرَككات- أعم من أن يكون 
موجودا محسوسا أو موجودا غير محسوس» بمعنى أن الموجود الذي نريد 
معرفته أو العلم به قد يكون جما محسوسا وقد يكون ذاتا غير جِسْميّة ولا 
محسوسة» وسواء أكان هذا الموجود إنسانا أم حيوانا أم نباتا أم أحوالا 
وإضافات تتعلق بها. أم كان أمرًا آخر فوق الجسم أو الحس» فهو على كلا 
الحالين موجود. والعلم به علم بالموجود. ومعنى هذا أن العلم الإلهي 
-أو الميتافيزيقا- إذا كانت تعني بالموجودات اللامادية فهي إِذَا -فيما 
يرى أبو البرّكات- فرع العلم بالموجود لا فرع علم نظري كما ذهب 
إلى ذلك المَشَّاءونء بل إن كل العلوم الفلسفيّة التي صنفها المَشَّاءون 
تحت العلم التظري هي عند أبي البَرَكَات من العلم بالموجود» أعني 
القسم الأول من أقسام العلوم عنده» وذلك في مقابل القسم الثاني من 
العلوم الذي هو: علم الصّوّر الذهنيّة. 

و إذا فتقسيم العلوم عند أبي البَرَكَات أمر مختلف تماما عن تقسيمها 
عند أَرِسْطُو وابن سينا والمَشائين عامة» فإذا كانت العلوم عند هؤلاء علوما 
نظريّة وعملية» فالعلوم عند فيلسوفنا: علم الموجودات» وعلم الصّوّر 
الذهنيّة» وعلم الألفاظ. وإذا كانت الميتافيزيقا أو العلم الإلهي أو العلم 
الكَلّي فرعا من العلم التُظري عند المَسائين فهي فيما يرى أبو البرگات فرع 
من العلم بالموجود العيني. ثم إن العلم بالصور الذهنيّة -أو الموجودات 
الذهنيّة- وهو القسم الثاني في نظريّة أبي البركات ما كنا لنجده في النّظريّة 


4 


المَشاتيّة أو نلمح له ظلا باعتباره علما مستقلا يقابل العلم بالموجودات 


www.alimamaltayeb.com 


ع موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


المتحققة في عالم الأعيان» بل ولا القسم الثالث الذي يسميه أبو البرّكات: 
علم الألفاظ والكتابات ويلحقه بعلم الصّوّر الذهنيّة الإضافية”". 

وأكبر الظن أن هذا الاختلاف في النظرة إلى العلوم وتقاسيمها راجع 
فى أشناسه إلى الاخدالاف فى طبيغة الصوّر الذهةة أو الأمون العامة الك 
التي يتصورها الذهن ويعلمها علما يتجاوز فيه الواقع العيني للأشياء 
ويتخطاه» وهو اختلاف يرجع به بعض الباحثين إلى فرفوريوس في قوله 
عن هذه الكَلَّيّات في إيساغوجي: «لن أبحث مطلقا عما إذا كان للأجناس 
والأنواع وجود في الخارج أو هي مجرد تصورات في الذهن؟ وإن كانت 


03 


موجودة في الخارج فهل هي حِسْميّة أو لا جِسْميّة» وإن كانت لا جسمية 
فهل هي مفارقة للمحسوسات أو لا وجود لها إلا فيها؟ هذا بحث دقيق 
ويقتضي مناقشة طويلة لا يتسع لها موضوعنا»©. 

وفرفوريوس بنصه هذا إنما يلخص الخلاف القديم بين أفلاطون 
أَرِسْطُو في وجود المثل في الواقع أو في التّصَوّر. أمّا ابن اسينا فإنا نجد 
عنده موقفا يجمع بين الموقف الأفلاطوني والموقف الأرسطي في هذه 
المشكلة» وذلك في نظريته في الوجود الثلاثي للكليات» تلك التي ترى أن 
للمعاني وجودات ثلاثة: 

)١(‏ فهي ذات وجود حقيقي مستقل» بمعنى أنها -في أنفسها- لها 
.Pines: Abul - Barakat’s poetics and Metaphysics. 2. 136 )١(‏ 
(۲) إبراهيم مدكور: مُقَدّمة كتاب الشفاء لابن سينا «مدخل المنطق» ص (1۳)ء المطبعة 

الأميرية القاهرة 965١م.‏ 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۷ 


وجود واقعي متميز» وموطن هذا النوع من الوجود هو العقل المَعّال وهو 
وجود أزلي مساوق لأرَِيّةَ هذا العقل وما يزخر به من صور الأجناس 
والأنواع» وابن سينا يطلق على هذا الوجود: ١الوجود‏ الطَيعِي) أو «الوجود 
الذي ما قبل الكثرة». 

(7) ثم هي ذات وجود يتخلل الكثرة أو الأعيان الخارجية» لأن هذه 
الكثرة تغدو حالتئذ أفراد هذه المعاني الكَلية أو ما صدقاتهاء وهذا الؤجود 
وجود عقلي محض. لأن العقل هو الذي يستخلص من هذه الكثرة قدرا 
مشتركا بين هذه الأفراد والماصدقات» ومن نَمَّ يطلق ابن سينا على هذا 
النحو من الوجود: «الوجود العقلي» أو «الوجود الذي هو في الكثرة». 

( أما المرتبة الثالثة في مراتب وجود المعاني فهي المرتبة الذهنيّة 
وذلك حين يصير المعنى الكلّي المنتزع من الكثرة أمرّا ذا خصائص تقال 
على كثيرين مختلفين» وهذا الموجود يسميه ابن سينا: «الوجود المنطقي» 
أو «الوجود بعد الكشثرة). 

وإذّا فالكلَيّات أو المعاني لها: وجود طبيعي أو وجود قبل الكثرة» ولها 
وجود عقلي أو وجود موضوعي في الكثرة» ثم لها أخيرا وجود منطقي أو 
-إن شئت-: وجود ذهني تصوري في الكثرة. 

ولم تكن هذه النزعة التوفيقية التي نزعها ابن سينا هنا وهو بصدد 
الوضع الوجودي -أو الأنطولوجي- للكليات هي أول محاولة للتوفيق 
بين الفلسفة الأفلاطونيّة والفلسفة الأرسطيّة» بل لقد سبق إلى تلك 


)١(‏ ابن سينا: الشفاء: المنطق (المدخل) ص 55-56 (ط القاهرة). 


www.alimamaltayeb.com 


۸ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 
المحاولة يحيى بن عدي (74"اه). ويرجح بعض الباحثين أن ابن سينا في 
هذه المشكلة يتتبع خطى أستاذه الفارابي حين قرر هذا الأخير أن للكليات 
وجودا في ذاتها من حيث إنها قائمة باقية» والأشخاص ذاهبة مضمحلة 
وأن لها وجودا ثانويا في الأشخاص» ثم لها وجود ذهني بعد أن تصبح 
معقولات تجرد من الأفراد وتستخلص منها(". 

ويهمنا هنا في نظريّة ابن سينا ذلك الوجود الواقعي الحقيقي الذي 
يضفيه على الكَلَيّات وهي في عالم العقل المَعّال» وقبل أن نلحظها أو 
نعتبرها في الكثرة أو الأعيان» ثم ذلك النحو الثالث من أنحاء الوجود 
وأعني به الوجود الذهني للكليات» وبهذين الوجودين: الواقعي والذهني 
استطاع ابن سينا أن يجمع بين المذهب الواقعي والمذهب التَّصَوّري في 
مشكلة وجود الكَلَيّات. وما ثار حولها من خلاف ونزاع انقسمت حولها 
مدارس الفكر الفلسفي إلى مدرسة الواقعيين والاسميين والتَصَوّريين. 

أمّا أبو البرّكات فإن موقفه من الوضع الأنطولوجي -أو الوجودي- 
لوقه الك ااه و إن کان غامها إلى حدما انه لأريكفى على الاعت أن 
يستخلص من لفتاته هنا وهناك» أن مثل هذه الكَلَيّات لا وجود لها إلا في 
الهن» أو إن شئت: لا وجود لها إلا في النَّمْسء فليس هناك وجود واقعي 
خارجي لهذه الكَلَيّات بحال من الأحوال» ليس هاهنا إلا جزئيات في واقعها 
الخارجي» تقابلها كليات في العالم الذهني أو عالم التَّمْسء ولا واسطة بين 
هذين العالمين أو هذين الوجودين» وهنا يصطدم أبو البرّكات مع ابن سينا 


. ٦٦ص إبراهيم مدكورك المصدر السابق‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۴۹ 


اصطداما صريحاء لأنه لا يفسح في نظريته مكانا لوجود الكَلَيّات وجودا 
واقعيا خارجيا في العقل المَعَّال أو العقل المفارق فليس عند أبي البركات 
عقل منفصل عن النَفْسء بل ليس هناك إلا الَفس وعلومها وتصوراتهاء 
وهي هي بذاتها مدركة للمحسوسات ومدركة للمعقولات في نفس 
الوقت -كما سلف ذلك في نظريته عن التَّمُس- إِذَا فليس لهذه الصّوّر 
المعقولة وجود خارجي في الواقع العيني للأشياء» ومن ثَمَّ كان العلم 
بها أمرًّا آخر غير العلم بموجودات الواقع الخارجيء ومن نَمَّ أيضًا 
كان هناك علمان: علم بالموجودات الخارجية» وعلم بالصور الذهنية 
وهما علمان متقابلان ومتمايزان تماما. 

وإذَّا فتقسيم أَرِسْطُو للعلوم إلى طبيعي ورياضي وإلهي ليس مما يقوم 
على أساس دقيق -فيما يرى أبو البركات- بل إن هذه العلوم كلها يمكن 
أن تكون علما واحدا نسميه: العلم بالموجود» وليس هناك ما يدعو إلى 
أن يصبح العلم الإلهي علما مستقلا بذاته منفردا عن العلم الطبيعي أو 
الرياضي» بل الذي ينبغي أن نلتمس له تمايزا واختلافا إنما هو العلم بالصور 
الذهنيّة في مقابل العلم بالموجودات العينيّة» وهنا يقول أبو البَرَكَات معقبا 
على التقسيم الأرسططاليسي للعلوم إلى النّظريّة والعملية: «هذا خلاصة ما 
أراده أَرِسُْطُو بحسب كلامه في هذا العلم (الإلهي)» حيث أفرده عن غيره 
من العلوم» وجعله بما اشتمل عليه علما مفرداء وإلا فعلم الموجودات 
بأسرها طبيعيها وإلاهيها واحد. والرياضي إذا نظر في المقادير والأشكال 
والأعداد فقد نظر في موجود أيضّاء وإن أريد التفصيل والتقسيم أمكن فيه 


www.alimamaltayeb.com 


37 موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


أن يخص كل قسم بمعنى جامع لمطالبه كيف شاء المصنفون» لست أعرف 
في ذلك ضرورة إلى ثلاثة علوم لا محالة لا أقل ولا أكثر» والذي فعله 
أرسطو في تقسيم العلوم مما تبع فيه القدماء جائز غير واجب»'. 

#عواكع هل لنا ان نعي الك كاف أو لكوي العامة أ الكو لسر 
مما يدخل في مجال الميتافيزيقا أو مما ينتمي إلى علم آخر؟ 

أمّا ابن سينا فهو صريح في الإجابة عن هذا التساؤل صراحة تامة» 
لأن الميتافيزيقا هي العلم بالموجود بما هو موجود» والعلم بالموجود بما 
هو موجود يقتضي العلم بأسبابه ومبادئه وعلله القصوىء فالعلم بالمبادئ 
وبالعلل هو علم ميتافيزيقي» لأن كل هذه إنما هي أمور عامة تلحق الموجود 
بما هو موجود» ومن نَم أطلق على الميتافيزيقا أنها: الفلسفة الأولى» لأن 
اا اا بيت إلى اك الأول الي الأ راا ا 
لأنها العلم اليقيني الذي لا يتطرق إليه باطل» بل هو العلم الذي تستمد منه 
سائر العلوم أسسها المنطقيّة اليقينيّة» كما أطلق عليها العلم الإلهي والعلم 
الكل ويعنينا من كل هذا أن البحث عن لكات إنما هو بحث في ضميم 
الميتافيزيقا من حيث إنها أمور عامة متعالية عن الانحصار في موجود 
بعينه أو شيء بذاته دون سائر الموجودات أو الأشياء الأخرى. ومن ثم 
وجدنا المباحث الميتافيز بشبة د ن» فيما تتضمن . البحث عن الو جود 
والؤّجود الإلهي» والمقولات» والوحدة والكثرة» والتقدم والتأخرء والقٌة 
والفعل» والعلة والمعلول» إلى آخر هذه المباحث التى تزخر بها كتب ما 


)١(‏ المعتبر في الحكمّة: ج ٣‏ صه. 


www.alimamaltayeb.com 


1 دالب ا 
بعك اظ عير تعفن أرشطو ار يكلف ان سا و اما كانت ال مات 
عند ابن سينا من أبحاث العلم الميتافيزيقي فمبرره في هذا أنها أمور عامة 
ولها تعلق بالموجود بما هو موجود» ثم هي ذات وجود حقيقي مستقل في 
عالم ما قبل الكثرة. 

ا أبو اليركات» وقد اسقط من ابه ابتذاء أن يكون للكليات أو 
اكور اللهئة وجرد غار أو ققق ع قد كان لمق الط 
هاهنا أن يستبعد بحث الصّوّر الذهنية الكليّة من العلم الميتافيزيقي تماما؟ 
لأنه حين يحدد العلم الأولى بأنه العلم بالموجود الخارجي» ثم يحدد 
الميتافيزيقا بانتسابها إلى هذا العلم الأولي» فليس بد من أن يستبعد العلم 
بالصور الَلَيّة التي لا توجد خارجاء من هذا العلم الأولي الذي أخص 
خصائصه -فيما يرى- أنَّه العلم بالموجود الخارجي. وإذًَا فليس بين 
الفيعافيويها وين الكانات ب رل م الا ا يرق 
أيضًا- إنما هي من قبيل العلم بالموجود الخارجي» والصور الك بست 
لها هذه الصّفة» فهي ليست موجودات خارجية» وبالتالي فهي لا تنتمي 
إلى العلم الذي تنتمي إليه الميتافيزيقاء ومن نَجّ كان العلم بالكلَيّات مقابلا 
للعلم بالموجود الخارجي الذي يعتبر الميتافيزيقا قسما من أقسامه. 

لكن أبا البرّكات لم ينص على هذا الذي يقتضيه منطق نظريته وتسلسل 
التتائج فيهاء بل تنكب هذا إلى ما يخالفه ويناقضه. ذلك أنه حين واجه 


(1)انه وقد تلخص ما بعك الطبيعة عن لا ۴ (تقيق عسات أمين )0 وان سيا الشفاءة 
الإلهيات ص١٠‏ - ٠١‏ (ط القاهرة). 


www.alimamaltayeb.com 


3 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 
مشكلة الكلَيّات هذه لم يجد بدا من أن يجري في أعقاب أَرِسْطُو وابن 
سينا من اعتبار الميتافيزيقا علما يبحث في هذه الأمور الكَليّة العامة» أو 
اعتبار هذه الأمور أحد المباحث الرئيسة في العلم الميتافيزيقي» بل وينص 
أبو البَرَكات على أن الميتافيزيقا تَسَمّى: العلم الكَلّىَ لأنها يبحث فيها 
عن الكُلَيّات» فهو يقول: «وبالجملة فكلامه (العلم الإلهي) في كل عام 
وشامل» وذلك هو الموجود بما هو موجود وأوصافه التي تقال عليه من 
حيث هو كذلك كالواجب الوجود والممكن الؤّجودء والعلّة والمعلول» 
والواحد والكثير... فمن أجله ومن أجل ما قلناه. أوَّلَا يعرف هذا العلم 
بالعلم الإلهي» ومن أجل ما اشتمل عليه نظره من الكَليّات يُسَمّى بالعلم 
الكلو ومن أجل اله ينظ فى غير المحسوسات من الموجودات تدك : 
علم ما بعد الطبيعة)”". إن هاهنا تضاربا لا يمكن تجاوزه أبداء كيف يشتمل 
العلم الإلهي الذي هو العلم بالموجود الخارجي -كما يحدده أبو البركات 
في تقسيمه للعلوم- على مباحث الكَلَيّات التي هي صور ذهنيّة محضة؟! 
وإذا كانت الكَلَيّات في هذا النّصّ من قبيل العلم بالموجود فكيف كانت 
في تقسيمه للعلوم من العلم بالصور الذهتيّة؟ ثم كيف تكون الصور 
الذهنيّة المحضة ذوات وجود متحقق في عالم الأعيان؟! وقد لا نبالغ 
لو قلنا: إن فيلسوفنا قد تأرجح بين نظريته الخالصة في الوجود والماهية» 
وبين النّظريّة المَشَّائيّة في هذا الصدد» وسوف يبقى هذا الخلط مسترسلا 
مع أبي البركات حتى وهو بصدد الحديث عن معنى الوجود وأصالته أو 


(17) المعمر قال ج ضا 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 1 
اعتباريته» وأن هذا قد أفقد نظريته اتساقها وتكاملهاء وقد كان عليه حين 
ألحق الكَليّات بالعلم الميتافيزيقي» الذي هو العلم بالموجود الخارجي» 
أن يضفي عليها شيئا من الوجود الخارجي العيني حتى يصحح به انتماءها 


إلى هذا العلم الوجوديء أو أن يبقي الكلّيّات بعيدة عن العلم الميتافيزيقي 
ولتكن كما وضعها ألا في علم مستقل هو علم الصّوّر الذهنيّة» وذلك في 
مقابل العلم بالأشياء المتحققة في الوجود الخارجي العيني. 

ولكن ما هي العلاقة بين الصّوّر الذهنيّة هذه والأشياء الموجودة في 
العالم الخارجي؟ وقبل أن نجيب عن هذا التساؤل المهم نقرر بديا أن حديث 
أبي البَرَكات هنا حديث مضطرب إلى حد ماء ومع ذلك فبإمكان الباحث 
أن يستخلص من وراء هذا الاضطراب إجابة على تساؤلنا هذا. فالصور 
الآ هيده حون كلا بمح أن ال احا من هذه الصُون ةة لايا 
أو لموجودات كثيرة في عالم الأعيان» وكما تكون الصورة الذهنيّة صفة 
لموجود عيني في العالم الخارجي فإنها تكون أيضًا صفة للشيء المُنصَوّر 
في الذَّهنْء ويلزم من ذلك -على حد تعبيره- «أن يكون المعنى صفة لمعنى 
ذهني» وذلك الآخر لآخر كما يكون المعنى صفة لمعنى وجودي»)2". 

ويرى أبو البرَكات أن الصورة الذهنيّة صورة؛ إذ وجودها في الذّهن 
مأخوذ أو منتزع من الأشياء الموجودة في الخارج» تماما كما ترى الصورة 
في المرآة» لأن النَّمّس في المقام الأول تعرف الموجود الخارجي من خلال 
صورته الذهنيّة» ثم تعرف في المقام الثاني هذه الصورة الذهنيّة» وينشأ عن 


7 المعمر قال ج لاضن 17 


www.alimamaltayeb.com 


33 موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
هذه المعرفة الثانية معرفة ثالثة وهكذاء يقول أبو البَرَكّات: «فتكون الصورة 
الذهنيّة صفات للأعيان الوجودية المماثلة والمحاكاة كما ترى في المرآة» 
ويكوة ها غات عض مو جا كراز العارف لار ته و رن 
الأوائل من الصّوّر الذهنيّة أمثلة للأعيان الؤجودية وصفات لهاء والثواني 
للأوائل كذلك أيضًا بالنسبة إليهاء والثوالث للثواني» والروابع للثوالث 
وهلم جرا بتضعيف معرفة المعرفة وعلم العلم)"". 

أمّا نسبة الصّوّر الذهنيّة للموجودات العينيّة فهي نسبة الواحد إلى 
الواحد كما يقول أبو البَرَكَاتء وهنا نلمح تناقضا ظاهرا في فكرته هذه 
فقد قرر منذ هنيهة أن كل صورة ذهنيّة هي صورة كلية» بل إن أو حكم من 
أحكام هذه الصّوّر هو أنها كلية» ثم حين فسر العلاقة بين الصّوّر الذهنية 
وموجودات الأعيان فسرها بعلاقة الواحد بالواحد. فهل ما وصف به 
الصّوّر الذهنيّة من معنى الكليّة ينسجم مع هذه العلاقة الفردية الجزئية؟! 
ثم إِلّه ما يكاد يبدأ في تحليل هذه العلاقة -التي فسرها بأنها علاقة الواحد 
بالواحد- حتى يرجع أدراجه إلى معنى «الكليّة» من جديد, الأمر الذي لا 
نشك معه في أنه متحير مضطرب بين المذهب الأسمى والمذهب الواقعي 
في مشكلة الكُليّات. يقول أبو البركات: «ونسبة الصّوّر الذهنيّة إلى ما في 
الأعيان تكون نسبة واحد إلى واحده فإذا كان لذلك الواحند المسوت 
إليه نظائر» نسبتها إلى الصورة الذهنيّة كنسبته» ونسبة الصّوّر الذهنيّة 
إليها كنسبتها إليه» قبل للصورة الذهنيّة بنسبتها إلى تلك الكثرة: «كلية)» 


(1) المصابو الا فس الح 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ٤۵‏ 


كالصورة الإنسانيّة بنسبتها إلى زيد وعمرو والصورة الحيوانيّة بنسبتها إلى 
الإنسان والفرس. وإن لم تكن في الوجود كثرة بل واحد كالشمس مثلا ثم 
كان غلك الضورة فى الذهن أمقال سب الى ]لبها كشمومن تخل في 
الأذهان» وتنتسب تلك الصورة إليها في الذّهن نسبة المماثلة ويقال عليها 
قول الهو هوء كانت أيضًا تلك الصورة بهذا الاعتبار كلية من جهة انتسابها 
إلى كثرة بالمعنى والمماثلة»'. 

ومهما يكن فالذي لا نكاد نشك فيه هو أن نظريّة أبي البركات تتأدى 
إلى كلية الصّوّر الذهنيّة وإلى أن وجودها وجود ذهني خالص. وهنا فيصل 
الفشرقة بينه وبين الْمَشَائِينَ كما سلف ما القول مذ قلبل فلسنا نجل عله 
فروقا وراب قصل مس العدقل فو مس الاحساسن بل وعفدةالإدزالة 
عند أب الكات 04 صوره وألوانه لا تسمح بأن يكون لهذه الصو 
وجود مفارق خارج الذّهن أو النَمْسء ثم إن إدراك هذه الور ليس أمرًا 
آخر مها مق إدراكات الس وتعتلانهاء كما هر الال عند الان 
مثلا”". بل إن أبا البرّكات ليكاد يصرح بون اه التَصَوّري في مشكلة 
الات وعلاقاتها بالجزئيات الخارجة» وذلك حين يقول: «والكلية 
والجزئية إنما هي اعتبارات عارضة في الذهن للصور الذهنيّة بنسبتها 
إلى الأعيان الوجودية» فهي للمحسوسات كما هي لغيرهاء فإن البياض 
راحو ارا والتريدةو ا فر لخو ردغو اا ا 
)١(‏ نفس المصدر السابق: ص7١‏ 
(؟) انظر: على سبيل المثال: ابن سينا: أحوال النفس ص٥٦‏ - .٦۷‏ 


www.alimamaltayeb.com 


1 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


إلى الكثيرين بحيث يقال على كل واحد منهم: إن هذا هو هذا. فيقال لكل 
واحد من القطن والكافور والثلج: إِنّهِ أبيض» كما يقال لكل واحد من زيد 
وعمرو: إِلّه إنسان عالم عاقل. والبياض محسوسء وكل من الإنسانية 
والعلم والعقل غير محسوس)"". 

#حوقد الف هذه البوغة ال راد قاس رقنا رظلها على اة 
مهمة من مشاكل الميتافيريقاء وأعني بها مشكلة الؤجود؛ وما يترتب عليها 
من اعتبارات وأبعاد ميتافيزيقيّة أيضَاء سواء فيما يتعلق بالؤجود الإلهي 
أو الؤجود الكوني» بيد أن قدرا كبيرا من التذبذب في الرأي والاتجاه 
قد أصاب فكرة فيلسوفنا في مشكلة الوجود هذه. الأمر الذي يصعب 
معه أن نجزم بأنه قائل بأصالة الوٌجود أو اعتباريته. وهو في هذا التردد 
والاضطراب ليس بدعا من أسلافه الفلاسفة في هذا المقام» فابن سينا 
لا يزال حديثه في هذه المشكلة نهبا لتأويلات وتفسيرات قد تصل إلى 
خد العتاقفن والعخالف فيما بين أنقسها: فايخ سينا قيما يرق ضصاحب 
المواقف صريح في أن الوجود عَرَّض طارئ على الماهيات وأنه 
-وأضرابه من الشيئية والحقيقة والتشخص- من المعقولات الثواني 
العارضة للمعقولات الأول» وهو فيما يرى الشيرازي -وتلاميذه 
وشراحه- قائل بأصالة الوجود وتحققه في الواقع العيني للأشياء. 

وبرغم هذا التضارب في تفسير نصوص ابن سينا في هذه المشكلة 
فإن عَرَضية الوجود في هذه النُصُوص أمر لا تكاد تخطثه العين» ولعل هذا 


()المعير فق اكا جا :+ 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۷ 


هو ما دفع صاحب المواقف إلى أن يقول: «صرح ابن سينا في الشَّفاء أن 
الوجود من المعقولات الثانية» فليس في الأعيان عين هو وجود أو شيء. 
إنما الموجود أو الشيء في الخارج جواد أو إنسان أو غيرهما من الحقائق» 
فهذه الماهيات موجودات عينيّة متأصلة في الوجود وأمًا الوجود والشيئية 
فلا تأصل لهما في الأعيان... والوؤجود في كونه من المعقولات الثانية 
كالحقيقِيّة والتشخص والذَّاتي والعَرّضيء فإن مفهومات هذه الألفاظ 
معقولات ثانية لا وجود لها في الخارج. ولا يذهب عليك أن هذا الكلام 
من ابن سينا تصريح بأن ليس للوجود هوية خارجية كما للماهيات» وإلا 
لكان متأصلا في الوجود لا معقو لا ثانيا»0". 

ولكن هل للوجود تعريف؟ 

أمّا ابن سينا فعنده أن الوجود من المعاني البسيطة التي ترتسم في 
التفس ارتساما أولياء بمعنى أن تصور الوجود عند التفس ليس مما يحتاج 
فيه إلى معان أخر دل على .هذا التْصَّرٌ نأو تي الت ذلك لأف الموشره 
أو الشيء أو الواحد أعرف الأشياء لدى التّفس» وليس لديها ما هو أعرف 
منه حتى يؤخذ حدا أو جزء حد في تعريف هذه المفاهيم» ومن تم فإن أية 
محاولة لتعريف الوجود تنتهي بنا حتما إلى الوقوع في الدور والاضطراب. 
يقول ابن سينا: «ولهذا ليس يمكن أن يبين شيء منها ببيان لا دور فيه ألبتة» 
ولذلك من حاول أن يقول فيها شيئا وقع في اضطراب كمن يقول: إن من 
)١(‏ الجرجاني والإيجي: شرح المواقف ج ص٤ ٠٥‏ وأيضًا: Cilson: Lee et L‏ 


essence Paris 144۸. P. 1۲۱ 


www.alimamaltayeb.com 


37 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 
حقيقة الموجود أن يكون فاعلا أو منفعلاء وهذا إن كان ولابد فمن أقسام 
الموجود)”". نعم لابد أن تقف سلسلة التّصَوّرات إلى حدود تعرف بذاتها 
وبأنفسهاء وإلا لذهب العلم في طلب العلل والمبادئ إلى مالا نهاية» 
فثمة أوليات في التّصَوّر لا تطلب بغيرهاء وإنَّما هي بدايات الفكر وأسسه 
الأولى التي ينحل إليها كل بناء فكري مهما تسلسل أو تدرج في سلم العلم 
والمعرفة. والؤجود هو أحد هذه التّصَوّرات الأولى التي تعرف بذاتها ولا 
تعرف بغيرهاء لأن غيرها إما أخفي منها معرفة وإما مساو لها في المعرفة» 
والشيء لا يعرف بالأخفى ولا بالمساوي معرفة أو جهالة» ثم إن أي تصور 
آخر يدخل وسطا في تعريف الوّجود لابد له من أن يفهم على أنه ذو وجود 
في المقام الأول ومن تم يتوقف التعريف على المعرف» أو يكون تعريفا 
للشيء بما لا يعرف إلا به» لأنني حين أفترض موجودا فإنني أفترض أن 
هاهنا وجودا فكيف أعرف الوجود بالوجود”".!! 

وأبو البركات قد يبدو مضطربا في هذا المقام سواء فيما يتعلق ببداهة 
الوجود أو بأصالته واعتباريته. 

وأول مواطن هذا الاضطراب تلك المقارنة التي يعقدها بين معنى 
الإدراك ومعنى الؤجود» وهي مقارنة حاول فيها محاولة عابرة أن يحد 
الوجود بقابلية الإدراك» أو الموجود بالقابل للإدراك» وفكرته هنا تتذبذب 
بين بداهة الوجود وبين تحديده وتعريفه. فأما فيما يتعلق بتعريف الوجود 
)١(‏ الشّفاءء الإلهيات: ج ١‏ ص "١‏ (ط القاهرة). 


(۲) صدر الدين الشيرازي: تعليقات على إلهيات الشفاء ص٤۲‏ (ط طهران). 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۹ 


فإن أبا البركات يرى أن إدراك الشيء أو معرفته بحاسة من الحواس معناه: 
وجود هذا الشيء. ولكن لا يعني هذا أن الموجود هو المدرك إذ كون 
الشيء موجودا ليس هو كونه مدركاء بل الموجود موجود -في ذاته- سواء 
أدركه مدرك أو لم يدركه» لكن الذي يلح عليه أبو البركات دائما هو أن 
الموجود لا تنفك عنه صفة القابلية للإدراك بحال من الأحوال» ومن أجل 
هذه الصّفة -فيما يرى- يقال للشيء: إِنَّه موجود «فتلك الحالة هي التي 
يسميها المسمون وجوداء ويقال للشيء لأجلها: إِنَّه موجود. وهو كونه 
بحيث27. يدرك» وهنا قد نعتقد - ولنا الحق في هذا الاعتقاد- أن «الوجود» 
عند أبي البرّكات ذو تعريف أو ذو حدء وبالتالي فالبساطة أو الأولية في هذا 
المفهوم لم تعد ذات موضوع. أفلا تستلزم المقارنة بين الإدراك والوجود 
القول بأن معنى الإدراك أشد بساطة وأولية من معنى الوؤجود؟ وإلا فهل 
يستقيم لي أن أدل على الوّجود بالإدراك إلا إذا كان ثاني المفهومين عندي 
أوضح من الأول وأعرف؟! بلى وينص أبو البرّكات على ذلك نصا فيقول: 
«وقد حد الموجود قوم فقالوا: إِنَّهِ الذي يفعل أو ينفعل أو كلاهما ومعرفة 
الفعل كمعرفة الوجود لا يصلح أن يعرف أحدهما بالآخر. فإن الشيء 
إا عرف با هر اعرف مه ولا شيء أعرف من الموجوة إلا المدرك 
والمعلوم» فإن بالإدراك والعلم حصلت معرفة الوجود والعلم به)”". وما 
يكاد يفرغ أبو البرّكات من رصد هذه العلاقة بين الإدراك والوجود حتى 


.7١ أبو البَرَكّات البغدادي: المعتبر في الحكمّة: ج ” ص‎ )١( 
.7١ص المصدر السابق:‎ )۲( 


www.alimamaltayeb.com 


3 موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


بع سر 2 


يعود إلى النقيض من هذا الذي أثبته أوّلاء فهنا تصبح العلاقة بين الإدراك 
والوجود ليست علاقة ضرورية» إذ يوجد فرق بين المدرك وبين الموجود. 
لأن الذهن حين يتأمل قليلا يعلم أن بعض المدركين قد يدرك شيئا ثم 
لا يستطيع البعض الآخر إدراكه» وعدم إدراك هذا البعض لا يقدح أبدا 
في وجود هذا الموجود «فيجوز أن يكون من الموجودات ما لا يدرك 
أو لا يدركه بعض المدركين فإن الإدراك ليس شرطا في الوجود» وإِنَّما 
الؤجود شرط في الإدراك... فلا يصح أن يحد الموجود بأنه المدرك 
ولا بأنه الذي يصح أن يدرك» وإن كانت المعرفة به حصلت بالإدراك» بل 
الوجود والموجود من الكلمات التي تدرك معانيها بأوائل المعارف من 
جهة الإدراك والمعرفة فلا يحتاج إلى حد يشرح الاسم)""'. 

أرأيت كيف انفصمت العلاقة هنا بين الإدراك والوجود بحيث لا 
يستقيم أبدا أن يعرف الوجود بالإدراك أو الموجود بالمدرك» وقد كان 
الإدراك منذ هنيهة هو علة التسميّة أو أصل الإطلاق في معنى الوّجود!! 
ثم أرأيت كيف عاد الوُجود هاهنا معنى أوليا بسيطًا متأبيًا بذاته عن الشرح 
والتعريف وهو هو الذي قال عنه أبو البركات منذ سطور قليلة: «فتلك 
الحالة هي التي يسميها المسمون وجودا ويقال للشيء من أجلها: إن 
موجود» وهو كونه بحيث يدرك»!! 

وأكبر الظن أن أبا البرّكات لو ذهب في نظريته التي تربط الإدراك 
بالوجود إلى نهاياتها المنطقيّة لكان قد أنتج لنا نظريّة مثالية يسبق بها تلك 


(1تقس المضيدر السابق الفح 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ٤۵۱‏ 


اا التي طالعنا بها «باركلي») ١7/85(‏ -117/57م) وهو في غمرة من 
غمرات تفلسفه» حين هتف مرة قائلا: «إن الوجود إدراك» ووجود الشيء 
قائم من إدراكه»"": ولكن تقيده بمنهجه في العودة بمشكلة الوجود إلى 
م البذاهة والشعون الس الذائى ريما كان ورا هذا الذى يبدو 
من تذبذب وتضارب بين تعريف الوجود بالإدراك أو التعالي به عن 
مستوى الحدود والتعاريف. 

ومهما يكن من أمر هذا التضارب فإن الذي يخلص إليه أبو البَرَكَاتَ 
في النهاية هو إبقاء معنى الوجود في دائرة البساطة والأولية بعيدا عن تلك 
النَصَوّرات التي لا تستكنه معانيها إلا بحد أو برسم» وهو وإن يبدو في هذا 
مقتفيا أثر ابن سينا إلا أنه في حقيقة الأمر إنما ينسج على منوال أفلاطون. 
ذلك الذي رفض في محاوره السوفسطائي أن يكون مفهوم الوجود مما 
يحد أو يشرح أو يعرف”» بل ولعله في البحث عن العلاقة بين الإدراك 
والوجود إنما كان يقفو آثر «بارمنيدس» في نظريته التي ترى: «أن الحقيقة 
الأولى هي أن «الوجود موجود)» ولا يمكن ألا يكون موجوداء أما 
اللاوجود فلا يدرك إذ إِنّه مستحيل لا يتحقق أبدا ولا يعبر غنه بالقول... 
والفكر قائم على الوجودء ولولا الوجود لما وجد الفكر»". 
)١(‏ يحيى هويدي: باركلي ص9" دار المعارف بمصر سنة .١115٠١‏ (رقم ١7‏ من سلسلة 

نوابغ الفكر الغربي). 
Pines: abul - Barakat’s Poetics and Metaphysica. P. 144 (Y)‏ 
(۳) يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية ص۰۲۸ ۲۹. 


www.alimamaltayeb.com 


£۵۲ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


وقعود آل بداعة ال جرد وارشاطهبالشتعور الذ اق لى الف لتر 
أن فيلسوفنا يقسم الأشياء إلى قسمين: قسم هو أخفى عند العقل وأبعد في 
مراتب المعرفة بالنسبة لإدراكاتنا وتصوراتنا وقسم هو أعرف عند العقل 
وأظهر لدى الذَّهنْء لكنه في ذات الوقت بعيد عن إدراكاتنا الحسيّة بمعنى 
أن العقل قد يتصورها تصورا ماء لكنها تمتنع من حيث جواهرها وماهياتها 
عن أن تكون هدركة إدراكا سيا لاق الشخص الهدرك» ويل ابو 
ال كات لهذا المت الاح م الا اء الا رة بال فان والرجوة 
«والوجود في ذلك أظهر من كل ظاهر وأخفى من كل خفي» بجهة وجهة. 
اما ظهوره فلأن كل من يشعر بذاته يشعر بوجوده» وکل من شعر بفعله 
شعر معه بذاته الفاعلة ووجودها ووجود ما يوجد عنها ويصدر من الفعل» 
فمن يشعر بذاته يشعر بالوجود» أعني وجود ذاته» لا يشك خواص الناس 
وعوامهم في ذلك ولا يخفى عن ضعيفي التصّور منهم» وكذلك الزمان 
يشعر به كل إنسانء بيومه وأمسه وغده وإن لم يعرف جوهر الرّمان وماهيته. 
وكذلك الوجود يشعرون بآنيته وإن لم يشعروا بماهيته”"". وربما يكون هذا 
)١(‏ أبو البرّكات: المعتبر في الجكمّة ج ٣‏ ص57 . ومما هو جدير بالاعتبار هنا أن الدكتور 
بينيس يجهد الجهد كله ليخرج أبا البركات من بؤرة التناقض التي وقع فيها وهو بصدد 
بساطة الوجود وتركيبه» ومحاولة بينيس تعتمد على أن أبا البركات في كل نصوصه التي 
تتحدث عن تعريف الموجود بالمدرك لا يستعمل لفظ «الوجود» أبداء بل هو دائما 
يعرف «الموجود» بالمدرك لا الوجود بالإدراك. ثم إن بساطة الوجود أو بداهته -وهو 
ما يحرص عليه أبو البَركَات- لا تستلزم أبدا ألا يكون الوجود شرطا للإدراك فأي تهافت 
منطقي في اعتبار الوجود معنى بسيطا أوليا مع اعتباره في ذات الوقت شرطا للإدراك؟! 
على أن هذه التُصُوص حين تتحدث عن الموجود فإنما تشير إلى الوجود الحِسّي أو - 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 10 


النصٌّ بالغ الأهميّة في التعرف على فلسفة أبي البَرَكّات فيما يتعلق بالوجود 
وبداهته» ومرتبة هذه البداهة بالنسبة للنفس وبداهة الشعور بها أيضًاء فهذا 
النضصّ صريح كل الصراحة -فيما نعتقد- في أن الشعور بالنفس متضم 
5 5 8 1 و Mit‏ 
ومقتض للشعور بوجود النفس» بل وللشعور بالوجود العام. وهذا الشعور 
الثالث -أعني الشعور بالوجود العام- يطرحه أبو البَرَكَات في بقِيّة لهذا 
النصّ السالف يقول فيها: «وكل ما يشعر به شاعر ويعلمه عالم فقد أدركه. 
وکل ما يدركه مدرك فهو موجود» وکل موجود إما أن يكون وجوده في 
الأعيان» وإما أن يكون وجوده فى الأذهان وإما أن يكون منهما والموجود 
فى الأذهان موجود فى الأعيان أيضًا من جهة أنه موجود فى موجود فى 
الأعيان؛ أعنى الأذهان التى هى موجودة فى الأعيان". وإذا فهاهنا شعور 
= المدرك بالحواس» بينما الوجود لكونه معنى بسيطا لا يتعلق بالإدراك الجسّي» بل هو 
تصور فطريء ينشأ من ذات النّفْس انبثاقا تلقائيا وإذًا فلا تناقض في هذا الذي طالعنا به 
أبو البَرَكَات من ربطه الوجود بالإدراك وإبقائه على أولية الوجود وبداهته. ولقد تتفق مع 
بينيس فيما ذهب إليه» ولكن بشرط أن نهمل إهمالا تاما قول أبي البركات عن الإدراك: 
«وتلك الحالة هي التي يسميها المسمون وجودا.. إلخ النّضّ). فهذه العبارة تقف حجر 
عثرة في محاولة بينيس بل وتطيح بها من الأساسء لأن الأمر هنا يتجاوز معنى اشتراط 
الوجود للإدراك إلى معنى الشرح والتعريف والتعليل في الإسم. ثم إذا قرر أبو البَرَكَاتَ 
أن الموجود هو المدرك أفلا يلزمه أن الوجود هو الإدراك وإذا ما وضعنا قوله: «فلا 
يصح أن يحد الموجود بالمدرك» ثم قفينا عليه بقوله: «فإن الشيء إنما يعرف بما هو 
أعرف منه» ولا شيء أعرف من الموجود إلا المدرك والمعلوم» فهل يمكن لباحث» 
مهما بالغ في تقدير أبي البَرّكات. أن يغض الطرف عن هذا التناقض الذي تأدى به إلى أن 
يثبت الرأي ونقيضه ولما يتجاوز بضعة أسطر؟! انظر بينيس في مقاله السالف. 
)١(‏ المعتبر في الحكمّة: ج ٣‏ ص 57. 


www.alimamaltayeb.com 


۵٤‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


ذاق بانس أو بالدات يلزمة شغرر بوجرد هذه الذات الشافرة في 
بالوجود على سبيل الإجمال. 

وك هل الو الس اوو جر اشر اه من فالغل الاش 
أو من خارجها؟ وبتعبير آخر: هل تشعر التفس بوجودها حين تتعامل مع 
قواها وأعضائهاء بمعنى أنها في هذه الحالة تعثر على ذاتها فتدركها وتدرك 
وجودهاء أو أن شعورها بذاتها حاصل دائما وإن افترضنا أنها في غيبة تامة 
عن الأعضاء وعن كل ما يصلها بالعلم الخارجي؟ وأبو البركات صريح 
في الإجابة عن هذا التساؤل كل الصراح» ولقد سبق له في علم النَمْس 
أن قرر أن معرفة الإنسان الأولى بنفسه معرفة لا تدخل ضمن الحدء وأن 
الاكتناه بها أشد» والمعرفة بها أقدم» وأن: «معرفة الإنسان بنفسه التي هي 
ذاته وهويته تتقدم على معرفة بكلّ ما يعرفه» فإنك لو فرضت إنسانا خلا 
بنفسه عن كل مرئي ومسموع ومدرك من المدركات لقد كان شعوره بنفسه 
له موجودا وعنده حاضرا»“. فشعور التفس بذاتها -إِذَا ليس مشتقا من 
شعورها بأفاعيلها في الجسم وبالتّالي من شعورها بالعالم الخارجي 
الحسي» بل وليس الحس وما يأتي عبره من علوم ومعارف هو العِلَّة 
الميعلةة لشعور الس اها رو جردا ذلك أن هذا العو عو رر 
أولي أو -كما يسميه أبو البرّكات- هو المعرفة الأولى التي لا تتقدم عليها 
أية معرفة أخرىء أو قل: هو المعرفة الأولى التي لا تكتسب مما سواها 
بحال من الأحوال. 


.7”١”ص‎ ۲ المعتبر في الحكمّة: ج‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۵ 


بالؤجود إنما ترجع إلى بداهة الشعور بالتَّفْس أو بالدَّاتء فالشعور بالذَّات 
کی غه ر رارت شعوى رار جروت كلها شر الا بان تعر 
بوجوده. ولا ينبغي أن يخدعنا تعبير أبي البرّكات «وكل من يشعر بفعله 
شعر معه بذاته الفاعلة ووجودها» فنحسب أن الأفعال الحسيّة هي مصدر 
معرفتنا بالتفس وبالوّجود. بل لفظة (معه) إنما تفيد معيّة ومصاحبة بين 
هذه الأفعال وانبثاق الشعور بالنس والوجود» والمعيّة لا تقتضي العلية 
أو السببية بين الفعل والشعورء وإلا تهاوت نظريّة أبي البركات في التفس 
والميتافيزيقا من الأساس. 

وَإذًافالمملة الأولى في فلسفة أبي ا ات هر الور الات 
وهذا الشعور يمدنا بمعطيات يقينيّة لا قبل لنا بدافعها أو التشكك في صدقها 
أو في يقينيتهاء وذلك مثل الشعور بالوّجود والشعور بالزّمان. ومعنى هذا 
أن النقطة الأولى من ميتافيزيقا 0 الكات ليست هي الو جود يما هو 
وجود. بل الشعور بالذَّاتء أو هنا يكاد يتحدد اتّجاه أبي البرگات بعيدا 
عن اتجاه ابن سينا والمَشَّائية فيما يتعلق بهذا الأمر» ذلك أنه بينما تنطلق 
المباحث الميتافيزيقيّة عند ابن سينا من نقطتين اثنتين هما: الوجود العام أو 
الوجود بما هو وجود. والأمر الذي يتعرى عن المادة تصورا وقواماء فإن 
الميتافيزيقا عند أبي البركات تنطلق من مسلمة أولى هي الشعور بالات 
ثم ينبئق عنه شعور بالوٌجود وبالرّمانء لأن الوؤجود حين يكون مبحثا من 
مباحث الميتافيزيقا عند فيلسوفنا فهو لا محالة مقتض لمسلمة «الأنا»» أو 


www.alimamaltayeb.com 


٦۵ء‏ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
الشعور بالدات» تلك التي تمده بمعنى البداهة أو الأولية”©. 

ولعلنا لا نبالغ لو قلنا: إن مفهوم الوجود في ميتافيزيقا أبي البركات 
مفهوم ينبض بالحياة أكثر من مفهومه في ميتافيزيقا ابن سيناء بل بداهة 
الوجود هنا أقوى من البداهة التي يكتسي بها الوجود في ميتافيزيقا الشيخ 
الرئيس» تلك التي ترى الوجود تصورا أوليا يسبق العلوم والمعارف 
الأولية» ولذلك قيل في بيان أولية الوّجود عند ابن سينا: «إن العلم بأن 
الأمر لا يخلو عن النفي والإثبات علم بديهي أوليء والتصديق مسبوق 
بالتَصَوّره فهدا العلم مسبوق بتصور الوّجود والعدم والسابق في التَصَوّر 
على الأوّليء أولى بأن يكون أولياء فتصور الوجود بديهي أوّلي)”". أما 
عند أبي البَرَّكَات فيكفي أن نرتد إلى ذاوتنا لنشعر بالوجود ونتعايش معه» 
وليمثل أمامنا حقيقة لا سبيل إلى الشك أو الارتياب فيها. 

أمّا العلاقة بين الوجود والماهية فإن مفهوم أبي البَرَكّات فيها يتوقف 
على مفهومه في الو جوك.. هل هو معنى ذهني أو أمر عيني خارجي؟ ! 
ورغم أن هذه العلاقة غامضة إلى حد بعيد سواء فيما يتعلق بابن سينا أو 
أبي البركات فإنه بوسع الباحث أن يعثر على فروق بين الموقفين. 

ما ابن سينا فالذي يبدو في فلسفته أن الوجود عَرَّض طارئ على 
الماهيات» لأن الوجود في الممكنات أمر زائد على الماهية» أو هو معنى 
يضاف إلى ماهية الممكن فتوجد» وفي هذا المعنى يقول ابن سينا: «فكل 
)١(‏ بينيس: المصدر السابق. 


(۲) صدر الدين الشيرازي: تعليقات على إلهيات الشّفاء ص٤۲‏ (ط طهران). 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۵۷ 


ذي ماهية معلول» وسائر الأشياء غير الواجب الوجود فلها ماهيات» وتلك 
الماهيات هي التي بأنفسها ممكنة الؤجود وإِنّما يعرض لها وجود من 
خارج)"'". وإذا كان الممكن -فيما یری ابن سينا زوجا تركيبياء فإن الذي 
له من ذاته» أعنى ماهيته» هو الإمكان أي تساوي الطرفين بينما الذي له من 
غيره هو الوجود. وهذا هو معنى التركيب في الممكن. وذلك في مقابلة 
معنى البساطة التي تكون فيها الماهية عين الوجود لا أمرًّا معروضا له. 
والذي يعنينا هنا هو أن الماهيات الممكنة قد تفهم في فكرة الشيخ 
الرئيس باعتبار أن لها تحققا (ما) في الخارج قبل أن ينضاف إليها 
الؤجودء وهذا أقل ما يمكن أن يفهم من النّصّ السالف. بل ونَّمّةَ أمر 
آخر يحرص عليه ابن 6 سينا وهو بصدد الحديث عن الماهيات الممكنة» 
وهو ما يسميه ابن سينا بالإمكان الاستعدادي» فهذا الإمكان يقوم 
بالمادة التي للممكن» وهو أي الإمكان متقدم على وجود هذا الممكن 
ل ا ا ل ل 
الإمكان إلى معنى الفعل. ولعل هذا هو ما لاحظه صاحب المواقف 
في نصه السالف» بل إن ابن رشد ليكاد يري نفس الرأي حين يقول: 
اولك أله این سا د أن الآنة رھ کر الشي عجوو کے 
زائد على الماهية خارج التفس وكأنه عَرَض فيها»”. 
)١(‏ الشفاء: الإلهيات: ج۲ ص57 ٠‏ (ط القاهرة). 
(؟) تهافت التهافت: القسم الثاني ص ٤۸١‏ (ط سليمان دنيا). 


www.alimamaltayeb.com 


£۵۸ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


أمّا أبو البركات فسياق نظرته قد لا يسمح بالقول بمثل هذه الماهيات 
لآن حديثه ينصب على الوجود باعتباره هو الأمر العيني المتحقق في 
الخارج» والماهيات تكاد تكون عنده صورا ذهنيّة» أمّا وجودها فوجود 
ذهني» ولا يذهبن بنا الظن إلى أن الوجود الذهني عند أبي البَرَكّات وجود 
زائف أو وجود اعتباري» فلقد مر بنا أن موجودات الأذهان كموجودات 
الأعيان لأنها موجودة في موجود» فالموجود عنده موجود بهذا الاعتبار. 
وإذا كانت الماغبات عند فيسو فا آقرب إلى أن تكون ضورا ذهبّة وكان 
وجودها أيضًا وجودا ذهنيا فماذا بقي في الواقع الخارجي؟ لا نكاد نتردد 
في أن الذي في الخارج هو الموجود فقطء أمّا الوجود فليس خارجياء بل 
ليس الوّجود إلا معنى عقليا موجودا في الهن وكذلك الأمر فيما يتعلق 
بالماهية فهي صورة ذهيّة أيضَاء و إِذًا فليس في الخارج شيء اسمه الوجود 
ولا شيء اسمه الماهية» بل الذي في الخارج شيء اسمه: الؤجود. نقول 
ذلك بالرغم من أن أبا البركات لا يعرب في صراحة عن هذا الاتجاه» وإِلّما 
يدع بعض التلميحات تشير إلى هذا الاتجاه من بين نصوص متناثرة هنا 
ها اا اه ١|‏ رف :فهو اف اب وا ولوق 

ه-وإذا كان الموجود في فلسفة أبي البَرَكات يصدق على موجود 
الأعيان وموجود الأذهان» فإن موجود الأعيان ينقسم بدوره قسمين: 

١-موجود‏ وجوده بذاته وعن ذاته. 


-ومو جود وجوده بغيره وعن غيره. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۵۹ 


والأول هو واجب الوجود. آمًا الثاني فهو ممكن الوجود بذاته» ويرى 
أبو البركات -متابعا ابن سينا والفارابي- أن الطّريق لإثبات واجب الوجود 
بالات ينبغي أن يبدأ من الممكن الوجود بالدّات» لأن الممكن الوؤجود 
بذاته معناه: أله موجود بالغير ومعنى الوّجود بالغير أنه وجد بعد وجود 
علته الموجدة بعدية بالذّات وإن لم تكن بعدية بالزّمانَء وهنا يفيد فيلسوفنا 
من الثنائية التقليدية بين الواجب والممكن ويفترض أن هذا الحكم -أعني 
وجود الممكن بعد غيره الذي هو الموجد والعلّة- منسحب على جملة 
الممكنات ومجموعها. ويلزم على هذا أن تكون كل الأشياء الممكنة 
الؤؤجود -على حد تعبيره- لا توجد إلا بعد غيرها كما يلزم أن يكون هذا 
الغير أمرّا خارجا عن هذه الجملة أو هذا المجموع» أعني لا يكون ممكن 
الوجود لآن الجملة المفترضة آنفا قد حصرت كل الممكنات الوجودية 
في إطارها فإذا وجد غير فلابد أن يكون غيرًا لهذه الجملة» والغير لا يكون 
نفس ما هو غير له. فلا يكون هذا الغير ممكنا بحال ما من الأحوال. كما 
لا يمكن أيضًا أن يكون هذا الغير ممتنع الوؤجود» لأن اللاموجود لا يكون 
موجودا فضلا عن أن يكون موجداء وإذا كانت العقول والأذهان إنما تحصر 
الموجودات ف الم آل جرد ا اع والسمكن ال رد الات 
والواجب الؤجود بالذّات» وكان هذا الغير المفروض خارجا عن جملة 
الموجوداك المبكة ر ی مما ر تت الحا اعرا لی 
بالات فقد بقي أن هذا الغير الخارج هو الواجب الوجود بالدّات'. 


(1) أبو البرّكات البغدادي: المعتبر في الحكمّة: ج۳ ص۲۳ انظر أيضًا: ابن سينا: الشفاء = 


www.alimamaltayeb.com 


1 موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


وأساس هذا الاستدلال فيما يرى أبو البرّكات مبني على امتناع تسلسل 
المعلولات وعللهاء أو الممكنات الموجودة عن غيرهاء إلى غير النهاية» 
فلابد من توقف هذه السلسلة إلى الموجود الواجب بذاته حتى يستقيم 
في التصور أن تكون له معلولات ثوان وثوالث وهلم جرا حتى نصل إلى 
المعلول الذي بدأنا منه الاستدلال. يقول أبو البرّكات «وهذا إنما اهتدى 
الحكماء القائلون بوجود اليل والمعلول معا في الرّمان حتى امتنع عندهم 
ذهاب ذلك في علة قبل علة للمعلول الموجود إلى غير نهاية» وهي بأسرها 
مع المعلول في الزَّمان الواحد معاء بل ويجب التناهي إلى ما يجب وجوده 
ألا حتى يوجد لا في الزَّمانء فمن هذه الجهة حقت المعرفة بعلة العلل 
وأول الأوائل)”©. وهذا الذي ذهب إليه فيلسوفنا هو الأساس المنطقي 
للاستدلال على وجود الواجب بذاته سواء جرى هذا الأساس في دليل 
العلل والمعلولات أو في دليل الممكن الوّجود بالات والواجب الوُجود 
بالذّاتء إذ الأمر لا يتعدى انحصار الممكنات أو المعلولات في جملة 
حص شيا ول ار ها للآنه لمن بعد اة الج التعوة الايد 
لسا الموجودات أو ال المغابرة لسائر العلا والمخلر لاف 

ولكن ألا يعترض بأن في هذا الدليل مغالطة نشأت من أن مفهوم 
الجملة في هذا الاستدلال قد ساوى مفهوم الواحد فيهاء بمعنى أن الجملة 
قد أعطيت حكم الأفراد أو حكم الواحد؟ وبعبارة أخرى, أن لفظ «كل 

= الإلهيات ج١‏ ص ٠‏ 5 (ط القاهرة). 


. 177” المعتبر في الحكمّة: ج۳ ص‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب اك 


ممكن الوجود» المعنى به الجملة» والمجموع إنما يراد به واحد واحد من 
هذه الجملة» فالانتقال بالحكم من الواحد إلى الجملة قفزة في الاستدلال 
لا تعتمد على أسس منطقِيّة» لأن حكم الواحد من حيث هو واحد لا 
ينسحب على الجملة من حيث هي جملةء إذ الجملة كثرة متناهية العددء 
أو لا متناهية العدة والواحد ليس كثرة» ولا يضدق عليه آله كثر ةت فكيف 
أخذت الجملة مكان واحد واحد في هذا الاستدلال؟ ومثل هذا الاعتراض 
زائف من أساسه عند أبي البركات» فلقد يسلم أبو البرّكات بن حكم الجملة 
من حيث هي جملة لا يلزم الواحد من حيث هو واحدء فلا نزاع في أن لكل 
منهما باعتبار هو هو حكما يخصه. لكن فيما يتعلق بالؤجود أو بالطبيعة 
فإن ماهية الواحد لا تختلف ألبتة عن ماهية الجملة» أفلا ترى الواحد من 
الماء كيف يأخذ مفهوم جملته فيقال لكل واحد منها: (إِنَّهِ ماء بارد رطب» 
موضعه الطَبيعِي الإحاطة بالأرض من خارج كرتها... والجملة من الماء 
كذلك لا تخالف في الطبع والحيز والعلية والمعلولية؟». فالآمر بالنسبة 
إلى الجملة الممكنة هو هو لا اختلاف فيه» وهي في الحكم قسيم كل واحد 
واحد من هذه الآحاد الممكنة التي تألفت منها هذه الجملة أو هذاالمجموع. 

ولكن ماذا يعني وجوب الوّجود في هذه النّظريّة؟ 

قول أب آل كاك وو قرلا لمل .هذا أنه موجود لبس هاه ر کیب 
صفة وموصوف أي موجود له وجود بل موجود ذاته هي الوجود» كاللون 
الأبيض» لا كالجسّم الأبيض فإن الجسم الأبيض إنما هو أبييض بلون هذا 


() أبو البَرَكَات البغدادي: المصدر السابق ج۳ ص٤‏ ۲. 


www.alimamaltayeb.com 


11 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


البياض» واللون الأبيض هو أبيض بذاته لا بلون» فذات اللون الموجودة 
هي البياض الموجود. واللون هو صفة ذهنيّة والبياض هو العين الموجودة 
البسيطة التي لا تركيب فيهاء إنما التركيب ذهني من جهة تكرار التصور في 
العموم والخصوص والمشابهة بين البياض والحمرة باللونية). ومعنى 
ذلك أن ك ا واو العو الا الك وال ا ا جه 
بالات أن وجوب الوُجود لا يتصور فيه الفصل بين ماهية ووجودء بل 
الذّات -في الواجب الوّجود- هي الوجود وهي موجودة بذاتهاء ومن نَم 
لا يمكن للعقل هنا أن يحلل وجوب الوجود إلى شيء ووجود. أو ماهية 
وتشخص» بل هاهنا وجود بحت أو آنية صرفة بل ليس ثمة إلا هوية بسيطة 
تعرضها بالاعتبار إضافات مختلفة «موسومة بأسماء متفاوتة باعتبارهاء 
مكل آله موجوة باعتبار ثرثب الآثار وباعتار آنه مشا ذلك التركب #وجود» 
كما أنَّهِ باعتبار أنه ممتاز عن الأغيار «متعين» وباعتبار أنَّه منشأ ذلك الامتياز 
«التعين»» وقس على ذلك سائر الصفات» (0) 

ولكن نلاحظ كما لاحظ بعض الباحثين" - أن أبا البركات يستعمل 
هنا لغة تشبه إلى حد كبير لغة القائلين بوحدة الوجود. فالمقارنة بين واجب 
الؤجود واللون الأبيض ثم بين الممكن الوجود والجِسْم الأبيض تتأدى في 
النهاية إلى أن البياض الذي كان عين الماهية في اللون الأبيض» هو عين 


(۲) ملا أولياء: تعليفات على إلهيات الشفاء ح۲ ص٠٠۳‏ (ط طهران). 
.Pines: Abul - Barakat’s Metaphysics p. 160 )9(‏ 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 1 


ذلك البياض الذي صار به الجسم الأبيض أبيض» فإذا كان البياض حقيقة 
واحدة فمعنى هذا أن الوجود الذي هو عين الموجود الواجب أو على حد 
تعبير أبي البرّكات: واجب الوجود هو الوجود الواجب إذا كان هناك عين 
الماهية» وهنا أمر يجعل الماهية ذات وجوهء فالوّجود. إِذَا -في المقامين 
هو أمر واحد لا اختلاف فيه» ويلزم عليه أن تكون الماهيات الممكنة 
موجودة بنفس هذا الوجود الواجب كما كان الجسم الأبيض أبيض بنفس 
البياض الذي هو ماهية اللون وذاته وحقيقته. 

ويتساءل أبو البرّكات عن الوجود الذي هو صفة كل الموجودات» 
سواء منها ما كان دائماء أو زائلاء هل هو الوجود البسيط الذي هو الوجود 
الواجب» أو هو الوجود الآخر أعني وجود الممكن؟ فإذا كان الوجود 
هو الوّجود البسيط فكيف يقال عن الوّجود الواجب الدائم: إِنَّهِ صفة 
للموجودات الدائمة والموجودات الزائلة في ذات الآن؟ وإذا كان الوجود 
هو الوجود الممكن فكيف أيضًا يطلق على الممكن معنى الوجود مع أن 
وجوت هذا الممقن مد رمات انين سيلول ها ال جد ال 
الاقم وهل مى هذا إلا أن الممكات المودودة لا يكن لها أن قن 
بالوجود أو تتصف به أبدا؟ 

ويحيب أبو اليركَات عر هذا التساول يأثة: الا موجود غل الحقيقة 
واا السصى | فووا الو جردا ی ود و ااا ما یره 
فمعنى وجوده هو علاقته بهذا الموجود» ونسبته إليه» ومعيته» وإضافته إلى 
هذا الأول فهذا نوع من التوحيد لا يعقل في شيء من الآحاد إلا في هذا 


www.alimamaltayeb.com 


£ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
الراحة الذى هر الود الأول والهد الأول ولا يفيف إلا لنى ولفقلة 
الوجود والموجود تقال عليهما باشتراك الاسم وبطريق النقل والتشبيه 
والتقديم والتأخير والاستعارة من الأول للثاني)”2. وأمر واضح من هذه 
الإجابة -فيما أرى- أن أبا البركات يجنح إلى اعتبار الوجود البسيط هو 
الؤجود الحقيقي وأن الوجودات الأخرى الممكنة إنما هي وجودات لا 
لأنها في أنفسها وجودات فعلية بل لأنها ذوات انتساب وتعلق ومعيّة إلى 
اا داو فاد اد إلى الدهن هن القول و ةا جرد 
إن هو إلا احتمال لا يقصده أبو البركات» فمثل هذه الثنائية في الؤجود 
صريحة في شجب مثل هذا الاحتمال. 

وإذا كان أبو البَرَكَات قد أطال الوقوف قليلا عند الوجود الواجب 
والوجود الممكن كدليل نصل به إلى واجب الوجود؛ فلأنه يرضى كثيرا 
عن هذا اللون من الاستدلال» وهو أحد المواقف الفلسفيّة التي يحمدها 
فيلسوفنا لكل من الفارابي وابن سينا في هذا المجال. فأما فيما يتعلق 
بالاستدلال من الحَرّكّة على المبدأ الأول وهو الاستدلال -الأرسطي 
المعروف بالمحرك الذي لا يتحرك» فإن أبا البركات لا يرضى عن وإنما 
يقف منه موقف النقدأ ذلك أن هذا الاستدلال الأرسطي إنما ينطلق من 
المحصلات التي أثبتتها -من قبل- الفلسفة الفيزيقية في مجال الحركة 
والزّمان”". وأهم هذه المحصلات التي يستند عليها دليل المحرك الذي لا 
)١(‏ المعتبر في الحكمّة: ج ٣‏ ص٤٦١٠‏ . 


(۲) انظر من هذا البحث: فقرة ٤‏ من فصل الحركة» وفقرة ‏ من فصل الرّمان. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 0۵ 


يتحرك هو معلوميّة الحَرَكة» وكون المحرك غير المتحرك وكون الحرّكة 
الدائريّة هي أصل الحركات وأقدمها وأدومها. 

وهنا -في المجال الميتافيزيقي- يأخذ الدليل سمته نحو المحرك 
الذي لا يتحرك وذلك عبر مدخلين: فأما المدخل الأول: فهو امتناع 
التسلسل في الحركات والمحركات إلى ما لا نهاية» ثم ضرورة الانتهاء 
إلى المحرك الأول. وثمتئذ لا يقال: إن المحرك الأول يمكن أن يكون 
متحركا بذاته» وذلك لثلا يلزم أن ينقسم المحرك الأول إلى جزء محرك 
وجزء متحرك» فشيء واحد بعينه لا ينفعل بالحَركة التي يفعلها فيحرك 
ويرك و اذا فال المحرك هر الميفزك الأول» وجب أن ك ة هذا 
الجزء غير متحرك بالضرورة ومعنى ذلك أننا لا محالة واصلون في خاتمة 
المطاف إلى أن لحَرّكّة العالم علة أولى ثابتة غير مُتحرّكّة”". وأبو البركات 
لايعرض لهذا الاستدلال بنقد ولا موافقة» ولقد يكون السبب أن هذا اللون 
من الاستدلال إنما يقوم على فكرة امتناع التسلسل في المحركات إلى مالا 
نهاية» وهي فكرة يراها فيلسوفنا كالإطار الثابت الذي يمكن أن تختلف فيه 
المضامين من نوع إلى آخرء فسواء كان هذا المضمون وجوبا أو إمكاناء 
أو علة ومعلولا أو محركا ومتحركاء فالنتيجة اللازمة في آخر الأمر هي 
افولا اا جردا أن العلةالكرلى: ا ا 

ما المدخل الثاني في دليل الحَرَكة فهو الحَركة الملكيّة تلك التي 
يرتبط بها مفهوم الرّمان عند أَرِسْطُو ارتباطا وثيقًا. وإذا ما كان الرّمان في 


(۱) يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية ص79١.‏ 


www.alimamaltayeb.com 


1ء موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


أبسط معانيه فيما ترى الفلسفة اللأرسططاليسيّة -إنماهو مقدار هذه الحَرَكَة 
أعني الحَرّكّة المّلَكيّة الدائريّة» وكان الزَّمان مما لا بداية زمانيّة له ولا نهاية 
فهذه الحَرَكة -أيضًا- لابد لها من أن تكون كذلك ضرورة أنه لا يصح في 
حكم العقل أن يكون مالا بداية له ولا نهاية مقدارا لذي بداية ونهاية» وإذا 
فالحَرَكة المَلكيّة دائمة ولا يتصور لها بداية ولا نهاية لأنها تساوق الرّمان 
الأزلي الأبدي, ولأنها ذات طبيعة فيها خصيصة الدوام والاستمرار بحيث 
لا نتصور فيها بداية ولا نهاية حقيقيتين» بل كل حد من حدود حركتها 
يمكن أن يؤخذ على أنه بداية ونهاية في ذات الآن. وإذا ما طبقنا هنا القانون 
المَشَّائي في معلولية الحَرّكَة وكون المحرك غير المتحرك فإننا نصبح أمام 
حقيقة توجب أن يكون لهذه الحَركة الفلكيّة محرك أبدي أزلي يحدث أو 
يوجد هذه الحَرّكّة ويغايرها في ذات الوقت وهو المحرك الذي لا يتحرك. 

ومبنى هذا الاستدلال المَشائي إنما يعتمد أساسا على إنكار اللاتناهي 
في القوى الجسْمانيّة» بمعنى أن الجسم لا يصح أن تنتج عنه فة لا متناهية 
في شدتها أو في مدتها أو في عددها. وقد يهمنا الآن أن نتوقف قليلا عند 
الاستدلال المَشَّائي على إنكار اللاتناهي في القَوّة الجسّميّة من حيث 
الشدة لنعرف أين يسدد فيلسوفنا سهام نقده في هذا الاستدلال. 

فأما دليل المَشّائين على ذلك فهو أن الجسم إنمايقبل الأشد والأضعف 
من القوى بنوع ما من أنواع الحَرّكة» وإذا كانت كل حَرَكة في زمان» فمعنى 
ذلك أن القوّة الأشد إنما تحرك حَرَكة أسرع» ولكن في زمان أقل أو أقصر 
وهكذا كلما رادت ال ة زاذت الببرعة وقل الزمقة وإذا فنعب يزور 


www.alimamaltayeb.com 


أ احم النظيب ۷ 
أن يقف اشتداد القوى عند حد لا تتجاوزه» وذلك لثلا ينتفي عنصر الرّمن 
وينعدم مع بقاء الحَرّكة واستمرارهاء فإنني حين افترض أن القَرّة مطردة 
في الاشتداد بلا توقف» وأن الزَّمان مطرد في التنقص والاضمحلالء بلا 
توقف أيضًاء فمعنى هذا أنني سأصل إلى أصغر حد من حدود الزّمان بل 
وسأتجاوز هذا الحد إلى حيث لا زمان ولاآن ألبتة» وهذا مع وجود الحَركة 
التي يقبل بها الجسم هذا الاشتداد المطرد في القَوَّة التي ينفعل بهاء يقول 
ابن سينا (إنَّهِ لا يكون في جسم من الأجسام فة على التحريك القَسْرِي أو 
المأبيعي غير متناهية الشدة كالميل الثقيل أو الخفيف» فإن ذلك يوجب وقع 
فعله لا في زمان» ويستحيل أن تكون حَرَكَة لا في زمان» وإنّما يجب أن يقع 
لا في زمان لأنه كلما اشتدت القَرّة قصرت المدة فإذا لم يتناه في الاشتداد 
بلغت من الصغر مالا نهاية له)”". 

وإذا ما رجعنا إلى الاستدلال من الحَرَكة التي لا تتناهى في مدتها 
على المحرك الذي لا تتناهى قوته فإننا نجد أن حَرَكة الاستدلال تقوم على 
«اللاتناهي في المدة لا اللاتناهي في الشدة» وإذا كان ابن سينا قد استطاع 
أن يبرهن على التناهي في القَرّة من حيث الشدةء فإنه فيما يختص بالقوّة 
من حيث المدة قد ترك الأمر هكذا دون برهنة أو استدلال. ونخلص من 
ذلك -كما يرى ابو البَرَكّات- إلى أن المَشَّائِين يفترضون هنا- «اللاتناهي 
في المدة» كأساس في هذا الاستدلال الذي نحن بصدده» ثم حين يبرهنون 


(1)انن منيناة طبيعيات الثناء: ج ١‏ ص4 1١‏ (ط طهران)» وآبو ال كات: الهيات المعدر 
ga aE‏ 


www.alimamaltayeb.com 


۸ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
عليه فإنما يأخذونه بمعنى «اللاتناهي في الشدة» لا بمعنى «اللاتناهي 
في المدة» ومن ثم يرى أبو البَرَكَات أن هذا الاستدلال غير مستقيم لأنه 
استعمل فيه الاسم المشترك يقول: «فأما من جهة المدة فلم يذكر هناك 
ولم يبرهن عليه» بل نقول نحن: الأمر فيه بالعكس. فإن المدة في البعض 
أكثر منها في الكل» فإن الكل ينتهي بحركته الطبيعية إلى مداه» وموضعه 
المطلوب في مدة أقصر من التي ينتهي فيها الجزء لأن الكل أسرع حَرَكَة 
كوه كيد 150 رتسي أبوزا كد كه لكرله ET‏ فالحال في المدة 
بعكسها في الشدة» فكيف يلزم نقل الحكم من جهة الاسم المشترك وهو 
إثها اة غير المتناهية المدة في تحريلك الفلك لا الشدةة”2, 

وأيضا لا يستقيم هذا البرهان -فيما يرى فيلسوفنا- لأن الرّمان في 
نظريته لا يرتبط بالحَرّكّة فلا يرتفع بارتفاعها ولا يجب وجوده بوجودهاء 
فالربط هاهنا بين اللانهاية في الزَّمان واللانهاية في الحَرَكة أمر قد حطمه 
أبو البَرَكَات وفرغ منه من ذي قبل. ومن نَم فهذا الاستدلال زائف من حيث 
لتنظير بين لا نهاية الرّمان ولا نهاية الحَرَكة. 

ولكن كيف يحرك المحرك الذي لا تتناهى قوته؟ 

والمَشَّاءون في الإجابة عن هذا التّساؤل لا يزيدون على وصف هذا 
التحريك بأنه تحريك غير مباشر وإِنّما هو تحريك يشبه تحريك المعشوق 
للعاشق يشتاقه ويهفو ويحن إليه ويعجب أبو البرّكات من هذا التشبيه لأن 


.٠١١ - 17٠١ المعتبر في الحكمّة: ج ۳ ص‎ )١( 
. ٠١۲ص أبو البَرَكات البغدادي: المصدر السابق‎ 0 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 4 


تحريك العاشق للمعشوق بالشَّوْق إنما هو بحَرَكة تقربه منه تدنو به إلى 
حماه» والعاشق حين يغذ السير لأنه يطمع في الانتهاء إلى معشوقه ليشاهده 
ويجاوره في مكانه إن كان هذا المعشوق ساكنا في مكانء أو يتبعه إن كان 
هذا المعشوق متحركًا. وإذا كان الأمر هكذا فما بال الحركات الدائريّة لا 
تنتقل أفلاكها من مكان إلى مكان؟! بل ما بالها لا تكف عن الدوران بهذه 
الآفلاك في نفس المكان لا تبرحه ولا تخرج عنه؟! وإذا كانت الفلسفة 
المَشَّائيّة ترى أن الحَرَكة الدائريّة في المَلّك لا نستطيع أن نميز فيها بين 
وا وال أو بين مدا وفقيي» افق القول بعل ذلك بان هذه 
الكرّكة إنما تسعى تو غاية تشتاق إلبها وتهفو إلى مشاهدتها والاتحاد 
هاا إن الان لو غللرا رك اللاك شى ه الطاعة واسفال ال 
لكان في الإمكان قبولها نوعا ماء أو «لكان أولى وأسهلء فإن هذا 
يعرف منه «كيف ولم؟» ولا يعرفان من ذلك» فالطّريق إلى معرفة الله 
تعالى من جهة الحَركة الملكيّة على الوجه الذي قالواء غير مهد وإِنّما 
الطّريق التي سلك فيها من جهة المعلولات إلى عللهاء والمبتدئات 
إلى مباديها هي الطَّريق التي أوجبت عند عقول النُّار وجود عِلَّة أولى 
لا عِلَةَ لهاء وهدتهم إلى فيك اول لأ هيدا ل 

5-هل لهذا المبدأ الأول صفات؟ 

فأما ابن سينا فأمر واضح من نصوصه أن الصّفات إنما هي أمور 
إضافية» لا صفات ثابتة زائدة على الاات. نعم إِنَّه سےا انا «لوازم» 


. ٠١۳ص‎ ۳ أبو البّرّكات البغدادي: المعتبر في الحكمّة ج‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


37 موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


للذات» لكنه دائما يقرر -في وضوح- أن الصّفات في جملتها إنما هي 
سلوب أو إضافات أو اعتبار من السلوب والإضافات معا. ولقد نلمح أن 
ثمة صفتين مثبتتين لواجب الوجود على أنهما صفتان حقيقيتان» أعني أنهما 
ذواتا وجود فعلي متميز» وهاتان الصفتان هما: صفة الوجود وصفة العلم» 
غل أذ هذا الى تل من عارات ابن سينا لببى لا وها مضا ذلك أن 
الخو الر اسع هو عون e o‏ 
معنى واجب الوجود عندهم هو الوجود الواجب» ومعنى وجوب الوجود 
هو كون الوجود عين الماهية في الواجب» أي ليس صفة لموصوف ولا 
تشخصا لماهية» وكذلك نفس الأمر بالنسبة للعلم» إِنَّه عين الذَّات كذلك؛ 
بل رأينا كيف أنَّه تطرق إلى أفهام الفلاسفة أن الذَّات قد تتقوم بالتعقل. 
وإِذّا فليس هناك صفات ذوات وجود خاص وكون متمیز» بل هو تعالى 
قادر عالم مريد بذاته لا بصفات هي علم وقدرة وإرادة سواء قيل عن هذه 
الصفات إنها: عين أو غير يقول ابن سينا: «فإذا حققت تكون الصفة الأولى 
لواجب الوجود أله (إِنه وموجود. ثم الصّفات الأخرى يكون بعضها 
المتعين فيه هذا الوجود مع إضافة» وبعضها هذا الوجود مع سلب» وليس 
ولا واحد منها موجبا في ذاته كثرة ألبتة ولا مغايرة»©. والمحذور الذي 
يخشاه ابن سينا -والفلاسفة جميعا- ويحسب له الحساب في نظريته هو 
الخشية من أن تنثلم الوحدة في واجب الوجود إن هو أضفى عليه صفات 
مُتعَدّدة متغايرة» ومن نَم فهو يجهد الجهد كله ليخرج هذه الصفات عن 


.5١٠١ ص‎ ٣ الشفاء: ج ۲ (الإلهيات) ص۹۷٥ ط طهران) وأيض: النجاة ج‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب )24 


ميض اعدد أو التغين الزافل على ساط اللات وصضرف اها وض 
وجودهاء ومن نَمَّ أيضًا يفسر ابن سينا باقي الصّفات -أو كل الصّفات- 
على أساس معنى الوجود الواجب في الذات مع إضافة أو مع سلب» أو 
نسيها معا لبخلا م أن ال جود قاد ا لس له اة فى القدرةوهلة 
الصّفة ثابتة للذات» بل معناه أنه واجب الوّجود ولكن مع اعتبار أن وجود 
غيره متحقق به ومستند إليه» ومعنى أنه مريد: أله واجب الوٌجود مع اعتبار 
إضافة واعتبار سلب» فالإضافة هی كونه عاقلا والسلب هو كونه لا 
يخالط المادة» ومعنى الإرادة حينئذ: مبدئيته لنظام الخير كله لأنه إذا 
كان عاقلا ويعقل ذاته» وذاته مبداً للخير فهو يعقل الخير وهو مبدأً له. 
وهكذا بقِيّة الصّفات الأخرى يعتبر فيها هذا الوؤجود الواجب مع إضافة 

وإذا ما انتقلنا إلى نص آخر من نصوص الشيخ الرئيس وجدناه يرد 
الصّفات إلى معنى العلم في الذات الواجبة الؤّجودء وإذا كان العلم 
ليس إلا نفس الذات فالصّفات إِذَا ليست إلا إضافات واعتبارات 
للذات بالنسبة إلى الأفعال والآثار. وهنا يقول ابن سينا: «فواجب 
الؤجود ليست إرادته مغايرة الدَّات لعلمه؛ ولا مغايرة المفهوم لعلمه. 
فقد بينا أن العلم الذي له بعينه هو الإرادة التي له» وكذلك قد تبين أن 
القدرة التي له كون ذاته عاقلة للكل عقلا هو مبدأ للكل ولا مأخوذا عن 
الكل» ومبدأ بذاته لا يتوقف على وجود شیء»'. 


)١(‏ المصدران السابقان: نفس الصفحة. 


www.alimamaltayeb.com 


۲ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 

أمًاأبو الب ر كات فهو على النقيض من هذاالموقف السيتويّ» وأساس فكرته 
هنا هو قسمة الموجودات -جميعا- بضرب من القسمة- إلى أقسام ثلاثة: 

()ذوات موحودة: 

(ب) أفعال تصدر عن تلك الذوات. 

(ج) صفات هي كالأحوال بالنسبة إلى الذوات الموجودة. 

فأما الذوات فوجودها حاصل لها حصولا أوليا. 

وأمّا الأفعال فلأنها تصدر عن الذوات فإن وجودها لا يحصل لها 
من ذواتها وإنَّما يحصل لها من الذوات التي تفعلها في مفعولات أخري» 
فوجود الأفعال وجود حاصل من الذوات في المفعولات. 

وأمّا الصفات فهي حالات في الذوات الموجودة» ووجود هذه 
الحالات إنما هو تبع لوجود الذوات» فليس لها في أنفسها وجود ذاتي» بل 
وجودها هو كونها في الذَّات وبها ومعها ولها. 

ويمثل أبو البرّكات للقسم الأول بالإنسان فإنه ذات موجودة ووجودها 
حاصل لها حصولا أوليا. أمَّا القسم الثاني فهو كالحَرَكة» إذ هي فعل يصدر 
عن محرك أي عن إنسان» في متحرك كالقلم مثلا. والحَرّكّة بهذين 
الطرفين ذات وجود حاصل عن الإنسان في القلم المتحرك» فوجودها 
في وجود غيرها لا في ذاتهاء وذلك الغير هو الفاعل والمنفعل» ولولاهما 
لما أمكن أن نتصور وجودا بالنسبة إلى الحَرّكّة. ما القسم الثالث: فهو 
مثل «الخلق» من أخلاق الإنسان كالحياء الذي هو حالة موجودة في نفس 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 2A1‏ 


الإنسان وجودا مرتبطا بهذه النقس ومعها وبها أيضّاء بحيث لا نتصور 
للحا وجرد انقلا بدا فن الس رالات اله عه وا 
فالذوات فعالة «والأفعال صادرة عنهاء والحالات صفات تصدر الأفعال 
عن الذوات بها بحسبهاء كما تسخن النار بحرارتها ويبرد الثلج ببرودته. 
ويعطي (الإنسان) بکرمه» ويقتل بقسوته؛ فلا يتصور الكرم موجودًا إلا في 
کرپ ولا السو الاق اس 

ويرى أبو البركات أن الحاصل في الؤجود من هذه الؤّجودات أولا 
هو الذوات ثم الصّفات ثم الأفعال» كما يرى أن من الصّفات والحالات 
ا وتان اننا عه قارائيا معد أننا ی ال ات 
وليست مقتضى أي معنى ولا أية علة خارج الذَّات» كما أن ثمة صفات 
وحالات تكون للذوات عن علة موجودة وسبب موجب. ومثال النوع 
الأول من الصّفات: الحرارة بالنسبة للنار والبرودة بالنسبة للثلج» 
إنهما صفتان لهاتين الذّاتين من ذاتيهما فهما باعتبار النارية والثلجية 
ذواتا حرارة وبرودة وليس هما كذلك لأنهما جِسّمان صارا فيما بعد نارًا 
وثلجاء وكذلك يمثل أبو البرّكات لهذا الصنف بمساواة الزوايا الثلاث 
للمثلث لزاويتين قائمتين» فهذه الصفة هي للمثلث باعتباره مثلثا فقط لا 
باعتبار أي معنى آخر زائد على هذه المثلثية. 

آم الصفات التي للذوات باعتبار علل وأسباب توجبها وتعطيها إياها 
فمثل حرارة الماء الذي يجاور نارا وبرودة الهواء الذي يجاور ثلجا. وأبو 


(۱) أبو البَرَكات البغدادي: المعتبر في الحكمّة ج ٣‏ ص١١٠.‏ 


www.alimamaltayeb.com 


N4‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


البركات يضرب صفحا عن هذا النوع من الصّفات والأحوال» وينتقل 
بالحديث إلى النوع الذي تكون فيه الصّفات للذات من ذاتهاء وهنا يقرر 
أله لابد من إثبات هذا النوع من الصّفات الذّاتية» وإلا وقعنا في التناقض 
العقلي الناشئ من تسلسل الصّفات إلى غير النهاية وبهذا ينفذ أبو البركات 
إلى مطلوبه وهو إثبات الصفات -بوجه عام- لواجب الوجود, لأن هذه 
الأقسام الثلاثة التي تحدث عنها آنفا تقال أيضًا على واجب الوّجود. فهنا 
زلا الراك ا قاياة ھا حاو على چا تی +احواليا 
الذّاتية» ثم هنا ثالثا: أفعالها التي تصدر عن هذه الذَّات وعن صفاتها. 

ومنهج أبي البركات في هذا هو هو منهجه في إثبات وجوب الوجود. 
أعني ضرورة الانتهاء إلى الميدا الأول والعاة الأولى بالسبة للموجوذات 
جميعاء أي سواء كانت هذه الموجودات ذوات أو صفات أو أفعالا. 

ما فيما يتعلق بموضوعنا وهو الصّفات فإن أبا البَرَكات ينص على 
أن «الصّفات المستعارة في الأشياء تدل على صفات غير مستعارة في 
أشياء» ولا تستمر العادية إلى ما لا يتناهى» ولا يكون دوراء فإن السابق 
في الوجود لا يدور على اللاحق كما قلنا في العلل والمعلولات وإمكان 
الوجود ووجوب وجوده في الموجودات)'» معنى هذا أننا إذا كنا بصدد 
صفة كالإرادة -مثلا- فإنه لابد من أن نتخطى هذه الإرادات الممكنة أو 
الإرادات الحادثة» تلك التي تكون لها أسباب وموجبات وصوارف ودواع» 
إلى حيث الإرادة الأولى التي تكون بالطبع عن الات لا بإرادة أخرى» 


. ٠١ المصدر السابق: ص”7‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۵ 


ومعنى الطبع هنا -كما ينبه على ذلك أبو البركات -هو الصدور عن الذات 
بمحض ذاتها لا بمؤثر أو فاعل يفعل فيها هذه الإرادة» إذ كون الإرادة هاهنا 
تعر ا اتا أن كمه إرادة ا ارقت عله ا اه أو ا 
«والإرادة لاتتحكم في الإرادة» وإن تحكمت فلا تتحكم في الإرادة الأولى» 
فالإرادة الأولى بغير إرادة من الفاعل بل هي بالطبع بالذات عن الذات). 
وطن أو ال كاك من نفس المتظلق -أعني مبدئية واجب الوجود- 
لإثبات الصّفات الأخرى للذات الواجبة فيقول: «فكما أن مبدأ وجود 
كل موجود هو الموجود الأول» كذلك مبدأ كل علم علم أول هو العلم 
الأول ومبدأ كل حكمة حكمة أولى هى حكمة الأول» كذلك مبدأ كل 
إرادة إرادة أولى هي إرادة الأول لما ثبت من وحدانيّة المبدأ الأول لكل 
موجود. فالمبدأ الأول مريد بدليل وجود الإرادات في خلقه» وعالم بدليل 
وجود العلم في خلقه وحكيم بدليل وجود الحكمّة في خلقه. وقادر بدليل 
قدرته على خلقه فذاته مبدأ أول لوجود الذوات» وفعله للأفعال» وصفاته 
للصفات» فهو المبدأ الأول العام المبدئية لسائر الموجودات)”". وظاهر 
من هذا الت أن أبا البَرَكات يقيم علاقة تشبه علاقة العلية بين صفات 
واجب الوجود والصّفات التى للمخلوقات» وهذا التناظر بين الخالق 
والمخلوقات من حيث الصّفات الذاتية للواجب الوجود أمر واضح في 
كل النصوص التي يطرحها فيلسوفنا في هذا المقام. 
)١(‏ نفس المصدر السابق والصفحة. 
(۲) نفس المصدر السابق: ص٤١٠‏ . 


www.alimamaltayeb.com 


٦ء‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 

ولقد نلمح هنا أثرا لعلم الكلام في اتجاه أبي البَرَكَات 
را ات ر الاشعرية فى کو و دغ لكا لين 
والتأثر هذه لمواطن ثلاثة في هذا المقام: 

فأما الموطن الأول: فهو ذلك التشابه الذي يبدو وكأنه تشابه تام 
في هذه القسمة التي فزع إليها أبو البَرَكَات ليقف بها في وجه الفكرة 
ا واک الى أت ادا ا اف مسافر بالفكرة الاأشعرية مبكلة فى 
إمام الحرمين» وهى فكرة تقسيم أسماء الله تعالى إلى ما يدل على 
الذات والأفعال والصّفاتء فهنا يقول الجويني: «ثم جميع أسماء 
الرب سبحانه تنقسم إلى ما يدل على الذَّاتَء أو يدل على الصّفات 
القديمة» وإلى ما يدل على الأفعال أو يدل على النفى فيما يتقدس 
الباري سبحانه عنه»'. وهذا التأثير -فيما أرى- أمر محتمل إلى أبعد 
مدى ممكن» لأن المدرسة الأشعرية ممثلة في الجويني -والإمام 
الغزالى من بعده- كانت تظل بغداد كلها -على الأقل- فى نفس الوقت 
الذي عاش فيه أبو البَرّكات في بغداد وقضى بها جل حياته وأيامه. فإذا 
ما وجدنا بعد ذلك منحى فكريا تتلاقى فيه الأشباه والتظائر مع منحى 
فكري آخر سابق فلا ريب أن ثمة تأثرا لا يمكن تجاهله. 

أمّا الموطن الثاني: فهو طريق إثبات الصّفاتء وأعني به طريق قياس 
)١(‏ الجويني: الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد ص4 4 .١‏ تحقيق محمد يوسف 

موسى وعلي عبد المنعم القاهرة سنة 46٠‏ ١زء‏ وأيضا: Pines: Abul -barakat’s‏ 


poetics and Metaphysic 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۷ 
الغائب على الشاهدء مع ما قد يرد على هذا الطريق من وجوه النقد والتضعيف''. 

وأمّا ثالث الموطنين فهو القول بصفات ذاتية لله تعالى مثل الصفة 
التَمْسيّة وصفات المعاني كالقدرة والإرادة وما إليهما. وهذه الصّفات يثبتها 
أبو البرّكات على نهج يكاد يقترب كثيرا من النهج الكلامي» فليست هذه 
الصَّفات إضافات أو سلوبا تقال مع الؤجود أو مع العلم كما هو الحال عند 
ابن سينا مثلا. وإن كان هذا لا يبدو واضحا كل الوضوح في الفصل الذي 
حصميه فبلموفا لهذا الغرضى واطاق علي «فصل فى نباك الات 
الذّاتية لله تعالى». بيد أن هذا التأثر وإن كان قد مس المنطلقات الرئيسة في 
فكرة أبي البرَكَات إل أن المحصلات الأخيرة في مسألة الصفات مازالت 
بعيدة -فيما أعتقد- عن النهج الأشعري الذي يعد النموذج الأسمى في هذا 
الباب» فهو ما يكاد يوحي إلى قارئه أن هاهنا صفات نفسيّة وصفات معان 
حتى يعود أدراجه إلى القول بأن صفة الإرادة والعلم -مثلا- لا يختلف 
الأمر فيهما سواء اعتبرناهما صفتين ذاتيتين» أو اعتبرناهما صفة واحدة 
ترجع إلى نسبتين مختلفتين: «فقد اتضح أن للمبداً الأول إرادة وعلما هما 
له صفتان ذاتيتان أو صفة واحدة ترجع إلى نسبتين مختلفتين». 

وأمر واضح من نص أبي البَرَكَات هذا أن فكرة الصّفات قد أصابها 
-عند فيلسوفنا- ما أصاب كثيرا من الأفكار الميتافيزيقيّة عند من تذبذب 
بين الأصالة والتقليد. 


. الجرجاني والإيجي: شرح المواقف ج ۲ ص٦۲ وما بعدهاء ج ۷ ص55‎ )١( 
. ٠١ أبو البَرَكات البغدادي: المصدر السابق ص5‎ 0( 


www.alimamaltayeb.com 


۷۸ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


وير أبو ال کات أن لله تعالى أستماء تشكى بها کالخالی والرازق 
والموجود والقادر والقاهر والرحيم والجواد ونحو هذه الأسماء التي 
وردت بها الشرائع والكتب السماوية» ولهذه الأسماء معان مختلفة عند 
العارفين بها. ثم يغرق أبو البرّكات قليلا في تأملاته فيقرر أَنَّهِ ليس من هذه 
الأسماء اسم يدل بذاته على ذات الله تعالى كما يدل مثلا -وله المثل 
الأعلى- بالحرارة على الحرارة من جهة المعنى» ذلك أن الذي يسَمى الله 
تعالى باسم يدل على ذاته الأقدس دلالة على هذا النمط إنما يقال عليه: إِنَّه 
عرف ذاته تعالى معرفة ذاتية» أو سماه من حيث عرف على طريق الوضع» 
أي كما سمي الحرارة حرارة والنور نوراء وهذه المعرفة لا تتأتى إلا بالنسبة 
إلى واجب الوجود» وبرغم من ذلك فقد يدل بعض العارفين على الاسم 
الذي يدل على الذَّات دلالة من هذا النمطء وهنا يقول أبو البَرَكَات: «فإذا 
تعرف إلى عبد من عبيده وأقدره على رؤيته ومعرفته وما اختاره من الأسماء 
لذاته فى تسميته كان ذلك الاسم هو اسم الذّات على الحقيقة» فهو أخص 
الأسماء من أخص المسمين لأخص مسمى» فلا عجب ينطاع للداعي به 
ما في السماوات والأرض جميعا)". 

ويتابع فخر الدّين الرازي أبا البركات في نظريته هذه عن: «الاسم 
الأعظم» الذي يدل بذاته على ذات الله تعالى» فيقول عن نظريّة أبي 
البرّكات بعد أن ينقل عنه هذا النّسّ السالف «هذا كله كلام هذا الحكيم 


.١78ص‎ ۳ المعتبر في الحكمّة: ج‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 4 


وهو غاية التحقيق في هذا الباب» والله أعلم بحقائق أسراره الإلهية»0". 

۷-وما أسلفناه من أحاديث لأبي البركات في مسألة الصّفات هذه 
ليس هو كل ما في جعبته من نقد للمدرسة المَشّائيّة في هذا المقام» بل 
هناك مر فف دى متيو هة أبو ال كات قد اة السات فما رصان 
بصفة العلم بالنسبة لله تعالى. ولقد نعد نقده هنا نقدا تفصيليا سواء كان 
هذا النقد نقدا للمذهب الأرسطي أو المذهب السيتويّ في صفه «العلم». 
ولذا فأمر لازم أن نبين في المقام الأول: نظريّة أَرِسْطُوء ثم نظريّة ابن سينا 
-في العلم الإلهي - كما يعرفهما أبو البرّكات ثم نعرض في المقام الثاني 
موقف أبي البَرَكَات من هاتين التظريتين: 

فأما عن نظريّة أَرِسْطُو فإن المحرك الذي لا يتحرك يتصف أول ما 
يتصف بأنه فعل محض» أو فعل خالص» وفكرة الصورة والمادة هنا تعمل 
عملها في هذه النّظريّة» لأنها إذا ما كانت الصورة هي العقل» وكان الله 
تعالى -فيما يرى أَرِسْطُو- صورة مجردة عن الهيولى ولواحقهاء فلا جرم 
أن كان فعلا محضا أو فعلا خالصا. 

ولكن ماذا يعني أَرِسْطُو بالفعل المحض المنسوب للمحرك الذي لا 
يتحرك؟ إِنَّه يعني به معنى التعقل أو العلم أو المعرفة» ولذلك كان الله تعالى 
يحرك العالم باعتباره معقولا ومعشوقاء بل إن التعقل وحياة الله تعالى 
شيء واحد» بمعنى أن حياته ليست أمرًا آخر وراء فعل التعقل» فالحياة في 
)١(‏ فخر الدين الرازي: لوامع البينات ص44» مراجعة وتقديم طه عبد الرءوف» مكتبة 

الكلَيّات الأزهرية 191/5م. 


www.alimamaltayeb.com 


° موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
الجانب الإلهي لا تعني إلا التعقل. وإذَا فإله أَرِسْطُو عقل محض وليس له 
من الصّفات إلا هذه العقليّة. وأمر واضح أله إذا كان عقلا فهو لا محالة 
عاقل -أو متعقل-» وله معقولات أو موضوعات لهذا التعقل. لأن هذا هو 
ما يقتضيه إطلاق العقل على الإله عند أَرِسْطُو وإلاكان عقلا معطلا أو عقلا 
ساكنا لا فعل له يقول أَرِسْطُو: «وأمًا على أي جهة هو المبدأ الأول ففيه 
صعوبة» لأنه إن كان عاقلا وهو لا يعقل كان كالعالم النائم فهذا محال)20". 

بيد أن هذا التعقل تعقل لماذا؟ وبعبارة أخرة: إذا كان للعقل 
معقولات فهل هي معقولات مطلقة بلا حدود, أو أنها محصورة بنوع 
بعينه لا تتخطاه ولا تتجاوزه؟ 

ويجيب أَرِسْطُو عن هذا التّساؤل بأن هذا العقل لا ينبغي أن تكون 
له معقولات خارجة عن ذاته» بمعنى آنه يعقل ذاته فقطء أمّا غير ذاته من 
الآكوان والعوالم والموجودات -وكل ما هو غير ذات العقل- فلا يصح 
أن يكون معقولا له ألبتة. لماذا؟ 

أرّلا: لأن أَرِسْطُو يؤمن بفكرة أخرى ترى أن المعقول دائما أفضل 
وأشرفء وتطبيق هذه الفكرة في مجال العلم الإلهي هنا يقتضي أن يكون 
المعقول أو المعقولات الخارجة عن ذات هذا العقل» ذوات شرف 
وفضل» مما يترتب عليه أن يكون كمال هذا العقل ليس في أن يعقل ذاته 
)١(‏ أرسطو: مقالة اللام» الفصل التاسع. ضمن: أرسطو عند العرب ص4» تحقيق عبد 

الرحمن بدوي (النهضة 14517م). وأيضا: يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية 

.18١ص‎ 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ا 


بل في أن يعقل غيره» وهذا أمر مستحيل» لأن الجوهر الإلهي كجوهر غاية 
في الشرف والفضل والكرامة. 

وثانيا: لأن في تعقل الغير التفاتا إلى ذلك الغير» والالتفات تغير 
والانتقال» وهو بهذا المعنى ضرب من ضروب الحَرّكّة» وحينئذ لا يكون 
عقلا بالفعل» بل عقلا بالقوّة. 

وثالثا: لآن هذا العقل يعرض له التعب والكلال من اتصاله 
الدائم بالمعقولات المختلفة المتباينة ومن أجل هذه المحاذير 
قرر آرشطو أن الله تعالى لا يعقل إلا ذاتة؛ بل كوثه لا يبصر بعضن 
الا لاء أفضا. من كوه وبضيرها: 

وإذا كان هذا العقل -فيما يرى أَرِسْطُو- إنما يعقل ذاته فقط فمعنى 
هذا آنه العقل والعاقل والمعقول» وهذا فيه حقيقة واحدة لا فرق فيها 
بين هذه المعاني الثلاثة ولا اختلاف, لأن الأشياء اللاهيولانيّة لا تتميز 
ها هذه الحدوة ا و اعا تما فما فشا الهيولى وتتخالطه المادةة 
فهناك يكون العاقل بمثابة الذَّات والمعقول بمثابة الموضوع» والعقل 
بمثابة الحالة الإضافية بين الذّات العاقلة والموضوع المعقولء أما في 
الأمور اللافادية فان معت كوت الق عاقلا لا يان معت كرت مقرلا 
يقول أَرِسْطُو في نص طويل: «وإن كان الجوهر بهذه الصّفةء أعني أنه 
عقل» فليس يخاو أن يكون عاقلا لذاته أو لشيء آخر» وإن كان عاقلا لشيء 
آخر فما يخلو: أن يكون عقله دائما لشيء واحدء أو لأشياء كثيرة» فمعقوله 
على هذا منفصل عنه» فيكون كماله -إِذَا- لا في أن يعقل ذاته» لکن في 


www.alimamaltayeb.com 


AY‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


عقل شيء آخرء آي شيء کان» إلا أنَّه من المحال أن يكون كماله بعقل 
غيره» إذ كان جوهرا في الغاية من الإلاهة والكرامة والعقل» ولا يتغيرء 
الت فيه انتقال إلى الأنقص» وهذاهو حر كة ماء وإذا كان هكذا قلا ميحالة 
أنه يلزمه الكلال والتعب من اتصال العقل بالمعقولات... وإذا كان هذا 
هكذا فيجب أن نهرب من هذا الاعتقاد بها (يعقل معقولات) فأن لا يبصر 
بعض الأشياء أفضل من أن يبصرها. فكمال ذلك العقلء إذا كان من أفضلا 
الكمالات» يجب أن يكون بذاته فإنها أفضل الموجودات وأكملها وأشرف 
المعقر اتو ا ات ا بر کا اا نين دون رک 
أو رأي أو حس أو فكر وهذا ظاهر جل 

۸-وأمًا نظريّة ابن سينا فهي تعتمد على أسس فلسفية ثلاثة: 

الأساس الأول: 

أن واجب الوجود لا يمكن أن يعقل شيئا من شيء» لن هذا معناه أن 
الات الواجبة الؤٌجود إِمًا أن تتقوم بهذا الذي تعقله» أو يغدو هذا المعقول 
أمرًّا عارضا إن قلنا: إِنَّهِ ليس أمرًا مقوماء وكلا الأمرين: التقوم والعروض» 
يقدح في وجوب الوّجودء لأن الات الواجبة الؤّجود لا تتقوم بشيء كما 
لا يعرض لها عارض خارج الذّات» لأنها ثمتئذ تكون -مع العروض- 
)١(‏ أرسطو: المصدر السابق ص4» ٠١‏ وخصوصا شرح ثامسيطوس وابن سينا لهذا 

الفصل» الصفحات ۱۹ 71١-‏ 775-79 من نفس المصدر السابق. وأيضا: ابن رشد: 


تفسير ما بعد الطبيعة مجلد ۲ (تحقيق الأب بويج): الصفحات من 1١951١‏ -19451. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب NY‏ 
بحالة يتوقف التحقق بها على حصول أمور في الخارج» ومعنى هذا أن 
عفن اا عا ات غير اا ا ات روا ووا اا 
للغير على الذَّات تأثيرا أو مدخلا بالتأثير» والأصول الفلسفيّة التي سبق 
لابن سينا أن قعدها وهو بصدد بیان وجوب الوجود ووحدته من كل وجه» 
تتصادم مع فكرة التقوم والعروض» بما يترتب عليهما من أبعاد ونتائج 
تتناقض كل التناقض مع هذه اللأصول. وهنا يقول ابن سينا: 

«ليس يجوز أن يكون واجب الوجود يعقل الأشياء من الأشياءء وإلا 
فذاته إما متقومة بما يعقل» فيكون تقومها بالأشياء. وإما عارضة لها أن 
تعقل» فلا تكون واجبة الوجود من كل جهة» وهذا محال. وتكون لولا 
أمور من خارج لم يكن هو بحال» ولا يكون له حال لا تلزم عن ذاته بل 
عن غيره فيكون لغيره فيه تأثير» والأصول السالفة تبطل هذا وما أشبهه)2". 

الأساس الثاني: 

إن واجب الوجود لا يعقل الأمور المتغيرة أو الأمور المنتقلة الصائرة 
من وجود إلى عدم أو من عدم إلى وجود» لأن مثل هذا التعقل -فيما 
يرى ابن سينا- مما يقتضي حصول صورة عقلية مغايرة للصورة الأخرى. 
لأن تعقل الأمر الموجود يغاير تعقله بعد أن يصير إلى عدم بعدية زمانيّة 
وحصول الصور المتغيرة يلزم عليه حصول تغير في ذات تعقل واجب 
اجرف مما د :هليه ا أن كرون واا جرد معني الات 
13 ابن ا ات ا م و وة اقا رات الا اله ات 


ص١١١‏ . وأيضا: أبو البَرَكّات: المعتبر في الحكمّة ج "ا ص .7١‏ 


www.alimamaltayeb.com 


17 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


وفي هذا المعنى يقول ابن سينا: «ومن وجه آخر لا يجوز أن يكون عاقلا 
لهذه المتغيرات مع تغيرها من حيث هي متغيرة عقلا زمانيا مشخصاء بل 
على نحو آخر نبينه» فإنه لا يجوز أن يكون تارة يعقل منها أنها موجودة 
غير معدومة» وتارة يعقل منها أنها معدومة غير موجودة» ولكل واحد من 
الأمرين صورة عقلية على حدة» ولا واحدة من الصورتين تبقى مع الثانية» 
ن راجب الاد فير اا 

وأمر واضح أن ابن سينا في هذين الأصلين إنما يقفو أثر أَرِسْطُو في 
تقريره لوحدة واجب الوجود على هذه الصورة التي لعب المبالغة فيها دورا 
كاد يحيلها إلى لون من ألوان الأخيلة الشعرية بدلا من التأملات الفلسفيّة 
القائمة على العقل والمنطق. 

أمَا الأساس الثالث: 

فهو الفكرة التي تقيم الحدود والفوارق بين العلم وبين الإحساس 
والتخيل وهي هنا تعتمد اعتمادا كبيرا على الفكرة التي سلفت في الفصل 
الخاص بعلم التفس» أعني الفكرة التي ترى أن مدرك الجزئيات غير مدرك 
الكلَيّات» وأن التعقل الذي هو العلم غير الإحساس وغير التخيل» وابن 
سينا يعيد هنا نفس هذه النّظريّة ولكن في شيء من التركيز على الفرق بين 
العلم وبين الإحساسء وحجته في هذه التفرقة هي - إلى حد كبير- نفس 
الحجة التي سبقت في علم الس من أن المدرك حين يدرك الميحسوس 
بحواسة الظاهرة» فإنما يدركه. على هيتته المادية» ويرى ابن سينا أن هذا 


(1) الشّفاءء والنجاة» والمعتبر نفس المواضع السابقة. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۵ 
الآمر واضح وظاهر بدليل أن هذا المدرك لو غاب عن حواسه الظاهرة لونه 
وشكله وهيئته لما استطاعت حواسه أن تد رکه أبداء ومن نَم ب يشرط ابن سينا 
للإدراك الحسي أن يكون المدرك حاضرا حضورا ماديا أمام المدرك ومعنى 
الحضور المادي هو حضور الغواشي والملابسات التي تكتنف هذا المدرك 
الحِسَّي - أو إن شئت: الجزئي- من الكيفيات والأيون والأزمان والأوضاع. 

أَمّا التخيل فالوضع فيه مختلف» إذ هو إدراك لنفس الشيء المحسوس» 
ولكن في حالة غيبته عن حامله المادي» ب ا 


41 


المدرك الجزئي في حالة انفصاله عن المادة» إلا أنه لا يمكن له أن يعزله عن 
RR‏ 
صوزة محسوينة فانة يشترط فة أمور ثلاثة: الحضور المادي» واكتناف 
الهيئات والغواشي» وكونه جزئيا. ما حين يكون صورة متخيلة فإنه يفقد 
الشرط الأول» أعني الحضور المادي ولكن لابد له من الشرطين الآخرين 
أعني اكتناف الهيئات وكونه جزئيا 

وبيت القصيد في فكرة الشيخ الرئيس هنا أمران: 

الأمر الأول: أن إدراك الجزئي سواء كان صورة محسوسة أو صورة 
متخيلة إدراك حسئ أو خيالي» وذلك في مقابلة الإدراك العقلي الذي هو 
إدراك للصورة المجردة تجريدا مطلقا عن المادة وغواشيها وعلائقها. 

الأمر الثاني: أن الذي يدرك الجزئي هو الحواس الجِسْميّة الخارجية 
أو الباطنيّة» أمَا الذي يدرك الصورة المجردة فهو العقل» والعقل وحده. 


www.alimamaltayeb.com 


۸ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


لأنه القرّة المجردة اللاماديةء ويناسبها الإدراك المجرد اللامادي أيضًا. 
وعلى أساس من هذين الأمرين تقوم نظريّة ابن سينا في العلم الإلهي 
وهي نظريّة تتفق مع النظريّة الأرسطيّة في أن الله تعالى عقل أو ذات 
مجردة» وهو يعقل ذاته» لكنها لا تنوقف عند هذا الحد الذي توقفت عنده 
التّظريّة الأرسطيّة بل هي تخطو إلى الأمام خطوة ما نحسبها إلا خطوة 
عرجاء ناقصة» وهذه الخطوة هي التي يقرر فيها ابن سينا أن الله تعالى 
يعلم ذاته» ولكن يعلم غيره على وجه كليء أو قل: إِنَّه تعالى يعلم الكليّات 
لا الجزئيات» ونتساءل لماذا هذا القيد أو الحصر بِالكَلّيَ دون الجزئي؟ 
والجواب أن الأسس الفلسفيّة التي شكلت نظريّة ابن سينا في العلم الإلهي 
قاضية بهذا القيد وهذا الحصر لأن ذات الله تعالى ذات مجردة عن المادة 
وغواشيها وعلائقهاء وهذا أمر لا يكاد يختلف فيه ابن سينا عما جاءت به 
الشرائع والأديان» لكن الذي يفترق به ابن سينا هو -فيما أرى- تصوره 
للعلاقة بين المجرد واللامجرد أو بين المجرد والمادي» فهذان الشيئان عند 
ابن سينا لا علاقة بينهما على الإطلاق فيما يتعلق بناحية الإدراك أو العلم» 
إن الصورة المادية إذا كانت مدركة فهي لا محالة مدركة لدى أمر مادي» 
ومن تم يقرر ابن سينا أيضًا أن الجسم لا يكون أبدا حاضرا عندما ليس 
بجِسْمء لأنه لا نسبة للجسُم -ألبتة- إلى قو مجردة. وإنَّما تكون النسبة بينه 
وبين ما يماثله من الجسّمانيات» وذلك لأن النسبة هي عبارة عن قرب وبعد 
ووضع فكيف يكون الجسم ذا قرب وبعد ووضع من قوّة لا قرب لها ولا 
بعد ولا وضع!! وإذا كانت النسبة لابد لها من طرفين ينتسب بها أحدهما 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۷ 
إلى الآخر فإن النسبة هنا تغدو ذات طرف واحدء لأن المجرد والمادي 
لا يشكلان طرفي نسبة أبداء وإذَا فلا علاقة إدراكيّة بين المجرد والمادي» 
أو بين العقل والجزئيات لأن هذا بمثابة التناقض في الحدود. وإذا كان 
الله تعالى مجردا وعقلا -فيما یری ابن سينا- فلا جرم ألا تنشأ بينه وبين 
الجزئيات المادية علاقة العلم والإدراك وإِنّما ذلك له فيما يتعلق بالأمور 
الكلْيّة التي هي تصورات عقلية مجردة قد تخلت عن كل أمشاج المادة 
وشوائبها وأخلاطهاء فهو يعلم الكَلَيّات لا الجزتيات» أو هو يعلم الأشياء 
على وجه كلي. يقول ابن سينا: «ثم الفاسدات إن عقلت بالماهية المجردة 
وبما يتبعها مما لا يتشخص لم تعقل بما هي فاسدة» وإن أدركت بما هي 
مقارنة لمادة وعوارض مادة ووقت وتشخص لم تكن معقولة» بل محسوسة 
أو متخيلة ونحن قد بينا في كتب أخرى أن كل صورة محسوسة وكل صورة 
خيالية فإنما تدرك من حيث هي محسوسة أو متخيلة بآلة متجزئة» وكما أن 
إثبات كثير من الأفاعيل للواجب الوجود نقص له كذلك إثبات كثير من 
التعقلات» بل واجب الوجود إنما يعقل كل شيء على نحو كلي» ومع ذلك 
فلا يعزب عنه شيء شخصي» ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا 
في الأرض وهذا من العجائب التي يحوج تصورها إلى لطف قريحة)”". 

ويتابع ابن سينا أستاذه أَرِسْطُو في الاتحاد بين العقل والعاقل والمعقول 
بالنسبة لله تعالى» لأنه إذا كان عقلاء وكان يعقل ذاته» وكان بريئا عن موانع 
(۱) ابن سينا: إلهيات الشفاء ج ۲ ص۹١‏ (ط القاهرة). انظر أيضًا: التعليقات ص5١١.‏ 


وأيضا شرحه على مقالة اللام لأرسطو في كتاب: أرسطو عند العرب ص79 - ۳۲. 


www.alimamaltayeb.com 


E‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


التعقل التي هي المادة وعلائقها فلا ريب أن كان عقلا وعاقلا ومعقولاء 
ويرغم هذا فليست هنا كثرة أو انقسام في هذا المفهوم البسيط إذ مثل 
هذا التقابل العقلي بين العاقل والمعقول إنما ينشأ في المعقولات المادية 
المتغيرة الفاسدة» أمّا في المجردات فلاء لآن معنى العقل في المجردات 
هو الهوية المجردة» ومعنى العاقل فيها: أنها ذوات مهايا مجردة لشيء, أي 
معنى العاقل هنا هو مجرد الحصول على الماهية المجردة التي من طبيعتها 
آ ن کف تغل و كآنه «الذانت» ]ذا ما سارلا قري هادا المع الغا مقن 
بمثال الذّات والموضوع في الإدراكء أمّا معنى المعقول فهو كونه ذا ماهية 
مجردة من شأنها أن تكشف وتعقل» وكأنها «الموضوع» في مثالنا السالف» 
ولكن ليس هناك ذات ولا موضوع» بل العاقل هو المعقول. ويرى ابن سينا 
أن العقل وإن كان يقتضي مالالا ومع ا« المعقول)ه إلا أن هذا 
المعنى هو كل ما يتطلبه التفكير ويقتضيه» بمعنى أن العقل لا شك في أنه 
قاض بوجود «معقول» مع «العاقل»ء لكن لا يقضي العقل ولا يستلزم أبدا 
أن يكون المعقول هو ذات العاقل أو أمرًا آخر غيره» ونظير ذلك الحَرَّكَة 
فإن المتحرك وإن اقتضى محركا إلا أنه لا يقتضي أن يكون المحرك هو 
ذات المتحرك أو غيره» بل هذا الانفصام بين هذين الحدين إنما يأتي عن 
طريق آخر وبرهان مغاير لهذا البرهان. وإِذًا: «فالأول باعتبار أن له ماهية 
مجردة لشيء» هو عاقلء وباعتبار أن ماهيته المجردة لشيء» هو معقول. 
وهذا الشيء هو ذاته» فهو عاقل بأن له الماهية المجردة التي لشيء هو ذاته» 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۸۹ 


ومعقوله بان ماهيته المجردة هي لشيء هو ذاته)". 

۹و یقت آبو الم گات يق من هاتين التُظريفين موق التقد والرفض: 

فأما بالنسبة لأَرِسْطُو فإن فيلسوفنا يتبع في حواره منهجين أو نمطين 
من أنماط الحوار أولهما: النمط الجدلي. وثانيهما: النمط البرهانيء أما 
النمط الأول فيتعقب فيه أبو البَرّكات الفكرة الأرسطيّة التي زعمت أن 
تعقل واجب الوجود لغيره يوجب له نقصا في ذاته. وهنا يرى فيلسوفنا 
أن مثل هذا تماما يمكن أن يقال في مخلوقات الله تعالى» بمعنى أنه إذا 
كان تعقله لغيره مما هو مبدأ له يعتبر كمالا له» وبالتالي يستلزم نقصا في 
الذَّاتَء فكذلك يقال عين هذا القول في مخلوقاته» لأنه بغير أن يخلق لا 
رفغا و آرل الا تات قصدوو الا قاف عن هر ل 
كمال لم يكن له من قبل ثم كان» ولا يقال إن هناك فرقا , بيخ الميغلر قات 
والمعلومات من حيث إن المخلوقات تلزم عن الذَّات لزوماء والأمر ليس 
كذلك بالنسبة للمعلومات» لأن التعقل صنو الحَلق من حيث اللزوم عن 
الذَّاتء بل التعقل في لزومه عن الذَّات أظهر وأوضح من لزوم الخَلّْقَ عنه 
وإذا كان أمر الحَلّق عند أَرسْطُو -فيما یری أبو البرگات- لا يوجب كمالا 
فكذلك علمه بالغير لا يوجب له كمالاء فعلی أَرِسْطُو -إن أريد لنظريته أن 
تتسق لها أبعادها المنطقِيّة- أن يرفض صدور الغير عنه» كما رفض تعقله 
لغيره» أو يقبل تعقله لغيره كما قبل صدور الغير عنه» ثم إذا كان أَرِسْطُو 
قد خشي التعب والكلال على واجب الوجود من التعقلات التي لا تكاد 


)١(‏ ابن سينا: إلهيات الشفاء ج ۲ ص۷٠۳‏ (ط القاهرة). 


www.alimamaltayeb.com 


4 موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
تنتهي كثرة واختلافا فكيف لم يخش عليه التعب والكلال في تتابع خلقه 
واستمراره!! ثم لم نزهه عن المعلومات ولم ينزهه عن المخلوقات؟! 

يقول أبو البَرَكّات: «فإنه بما لا يخلق لا يكون خالق المخلوقات ومبداً 
أول لهاء كما أنه بما لا يفعل لا يكون عاقل المعقولات.. فإن الذي لزم 
في علم المعلوم يلزم مثله في خلق المخلوق أو إبداع المبدع» فإنه بقياس 
لا وجوده عنه ليس بخالق ولا مبدع» فإن لم يوجب هذا نقصا لم يوجب 
ذاك وإن أوجب ذلك فقد أوجب هذاء وإجلاله عن ذاك كإجلاله عن هذا 
وقدرته على هذا كقدرته على ذاك» فلم نزهته عن ذاك ولم تنزهه عن هذا؟ 
ولم خشيت عليه التعب في أن يعقل ولم تخشه عليه في أن يفعل؟! فهذا 
جواب كاف في رده على هذه المجادلة). 

نعم يتألق نقد أبي البركات وتسطع حجته وهو بصدد هذه المناظرة 
بين العلم وَالخَلّق بالنسبة لله تعالى» وهو نقد يكاد يبلغ ذروة القرّة وحجة 
تكاد تصيب كبد الحقيقة» لولا أن الأساس الذي قام عليه كل ذلك لا يزال 
غامضا إلى حد بعيد. هذا الأساس هو فكرة الْحَلّقَ وموقف أَرِسْطُو منها فهل 
ترد الأدلة على أن في الفلسفة الأرسطيّة حديثا عن فكرة الخَلَّق أو ما يجري 
مجراها؟ والجواب بالنفي القاطع» ففلسفة أَرِسْطُو ليس فيها موضع لفكرة 
الحَلْق بمعنى الفعل والإيجاد» -وكما يرى بعض الباحثين فإنه لا يوجد 
نص واحد من نصوص أَرِسْطُو يشير إلى أن الله تعالى خلق العالم بمعنى 


. أبو البَرّكات البغدادي: المعتبر في الحكمّة ج ” ص ؟‎ ١ 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 41 


أوجده”"» والمنهج الذي اعتمد عليه أَرِسْطُو في البحث عن الله تعالى إنما 
هو السلم الطّبيعي الذي تتوالى فيه المعلولات عن عللهاء وقد أسلمه هذا 
المنهج إلى أن الضرورة العقليّة قاضية بأن هاهنا علة أولى مؤثرة هي المبداً 
الأوك كن ااب هاه كل ما هاا خرص الأرسط افيا يضاق 
بمسألة الإيجاد. أمًا بعد ذلك فالنصوص صريحة في أن الله تعالى لا اتصال 
له بهذا العالم سواء كان هذا الاتصال متعلقا بموضوع العلم أو موضوع 
الْخَلْق أو موضوع التدبير المباشر» وإذا كان أَرِسْطُو إنما يعلل هذا النظَام 
البديع الحكيم الذي نشاهده في العالم بعلة الشَّوْقَ الطبيعي الموجود في 
أجزاء المادة التي يتألف منها هذا الكون» فهذا دليل قاطع على أن أَرِسْطُو 
ما كان يقول بخلق الله للعالم ولا بمعرفته له ولا بتدبيره له» ولقد كان 
هذا التفكير الأرسطي الشاذ موضع نقد قاس من خلص تلاميذه وأتباعه» 
لآن مثل هذا التفكير غريب وغير منطقي ولا يتسق أبدا مع أبسط قواعد 
الفكر» قال التلاميذ لأستاذهم: «كيف يصح تدبير العالم من متحيز في 
نفسه» مقصور على ذاته لا يجاوزها؟! من أين وجود العالم في بدء نشأته؟ 
ومن أين بقاؤه إذا لم يكن للمبدأ الأول حظ في تدبير أمور العالم ولا أدنى 
إلمام به؟! فكأنك قد جعلت الإله والعالم قطعتين منفصلتين لا اتصال 
لإحداهما بالأخرىء وقد انتقدت «أفلاطون» حيث جعل عالمين: عالّم 
الحس وعالّم المعاني واليقين» ثم عجز عن بيان الاتصال بينهماء وأنت قد 
وضعت العالم ثم وضعت الإله مقابلا له» فعجزت عن بيان ماهية العالم 


. ٠۷۳ص عبد الرحمن بدوي: أرسطو‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


4۲ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 
وماهية الإله حتى بقيا متقابلين لا اتصال بينهما ولا تأثير» فإذا تحققنا قولك 
وسبرنا معناه وجدنا أنه لا حاجة للإله بالعالم ولا حاجة للعالم بالإله». 
أفبعد كل هذا يمكن أن يقيم أبو البرَكات نقضه لدعوى أَرِسْطُو على أساس 
من القول بالكَلق والأبيجاد؟! إن أبا الب ر كات يبدا شض هذا بشولة -ميخاطا 
أَرِسْطُو-: «إنك تعرفه (الله تعالى) وتعتقده مبدأ أول وخالق الكل» فنقول 
في خلقه وإيجاده مثل ما قلت في تعقله)(". ولقد نتفق مع أبي البركات في 
أن أَرِسْطُو يعرف إلهه بأنه مبدأ أول لكن لا نتفق معه في أن أَرِسْطُو يعرفه 
خالق الكل» ولو أن أبا البرّكات تحول بالنقد إلى فكرة «المبدئية الأولى) 
لكان أجدى له من التنظير بين فكرة العلم وفكرة الحَلّْقَ لأنه -فيما 
أعتقد- إذا سلم أَرِسْطُو أن ذاته مبدأ أول لكل الأشياء أو علة أولى لكل 
المعلولات» وسلم مع ذلك أنَّه يعلم ذاته ونفسه» فلا مناص -إذا ما كان 
أَرِسْطُو منطقيا- من أن يتعدى علمه دائرة الذَّات إلى ما دونها من معلولات 
وموجودات بصورة أو بأخرى من صور العلم والمعرفة» لآن العلم بالعلّة 
يوجب العلم بالمعلول» فإذا كان الله -تعالى- يعلم ذاته التي هي علة لما 
عداه فهو أيضًا يعلم ما عدا الذَّاتء وإلا لما اطردت هذه القاعدة الفلسفيّة. 

ولقد کان هذا الطريق هو أو ما اسففد إلبه الرازي في إثبات العلم 
بالنسبة لغير الذَّات سواء كان هذا الغير كليا أو جزثياء يقول الرازي في هذا: 
)١(‏ سانتلانا: تاريخ المذاهب الفلسفيّة ص05 نقلا عن الدكتور غلاب في كتاب: الفلسفة 

الإغريقيّة ج ۲» ص 27“4 انظر أيضًا يوسف كرم» تاريخ الفلسفة اليونانية» ص55 .١‏ 


0 اموق ال ج اص ولا 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۹۴ 


ثم بينا أن العلم بالعلّة يوجب العلم بالمعلول» وذات الباري تعالى علة 
لوجود جميع الممكنات» لما ثبت أنَّهِ ليس في الؤجود إِلّا واجب وجود 
واحد» فإِذَا يلزم من علمه بذاته علمه بسائر الممكنات)”". نعم يمكن 
من هذا المنطلق أن تناقش النّظريّة الأرسطيّة ويوقف في وجهها وتوصد 
أمامها الأبواب. أمّا منطلق أبي البركات وهو «فكرة الحَلّق) فإن أَرِسْطُو لا 
يختلف معه أبدا في أنه لا يخلق ولا يوجد ولا صلة له بغيره لا خلقا ولا 
إيجاداء وكل ما هنالك هو علاقة التحريك» وهي علاقة ينص أَرِسْطُو على 
أنها ليست علاقة الفاعل بل هي علاقة الغاية. وذلك ليبت كل الصلات 
التأثيرية التي قد تنشأ بين الله وبين العالم» وبهذا نعتقد أن نقض فيلسوفنا 
على دليل أَرِسْطُو نقض بغير شاهد» أو هو نصب للدليل في غير محل النزاع. 

ما النمط الثاني فيتناول فيه أبو البَرَكات الأسس الفلسفيّة التي قامت 
عليها نظريّة أَرِسْطُو والأساس الأول هنا هو فكرة «الكمال الإلهي». 
تلك التي انتهت بِأَرِسْطُو إلى أن يحصر العلم الإلهي في دائرة الذَّات لا 
يتعداها ولا يتجاوزهاء وأبو البَرَكّات ينظر هنا لفكرة الكمال نظرة تتعاكس 
مع النّظرة الأرسطيّةء لأن أَرِسْطُو إذا كان يرى أن الفعل الإلهي الذي هو 
الع يرنه الكمال قاف انر ر إلى ا تا ا وه 
أبا البَرَككات يرى الأمر بالعكس» يعني أن ليس كمال الله مستمدا من علمه 
أو تعقله» بل فعله أو تعقله ناشىئ عن كماله» بمعنى أن واجب الوجود لما 


. ٤1۸ص فخر الدين الرازي: المباحث المشرقيّة ج۲‎ )١( 
. 187 ص‎ »١ يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية ص55‎ )۲( 


www.alimamaltayeb.com 


4 موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
كان كاملا كان فاعلاء فهو متحقق أُوَّلَا بالکمال» ثم لأنه كامل» لزم عن 
هذا الكمال أن تكون له أفعال» وليس الواجب إنما صار كاملا لأنه صار 
فاعلا وإذًا فتعقل الواجب الوّجود -أو علمه أو فعله- من مقتضيات كماله 
ولو الل ولا قل نن فاا كان الا هال و ع قبل أ 
تفعله كانت ناقصة» ثم لما فعلته صارت كاملة. هذه ناحية» وناحية أخرى 
يحرص عليها أبو البركات وهي أن فكرة طروء النقص غير واردة ألبتة 
بالنسبة لواجب الوّجود. لأنه واحد من جميع الوجوه كما يرى ذلك أَرِسْطُو 
نفسه» والنقص لا يتصور إل حيث يكون ثمة موضع للزيادة والنقصء لأن 
النقص لا يتصور بدون الزيادة وهما معا صفتان من صفات الكثرة ومن 
صفات الغيرية «فأما حيث لا كثرة ولا غيرية بل وحدة محضة فلا يتصور 
نقص كيف والنقص من الصّفات الإضافية حيث يقال نقص كذاء كما يقال: 
زيادة كذاء فالنقص المُتصَّوّر في الذَّات الأحدية أي نقص يكون؟ ونقص 
ماذا يكون؟ وكيف يتصور؟! ولا أقول كيف يقال؟ فإن القائل قد يقول ما 
لا يتصوره» لكن العالم لا يعلم ما لا يتصوره إثباتا ولا نفيا). وحقيقة 
كيف يمكن أن يضاف للذات الأحدية البسيطة التي لا اختلاف فيها ولا 
تغير نقص؟! أفلا يكون هذا بمثابة تناقض في الحدود؟ ! 

إن أبا البَرَكات ينفي إمكان تصور النقص بالنسبة للمفاهيم التي لا 
تختلف بزيادة أو بنقص» لأن معنى أن هاهنا نقصا أن هاهنا كثرة وغيرية 
وهو خلاف الفرض. 


./0 أبو البَرَكّات: المعتبر في الحكمّة ج ” ص‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۵ 


ولكن ا ا راقص ال من اضياو الاك 
لولا هذا المعقول لما كانت عاقلة له» وبمعنى آخر: إنني حين أفرض أن 
الات ستعقل «أ» مثلاء أفلا يحق لي القول بأن لولا «أ» لما كانت الذَّات 
متصفة بتعقله ومن نَمَّ ينشأ احتمال النقص وطروءه للذات الواجبة؟! إن 
أبا البرّكات نفسه يثير هذا الاعتراض ليعمق من نظريته في الكمال الإلهي» 
وليهدم النّظريّة الأرسطيّة في كل مناحيهاء تلك التي اعتمدت في قصر 
لتقل عل الات على تك الكداله والنقضن اعمادا كلا وة كائية 
يكسب أبو البرّكات معنى الكمال الإلهي لونا جديدا من التحليل الفلسفيء 
فالكمال الثابت لواجب الوجود هو ليس كونه بأن يعقل كل معقول» بل 
كونه بحيث يعقل كل موجود» بمعنى أن واجب الوجود يعقل الموجود إذا 
كان هذا الموجود موجوداء لكن لو فرضنا أن هذا المعقول -مثلا- ليس 
موجودا فإنه يجب في هذه الحالة أن نفترض في ذات الوقت أن واجب 
الوجود لا يعقله. وكونه لا يعقله في هذه الحال ليس منشؤه أن واجب 
الوجود لا يعقل أو لا يقدر على عقله بل لآنه غير موجود» فالنقص آت 
من جانب العدم المفترض» وهو نقص عائد على هذا العدم» فواجب 
الوجود كماله حاصل له وهو كونه يعقل الأشياءء وهو كمال تام لا يقبل 
زيادة بتعقل الأشياء الموجودة ولا نقصا بعدم تعقله للمعقول الذي يفرض 
معدوما. ويناظر أبو البرّكات بين الكمال الإلهي بالمعنى السالف وكمال 
النفوس الإنسانيّة الذي نحسه ونشعر به» فكمالنا إنما يكون بحصولنا على 
فة التعقل» لا بأن نعقل الشيء بالفعل» وهذا هو الكمال الذَّاتي للنفس 


www.alimamaltayeb.com 


7 موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
الإنسانيّة» ولها بعد ذلك كمال إضافي اكتسابي وهو كونها تعقل الأشياء 
التي هي أشرف وأعظم» وهذا الكمال الإضافي لا يتصور في الجانب 
الإلهي» إذ ليس هناك ما هو أشرف أو أعظم حتى يشرف أو يكمل بعقله 
له. وإِذًا فالكمال الذي يحصل بإدراك المعقولات إنما يكون كمالا من 
جهة أن هذه المعقولات أشرف من العاقل وأكمل» وإذا كان الله تعالى 
له الكمال الذّاتي الذي يترتب عليه أن يكون عالما بكلٌٌ موجود» فلا يصح 
أن يقال: إِلّه يحصل له كمال بعلم موجود. لولا هذا الموجود لكان ناقصا 
هذا الكمال؛ يقول أبو البرّكات: «والذي بالات أعني كونه بحيث يعقل 
وقدرته على أن يعقل فهو كماله الذَّاتي الذي به شرف» وجل وعلا عما لا 
يعقل» والآخر هو الثاني والذي بالعَرّض أعني كماله بمعقولاته وشرفه 
بهاء فإن كوننا بحيث نعقل ما نعقله شرف لنا وكمال بالقياس إلى ما 
ليبن لة.ذلك] وكير من المعقولات الى تعقلها لا تشرف: بهاه وليس 
القرف الساصل من التحل هو الشرف الى بالترّف فان الذي بالترّة 
قبل الفعل ومعه وبعده» والذي بالفعل يحصل مع الفعل وبه وبعده 
ولا يكون قبله فما شرف الله بمخلوقاته» بل خلق بشرفه أعني ما خلق 
فشرف» بل شرف فخلق» وكذلك ما علم فكمل» بل كمل فعلم)"". 
وإِذَا فالمحصلة الأخيرة لرأي فيلسوفنا هي: 

أوَلَا: أن للنفوس البشرية نوعين من الكمال: كمال ذاتي هو لها 
بالقَرّ وهو كونها تعقل» وكمال كسبي إضافي يحصل لها من المعقولات 


VY 2/50 ص‎ ٣ المعتبر في الحكمّة: ج‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۹۷ 


التي هي أشرف وأكمل. 

ثانيا: آمّا الجانب الإلهي فالكمال فيه ذاتي وتام وبالفعل وليس له 
الكمال الكسبي أو الإضافي» إذ ليس هناك ما هو أشرف وأكمل حتى 
يضيف إليه شرفا أو كمالا لم يكن له من ذي قبل. 

الثا: ومعنى ذلك أن واجب الوجود ليس له كمال من غيره ألبتةء 
فكيف يقال: إِنّهِ لا يعقل غيره لثلا يفيد من غيره كمالا؟!. 

وإذًّا فالعلم عند أبي البركات أثر من آثار الكمال الذَّاتي وليس العكس» 
وإذا كان الاتجاه الأرسطي هو: أن الله تعالى يعلم فيكمل أو يخلق فيشرف» 
فإن ا كات يقلي حاتجا أساعلى عقب قر إن الله الى 
كمل فعلم وشرف فخلق. 

وأمر آخر يحرص عليه ابو البرکات وهو بصدد حديثه عن فكرة 
الكمال» وهو تلك التفرقة في الموجودات بين ذوات وأفعال» فالأفعال 
آثار ولوازم للذوات والذوات منشأ هذه الآثار واللوازم» ويترتب على هذا 
أن يكون شرف الأفعال إنما يصدر عن شرف الذوات» بمعنى أن الذوات 
علل في شرف الأفعال» وإذًّا فشرف الأفعال ليس إل دليلا على شرف 
الذوات» والدليل إذا ارتفع لا يرتفع معه المدلول عليه في ذاته» فلقد يجهل 
المسئول الدليل على أمر ماء مع كون هذا الأمر في نفسه ثابتا أي سواء علم 
المسئول ما يدل على ثبوته أو لم يعلم» وارتفاع الدليل هنا لا يستلزم ارتفاع 
المدلول عليه» ويرى أبو البَرَكَات أن أَرِسْطُو لو نفى حصول الكمال للذات 


www.alimamaltayeb.com 


۹۸ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


من علمه لما سواه دون علمه لذاته لكان أهون بكثير من نفي العلم للغير» 
بل ويرى أبو البرّكات أن أَرِسْطُو مخطئ في أن يفهم أن الكمال الإلهي 
عامل لات من عا اا لأن الداع امغر م دل كم 
باقعلل قعل الذّات إنما آثر لكمالها ر رقا لا التكين» ركمال الذاك 
هو حالها وهو فيها أمر غير معلل بأية علة أخرى خارج معنى الذّات» وهنا 
يقول فيلسوفنا: «وأقول: ولا بفعله لذاته أيضًا يكملء فإن ذاته لا تكمل 
بفعلها على ما قيل» بل فعلها وكمال فعلها عن كمالها الذّاتي فليس هو 
ناقصا حتى يكمل بفعله» بل هو تام بذاته» ولزم تمام أفعاله عن تمام ذاته» 
فيطل آذ فال هکل شل عيرم أو يعقل ذاهاه إذ قلنيا: لآ يكم ره 
وفعله غيره سواء كان عقله لذاته أو لغيره فهذه مجادلة كافية ونظر تام». 

ثم يناقش أبو البَرَكَاتَ المحاذير التي وضعها أَرِسْطُو عقبة في سبيل 
إطلاق العلم الإلهي وشموله لكل ما هو موجود غير الذَّات. 

فأما المحذور الأول وهو: تكثر الذَّات بتكثر المدركات وانثلام وحدة 
وجوب الو جود فعند أبي البَرَكَات أن هذه الكثرة ليست كثرة في الذّات كما 
زعم أَرِسْطُو بل هي كثرة في الإضافات والمدركات والنسب وذلك مع 
بقاء الهوية الذّاتية واحدة وحدة مطلقةء ثم إن الوحدة التي وجبت لواجب 
الوجود ليست هي وحدة المدركات والإضافات» بل الوحدة التي وجبت 
له مقصورة على اللات فقط» وهذه الوحدة التي وجبت للذات ما كانت 
أبدا -فيما يرئ= لنعبت عن طريق إرادة التنزيه أو التقديس أو الإجلال 


)١(‏ المصدر السابق: نفس الموضع. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۹۹ 
عن كر أو قير أو 'تعدده زاتما الود ة فا للذات رتا بر هاا باعفبار 
أله الميدذا الأول للعقل» وباغار أله زواجت الوجوه بذاته فإذا كان يدا 
أول للوحدة لزم أن يكون واحدا من جميع الوجوه» وإذًا فليست وحدته 
مقولة عليه تنزيها وإجلالاء بل هو أمر لازم -منطقيا- لمبدئيته للأشياء 
ووجوب وجوده على أن هذه الوحدة الثابتة أو اللازمة لزوما منطقيا لم 
تلزم إلا بالنسبة للذات وحدها دون الإدراكات والعلوم والإضافات» لأن 
هذه أمور إضافية لا معان في نفس الات فأي حرج في أن يثبت للذات 
الواحدة وحدة مطلقة نسب وإضافات متكثرة مُتعَدّدة؟! يقول أبو البَرَكَات: 
«فأما أنه يتغير بإدراك المتغيرات فذلك أمر إضافي لا معنى له في نفس 
الات» وذلك مما لم يبطل بحجة ولم يمنع ببرهان» ونفيه من طريق التنزيه 
و الا جال لاوس وبل العريةمى هذا اليه والاجلال :من هذا الاجلال 
أولى» وكيف يقول (أرشطو): إن إدراك المتغيرات يوجب تغييرا في الات 
وهو القائل في كتاب قاطيغورياس: إن الظن الواحد لا يكون موضوعا 
للصدق والكذب بتغيره في نفسه بل من حيث تتغير الأمور المظنونة عما 
هي عليه من موافقته إلى مخالفته لأن ذلك التَعَيّر ليس للظن في ذاته بل 
للأمر المظنون حيث وافق تارة» ثم تغير فخالف» فكيف كان ذلك لا يغير 
الظن والاعتقاد والعلم» وهذا يغير العلم» ثم يتأدى إلى تغيير العالم!!)0". 

وأبو البركات إنما يلزم أَرِسْطُو بنفس مذهبه الذي قرره في أحكام 
الجوهر من كتاب المقولات» حيث يقرر أَرِسْطُو أن أولى خصائص الجوهر 


)١(‏ المصدر السابق: ص۷۷. 


www.alimamaltayeb.com 


0 موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


هي قبول الواحد منه بالعدد للمتضادات» ويمثل لذلك بأن هذا الإنسان أو 
الإنسان الواحد بالعدد أو ما يسميه: «إنسانا ما» قابل لأن يكون أبيض حينا 
وأسود حيناء وحارا وبارداء وصالحا وطالحاء وهذه الخصيصة لا يتشارك 
الجوهر فيها مع غيره أبداء فالفرد الواحد بالعدد من اللون -مثلا- لن 
يكون أبيض وأسود. والفعل الواحد بالعدد أيضًا لا يكون هو بعينه مذموما 
ومحموداء ثم يفترض أَرِسْطُو سائلا يتساءل: ألا يمكن أن يكون القول 
والظن مما يجري هذا المجرى أعني قبول المتضادات؟ أليس القول 
بعينه مظنونا صدقا وكذبا؟ ر بمعنى أن القول إن صدق في جلوس جالس 
مثلا أليس هو ذاته يصير كذبا إن قام هذا الجالس؟ ونفس هذا التساؤل 
ألا يمكن أن يقال فيما يتعلق بالظن الواحد؟ فإن الظن إن صدق في 
جلوس جالس أليس يكذب نفس هذا الظن وعينه حين يقوم هذا 
الحالس ؟ وإذا أفلين الفرد الو اعد س الظن كوخ صدا وكذياة ومن 
نَم يقال: إن الظن -أو القول- مما يشارك الجوهر في هذه الخصيصة 
التي هي قبول المتضادات؟!. 

وموقف أَرِسْطُو من هذا الاعتراض هو: أن الإنسان قد يعترف بصحة 
هذا الاعتراض. ولكن حقيقة الأمر أن قبول الفرد الواحد من الجوهر 
للمتضادات غير قبول الظن للصدق والكذب» فالجوهر القابل للضدين 
متغير في نفسه مع هذين الضدين» فالشيء إذا كان حارا ثم صار باردا فهو 
قد تغير من حال إلى حال» وكذلك الأمر إذا كان أسود ثم صار أبيض» 
أو كان منعومًا ثم صار محموضًاء لكن فيما يتعلق بالقول أو الظن فليس 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۵۰۱ 


الأمر فيه على هذا المنوالء إِذَا الظن ثابت غير زائل» أما الزائل المتغير فهو 
المظنون من حيث إِنَّه يوافق هذا الظن أو لا يوافق» ونص أَرِسْطُو في دفعه 
هذا الاعتراض هو: «فلتكن الجهة التي تخص الجوهر أن قابل للمتضادات 
بتغيره في نفسه» هذا إن اعترف الإنسان بذلك» أعني أن الظن والقول قابلان 
للنتضنادانكه ]لا أن ذلك لش جحي لآن القوال:والظى ليس إثما شال فبنهمنا 
إنهما قابلان للأضداد ومن طريق أنهما في أنفسهما يقبلان شيئاء لكن من 
طريق أن حادثا يحدث في شيء غيرهماء وذلك أن القول إنما يقال فيه: إِنّه 
صادق أو إِلّه كاذب من طريق أن الأمر موجود أو غير موجود» لا من طريق 
أنه نفسه قابل للأضداد, فإن القول لا يقبل الزوال من شيء أصلاء ولا 
الظن فبجب ألا يكونا قابلين للأضداد"؟.:توصدرز الدين الشيرازيئ زيما عبر 
عن هذه الفكرة الأرسطيّة بتعبير أوضح يقول فيه: «ومن خاصية الجوهر 
أن الواحد العددي منه يقبل صفات متقابلة كالسواد والبياض» والرجاء 
والخوف في النَفْسء فإن قلت: الظن الواحد قد يكون صادقا وقد يكون 
كاذبا وهو نوع من العلم القائم بالتفس» والعلم الحصولي عَرَضء فالكيف 
أيضًا اشترك مع الجوهر في هذا الوصف. قلت: المراد تبدل تلك الصّفات 
المتضادة في نفسها لا بحسب نسبتها إلى أمر خارج» والصدق والكذب 
من الأمور النسبية» فالظن الصادق إذا كذب كان لتغير الأمر الخارج عنه» 
فالصورة العقليّة بحالها عندما كذبت نسبتها إلى الواقع بعد الصدق» وهذا 


)١(‏ منطق أرسطو: (كتاب المقولات من ترجمة إسحاق بن حنين) تحقيق الدكتور عبد 


الرحمن بدوي ج ١‏ ص۱۳ ٠١ 2.١5‏ . القاهرة ۱۹۸٤‏ م. 


www.alimamaltayeb.com 


۵۰۲ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


أيضًا من الخواص غير الشاملة فإن الجواهر المفارقة لا تغير فيهاء والعالم 
العقلي مصون عن التبدل والتجدد. ولوحه محفوظ عن النسخ والمحو 
والإثبات»'. إننا لنذهب مع أبي البَرَكَات في هذه اللفتة الذكيّة لنقول 
معه إن الفكرة الأرسطيّّة هاهنا فكرة لا تتسق مع ذاتهاء وإِنَّما تتضارب 
فيها المقدمات والنتائج تضاربا واضحاء وعدم ثبات الفكرة الواحدة في 
موطنين خافن من مواطن النظركة أو المذهب كليل الضف أو فقدان 
المنهج الفلسفي الدقيق في بعض مناحي هذه التّظريّة أو هذا المذهب. 
ثم يناقش أبو البرگات أَرِسْطُو في المحذور الثاني» وهو طروء التخير 
على ذات الواجب» وأَرِسْطُو يمنع طروءه لأن التَكَيّر يستدعي الحركة 
ويستلزمهاء ومعقد الخلاف بين أبي البَرَكّات وأَرِسْطُو هو في التلازم بين 
معنى اتير ومعنى الحَرَكة» فبينما يرى أَرِسْطُو أن الحَرَكة في المكان أمر 
لازم لأنواع التَعيّر الأخرى الواقعة في الكيف والكم”"» يرى أبو البركات 
أن هذا أمر لا يلزم في جميع أنواع انع بل إن لزم فإنما يلزم في بعض 
تغيرات الأجسام كالحرارة والبرودة» لكن إذا ما قلنا إن النفوس -مثلا- 
تتغير بأن تتجدد لها معارف وعلوم لم تكن لها من قبل أفيقال: إن هذا التغير 
متضمن حَرَكة في النفوس؟ والجواب عند أبي البرّكات بالرفض القاطع 
لأن النفوس لا تتحرك حَركة مكانيّة ولا غير مكانيّة حتى يقال إن تغيرها 
قد اقتضى فيها حَرَكة» وأرسطو نفسه يرى أن انس تتغير ولكن لا تتحرك 
)١(‏ صدر الدين الشيرازي: الأسفار الأربعة: المجلد الأول ص8١‏ 5. 
(۲) الطبيعة: ج ۲ ص 8/85 وما بعدهاء أيضًا انظر فصل الحركة من هذا البحث. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۵۰۴ 


الحَرَكة في المكان لكل ألوان التعْير الواقعة في الكم والكيف والمتى 
فإن هذا لا يزال في مرتبة الحكم الجزئي لأنه محصور في دائرة الأجسام 
الداخلة تحت مفهوم الكون والفسادء فهذه تتغير في الكيفيات والأشكال 
والمقادير وما يتبعهاء تغيرا مقترنا بالحَرَكة في المكان أو غير مقترن» 
لكن فيما يتعلق بالنفوس والعقول -ومن باب أولى: فيما يتعلق بواجب 
الوجود- فإن شيئا من هذا لا يلزم ولا يرد» يقول أبو البرّكات: «فأما الذي 
قد قاله في منع التغير مطلقا حتى يمنع التغير في المعارف والعلوم فهو غير 
لازم في التَعَيّر مطلقاء بل غير لازم ألبته».. فإن النفوس تتجدد لها المعارف 
والعلوم من غير أن تتحرك في المكان على رأيه فإنه لا يعتقد فيها أنها مما 
تكون في مكان آلبتة فكيف أن تتحرك فيه)". 

يعي أبو ا ات من خفية ارط ع الله ايه تف 
وكلال إذا هو كان على علم متصل بالمعلومات المتجددة المتباينةه 
وأَرِسْطو متضارب مع نفسه مرة أخرى في موضعين متشابهين» فهو هنا 
يجعل علة التعب والنصب الاتصال الدائم بين الذات وبين المعلومات 
مما يقتضي خروجا مستمرا من القَوّة إلى الفعل» ثم هو حين فسر انتفاء 
التب والكلال هو السماء الغ تسرك حر كة مسحو ة قال: إن الماك 
تتعب بدوام حركتها المتصلة» لأن طبعا لا يخالف إرادتها». فعلة التعب 
هنا مخالفة الطبيعة للإرادة. 


(17) المعب رف الك ج لاض الا 


www.alimamaltayeb.com 


0 موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


وع ا اا خا ار فاا سق 
القدرق وال : بالمخى الاستعدادى لا تليق بالميدا الأول لآن ال من 
حفى ایا ی بل ا وھا إلى الفقل ل ا کال ا 
كانت حاصلة عليه من ذي قبل» ففيها معنى الافتقار والاحتياج والنقص» 
إذ الاستعداد من حيث هو استعداد ليس إلا نقصا يحتاج إلى كمال أعني 
التحقق بالفعل» وإِذًا فالذي يليق بالمبدأ الأول هو القرّة الفعلية» وهي 
َة تامة ثابتة لا تزيد ولا تنقص» ومن نَم فخطأ محض أن يقال: إن لها 
حالة الخروج إلى الفعل» إذ هذه الحالة فيها ليست إلا تحصيلا لما هي 
حاصلة عليه» ثم إن علة التعب ليس كما قال أَرِسْطُو عن السماء: إِنّه 
مخالفة الطبيعة للإرادة» ولا كما قال في العلم الإلهي. اتصال الأفعال 
وخروجها من القوّة إلى الفعل» لأن الخروج من القوّة إلى الفعل يناسبه 
الالتذاذ والشوق» إذ هذا هو مقتضى الكمال المنتظر للقوّة التي تسعى 
دائما إلى الخروج من حالة الإمكان إلى حالة الفعل» فكيف يحل التعب 
والكلال محل السعادة واللذة والشوق!!. 

ما تفسيره الآخر أعني مخالفة الطبيعة للإرادة فهو أيضًا -فيما يرى 
أبو البرّكات- تفسير غير صحيح» أفلا يرى أَرِسْطُو أن القوى قد تتقاوم 
مدة ولا يعرض لها تعب! فإنا لو فرضنا أن المغناطيس يجذب قطعة حديد 
فترة طويلة من الزَّمان أكنا نتصور تعبا أو كلالا يطرأ على الحديد أو على 
المغناطيس أو عليهما معاء فيمل المغناطيس من جذب الحديد ومسكه 
ويتركه يهوي إلى مكان ميله الطَِيعِي! إن علة التعب والكلال هي الحرّكّة 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۵۰۵ 


التي تحل الأعضاء التي تتركب منها أجسامنا فهي أعضاء ذات تركيب 
مختلط من اللطيف والكثيف» واللطيف عرضة للانحلال» والحركة هي 
سبب ما يصيب اللطيف من هذا الانحلال؛ ومن َم كانت الأجسام التي 
لا تتركب من الكثيف واللطيف لا يعرض لها تعب ولا كلال فالسماء لا 
تتعب «لارتفاع التركيب والانحلال» لا لأن الطبيعة لا تضاد الإرادة فيهاء 
أو تضادها فإن ذلك هو سبب بعيد للتعب والكلال» والقريب هو ماذكرناه. 
فإذا ارتفع عن السماء لذلك فكم بالحري أن يرتفع عن سماء السماء 
وبسيط البسائطء الوحداني الذّات!). وإذا كان أبو البَرَكَات فد أجاد 
في نقض دعوى أَرِسْطُو فيما بتعلق بلحوق التعب والكلال» فإن تصوره 
الذي يطرحه في تفسير علة التعب لا يزال في التّمْس منه شيء» فما المراد 
باللطيف القابل للانحلال في الأعضاء؟ هل هو الروح؟ وكيف تنحل 
الروح في الأعضاء؟ وهل الروح مجزأة في كل عضو من هذه الأعضاء؟ أو 
هو قوَّة من القوى؟ بمعنى أن في كل عضو من الأعضاء قوّة خاصة تبطلها 
الحَرَكة أو تضعفها؟ ثم إذا بطلت القوّة أو انحلت -على حد تعبيره- فهل 
جاو دات هذه ال ارفا ف أخرى هومن یو وكيك ذلك كل هذه 
تساؤلات ےھ کا أو الركات هگا صرق ذونما احا 

ثم يتجه أبو البَرَكَات إلى النّصّ الأرسطي ناقدا بعض عبارات وردت 
فيه» ومتخذا منها موقفا متميزاء فقول أَرِسْطُو: «فأن لا يبصر بعض الأشياء 
أفضل من أن يبصرها» هو أقرب أقواله إلى أن ينظر فيه أو يتوقف عند 


(۱) أبو البَرَكات البغدادي: المعتبر في الحكمّة ج ٣‏ ص9/ - *۸. 


www.alimamaltayeb.com 


۵۰٦‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
ولكنه زائف أيضًا إذا ما عرض على محك النّظر والتأمل» فصحيح أن 
الاشتغال بإبصار الأشراف أولى وأفضل من الاشتغال بإيصار الأخس» بيد 
أن هذا القول لا يطلق هكذا على عمومه» فمثل هذا القول إذا صدق بالنسبة 
إلى طبائع معينة» فهو يكذب بالنسبة إلى طبائع أخرىء فبالقياس إلى طبائعنا 
يصدق هذا القول» لأن من شأن هذه الطبائع أن يشغلها إدراك الأخس عن 
إدراك الأشرف. فهي إذا التفتت إلى الأخس التفتت عن الأشرف» ومن هنا 
كان كمال هذه الطبائع أن تديم التفاتها نحو الأشرف والأفضل قدر طاقتها. 
أمّا بالنسبة للطبيعة الكلَيّة التامة التي لا يشغلها التفات عن التفات فلا يصح 
أن يقال فيها: ألا تبصر أفضل من أن تبصرء لأن الشأن هنا الإحاطة والشمول 
والحضور الدائم» ثم إن الأخس والأفضل إنما يتباينان بالقياس إلى نفوسنا 
ومدركاتناء لأن نفوسنا ذوات طبائع تنفر من أشياء وتهفو إلى أشياء» بل 
ليس هذا على إطلاقه فيما يتعلق بسائر النفوس والطبائع» لأن الشيء 
الواحد قل يكون جملا عند نفس فيا عند تفش أخرىء ومع ذلك أن 
بواطن الحقائق قد تنعدم فيها هذه التفرقة بين المتضادات والمتنافرات» 
إذ يصبح وجهها المقابل للطبائع الكُلَيّة لا اختلاف فيه ولا تفاوت» وذلك 
على الرغم من تفاوتها فيما نراه ونحسه ونشعر به» يقول أبو البَرَكَات في لغة 
غريبة بعض الشيء: «ثم هذا الأخس إنما هو خسيس بالقياس إلينا أيضاء 
وفي أشياء مباينة لطبائعنا منافرة لحواسنا لا على الإطلاق» وبالقياس إلى 
كل حساسء فإن طعم العذرة في فم الخنزير كطعم العسل في فم الإنسان» 


وإذا نظرت إلى الكل لم تجد فيه خسيسا تضر معرفته أو يضر علمه؛ أو 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۵۷ 


يكون لا إدراكه أولى من إدراكه» لا في الروحانيات ولا في الجِسّمانيات» 
لا في السماويات ولا في الأرضيات» وكيف! وما في الأرض وما تحت 
السماء ليس غير الأسطقسات الكيانيّة وما يتولد عنها بامتزاجهاء وليس في 
الممتزج منها سواها إلا قوى سمائية» وما منها ما يضر معرفته أو تعر معرفته 
ومن علا عن المضادة والمباينة فلا يكون ذلك بالقياس إليه مكروهاء فالله 
تعالى وملائكته أجل من أن ينالهم الأذى بضد أو مباينة في لون أو طعم أو 
رائحة... وما لا يأنف منه أن يخلقه ويوجده لا يأنف منه أن يدركه. وما لم 
يضره في أن فعله» لا يعره في أن علمه» ولا له كيفية مناسبة من لون أو طعم 
أو رائحة فيؤثرهاء وأخرى مباينة فيكرهها مثلنا. فلم ننتفع الآن بالقضية 
المشنعة» أعني القائلة: ألا يبصر بعض الأشياء أفضل من أن يبصرها»)0". 

إن لغة هذا النّصّ تعيد إلى أذهاننا تلك اللّْة التي يدافع بها أصحاب 
«وحدة الوجود» حين ينشأ الاعتراض المشهور الذي يصمم هذه الفكرة 
بأنها تضيف إلى الله تعالى من الأحوال ومن الأمكنة مالا يتناسب مع كماله 
وجماله وجلاله» بل إنها نفس اللغة ونفس الفكرة» وإن كان أبو البركات 
يقف بها هنا لهدم قولة أَرِسْطُو السالفة» والفكرة في محصلاتها الأخيرة 
-فيما يتعلق بموضوعنا هذا - فكرة سليمة فيما أعتقد. 

وأمّا قول أَرِسْطُو: «وهذا (تعقله لذاته) يوجد هكذا دائما من دون 
تعرف أو جس أو رأى أو تفكر فهذا ظاهر جدًا فهو قول مقبولء لأن 
إدراك القديم إدراك تام وهو إدراك قديم أيضًا فليس هاهنا جس ولا 


.۸* - ص9/‎ ٣ أبو البَرَكات البغدادي: المعتبر في الحكمّة ج‎ ١ 


www.alimamaltayeb.com 


۵۰۸ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


رأي ولا تفكر» لكن قوله: «فإنه إن كان معقول هذا العقل غيره فإما أن 
يكون شبئا واحدا ذاثماء أو واحدا بعد آخرا قول مردود وغير مقبول؛ 
لأنه يعقل ذاته وهذا محل اتفاق» ويعقل غيره «فيعقل الدائمات دائماء 
ويعقل المتجددات عقلا قديما دائما من حيث قدمها النوعي والمادي» 
والذي من جهة العلل الفاعلية والغائية فيعقلها في تغييرها على وفق 
تخبيرها ولا يكون ذلك التغثر فيه جل فيهاة؟". .وأمًا قوله» إن واجب 
الؤجود لولا أشياء غيره لم يكن بحال كذا من الكمال» فإنه قد يصدق 
فيما لو كانت هذه الأشياء التي هي غيره ليست من خلقه وإبداعه حينئذ 
يمكن أن يقال: لم يكن بحال» ثم كان بحال آخر أكمل» وقول أَرِسْطُو 
هذا -فيما یری أبو البرّگات- شبيه بقول من يقول: (إِنَّه لولا ذاته لم 
يكن بحال كذا «لا فرق بينهما»» لأن الرفع في الفرض إنما يقع من 
جهة العِلّة الأولى التي لا يرتفع المعلول إلا بارتفاعها»”"» ويعني أبو 
البَرَكَات أن أَرِسْطُو حين يقول: «لولا أشياء غيره لم يكن له حال کمال» 
فإنه يفترض رفع هذه الأشياء التي هي غيره» وثمتئذ لا يكون للواجب 
تلك الحال الكمالية» لكن كون هذه الأشياء صادرة عن الواجب وهو 
علتها فإنه حين يفترض دفعها فإن هذا الرفع لا يكون إلا من جهة العلّة 
وحينئذ يكون أَرِسْطُو قد افترض رفع العلَّة مع هذه الأشياء لأن هذه 
الأشياء بما هي معلولات لا ترفع -فرضا- إلا عند ارتفاع العِلّة» فحين 
١‏ أبو البَرَكّات البغدادي: المعتبر في الحكمّة ج ا ص .8١‏ 

(۲) نفس المصدر السابق: ص 7/. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د / أحمد الطيب ۵۹ 


يفترض أرسطو رفع هذه الأشياء مع العلَّة فكأنه يقول: «لولا ذاته لم 
يكن بحال كذا من الكمال» وأمر بين أن مثل هذا القول مما لا معنى له. 

ثم يناقش أبو البَرَككات نظريّة ابن سينا في العلم الإلهي فيقف منها 
موف الوقفى والأكار لكل ما تا هذه التظركة من ابسن فلسلية 
وقواعد فكرية. 

فأولا: ينقض أبو البَرَكات الأساس الأول الذي بنى عليه الشيخ الرئيس 
نظريته في العلم الإلهي» وهو الأساس الذي يرفض أن يكون واجب 
الؤُجود يعلم الأشياء من الأشياء حتى لا يترتب على ذلك أن تقوم الات 
الواجبة بما تعقل أو يعرض لها أن تعقل» وعلى كلا الحالين تنثلم وحدة 
وجوب الوجود في الذَّات الواجبة» ونقده لهذا الأساس قائم على أن معنى 
«يعقل» هو «يفعل» فكون واجب الوجود -في فرض ابن سينا- يعقل شيئا 
من شيء معناه أله يفعل هذا التعقل» والفعل لا يكون إلا بعد وجود الفاعل 
بعدية ذاتية» وإذا كان فاعل الفعل موجوداء ضرورة فعله لهذا الفعل» فكيف 
يتقوم بما يفعله؟ أليس التقوم عند الشيخ الرئيس أمرًا يخص الوّجود! أفإذا 
تم الؤجود فهل يصح أن يقال إِنّهِ يتقوم بشيء؟ ثم كيف يتقوم الوجود بما 
هو بعد الوّجود بالذات!! وعند أبي البَرَكَات أن قول ابن سينا: «أو تكون 
عارضا لها أن تعقل»» وما يترتب عليه من أنه لا يكون واجب الوجود 
من جميع جهاته» هو قول أشبه بتخيلات الشعراء ومحسني الألفاظ في 
الخطب والمدائح» وأبو البركات لا يرى معنى لعبارة ابن سينا (من جميع 
الجهات» وهنا يتساءل فيلسوفنا: ألا يمكن أن يقال -من منطلق ابن سينا 


www.alimamaltayeb.com 


۵1۰ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


هذا- أن واجب الوجود باعتباره المبدأ الأول للكل إما أن يتقوم بهذه 
المبدئية وإما أن تعرض له؟ وعلى كلا الحالين لا يكون واجب الوجود 
من جميع الجهات أي لا يكون واجب الوجود من جهة كونه مبدأ أول لزيد 
وعمرو وغيرهما من الموجودات مادام قد عرض للذات أن تكون مبداً 
أول للأشياء؟! نعم إن منطق ابن سينا في التقوم والعروض بالنسبة للذات 
الواجبة -من جميع الجهات- يتأدى لا شك إلى هذا الذي يفترضه أبو 
البركات بالنسبة للذات الواجبة الوجود ومبدئيتها لسائر الأشياء» وحقيقة 
الآمر أن البرهان إنما يثبت وجوب الوجوهد. أمَّا جميع الجهات هذه فإن 
أريد بها جهات الوجودء فهذا أمر مقبول وإن أريد بها ما عدا ذلك من 
الإضافات والمناسبات فهو أمر مرفوضء ولا تقوم عليه حجة ولا برهان» 
وابن سينا یری أن الله تعالى واجب الوجود من جميع الجهات كما يرى 
في ذات الوقت أنه مبدأ أول للأشياء جميعاء فإذا ما كان وجوب الوجود 
من جميع الجهات معناه الوحدة المطلقة التي لا اعتبار فيها لإضافات ولا 
مناسبات وكانت هذه الوحدة -فيما يرى ابن سينا -تنثلم إذا عرض لها 
أن تعقل» فلماذا لم تنثلم حين يعرض لها أنها مبدأ أول للأشياء؟ لماذا 
يقبل ابن سينا كون الات مبدأ أول ويرفض كونها تعقل الأشياء مع أن 
هذين الآمرين إتماهمامن قبل الأضافات والمناسات بين الذات الراسة 
والآشياء أو الموجودات الأخرى؟! إن ابن سينا في نظريته هذه بين أحد 
أمرين» فإما أن يكون واجب الوجود واجبا من جميع الوجوه» وهنا لابد 
من استبعاد أية إضافة في أي وجه من وجوه الذَّاتء ويترتب على ذلك 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 01١‏ 


ئى6 
کے 


استبعاد كونه مبدأً أول للأشياء» وإما أن يكون واجب الوجود مع إضافة 
مبدأ للأشياء وهنا يجب استبعاد «من جميع الوجوه» أي لا يكون واجب 
الوجود بقيد كون هذا الوجود من جميع الوجوه. لكن ابن سينا يؤمن بنظريّة 
وجوب الوجود من جميع الوجوه» وفي ذات لوقت يؤمن بأنه مبدأ للأشياء 
جميعهاء وهذا -عند أبي البَرَكات- أشبه بالأمر المتناقض مع ذاته «والذي 
ألزمنا البرهان أنه واجب الوّجود بذاته» فأما «من جميع جهاته» إن كان من 
جهات وجوده فذلك» وآمّا في إضافاته ومناسباته فلاء إذ بطل بما قيل» فإما 
أن لا يكون مبدأ أول وإما ألا يكون واجب الوجود من جميع جهاته أعني 
من جهة إضافاته إلى ما وجوده بعد وجوده بالذَّات)0©. 

ثانيا: قول ابن سينا: «إذ يكون لولا أمور من خارج لم يكن هو بحال» 
ويكون له حال لا تلزم عن ذاته بل عن غيره» قول مردود عليه: بما سلف 
ذكره من فكرة الْخَلْقَء وهنا يكون نقض أبي البَرَكَات لكلام ابن سينا نقضا 
بالغا مداه في قوّة الاحتجاجء لأن ابن سينا لا يملك إزاء فكرة الحَلّق هذه 
دفعا ولا رداء بل هو مضطر للقول بها -بصورة أو بأخرى- لأن المبدئية 
هنا في فلسفة ابن سينا ليست المبدئية في فلسفة أَرِسْطُو فإنها إن تكن عند 
هذا الأخير بمعنى الغاية» فهي عند الأول بمعنى الفاعل والموجد» فهنا 
حال للذات لولا أمور خارجة لم تكن كذلك» لأنه بما لا يخلق لا يكون 
خالقاء فهل يطبق ابن سينا هنا نظريته ليستبعد مشكلة الحَلق من الأساس؟ 
أو يقصرها على مشكلة العلم فتفقد اتساقها المنطقي وتصبح لغوا من 


www.alimamaltayeb.com 


01۲ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
القول؟! على أن قول ابن سينا في نصه السالف» «وتكون له حال لا تلزم 
عن ذاته بل عن غيره» قول يشتمل على مغالطة:» لأن العلم عبارة عن إضافة 
لزمت عن ذاته بالنسبة إلى مخلوقاته» ومخلوقاته لزمت عن ذاته ولازم 
لازم الذَّات لازم الذَّات فما لزمت عن غيره كما قيل وإلا فبأي حجة تلزم؟ 
وهم (المَشَّاءون) فلم يوردوا على ذلك حجة» بل أوردوه كالبين بنفسه» 
ولیس ببين» بل مردود باطل»""". 

ثالثا: قول ابن سينا: «ثم الفاسدات إن عقلت بالماهية المجردة وبما 
يتبعها مما لا يتشخص فلم تعقل بما هي فاسدة» وإن أدركت بما هي مقارنة 
لمادة وعوارض المادة لم تكن معقولة بل محسوسة أو متخيلة) معناه أنه 
يجعل إدراك الفاسدات على حالتها -أعني جزئيتها- حسا لا علماء وين 
نَم فلابد أن يكون المدرك في هذه الحالة جسْمانيًا أو ذا آلة إدراكيّة متجزئة 
وهذه الحالة لا يقال لها: علم. 

بيد أن الفاسدات يمكن أن تدرك على حالة أخرى أعني ليست 
بما هي فاسدة أو متجزئة» ولكن بما هي ضمن أنواعها وأجناسهاء وهنا 
يكون الإدراك علما لأنه إدراك الثابت غير الفاسد الزائل» ومن تَمّ فلابد 
أن يكون المدرك عقلا أو ماهيته مجردة. وإذًا فليس للماهية المجردة أن 
تدرك الفاسدات» وكما سبق أن بينا في فصل التَفس فإن أبا البَرَكَات يقف 
من هذه النّظريّة موقف عداء فلسفي متطرفء ولقد جهد جهدا كبيرا في 
تحطيمها على أساس من حكم العقل ومن شهادة الشعور والوجدان» وأبو 


.۸٣ نفس المصدر السابق ص‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۵1۴ 


البرّكات يعيد هنا معظم ما قاله في الفصل السابق من أحاديثه التي نقض 
فيها الفكرة المَشَّائيّة التي تقيم تفرقة بين مدرك الكَلَيّات ومدرك الجزئيات 
أو بين العلم وبين الجس والتخيل» كما يعيد الجانب الإيجابي في نظريته 
وأعني به تصوره الخاص في أن مدرك | e‏ اه 
هي قو النَّفْسء ولقد نضرب صفحا عن كل هذا الحديث المكرر المعاد 
اعتمادا على ما سبق بيانه في الفصل السالف. وما يبقى لفيلسوفنا جديدا 
في هذا المقام هو تعقيبه على نظريّة ابن سينا في أن الجسم لا يكون حاضرا 
عندما ليس بجِسّم.» تلك ل س 
الجوفات ومدرك الك انار ريسع أبو ا ات من ابن سينا وهل 
يزعم أن القول بأن «المادي لا نسبة له إلى اللامادي» قول ظاهر وسهل 
الاقتناص» وكيف؟ وهو قول ملؤه الخطأ ومجانبة الصواب» ولو صح 
قول ابن سينا هذا لما كانت هناك نسبة وعلاقة بين النفوس وبين الأجسامء 
والمَشاءون أنفسهم لا يفتئون يضيفون التَّفْس إلى البدن بعلاقة «في» 
و«مع» و«عند)» بل لو صح هذا لبطلت نظريّة ة ابن سينا في الإدراك العقلي. 
ألم يزعم ابن سينا من قبل أن البصر يرفع صورة المبصر إلى الخيالء 
والخيال عنده قوّة جسْميّة» ثم يأتي العقل فيدركها من الخيال!! وإذًا فإما 
أن يدركها العقل في الخيال وهنا نقول: إِلّه أدرك الصورة الجِسْميّة» وإما 
أن يدركها بأن ينقلها من الخيال إلى العقل» وهنا أيضًا التقاء بين العقل 
وبين هذه الصورة الجِسْميّة قبل انقلابها إلى صورة عقلية» فعلى أي وضع 


۲۸۰ ابن سینا الفجاة ضن‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


۵1٤‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 
كان التقاء الصورة بالعقل فهناك لا محالة لقاء بين المادي واللاماديء» 
وحضور من الجسم عند ما ليس بحسم ثم إن الشيء المدرك في الس أو 
قن ا إتما هر آم و اسل يمد اله لازن له کاو اورقا وا عا يدراه 
فردا واحداء ثم تعرض له الكَليّة أو الجزئية بعد إدراكه في الذَّهن وذلك عبر 
نسب ومقاسات وحقابيات إلى رين كفن أو خافن فالمدر ك هن 
حيث هو هو لا تصدق عليه كلية ولا جزئية. يقول أبو البَرَكات «فلولا نسبة 
لقاء وحضور -وما شئت سمه- للنفس إلى البدن لما كان آلة لهاء وإلى 
المدركات لما أدركهاء ولو لم يدركها لما عقلها كلية ولا جزئية وكيف 
والشيء المدرك واحد في معناه!! والكلَيّة تعرض له بعد كونه مدركا 
باعتبار» ونسبة» وإضافة بالمشابهة والمماثلة إلى كثيرين وهو هو بعينه» 
وإذا اعتبر من حيث هو لم يكن كليا ولا جزئيا وإِنَّما يدرك من حيث هو 
موجود لا من حيث هو كلي ولا جزئي وتعرض له الكَلية والجزئية في 
الهن بعد إدراكه فمدرك الكُلَّىَ هو مدرك الجزئي لا محالة». وهكذا 
يرتبط أبو البركات من جديد بنظريته في علم التفس ليقف بها في وجه 
التّظريّة السينوية هناء وفيلسوفنا يلح -من جديد أيضًا- على الاعتماد 
كل الاعتماد على شهادة الشعور والوجدان وهي شهادة لا يأتيها الشك 
من بين يديها ولا من خلفهاء والشعور قاض بأن مدرك الجزئيات هو هو 
مدرك اللات وأن اللامادي يدرك المادي» وأن للجسم حضورا 


13 المعبر قال ج ۴ص 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 016 


وإِذا فهذه الأسس التي وقفت حجر عثرة في نظريّة أَرِسْطُو وابن 
سينا في العلم الإلهي أسس باطلة» وما ترتب عليها باطل أيضًاء ويبقى 
أن الله تعالى يعلم ذاته ويعلم غيره من الكلَيّات ومن الجزئيات» فالذي 
يريد ويقدر ثم يخلق لابد وأن يعلم والقدرة على الخَلّق دليل القدرة على 
العلم» والله تعالى هو خالق الكلء والخَلّق أكبر من العلم» فإذا انتفى عنه 
العلم فبالأولى والأحرى أن ينفى عنه الْخَلْقَء وكيف ينفى عنه الَلّق وأكثر 
العذاتين يفولون 6 علم الله تعالى هو قذرته؛ وقذرته وسعت كل شىء 
خلقا فلا عجب أن يسع كل شيء علما»". 

١‏ -ولكن كيف يعلم الله تعالى الأشياء؟ 

لقد سبق أن قرر أبو البَرَكَات في فصل التفس أن الإدراك عنده ليس 
هو انتقاش الصّوّر المدركة في ذهن المدركء وإنَّما التفس هي التي تدرك 
الأشياء في أماكنها وعلى هيئاتها وأوضاعهاء وهنا -في مشكلة العلم 
الإلهي- يذكر أبو البَرَكات بهذا الأصل الذي قرره من قبل في إدراك التَمس 
وعلمها بالأشياء الموجودة وجودا حسيا في العالم الخارجي» لأنه نفس 
الأصل الذي ينطلق منه في نظريته في هذه المشكلة التي نحن بصددهاء 
ويرى أبو البركات أنه حتى بالنسبة للموجودات الروحية التي لا تدرك 
بالحواس إدراكا ظاهرياء فإنه قد يفترض فيها هذا الفرض أيضًاء فهذه 
المدركات التي لا نسميها أو لا نعرفها معرفة حسيّة» إنما نعلمها علما يقينا 
بمعرفة واستدلال» ولو أمكن لنفوسنا أن تصل إليها كما تصل إلى مرئياتها 


(0) المصدر السابق: صا۸. 


www.alimamaltayeb.com 


41 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


بالعين مثلاء لأدركتها في ذوات كما تدرك مرئياتها وتشافهها كما تشافههاء 
وبعدد أن يحدد فيلسوفنا أن التَمُس تدرك جميع الموجودات في أماكنها 
وعلى أشكالها وفي أزمنتهاء وأن هذا الإدراك ليس انتقاشا أو انتقالا للصور 
المدركة أو انطباعا في ذات التفس» وإلّما هو محض انكشاف النَمْس 
وانفتاحها على ذوات الأشياء الخارجية» بعد ذلك يناظر أبو البَرَكَات بين 
علم التقس وإدراكهاء وبين العلم الإلهي» ويرى أن بينهما شبها في الأصل 
والمبدأ ولكن مع الفرق بين طبيعتي هذين اللونين من الإدراك والعلم 
فالعلم الإلهي غير محدود ولا يضيق بشيء. ولا يحجب منه شيء شيئا 
آخرء مثلما بكون الحال في علم التفس وإدراكها فالله تعالى يعلم جميع 
الموجودات ومدركها على ما هي عليه من أوضاع وأشكال وأمّاكن وهو 
علم لا ينشغل ببعض المدركات عن بعضها ولا يضيق بكثرتها فيدرك بعضا 
ويفوته بعض» ولا يلتفت إلى مدرك فيلتفت عن مدرك آخر بل هو إدراك 
لكل الموجودات إدراكا متساويا وإدراكا مجتمعا. 

ثم يعقد أبو البرَكات مقارنة أخرى بين العلم الإلهي وبين علم التفس 
الإنسانيّة وإدراكها بالصور الذهنيّة» فهذه الصّوّر الذهنيّة على نوعين: نوع 
يكون سببا للموجود في الخارج» ونوع يكون الموجود الخارجي سببا له» 
ومثل النوع الأول صورة الخلخال في نفس الصائغ» فإن هذه الصورة في 
ذهن الصائغ هي النموذج الذي يصنع الصائغ على وفقه وبمقتضاه» وكأن 
هذه الصورة الذهنيّة هي الِلّة أو السبب في ظهور الخلخال ووجوده على 
هذه الصورة» أمَّا مثل النوع الثاني فهو مثل القمر -أو الشمس- بالنسبة إلى 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۵۱۷ 
صورته في الذّهن» فإن القمر الموجود في الواقع الخارجي هو العِلّة في 
نشوء صورته الذهنيّة عند العارف به» وينتهي أبو البَرَكات من هذه المقارنة 
والمناظرة إلى أن علم الله تعالى بالموجودات هو من قبيل: الخلخال 
والصائغ لا من قبيل القمر وصورته في الذهن» «فالصور العلميّة في عالم 
الربوبية تكون بأسرها من قبيل الصائغ والخلخال لا من قبيل الشمس 
والقمر بالقياس إلى الإنسان» فلذلك قال أفلاطون بالمثل والقواليب» 
وكيف لا وهي المثل الحقيقة» بل الموجودات مثلها ونسختها وهي أم 
الكتاب» فهكذا يجب أن نتصور في معرفة الله تعالى وعلمه». 

و إذَا فنظريّة أبي البَرَكات في العلم الإلهي يمكن أن نلخصها فيما يلي: 

أوَّلّا:علم اللهتعالىعلم قديم؛ وهوصفة انكشاف تخلق القدرةعلى وفقه. 
وكل الموجودات إنماظهرت في الوجود بعد أن علمها الله تعالى علما سابقا. 

ثانيا: علم الله تعالى ليس قاصرا على ذاته كما یری أَرِسْطُو ولا قاصرا 
على ذاته وعلى الأمور الكَلَيّة من غير ذاته» كما یری ابن سيناء بل علم الله 
تعالى شامل لذاته وللكليات والجزئيات من غير ذاته» وهو يعلم الجزئيات 
علما مطابقا لما هي عليه من الأزمنة والأمكنة والأشكال والأوضاع 
ويعلمها كذلك حين تتبدل وحين تتغير. 

ثالثا: علم الله بالجزئيات لا يعني أله تعالى يصبح محلا للصور 
العلميّة تنتقش في ذاته أو تنطبع فيهاء والعلاقة بين الذَّات وبين علومها 
ومدركاتها ليست علاقة المحل بما يحله» ولا علاقة الأجسام بما يتشكل 


)١(‏ المصدر السابق ص۹۳. 


www.alimamaltayeb.com 


۵۱۸ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


فيها من أشكال» وإنَّما هي علاقة الانكشاف الذي يتأدى من الذَّات العالمة 
إلى المدركات والمعلومات آینما كانت وكيفما كانت. 

وأبو البَرَكات بهذه النّظريّة يدرك أله يخالف كل الفلاسفة ويطالعهم 
في هذا المشكلة برآي قد لا يرضون عنه» ومن هنا يذهب في إرساء الأسس 
الفلسفيّة لنظريته هذه مذهبا بعيداء ومن ثَّمّ فهو هاهنا مضطر للوقوف ضد 
هذا الاعتراض الأرسطي الذي يرى أن علم الواجب تعالى يقتضي حلول 
الور العلا فيه وأ البركات يرى أن مكل هذا القول لبس من القيزية 
ولا من الإجلال في شيء أبداء لآن التنزيه إنما يكون من النقائص لا من 
الكمالات ومن نّم فتنزيه الله تعالى عن تنزيه أَرِسْطُو أوجب وألز» لأن 
تنزيه أَرِسْطُو مفض -لا محالة- إلى نسبة معنى الجهل إلى الذي يعطي 
الجكمّة لكل حكيم والعلم لك عليم» ثم إن أَرِسْطُو إذا كان يعترف بأنه 
المبداً الأول لكل موجود ولكل وجود. فلم لا يسحب نظريته هذه على 
معنى العلم والمعرفة؟! أليس منطق النَّظريّة يلزمه بأن يكون المبدأ الأول 
أيضًا للعلم والمعرفة؟! وإذا كان مبدأ العلم والمعرفة لا يعلم ولا يعرف 
فكيف يعطي فاقد الشيء هذا الشيء؟! وهنا يسدد أبو البرّكات طعنته في 
المنهج المّشَّائي القائم على المبدأ الأول والعِلّة الأولى التي فيها من الكمال 
بقدر ما في المعلول على أقل تقدير» ويرى فيلسوفنا أن إفحام المَشّائين 
من خلال هذه النقطة المنهجية أمر لا يملكون له رداء لأن هذا الأساس 
الميتافيزيقي ما يكاد يطبق في مشكلة العلم حتى ينهار على ذاته ويتناقض 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 016 


الخطأ في تكوين المنهج» لأن صناعة التظر تقتضي من المتعلم أو السائر 
في طريق التظر والبرهان أن يث يثبت على ما عنده من العلوم والأفكار التي 
يتيقن من صحتها أو التي يسلم بها ليرتقي بهذا المعلوم اليقيني إلى معلوم 
مجهول» وذلك حتى تسير حَرَكة الفكر صاعدة من معلوم إلى مجهول 
وهكذا. ولكن إذا ما استعصى مجهول على المعرفة» أو تعارض مع 
المسلمات التي فرغ من إثباتها فإنه ينبغي أن يبقى هذا المجهول «في مهلة 
الطلب» حتى يتكشف أمره» ولا يصح أبدا أن يكر الباحث راجعا فينقض 
المعلوم من أجل المجهولء فإن من هذا منهجه لا يحصل له يقين في 
م فإذا كان أَرِسْطُو سلم بأنه تعالى المبدأ الأول للكل» فقد كان 

ينبغي أن يثبت على معتقده هذاء ثم عليه أن يث يثبت أنه تعالى مبدأ أول للعلم 
والمعرفة أيضّاء ضرورة آنه مبدا أول لکل معلوم فيكون عالما بذاته وعالما 
بغيره» ثم إذا اشتبه عليه أمر العلم بعد ذلك» وخالف الأصل الذي أصله 
وثبت لديه فلا بأس من هذا الاشتباه وهذه المخالفة» والمنهج يقتضي هنا 
إزالة التناقض الناشئ بين المقدمات والنتائج» لا نقض النتائج أو نقض 
المقدمات واستبعادها وخصوصا حين تكون طبيعة الموضوع المبحوث 
عه مما به ريض قار الطلى قد اعفد علي العشافن فى اتقنسهم الى 
بين جنباتهم» أفلا يشتبه عليهم فيما يتعلق بالمبداً الأول؟'. 

ولكن هل علم الله تعالى هو ذاته أو هو أمر غير ذاته؟ والإجابة عن 
هذا التساؤل عند أبي البركات تنطلق من موقفه من نظريّة العقل والعاقل 


. ٠٥ص أبو البرَكّات البغدادي: المصدر السابق‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


0۲ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 
والمعقول من غير تكثير» وفيلسوفنا صريح في أن هذا القول غريب على 
الحق ورف غاا مساوى ا يانه لذ جن الاق هر الات 
الفاعلة والعقل هر الفعل الصادر هخ الذّات الفاعلة» فإذا افترضت أن 
افر ل هو تلك ال ات الأ رل العاقلة قمع ذلك أن المدر ك هو المدرلة 
أي آنه مدرك ذاته» وإذَّا «فكيف يكون الإدراك الذي هو الفعل هو ذات 
المدرك وذات المدرك؟! وما الفرق بين إدراكه ولا إدراكه؟ وكيف يصدق 
إيجاب الإدراك ويكذب سلبه؟ فما الموجب وما المسلوب؟ وما الصادق 
وما الكاذب؟)'. وينتهي أبو البَرَكَات من نقده لهذه المقولة الأرسطيّة إلى 
ضرورة أن يكون العلم في الذَّات الواجبة أمرّا غير الذَّاتء بل ومعرفته 
بذاته غير معرفته بمعرفة ذاته على ما سبق بيانه في علم التّقْس. 

ونصل إلى النقطة الأخيرة في نظريّة أبي البركات عن العلم الإلهي. 
وهي النقطة التي يفرق فيها بين كون العلم في العالم» وكون الشيء في 
الشيء من الأمور المادية ككون الصورة في الهيولى مثلاء أو كون الشيء في 
الزَّمانء أو في المكان. فإذا قلنا: إن العلم في العالم» وإن امس في البدن» 
وإن الشيء ذ في الزّمان أو المكان» فإن وجه الشبه بين هذه الأمور الثلاثة 
هو لفظ افي» فقط. نعم يتناول لفظ #في» هذه الوجوه التي ذكرت جميعاء 
لكن بمعان متباينة تماماء فإذا قلنا مثلا: إن الأضداد تجتمع في في التقس فهل 

معنى (في») هنا هو نفس المعنى لو قلنا: إن السواد ذ لي شياو الجسم في 
المكان؟! وأمر واضح أن لفظ «في» لا يشير إلا إلى علاقة «ما» أمَّا كيفية 


)نس المضدى اسان ىة 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 0۱ 


هذه العلاقة وحدها وهويتها فهذا أمر متوقف على طبيعة الطرفين اللذين 
تقع بينهما هذه العلاقة» وعلى هذا المنوال لو قيل: إن صور المعلومات 
موجودة في عالم الربوبية فلا يقصد منها مثل هذه المعاني الآنفة» لأنه لا 
يعرف كنه هذا المدلول على أي وجه يكون ولنا من التفس نموذج يقرب 
إلينا هذا الفرق في معاني لفظ «في» ومدلولاته» إن وجود العلوم والمعارف 
في التفس لا سبيل لنا إلى إنكاره» وإننا في ذات الوقت لنجهل مدلول «في» 
بالكنه والدّات» وکل ما نعلمه هو أن مدلول «في» هنا يخالف مدلوله في 
كل ما قيل من قبل. وإذا كان الأمر كذلك فيما يتعلق بنفوسنا فالأمر بالنسبة 
لله تعالى أشد صعوبة وأكثر غموضا. 

وإِذَا فالذي ينبغي أن يسلب وينفى عن العلم الإلهي إنما هو المماثلة 
والمشابهة بين علومنا وعلومه» فالمماثلة هي ما يجب أن يتنزه عنه» وهذا 
لا يعني إلا أن يكون العلم في العالم بالنسبة للذات الواجبة أيضّاء لأنه لا 
يقتضي نقصا ولا شبها ولا مماثلة» إذ هو «كون» غير معروف ولا مفهوم 
فل وجا مع معدى فال ام معن هذه البقابية: لك لا سلت 
ال «في» وإيجابه» بل بالفرق بين ال «فيين»» واجعل البعد في الفرق كالبعد 
بين المفروق بينهماء وقس عليه بما فرقت في قوله «في» عن حال نفسك 
وحال غيرها مما تقول عنه ب «في»» ولا تسلب المعنى أصلاء وعبر بما 
شئت» فقد عبر الأنبياء عن ذلك فقالوا تارة: عنده» وتارة: له» وتارة: يعرف» 
وتارة: يعلم» وتارة: يرى» وتارة: يسمع)"". وبهذا اللص تحضر اقرف 


.9 أبو البَرّكات البغدادي: المعتبر في الحكمّة ج ۳ ص9‎ ١ 


www.alimamaltayeb.com 


۵۲ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


بين إدراك نفوسنا وعلمهاء وبين العلم الإلهي» في معنى الأقل والأكثر, 
والأخس والأشرفء والأنقص والأكمل» والمركب والبسيط لا بأن يسلب 
عنه العلم بغيره كلية كما يزعم أَرِسْطُو. أمّا من زعم أن الله تعالى يدرك 
الكلءّات هن المرجرذات والآزليات من المخلوقات فإن أبا البَرَكَات يرى 
أله لا يلزمه من هذه الردود إلا ما كان خاصا بمعنى الََّيّر والتبدل» وفي 
نهاية الأمر يعود أبو البَرّكّات فيربط الأمر كله بالتفس ثم يقول: «وسلم 
المعرفة للإنسان بربه هي معرفته بنفسه» فإنها الباب الأول من باب 
العلم بعالم الربوبية» وقد عرفت الحال في ذلك في التفس» وكيف 
أنها لا يكرت لها النَعيَّر والانفعال الى بكرن للمرضرعات بالضون 
والأشكال فكيف يكون للمبداً الأول؟!». 

هذا هو مضمون نظريّة أبي البَرَكّات في العلم الإلهي» وهي -بهذا 
المضمون- أقرب -فيما أرى- إلى روح الشرائع والأديان من نظريّة ابن 
سينا فضلا عن نظريّة المعلم الأول» وأطرف ما في هذه التّظريّة -بعد اقترابها 
الشديد من هدي القرآن الكريم في هذا الصدد- هو ربطها بالمنهج العام 
لفلسفة أبي البركات وأعني به وحي الشعور ولغة البداهة والحدس وهي 
لغة أصدق حديثا من هذا الذي لجأ إليه ابن سينا من الفصل المصطنع بين 
مدرك الكلكات ومدرك الج فاته فن هة الف ر فة الم عر مةد انلف 
كل المشّاكل التي انحرفت بالشيخ الرئيس عن جادة الحق والصواب» 
وفي نقد أبي البَرَكَات لهذا الأصل المَشَّائي وفي طرحه لنظريته في توحيد 


ا شس المضيدر الساق والصفحة: 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د / أحمد | 4 لطيب ۵0۲ 


المدرك دلالة ظاهرة على أنه كان يتعقب أَرِسْطُو تعقبا جادا دقيقاء وعلى 
أله كان فطنا بالأشباه والتظائر في فلسفة أَرِسْطُو مهما تباعدت بها المواطن 
والأنحاء في هذه الفلسفة وهو إن كان كثيرا ما يتلمس موضع التناقض 
والتهافت في الفكر الأرسطي في مواطنه المختلفة ليضعف من شأن هذه 
التظريّة الأرسطيّة» فإنه ما غفل عن المنهج السليم في هذا الحوار» بل كان 
نقاشه يعتمد في المقام الأول على تفنيد الفكرة الأرسطيّة على أساس 
منطقي سليم» ثم يأتي بعد ذلك ربطه لتصوره الخاص بمعطيات الشعور 
والوجدان» وقد رأينا كيف قامت نظريته في العلم الإلهي هنا على محورين 
أساسيين سلف له القول فيهما في عل التفسن: 

فأما المحور الأول فهو تحطيم التفرقة التي زعمها المَشَّاءون بين 
العقل وبين التفس» وقد كان منهجه في هذا هو الإصغاء إلى لغة الشعور 
ولغة البداهة تلك التي تدفعك دفعا إلى أن تستيقن أنك أنت الذي أبصرت 
وسمعت وتفكرت وتخيلت وعقلت وعلمت» وأنك أنت أنت لا انفصام 
فيك ولا انقسام» ومن هنا فما يقال من الانشطار والانفصال بين مدرك هذا 
ومدرك ذلك من المدركات زعم باطل ودعوى يدحضها العقل والشعور. 

أمّا المحور الثاني فهو نقده لطبيعة الإدراك عند المَشَّائِين ورفضه 


لانتقال الصّوّر وانطباعها وانتقاشهاء والمنهج هو المنهج» أعني الشعور 


المحورين الفلسفيين استطاع أبو البَرّكات تحطيم نظريّة أرشطو ونظريّة ابن 
سينا في العلم الإألهي» فلم يعد هنا مجال للتفرقة بين كليات وجزئيات» بل 


www.alimamaltayeb.com 


0 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


ولم يعد مجال أيضًا للانطباع والانتقاش» وبهذا يرسي أبو البركات لنظريّة 
العلم الإلهي -بالمفهوم الذي يرضى عنه الدين- أسسا فلسفية ثابتة ظلت 
وستظل نقطة مضيئة في فلسفة أبي البركات. 

أمّا نظريّة ابن سينا فبالرغم من أن محاولات عديدة قد جهدت جهدا 
بالغا في إلباسها رداء دينيا بما أضفت عليها من تفسيرات وشروح لعبارته: 
«بل واجب الوجود إنما يعقل كل شيء على وجه کلي»» وبالرغم من كل 
ما التمس من معاذير لهذا الوجه الكَلّيَ في عبارة الشيخ فإنها ظلت وستظل 
«فلسفة» مرفوضة بكل المقاييس» فالعقل لا يقف إلى جانب ابن سينا في 
هذا الزعم الخطيرء ثم إِنّه مخالفة صريحة للوحي السماوي الذي ما فتئ 
يذكر بآن الله تعالى يعلم ما في البر وما في البحر» ويعلم كل ورقة تنفصل 
عن غصنها وتسقط عنه» بل ويعلم كل حبة بين أطباق الثرى وفي ظلمات 
الأرضء وأنه تعالى لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات والأرض. 

ومع كل ما قيل من هذه الشروح والتأويلات والرمزيات فسوف 
يظل هذا القيد -الوارد في عبارة ابن سينا-: «الوجه الكَلَّىَ» دائرا بين أحد 
و 

(۱) فإما أن يكون مراد الشيخ بالوجه الكَلّىَ أن الله تعالى لا يعلم 
الجزئيات على أشكالها وأوضاعها وبقيد أمكنتها وأزمنتهاء وهذا هو ما 
تعطيه عباراته من غير لبس» وثمتئذ تقول: إن العلم الإلهي لا يمتد إلى 
أعيان هذه الأشكال والأوضاع والأزمنة» وإِنَّما هو قاصر على المعنى 


)١(‏ ابن سينا: الشفاء: الإلهيات ج ١‏ ص09" (ط القاهرة). 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 0۵ 


الكُلّىَ المجرد الذي تشترك فيه كل هذه الجزئيات والذي لا يتميز فيه 
عرويتر جرت اعرارز في السام لاني امسمرت باه كاي تيف 
يتميز جزئي عن جزئي؟! بالنوع أم بالجنس؟! كيف وهذه ذاتيات مشتركة 
وليست مناطا لتفرقة ولا تمييز ألبتة بين ما صدق وما صدق! وإذا كان العلم 
لا يتعدى الأنواع والأجناس وكانت الأنواع والأجناس ذاتيات تشترك فيها 
ما صدقاتها فالنتيجة التي لا محيص عنها أن الله تعالى لا يعلم الجزئيات 
أبداء إذا ذكر الشيخ الرئيس بعد ذلك أنه لا يعزب عن علمه تعالى مثقال 
ذرة في السماوات والأرض كان هذا الاقتباس من الكتاب الكريم مخالقًا 
تماما مع الغرض الذي سيقت الآية الكريمة من أجله. 

(؟) وأمًا أن يكون مراد الشيخ «بالوجه الكَلََّ) أله يعلمها بجزئياتها 
وملابساتها كما يتمحل هذا بعض شارحيه(). -وحينئذ نتساءل-: ما فائدة 
القيد بالوجه الكَلّىَ؟ وما معناه؟ ثم إذا كان مراده أله يعلمها بأشخاصها 
وأزمانها وأشكالهاء أفلا يكون التعبير عن هذا العلم بالوجه الكَلّىَ ضربا 
من التناقض ؟! 


(1) انظ ر على سبيل الخال اذ أو لاء وسيد حدق تعليق انبا ظلى تضن ابن سينا في الشناء 
ص 084 (ط طهران) وأيضا: نص من رسالة الطوسي في تحقيق العلم» في نفس الموضع 
السابق» والشيخ محمد عبد بين الفلاسفة والمتكلمين ج ۲ ص5/88" وما بعدهاء تحقيق 
سلسمان دنيا (ط الحلبي ۱۹٥۸‏ م). 


www.alimamaltayeb.com 


www.alimamaltayeb.com 


الفصل الثالث 
الؤجود الكوني بين المشائين وأبي البَرَكات 


0-000 
کچ 


-١‏ مقدمة 
؟- مشكلة قدم العالم. 

۳- موقف أبي البركات من مشكلة الكلّق. 
4- نظريّة العقول. 

ه- الأسس الفلسفيّة لنظريّة العقول. 

5- نقد أبي البرَكَات لنظريّة العقول. 


www.alimamaltayeb.com 


www.alimamaltayeb.com 


١-ونصل‏ إلى المشكلة الأخيرة في المشكلات الميتافيزيقيّة» التي 
يكلف فا اهاه أبي الات عن اجا العشائين» وأغتي بها مشكلة 
صدور العالم أو نشأة الكون كما تصورها نظريّة العقول العشرة عند 
الاين الین وقوه أن قار ل مدياة 0 ا كانت سمدم تعد ع 
أَرِسْطُو أو ينقل عنه في مشكلة الفيض أو الصدورء فإنما ينقل عن أَرِسْطُو 
مفهوما من خلال الأفلاطونيّة المحدثة» لا أَرِسْطُو كما هو في فلسفته 
الحقيقيّة قبل أن تتلون بالنزعات الدّينِيّة عند أفلوطين ومن جرى في أعقابه. 
فأبو البركات يعتقد -كما اعتقد الفلاسفة الإسلاميُون من قبله- أن أَرِسْطُو 
قائل بصدور عقل أول عن الله تعالى» وهو من هذا المنطلق بدأ يسدد سهام 
نقده لأَرِسْطُو وللمشائين عامة في نظريّة العقول. وبرغم من أن قضية انشأة 
العالم» عند أَرِسْطُو قضية غامضة. إلا أننا نعتقد أن الفلسفة الأرسطيّة لا 
تقول لا بالخَلقَ ولا بالصدور ولا بالقبضء وما قدمناه من نقد تلاميذه له 
حين نفي عن الإله علمه بالعالم وتدبيره إياه» ومن قوله بالمحرك الذي لا 
يتحرك كعلة غائية لا كعلة فاعلة» كل هذا لا يسمح أبدا بالقول بخلق أو 
بصدور. ومن َم فإن نقد أبي البركات لهذه المشكلة إنما يتوجه أساسا 
إلى فكرة الصدور كما يقول بها رجال الأفلاطونيّة المحدثة وكما يقول بها 
المَشَّاءونَ المسلمون كالفارابي وابن سينا 

١-ونضرب‏ صفحا عن مشكلة ميتافيزيقيّة مهمة هي مشكلة قدم العالم 


وحدوثه وذلك لآن فيلسوفنا يعرض آراء القائلين بالحدوث وآراء القائلين 


www.alimamaltayeb.com 


0 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
بالقدم» ثم يبدو من طريقة عرضه لأفكار المدرستين أله يميل إلى القول 
بالقدم أكثر من القول بالحدوث» وهذا -فيما أرى- هو الأشبه بفلسفته» 
لأن الأسس الفلسفيّة التي أرساها في العلم الطبيعي إنما تتسق أبعادها 
مع القول بالقدم لا القول بالحدوثء فالذي يذهب إلى أن الزَّمان قديم 
يذهب إلى أن العالم أو الوجود قديم» والذي لا يرى بأسا في القول بجواز 
اللانهاية في الجرم يصعب عليه القول بالحدوث» وبرغم من هذا اللاتحدد 
في موقف أبي البرّكات من هذه المشكلة» فإن الباحث قد لا يخفى عليه 
اتجاه القدم عنده» فأبو البركات برغم أله لا يصرح بهذا الاتجاه أو يضعه 
كقضية يدير حولها البحث والنقد كما يفعل في أكثر مناحي فلسفته» وبرغم 
أنه اكتفى بترديد أدلة الفريقين ترديدا على طريقة: «قال أصحاب القدم 
وأجابهم أصحاب الحدوث» فإن نفس طريقة العَرْض توحي بهذا الانتماء 
المختفي وراء السطور إلى المدرسة القائلين بالقدم» بل ويصرح ا 
البرَكات في نهاية عرضه لهذا الحوار بين المتكلمين والفلاسفة بأن من قال 
بحدوث الرّمان فقد قال بحدوث الوجود -فكيف يقال: إن قبل حدوث 
العالم لم يكن زمان وهو مما لا تقبله الأذهان» وأن الأذهان بفطرتها لا 
تشك في قدم الرّمان والمكان ولا تتصور عدمها”". وهو وإن كان يورد مثل 
هذه العبارات في صورة مبهمة لا يكاد يتقين الباحث من أنها تصور موقفه 
الخاص المحدد لأنه يحكيها على لسان أصحاب القول بالقدم إلا أننا لا 
نستطيع أن نفرق بين مدلول هذه العبارات وبين ما قرره آنفا من قدم الزَّمان 


. ٤۸ص‎ »4 ٠ المعتبر في الحكمّة: ج ۳ ص‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 07١‏ 
والمكان والوّجودء وأن ذلك كله تشهد به فطرة الأذهان. 

وفيلسوفنا في مذهبه هذا ليس بدعا من جملة الفلاسفة الإسلاميّين 
الذين ذهبوا نفس هذا المذهب أو اضطربوا نفس هذا الاضطراب» ويبدو 
أن مشكلة القدم مشكلة معقدة إذ حيرت كلا من أصحاب القدم وأصحاب 
الحدوث, فهذا هو الإمام الرازي الأشعري يعلق على حيرة «جالينوس» 
وتردده بين القول بالقدم والحدوثء فيقول: «وهذا دليل على أن جالينوس 
كان منصفا طالبا للحق» فإن الكلام في هذه المسألة قد يقع من العسر 
والصعوبة من حيث تضمحل أكثر العقول فيه». بل والإمام الغزالي 
الذي كفر الفلاسفة من أجل قولهم: إن العالم قديم» لم تبرأ ساحته من 
نسبة القول بقدم العالم والذهاب إليه وما هذا إلا دليل صعوبة اكتناه الحق» 
أو اكتناه اليقين فيما يتعلق بقدم العالم أو حدوثه. 

۳-وموقف فيلسوفنا في هذه القضية يرتبط بنقده لنظريّة العقول 
المَشَّائيّة التي ثرت تأثيرا بعيد المدى على معظم الفلاسقة المسلمين؛ 
وكانوا يقفون حيالها وكأنها الحق الذي لا حق غيره» وإذا كانت هذه 
التّطريّة قد لقيت عند الفارابي وابن سينا -ومن جرى على نهجهما- 
قبولا فإنها هنا تلقى على يدي أبي البَرَكات رفضا ونقدا يخرج 
-أحيانا- من معنى النقد العلمي إلى معنى الاستهزاء والتهكم بِأَرِسْطُو 
ولاقو الا راعلى رال 


(۱) مصطفى بن خليل (خوجه زاده): تبافت الفللاسفة ص ۰۱° المطبعة الإعلامية مصر 
۲ ھ. 


www.alimamaltayeb.com 


0 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 

وقد كان المنهج الذي اتبعه أبو البركات في نقده لنظريّة العقول يدور 
حول ثلاثة أمور: 

الأمر الأول: كيفية البحث في بداية الحَلّق» أو الإيجاد من المبدأ الأول. 

الأمر الثاني: رأى أَرِسْطُو وشيعته في بداية الحَلق» أو «نظريّة العقول». 

الأمر الثالث: نقد أبي البَرّكَات لهذا الرأي أو هذه النّظريّة. 

فأما فيما يتعلق بالأمر الأول: فإن أبا البَرَكَات يرى أننا وإن كنا -فيما 
مضى - نسلك من المعلولات إلى عللها بغية الوصول إلى الواحد الواجب 
الؤجود بذاته» والذي عنده كمال كل شيء فإننا في هذا المقام نعكس اتجاه 
السرا موحي ا ا وقلي ر المع ل اا مو ا ال 
المعلول» ومن ثَمَّ فالأمر هنا أصعب» لأن السير من المعلولات إلى 
عللها سير من الظاهر إلى الخفي» والظاهر مأنوس وقريب إلى التفس 
والإدراكء أمّا السير من العلل إلى المعلولات فهو سير يبدأ خطواته 
الأولى من أمر يخفى ويجل ويدق على التفس والعقل والوجدان» 
وبالتالي فالخفاء والغموض واستحالة الاكتناه أول خطوات هذا السير 
أو أول مراحل الاستدلال. 

ومنطلق 5 البَرَكَات 5 هذا هو أن معرفة الموجودات بطريق 
الاستدلال لا تعطي كنه المعرفة» وإِنَّما يتكشف فيها قدر قد يعظم وقد 
يقلن وقرق حا بين اللبعردة الات أو "المعرف بالكقة وين المعرقة 
بالاستدلال -فيما يرى أبو البرَكات- فرق ما بين الخبر والعيان» ويضرب 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب a‏ 
لذلك مثالا بدواء ركب أو خلط من أدوية كثيرة مفردة» فإنك لا تعرفه -كما 
هو- بمفرداته مثل ما يعرفه الذي خلطه وركبه وعجنه «فكيف والأمر أخفى 
من أن يقرب له المثال فإنا رها المكل من محسومتنات ومحسوسن»: 
ومعروفات ومعروف مما تصح تجربته والتصرف فيه بتحليل وتفريق 
وتصعيد» فكيف بذلك فيما يرى بالعين ولا يبلغ إليه تصورنا كالسماوات 
وكواكبهاء أو فيما لا يرى بالعين من الأرواح والقوى التي نعرف منها ما 
نعرف بطريق الاستدلال من أفعالها التي نراها؟! فكيف لنا بما لا نرى له 
ذاتا ولا فعلا»؟”". وإِذَا فهذا مقام عزيز المنال صعب على العقل ووسائله. 
إذ الأمر ليس أمر تحليل ولا تركيب ولا أمر تجربة أو قياس وإِنّما هو مجال 
يجتهد فيه العقل ليعرف ما يمكن معرفته» ويقف -بعد هذا- كليلا ملتزما 
حدودا ما يستطيع تجاوزها. 

وأبو البَرَكَات يشيد بقول أَرِسْطُو في مفتتح علم الإلهيات: «إن 
علم الحق لا يقتصر عليه بحسب ما يستحق واحد من الناس, لا ولا 
يستعصي على جميع الناس»» لكنه يستدرك عليه بآن علم الحق يصعب 
جميعه على جميع الناس» إذ إن نسبة علم البشر إلى العلم الكُلّيَ التام 
نسبة نوع البشر إلى أنواع الموجودات بأسرهاء أعني نسبة قلة إلى 
كثرة» ونسبة عجز إلى قوّة. وإذا ما كان الأمر كذلك فالذي ينبغي هنا 
غلبة الظن فيما يصل إليه التفكير بعد طول كدح وعناءء لا الادعاء بأن 


www.alimamaltayeb.com 


ع0 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 
هذا أو ذاك من النتائج والمحصلات هو الحق الذي لا حق غيره”". 

وأا فيما يتعلق بالأمر الثاني: فإن المبدأ الأول عند أَرِسْطُو واحد من 
جميع الوجوه. ولا تحوم حوله شائبة كثرة ولا انقسام» وإذا كان أَرِسْطُو يضع 
قاعدته وهي أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد فأمر لازم أن يكون أول صادر 
عن الله تعالى شيئا واحدا كذلك» وبهذا تتحدد بداية الخَلّْقَ عند أَرِسْطُو 
بمعلول واحد فاض عن المبداً الأول الذي هو واحد من كل الوجوه. هذا 
المعلول الأول الواحد يسميه أَرِسْطُو) «عقلا»» وهي تسمية منتزعة -فيما 
يرى أبو البركات- من تدبر أَرِسْطُو لمعنى النَّمْس والعقل ومقارنته بينهماء فإذا 
كانت التفس جوهرا روحانيا لا جشمانيا فإنها مع ذلك ذات علائق بالجسم 
أو بالبدن» فنفس الإنسان الفرد الشخصية» ونفس المَلّكء ونفس الكواكب 
المحرّكة» كل هذه النفوس ذوات اتصال بأجسامها بصورة أو بأخرى. 
والنفس لها معنى «القرَّة) دون «الفعل» لأنها تشعر بالأمور المتجددة لها 
في الأين أو في الكيف وغيرهما مما تضيفه إليها الحركات والمحركات» 
أمّا العقل فالأمر فيه بخلاف ذلك» فهو على حالة واحدة دائمة هي حالة 
«الفعل» بمعنى أله لا تتجدد له المعارف والعلوم وإِنّما هو بالفعل دائمًا 
فيما يعقله ويعرفه» وإذا كانت التفس إنما تعقل بعضا من المعقولات وتغفل 
عن بعض» فالعقل يعقل جميع المعقولات» ولهذين الاعتبارين -أعني لا 
جِسّمانيّة العقل» وكونه بالفعل دائما- كان معنى العقل» فيما يرى أَرِسْطُوء 
أولى المعاني للإطلاق على الصادر الأول عن الواحد من جميع الوجوه. 


5 ٤١ص المصدر السابق:‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۵0 

ثم هناك اعتبار ثالث يفسر لنا تسميّة هذا الصادر بالعقل أو العقل 
الأول في فلسفة أَرِسْطُوه وهو اعتبار منتزع من التأمل في أحوال التَّمْس 
أيضّاء فلقد نعلم أن أَرِسْطُو قد أطلق على التّمْس أنها عقل بالقوّة وعلى 
العقل أله عقل بالفعل» وأن النفس مفتقرة في خروجها من القَوَّة إلى 
الفعل إلى سبب يحقق لها فعلية هذا الخروج. وهنا يقرر أَرِسْطُو أن العقل 
القَعّال هو العِلَّة أو المضطلع بهذا الدور بالنسبة إلى النفوس» ويصفه 
أَرِسْطُو بأنه «كالأستاذ والمعلم والمبدأ الذي عنه توجدء فهو مبدؤها 
القريب في الوجود» ومعادها الأدنى في الكمال)”". وهذا الترابط العلي 
أو التلازمي بين كل نفس وخروجها من القوّة إلى الفعل» أو إن شئت: 
خروجها من التَفْسية إلى العقليّة لا تضيق دائرته عند المَشّائين لتقتصر 
على التفس البشرية فقط» بل هو عندهم أشبه نظام أنطولوجي ينتظم 
درجات الوجود كلهاء ومن هنا كان نظام الكواكب والأفلاك مما يندرج 
تحت هذا الترابط» فكان لكل فلك نفسء ولكل نفس عقل مفارق تقصده 
وتسعى نحوه» ويتدرج الأمر هكذا حتى ينتهي إلى فلك أول تكون نفسه 
أول النفوس وعقله أول العقول وهو العقل الذي صدر عن المبدأ الأول 
وكان أول الموجودات. ولا يجد أَرِسْطُو حرجا في أن يطلق على الله 
تغالى أو الميدا الأول- عقفلا أو عقلا أول» باعساز الدغاية الفقول كلياء 
وهو لها بأسرها مبدأ قريب أيضًاء ومن نَمّ كان مصطلح العقل مما يطلق 


(9) المصاد الا صن ١‏ 


www.alimamaltayeb.com 


0 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 
على المبداً الأول بما يتناسب مع مبدئيته الأولى» وكونه غاية الغايات". 

5 -ولكن كيف صدر هذا العقل عن المبدأ الأول؟ 

زعم أَرِسْطُو أن الله تعالى موجود بذاته ولا موجود معه» وهذه 
اللاموجودية للغير إنما تكون له في مرتبة ذاته فقطء أي حين يقطع النظر 
عن غير هذه الذات» أمّا من حيث التساوق الوجودي الخارجي فهو مع 
معلوله معيّة مستمرة لا تنفك أبداء وإِذًا فالعقل الأول موجود مع الله تعالى 
منذ الأزل» لأنه معلول صادر عن علته» فلابد من التساوق والتصاحب في 
الؤجود بين هذه العِلّة ومعلولها الصادر عنهاء وهذا مما يتسق مع نظريّة 
أَرِسْطُو في أن ذاته تعالى منكشفة له دائما أو كما يعبر أبو البركات: «فالعقل 
الأول صدر عن الأول تعالى» بعقله لذاته ونظره إلى ذاته» فذاته له كالمرآة 
والرائي والمرئي معاء لأنه یری ذاته في ذاته بذاته» وهذا صدر عن رؤيته 
لذاته في مرأآة ذاته» وهو لا يزال يعقل ذاته» فهذا الموجود لا يزال موجودا 
عنه» لا يتقدم وجوده على وجوده تقدما زمانياء وإن تقدم عليه تقدما علياء 
فهو واحد أحدء فالذي لزم عنه بذاته واحد». 

وإذًا فمن تعقل الأول لذاته يصدر عنه عقل أول هو معلول أول» وإذا 
كان هذا الصادر الأول عقلاء فمعنى ذلك أن له تعقلاء لكن تعقله ليس 
إحدى الجهة كما كان الأمر بالنسبة إلى علته» تلك التي تعقل ذاتها فقط 
(١)المصدر‏ السابق: صنة4 .١‏ 
(9) المعثير في البحكمةء ج ۳ ص٠١١‏ وان سينا إلهيات الشفاء عن >* 4 ظ القاهرة) 

وأيض: أبو البَرّكّات البغداد: صحيح أدلة النقل في ماهية العقل لوحة 3أ. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 0۷ 


دون أى آثر آخر.زائد.عانى هده الات وم هذا أن تقل الل الأول 
العنادن حي ا ال يك أن يكو على م الكقرة رها تقوو 
الفلسفة المَشَائيّة أن تعقلات هذا العقل على أنحاء ثلاثة: 

أول هذه الأنحاء: أنه يعقل علته التي فاض وصدر عنها. 

وثاني هذه الأنحاء: أنه يعقل ذاته ضرورة أنه عقل» وفي هذا النحو 
الثاني يمكن أن نميز بين تعقلين: 

تعقل ذاته باعتبارها ذاتا ممكنة الوجودء أي أمرًا بالقوّة وفي القوّة. 

وتعقل لذاته باعتبارها ذاتا واجبة الوجود بالغير» أو بعلته التي صدر 
عنهاء وعن هذه الأنحاء الثلاثة من التعقلات تنشأ أو تفيض أو تصدر 
موجودات ثلاثة: 

فعن عقله لعلته التي فاض عنهاء ينشأ أو يصدر عنه عقل ثان. 

وعن عقله لذاته باعتبارها واجبة الوجود بالغير تصدر عنه نفس أولى. 

وعن عقله لذاته باعتبارها ذاتا ممكنة الوجود يصدر أو يفيض عنه جرم 
المَلَّك الأقصى. 

وإذّا فقد صدر عن المبدأ الأول الأحدي الذَّات والتعقل من جميع 
الوجوه» معلول أول هو عقل أول وواحد» كما صدر عن هذا العقل الأول 
المتكثر الجهات في التعقل: عقل ونفس وجرم. ثم تطرد حلقات السلسلة 
في نظام الفيض عن العقل الثاني بمثل ما تقدم في العقل الأول» أي يصدر 
عن العقل الثاني باعتبار تعلقه لعلته (العقل الأول) عقل ثالث» وباعتبار 


www.alimamaltayeb.com 


۵۸ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
عقله لذاته الواجبة أو الممكنة نفس وفلك» ويتدرج الأمر هكذا «في فلك 
بعد فلك من جهة عقل بعد عقل» فتتكثر العقول والنفوس والأفلاك بذلك» 
حتى ينتهي إلى المَلّك الأخير وهو فلك القمر»”". 

وإذا ما وصلنا إلى فلك القمر فإننا نصل إلى الحلقة الأخيرة في نظريّة 
العقول هذه» وهنا ينقل أبو البركات أن المَّشائين مضطربون في أن عقل 
فلك القمر هو العقل المدبر للنفوس البشرية ولعالم الكون والفساد» أو 
أن المدبر للنفوس هو عقل فعال صادر عن عقل فلك القمر؟ يقول أبو 
البرّكات: «قالوا: وعقله (فلك القمر) هو العقل الذي به تهتدي نفوس البشرء 
وهو الذي يسمونه (العقل الفُعّال» وعنه تصدر نفوس البشرء وقالوا: لاء بل 
العقل القعّال الذي لنفوس الناس هو معلول عقل فلك القمر» وجعلوا عدد 
العقول التي يسمونها مفارقة بعدد ما يعرفونه من الأفلاك مما قال به علماء 
الهيئة في الحركات الفلكية). 

ه-ونتساءل ما الأسس المنهجية الكامنة وراء نظريّة العقول؟ 

إن ثمة أساسين فلسفيين -فيما أعتقد- قد دفعا المَشَّائِين إلى اختراع 

فأما أول هذين الأساسين فهو المبدأ الميتافيزيقي القائل بأن الواحد 
لا يصدر عنه إلا الواحد وهذا المبدأ في الفلسفة المَسَائية مبدأ مبرهن 
عليه -فيما يزعمون- برهنة عقلية» وهو عندهم قاعدة من قواعد الفكر 
0 أبو البَرَكّات البغدادي: المصدران السابقان نفس المواضع. 


(۲) المعتبر في الحكمّة: ج ٣‏ ص .١0١‏ 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۵۳۹ 
الميتافيزيقي» لا تهتز ولا تتزعزع» يقول ابن سينا: «تنبيه: مفهوم أن علة ما 
بحيث يجب عنها (أ)» غير مفهوم أن علة ما بحيث يجب عنها «ب» وإذا 
كان الواحد يجب عنه شيئان فمن حيثيتين مختلفتي المفهوم ومختلفتي 
الحقيقة» فإما أن يكونا من مقوماته أو من لوازمها فإن فرضنا من لوازمه 
عاد الطلب جذعا فينتهي إلى حيثيتين من مقومات العِلَّ مختلفتين» إما 
للماهية» وإما لأنه موجود وإما بالتفريق» فكل ما يلزم عنه اثنان معاء ليس 
أحدهما بتوسط الأغره قهو سقس .وهكذا يرق :ابن سيا آن العلة 
يختلف مفهومها باختلاف عدد المعلولات الصادرة عنهاء فهي باعتبار 
أن هذا المعلول صدر عنهاء غيرها باعتبار أن ذلك المعلول صدر منهاء 
فهاهنا حيثيتان مختلفتان في المفهوم وفي الحقيقة» وهنا نتساءل: هاتان 
الحيثيتان مما يقوم حقيقة العلَّة أو مما يلزمها؟ أو مما يقومها ويلزمها؟ 
ومع أي فرض من هذه الفروض الثلاثة فالعلّة مركبة والوحدة فيها منفية 
وهذا خلاف الفرض. وإِدًا فلابد أن يكون المبدأ الأول واحدا من جميع 
الوجوه. وأن يكون الصادر عنه أيضًا واحدا فقطء لأن الواحد لا يصدر 
عنه إلا الواحد» ولكن: كيف جاءت الكثرة التي نراها في عالمنا هذا؟ 
وبماذا نفسرها؟ وللإجابة عن هذا التَّساؤل اخترع المَشَّاءون نظريّة العقول 
كوسائط بين الواحد من جميع الوجوه» وعالم الكائنات الذي لا يكاد 
يحصى عددا ولا كثرة. 

وأمًا الأساس الثاني: فهو الفكرة المَشَّائيّة التي ترى أن الحرّكة التي 


www.alimamaltayeb.com 


05٠‏ موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 
يحرك بها المحرك الأول إنما هى الحَرَكّة الدائريّة البسيطة» بيد أن هذه 
الحَرّكّة بمفردها لا تكفى أبدا لتبرير وجود الحركات الأخرى الباقيّة 
ومن ثم فليس بد من افتراض وجود محركات أخرى غير المحرك الأول 
تحرك الكواكب والآفلاك حَرَكة أ زَلِيّة أَبَدِيّةَ» وهنا لابد من افتراض هذه 
المحركات أَزَّلِيّة أبَدِيّة كذلك» وإلا صح أن ينشأ اللامتناهي من المتناهي» 
وهذا أمر, بين البطلان» وانطلاقا من هذه الفكرة اضطر أَرِسْطُو للقول بوجود 
محركات أَزَلِيّة أبَدِيّة تحرك الكواكب في أفلاكها حركات أَزَلِيّة أبَدِيّة كذلك 
e‏ أَرِسْطُو هذه المح ر كات عقول الكواكب» وجعلها م مفارقة أزلية ل 
أَبَدِيّة إلى جوار المحرك الأول). 

1-ونصل إلى الأمر الثالث وهو الجانب النَّقدِيّ في موقف أبي 
البركات من هذه النّظريّة. وأول ما يطالعنا به في هذا الجانب هو أن المَشّائين 
يعتمدون في نظريتهم هذه على أقوال علماء الهيئة في الأفلاك» وقد كان 
علماء الهيئة هم الذين كونوا صورة هذا البناء بما نصوا عليه من أعدادها 
وأشكالها وأوضاعهاء وقد كان طريقهم في تكوين هذه الصورة هو الرصد 
والمقاسة والموازنة . ويرى أبو الرّكات أن هذه الأفاذلة ما دات نعيدة 
بذواتها وأوضاعها وأشكالها عن ملاقاة حواسنا من بصر وسمع وحس 
فإن أمرها لا يعدو أن يكون من باب التقدير والاحتمال, د بمعنى أن النتائج 
التي ترتبت على وجودها من أعداد وأشكال ليست مما ينبني على أسس 
منطقيّة لا تقبل النزاع ولا الجدال» ومن َم فإن الاحتمال قائم يمس لب 


. ۱۸١ص عبد الرحمن بدوي: أرسطو‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 0۱ 
التظريةء نعم لا تكون هذه النَظربّة -في أظهر وجوهها- إلا أمرّا احتماليا 
محضاء لأن طبيعة منهج البحث فيها تعتمد اعتمادا مطلقا على الاحتمال 
والتقدير» بمعنى أن القضية هنا ليست مقامة على براهين رياضية ثابتةه 
ولا على براهين طبيعيّة تتصل اتصالا مباشرا بموضوع التجربة الذي هو 
الأفلاك والكواكب» والعقل هنا قاض -فيما يقرر أبو البرّكات- أن تكون 
النتائج التي تجيء عن مقدمات احتمالية احتمالية أيضًاء ومعنى الاحتمال 
هنا أن هذه النتائج قد تتغير تبعا لتغير المبادئ المستعملة في التعرف على 
هذه النتائج. وهنا يقول أبو البركات: «ألا ترى أن صاحب علم الهيئة أخذ 
مبادئ علمه من الحِسٌ بالرصد والتجربة في الزّمان والحساب بالنسبة» ثم 
قدر لذلك في التعليل تقديرا فيما نص عليه من الأفلاك وعدتها وأشكالها 
وأوضاعها وقال: هكذا يمكن أن يكون ولم ير الأفلاك ولا أوضاعها 
ولا أشكالها في هيئتهاء ولو قدر مقدر غير ذلك بحيث تتسق عليه نسبة 
المحسوس من ذلك لقد كان يكون كذلك أيضًاء ولا يتأتى لعاقل أن يحكم 
بأحد القولين ولا يخرجهما من حد الإمكان!». 

هكذا يصل أبو البَرّكّات إلى أن نظريّة العقول تبني على أساس غير 
يقيني» فإذا ارتبطت فكرة الحَلّْق بهذه النّظريّة في الفلسفة المَشَّائيّةَ فإن هذا 
الفكرة أيضًا يصيبها الاحتمال في أعمق أعماقهاء وإِذًا ففيم ادعاء اليقين في 
هذه النّظريّة وأنها الحق الذي لا حق غيره؟! 

وإذا كان أَرِسْطُو يرى أن عدد الأفلاك على حسب تقديره إما سبعة 


.١08ص‎ ۳ المعتبر في الحكمّة: ج‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


0۲ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


وأربعون وإما خمسة وخمسون. وأن لكل فلك عقلا أزليا يحركه حَرَكَة 
رة" فلماذا كانت العقول في المدرسة المَشَّائيّة عقولا عشرة؟! ثم هل 
يمكن أن يحصر عدد الأفلاك حتى يمكن حصر عقو لها المَدَبُرَة المحركة؟! 
ولم هذا الاضطراب في العقل الَعّال هل هو عقل فلك القمر أو عقل فائض 
عن عقل القمر!! أليس كل ذلك دليل التجويز والاحتمال وانتفاء اليقين؟!. 
اق الول كا برض أن الك كاي لسك الا شار الخو ا 
هي أشبه بالقصص الأسطورية التي يتناقلها رواة الأخبار والأقاويل المغرقة 
والخيال والآوهام". 

ما تفرقة المَشائين بين التّفْس بالقوَّة والعقل بالفعل» فهي تفرقة أقيمت 
على نفس الأساس الذي أصلوه من التفرقة بين مدرك الكَلْيّات والجزئيات: 
وقد مر بنا موقف أبي البركات -أكثر من مرة- في هذا الصدد. وهنا يقف 
نفس الموقف أيضّاء فالأمر عنده لا اختلاف فيه بين نفس بالقوّة وعقل 
بالفعل» إنها قَوّة واحدة لا تعدد فيها ولا تحولء ولا انتقال» وهي نفس 


يقول ابن سينا: «فإن كانت الأفلاك المتحيرة إنما المبدأ في حركة كرات كل كوكب. فيها )١(‏ 
وة تفيض من الكواكبء لم يبعد أن تكون المفارقات بعدد الكواكب لا بعدد الكرات» 
وكان عددها عشرة بعد الأولء. أولها العقل المحرك الذي لا يتحرك.. وكذلك حتى 
ينتهي إلى العقل الفائض على أنفسناء وهو عقل العالم الأرضي ونحن نسميه العقل 
القَعّال. وإن لم يكن كذلك بل كان كل كرة متحركة لها حكم في حركة نفسها ولكل 
كوكب» كانت هذه المفارقات أكثر عدداء وكانيلزم على مذهب العلم الأول (أن تكون) 
ترا من مسين كما قوفياء وآخرها العقل القكال#الشناء» الآلهيات هن 1 +24 ل 

القاهرة) وأيضا: النجاة ص57 5» وأيضا عبد الرحمن بدوي: أرسطو ص١18.‏ 
(۲) أبو البَرَكّات: المعتبر في الحكة ج ۳ ص ١5١‏ . وما بعدها. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۵4 


باعتبار» وعقل باعتبار» وليس نفسا تقلب إلى عقل أو تصير إلى عقل»» إذ 
الاس جوهر ثابت» والعلوم هي التي تتبدل عليها فالترقي والتدرج إنما هو 
في درجات العلم» والصيرورة إنما نلقاها في التسمية من جهة التعلمء «لا 
أن الجوهر يتغير» فإن العلوم للنفوس أعراض داخلة على جواهرهاء فلا 
يتبدل الجوهر في جوهريته» ولا تقلب عينه في نوعيته» فلا تنقلب الأعيان» 
ولا يصير شيء شيئا على الإطلاق» إلا باستبدال الحالات مع ثبات الات 
والعين السشدلة)!5.:وإذا فليس عتالك 'ضيرورة للنفس وتخول واتقللات 
تنتقل به من جوهر إلى جوهرن وبالتالي ليست هناك حاجة إلى البحث عن 
عقل فعال كامن وراء هذا الانتقال. 

وأمر آخر يحرض أبو البركات على تحطيمه وهو بصدد الدفاع عن 
وحدة التَّمْس في الإنسان» وذلك الأمر هو ما نجده عن المَشَّائِين من 
اغيم العتل إلى صقل هيو ذتى » وعفل بالملكةه وعثل بالفعل» وعدل 
مکتسب)» وهذه التقاسيم والحدود -فيما يرى فيلسوفنا- تقاسيم زائفة» 
إذ كيف تنقسم القوَّة الواحدة البسيطة التي هي قوّة التعقل أو قر الإدراك؟! 

وأغلب الظن أن الذى خمل المشّائين سقيما يرى أب اليد كات على 
تسميّة النّفْس الإنسانيّة عقلا هيولانيا وعقلا بالقوّة» وأنها تصير إلى العقل 
الل و او و 
للبدن في المقام الأول» وهي بهذا الاعتبار كأنها هيولى لم تأتها بعد صور 
)١(‏ أبو البركات: نفس المصدر السابق والصفحة. 
(۲) أرسطو: كتاب النفس ص7١١.‏ 


www.alimamaltayeb.com 


06٤‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


المعلومات وصور المعارف» ثم حين تكتسب هذه الصّوّر تصير عقلا 
مكتسباء وهكذا. ومعنى ذلك أن الهيولى التي فيها صورة دائمة لازمة 
كالسماء مثلا يقال فيها مثل ما قيل في التَّفُس الهيولانيّة» أو بعبارة أصح: 
العقل الهيولاني. ويرى أبو البَرَكَات أن هذا خطأ في فهم كلام الأقدمين من 
اليونان» لآن كلامهم هنا ينحصر في أن للأزليات هيولى لا تفارقها الصورة» 
وللكائنات الفاسدات هيولى تستبدل صورة بأخرى بالكون والفساد» وقد 
لقو علق كن ا ل فو يز التشافوة أن الس 
تستبدل صورا بصور» والعقل يستبدل معقولات بمعقولات فمن المنطقي 
أن يُسَمّى كل من التفس ومن العقل هيولى للصور العلميّة المعقولة 
لكن المَشّائين يقيمون تفرقة -بمحض التحكم- بين العقل والتفس» 
ويقررون أن العقل حين يعقل شيا فذلك المعقول لابد أن يكون صورة 
مجردة عن الهيولى» والعقل يعقل هذه الصورة المجردة ويتحد بها اتحادا 
تاما مطلقاء بحيث يصير العقل هو الصورة المعقولة» والصورة المعقولة 
هي العقل» ومن تم قالوا: إن العقل والعاقل والمعقول أمر واحد. وهنا 
يقف أبو البركات موقفه المتميز ليقول: (إننا نحقق أن العقل غير المعقول 
والمعقول غير العقل» وإلا لكان العاقل إذا عقل فرسا يصير فرساء ويصير 
الفرس عقلاء وكذلك إذا عقل غيره من سائر الأشياء» وإذا عقل أشياء كثيرة 
يصير أشياء كثيرة وهو واحد بعينه كما كان ألا فهو إنسان وفرس وشجرة 
وغير ذلك وما هو شيء منها فما الفرق بينه قبل أن يعقل وبعد أن عقل؟»'. 


.١ ص57‎ ٣ المعتبر في الحكمّة: ج‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 0۵ 


والهدف الذي يرمي إليه أبو البرّكات من هذه المحاولة إنما هو تزييف 


31 


هذا التقسيم الذي تزعمه الفلسفة المَشائيّة بين التعقلات ومراتبها وأنواعها 
حتى نصل بها إلى العقل المَعّال ثم إلى العقول العشرة أو العقول الخمسين. 

ولكن إذا كان العقل المَعّال مجرد زعم في فلسفة أبي البركات فهل 
بين النفوس الإنسانيّة وبين علتها الأولى أو بين مبدئها الأول وسائط؟ أو 
ماذا يكون الأمر؟!. 

يجيب فيلسوفنا عن هذا التساؤل بأنه صحيح ما يقال من أن وراء 
النفوس قوى غيبية تقوم بدور المعلم أو الملقنء فالتّظر البرهاني يشير إلى 
إثبات هذه القوى ويرجح وجودها لكن لا يعلم -بالبرهان- هل هي قَرَة 
ولختنه ار ترى ا ولك لا يد لمعا أكتن من وجوه معام 
مطلق» لا على واحد ولا على كثير فإذا ادعى المَشَّاءون أن العِلّة هي أمر 
واحد يسمونه العقل المَعَال ومن أجله يقولون بأن النفوس واحدة بالنوع 
والماهية لا تختلف بجواهرهاء فإن هذا الادعاء محض دعوى لا يقوم 
غلى برهان ولا حجة: و إذا كان أبو البركات قد سبق له القول بان التقومن 
مختلفات بمهاياها وأنواعها فهو مضطر هنا إلى ترجيح أن تكون للنفوس 
علل كثيرة» أو معلمون كثيرون ولكن هل لكل نفس معلم أو لكل طائفة من 
النفوس معلم؟! هذا ما لا يستطيع أبو البَرَككات تحديده على وجه الدقة» 
وإن كان يميل إلى أن لكل طائفة من النفوس علة مفردةء إذ قد يشير إلى 
هذا ما نراه من توافق طائفة من الناس وتشابهها وتناسبها. 


www.alimamaltayeb.com 


۵٦‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


ولكن لماذا يحرص أبو البركات على وجود هذه القوى الغيبية بالنسبة 
لنفوس البشر؟ إن منطلق فيلسوفنا في إثبات هذه القوى ليس إلا منطلقا 
فلسفيا يعتمد على منهجه الذي يتشبث به» فملاحة النّمّْس توحي إليه بهذه 
الفكرة» لأن التفس تتعلق بالبدن تعلق التصرف والتدبير» لكن قوامها ليس 
بالبدن بدليل أنها تتجرد عنه» وتظل موجودة في عالمها هكذا بدونه بعد 
أن تفارقه» ووجودها في عالمها هذا وجود ذو حياة أقوى. وذو فعل 
أتم وأكمل» فهي في هذا العالم جواهر فعالة وعالمة ومدركة ثم هي 
موجودة وجودا غير متعلق بالبدن ولا بالجسء والقياس هنا يرجح أن 
تكون مع النفوس وهي في أبدانها جواهر تعلمها وتحفظها وتناجيها سواء 
في يقظتها أو في منامها: 

يقول أبو البرّكات: «فقلنا: إن الذي يبصرنا ويرشدنا ويناجي أذهاننا 
في يقظتنا ومنامنا هو من هذا القبيل» وقال كثير من الناس إنا رأينا من ذلك 
وسمعناء فقلنا: هذا هذا... فقوي الرأي منا على اعتقاد وجود موجودات 
فعالة عالمة عارفة هي غير محسوسات» سماها قوم بالملائكة وقوم 
بالأرواح» وقيل: إن من هذا القبيل «الجن» يعني الأشخاص 
المستترين عنا اشتقاقا من «الجنة» الساترة»". وواضح من هذا 
النّضّ أن هذه الموجودات التي يسميها أبو البرَكات جواهر إنما يقصد بها 
الملائكة» لا العقول الطولية التي يقول بها المَشَّاءون ولا هي مع العقول 
العرّضية كما يرى ذلك الإشراقيون. 


. ٠١٤ص المصدر السابق:‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


أه/ أحون الطب 0۷ 

أمّا بالنسبة للمبدأ المَشَّائي الذي كان وراء نظريّة العقول» ذلك المبداً 
القائل بأن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحدء فإن أبا البَرَكَات يرى أله صحيح 
في ذاته» لكن تطبيقه بالنسبة للمبدأ الأول كان تطبيقًا خاطئاء والمَشاءون 
يناقضون أنفسهم منذ اللحظة الأولى في تطبيق هذا المبدأء فكيف يكون 
الاد ل بار غه إلا واد وودر عن الل "الأول الى هو واحين 
أيضًا- عقل ونفس وجرم؟! كيف جاز صدور الثلاثة عن الواحد؟! ثم 
لِمّ لم يجز صدور هذه الثلاثة عن المبداً الأول ابتداء؟! لقد كان أحرى 
بالمَشَّائِين أن يعدلوا من نظريتهم هذه فيقولون «إن المبدأ الأول بما يعقل 
ذاته عقلا أوليا بوحدانيته وبذاته (كما قالوا) يصدر عنه موجود هو أول 
مخلوقاته فإذا أوجده عرفه وعقله موجودا حاصلا في الوجود معه» وكان 
بما يعقله يصدر عنه آخر غيره وكذلك يعقل فيو جد» ویو جد فيعقل» وتكون 
مخلوقاته عنده دواعي مخلوقاته» فيوجد ثاني لأجل أولء وثالث لأجل 
ثان كما جاء في خبر الخليقة: أنه خلق آدم ألا وخلق منه ولأجله حواء 
ومنهما ولأجلهما ولدا. لست أقول: إن الرأي هذاء لكن هكذا في القبل 
والبعد العلي لا في الرّمان حتى لا يخرج عن قولهم أصلا)”". ونلاحظ 
أن فكرة الْحَلّق بالمعنى الذّيني تكاد تثب على لسان أبي البَرَكَاتء بل ولقد 
لجأ إليها لجوءًا عابرا وكاد يقول بها لولا أن صرفته عنها نظريته في العلية. 

ومهما يكن فهذا هو تعديل أبي البركات للنظريّة المَشَّائيّة بما يتمشى 
مع المبدأ القائل إن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد فالواحد هنا هو العِلَّة 


ا شس المضيدى الساق والعفحة: 


www.alimamaltayeb.com 


۵۸ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


الأولى المباشرة لكل واحد يصدر عنه» فهو يوجد موجودا ثم من أجله 
يوجد ثانيا وثالثا وهكذا ويضرب أبو البَرَكّات لذلك مثالا -ولله المثل 
الأعلى- بالرجل يشتري عبدا ثم يشتري عبدا آخر لهذا العبد وعبدا ثالثا 
وهكذاء ولكن لا يقال: إن العبد الأول هو سبب في العبد الثاني أو الثاني 
فى الثالث بل يكون العبد الأخير مرتبط بسيده الأول ارتباطا مباشراء إذ هو 
الذي اشتراه وهو الذي ملکه» وإن يكن من أجل عبد آخر عنده. على أن 
تطبيق المبدأ الثاني بهذه الصورة لا يمكن أبدا أن تفسر به الكثرة في الَلق 
والإيجاد مهما قيل فى تعقلات العقول وجهات الكثرة فيهاء إن المقتضى 
المنطقي لفكرة المشائين ألا تحدث كثرة في الخلق أن الأبجاد ادك ن 
الخلق هنا يكون ذا سد واحد هو العد الطولن لالض قالعلة الوائحدة 
يصدر عنها معلول واحد» وعن هذا المعلول معلول ويستمر اتجاه العلل 
الا ع ا والحد فى ا لى على سق راکد 
لدن الأول إلى المعلول الأخيرء يقول أبو البَرَكّات: «وإذا كان الواحد لا 
على نسق من لدن الأول إلى المعلول الأخير» ولا تتكثر لاطو لاء حتى يكون 
31 علة «(ب» و«ب» علة «ج» و«ج» علة «د» وكذلك إلى المعلول الأخير 
كائنا ما كانت؛ وما كان يوجد في الوّجود موجودان معا إلا وأحدهما علة 
للأخر أو معلول» ونحن نرى في الوجود أشخاصا لا يتناهى عددها ليس 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 04۹ 

تر أشخاص الفرسان.. فمن أين جاءت هذه الكثرة عن المبدأً الأول». 
نعم كيف جاءت الكثرة فيما يرى أبو البركات؟ إن نظريّة أبي البركات هنا 
تعتمد على الخَلق أو الإيجاد المُتَعَدّد الأبعاد» فعنده أن الله تعالى يوجد 
عنه بذاته في بداية إيجاده موجود واحد» وهو هنا یری أن الواحد لا يصدر 
عنه إلا واحد مبدأ صحيح سواء في المعلولات أو في العلل» «إذ الواحد 
منا بإرادته الواحدة وتصوره الواحد. وخلقه الواحد كجوده مثلا لا يصدر 
عنه إلا واحد لا محالة» فإن صدر عن المريد الواحد فعلان فبإرادتين صدرا 
له عن خلق واحد في وقتين أو عن خلقين متشابهين أو متباينين بحسب 
الفعلين في الزَّمان الواحد أو في الرّمانين»". وإذا كان الله تعالى واحد 
الجود والإرادة -على ما قيل- فالذي يوجد عنه يجب أن يكون واحداء 
وهذا الواحد أقرب الموجودات إليه لأنه صدر عن ذاته بإرادته» فالله تعالى 
فاعل له» وغاية في ذات الوقت. وهنا موطن التفرقة بين أبي البَرَكَات وبين 
المشائين فينما يرق الاد رة أن هذا الموعهوه الأول له دور الا مداه غير 
تعقلات واعتبارات متخالفة: فإن أبا البَرَككات يرى أن الله تعالى هو بذاته 
يوجد هذا الموجود الثاني لحاجة أو لحكمة اقتضاها وجود الموجود 
الأول. وهكذا يوجد الله تعالى الأشياء والموجودات بذاته ودون وسائط» 
لها فعل التأثير» أو فعل الإيجاد» وإن يكن بعض هذه الموجودات من أجل 
بعضها الآخر أو بسببهاء يقول أبو البرّكات: «فتكون الموجودات عن الله 


. ١6١ المصدر السابق: ص‎ )١( 
.١5١ص نفس المصدر السابق:‎ )۲( 


www.alimamaltayeb.com 


۵0۰ موقفٌ أبي البركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيَة 
تعالى لأن منها ما عنه» ومنها ما هو عما عنه. وما عنه: منه ما هو لذاته عن 
ذاته وهو واحد كما قيل» ومنها ما هو لأجل ما عنه» ومنه تبتدئ الكثرة فيما 
عنه» وفيما عما عنه طولا وعَرْضًا فتتضاعف إلى نهاية وغير نهاية في الزَّمني 
والآزلي» فيكون من أفعال الله تعالى ما هو أزلي لا يتقدم وجوده زمان مثل 
علمه بذاته وبالموجود وبالموجودات التي صدرت عنه بذاته» ومنه ما هو 
زمني وهو ما يفعله لأجل الزّمنيات والحوادث والمتغيرات”". نعم هذه 
هي نظريّة أبي البَرّكَات في الإيجاد وفي الخَلّق المُتعَدّد الأبعاد وهي نظريّة 
قد تكون مقبولة وذلك حين تسند الإيجاد والتأثير في الحَلّق إلى الله تعالى 
إسنادا مباشراء فالوسائط هنا في نظريّة أبي البركات ليست إلا دواعي أو 
اقتضاءات» وفرق بين كون هذه الوسائط كذلك عند أبي البَرَكَات وبين 
ونيا غللا وأسيابا قاغلة عند الكشاف».فالبدار لات الاخ قارف 
الارن سب الى السار لات الو سطة الم سط سنب إلى اة 
نسبة تأثير وإيجادء وهذا هو أقل ما يفهم من نظريّة العقول عند المَشائينء 
وذلك بالرغم من أن الطوسي والجلال الدواني”" قد حملا حملة شعواء 
على أبي البركات في مؤاخذته للفلاسفة الذين لا ينسبون المعلولات 
الأخيرة إلى العلة الآولى ادام وقد اغعر موا هله مواعاة انظ 
لآن الحكماء -كما يقول الطوسي والجلال- متفقون على صدور الكل 
منه. ولست أدري كيف يتسق هذا مع القول بأن العقل المَعّال علة مؤثرة؟! 


. ١٠١١ص المصدر السابق:‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


أ أجمد الطب ا۵۵ 
ومهما يكن فإن بعض المعلقين على شرح الجلال الدواني يرفض مثل هذا 
الدفاع الزائف عن الفلاسفة المَّشّائين في هذا الصددء فيقول: «وما قيل 
من هذا الشارح (الجلال الدواني)ء وشارح الإشارات (الطوسي) ترويج 
للأباطيل؛ وإلا فكثير من أدلتهم لا تنم على تقدير كون المراتب شروطا 
وآلات وإِنّما تتم على تقدير كونها مؤثرة فيما بعدهاء وهذا مدفوع بما أشار 
إليه أبو البرّكات بقوله: والواجب أن ينسب الكل إلى آخره». 

ومهما يكن فإن أبا البرّكات قد استطاع -فيما أرى- أن يحطم نظريّة 
العقول المَشَّائِيّةَ في أسسها وفي نتائجهاء وذلك بعد أن أفقدها المبرر 
المنطقي الذي ترتكز عليه أية نظريّة جديرة بالقبول والاعتقاد. وهو بهذا 
الموقف التَقَدِيٌّ قديقترب من الدّين بقدرما يبتعد من دوائر الفلسفة المَشَّائيّة. 

ولربما يكون فيلسوفنا في نقده لنظريّة الصدور والفيض متأثرًا بروح 
علم الكلام الأشعري السائد في بغداد في ذلك الوقت”"» فهذا هو ما قد 
نلمحه في استبعاد معاني العلية والتأثير والإيجاد عن أية موجودات أخرى. 
والانحياز بها كاملة إلى المبدأ الأول» بل ولقد يذهب الظن بنا إلى أن العلية 
بين الموجودات في نظام أبي البركات تشبه -إلى حد ما- العلية في الفكر 
الأشعري من حيث تحطيم العلاقة الضرورية بين العِلَة والمعلول» والعود 
بها مباشرة إلى الله تعالى» ولكنه» فيما أرى» ظن بعيدء لأن أبا البَرَكَاتَ 
فيلسوف بل ما تحمل هذه الكلمة من معنى» حتى وهو في محاولته 
)١(‏ الكُلَّيىوي: تعليقات على شرح الجلال للعقائد العضدية ج ١‏ ص5 790؟. 


(؟) الدكتور أبو ريان: تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام (بالاشتراك مع د. النشار) ص7١‏ 4. 


www.alimamaltayeb.com 


۵۵۲ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


الاقتراب من حنى الأديان» فهو متقيد بمذهبه في وجوب الغاية والجكمّة 
في الكون» وهذا يظهر واضحا في هذه الروابط الثانوية التي جعلها بين 
الموجودات كدواعي واقتضاءات في فكرة الإيجاد والحَلق» ورجل كأبي 
البَرَكّات لا يستطيع أن يغفل أو يسقط من حسابه معنى العِلَّة والمعلول في 
نظامه الفلسفي مهما اقترب من الدّين وابتعد عن الفلسفة» فلقد نعلم أنه 
بنزع عن ذاته في المقام الأول ولا يتقيد إلا بها وبما يضطرب فيها من معاني 
الشعور والبداهة والوضوح» ولكن يكفي أبا البَرَكَات أنه كفكف كثيرا من 
غلواء المَشَّائِينَ في أحكام العِلّة والمعلول وما نتج عن هذا الشطط من 
هذه النّظريّة الخيالية التي أسموها بنظريّة العقول» تلك التي يسخر منها 
أبو البرّكات وهو يقول: «فهذه حكمة أوردوها كالخبر» ونصوا فيها نصا 
كالوحي الذي لا يعترض ولا يعتبر» وليتهم قالوا: يمكن هذا وغيره ولم 
يقولوا بوجوبه» وإن كان جاءهم عن وحي فكان يليق أن يذكروا فيما ذكروا 
حتى يرجع عنهم المعترضون والمتتبعون»"". 


.١08ص‎ ۳ المعتبر في الحكمّة: ج‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


خاتمة 

وبعد متابعة أبي البركات في نقده للتراث الأرسطي» وللفلسفة 
المَشَائيّة ممثلة في أعلى قمتين من قمم الفكر البوثاتي» و الفك ر الإسلامي» 
أعني «أَرِسْطُو) و«ابن سنا»» نجمل هنا أهم انطباعاتنا عن أبي البَرَكَات 
وموتقدمن r ERE‏ 

١-إن‏ كتاب «المعتبر في الحكة» هو الكتاب الوحيد -فيما أعتقد- 
الذي يتضمن بين جنباته مذهبا نقديا فلسفيا تكاملت له كل الأبعاد التي 
ينبغي أن تتكامل للموقف الَقَدِيٌ الفلسفي المتميز» وذلك بالنسبة إلى 
محاولات النقد التي وقفت للتراث الإغريقي في الفلسفة الإسلاميّة. وهذا 
الذي انطبع في نفسي عن كتاب المعتبر لا ألقى القول فيه على عواهنه. 
وإِنّما أقدم بين يديه باعثين كانا دائما وراء هذا الانطباع: 

فأولا: إذا ما وضعنا محاولة أبي البرّكات هذه في ضوء المحاولات 
التَقَِيّة التي سلفت قبلهء ظهر لنا -بعد المقارنة- أن محاولة المدرسة 
الاعتزالية التي نعثر فيها على أول أشتات متفرقات من هذا النقد» ومحاولة 
الإمام الغزالي في نقده -أيضًا- لأَرِسْطُو وابن سيناء من الصعب أن 
نعتبرهما نقدا فلسفيا خالصا يقوم على منطلقات فلسفية» لا منطلقات دينية 
أو إيمانيّة. وغياب المنهج -الذي يلتزمه صاحبه» ويتحرك في إطاره» ويعود 
إليه كلما تصارعت التّظريات وتضاربت الاتجاهات -في المحاولات 


www.alimamaltayeb.com 


۵۵4 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


السابقة على أبي البرّكات» أمر يدفعنا إلى أن نميز تمييزا كاملا بين محاولته 
هذه والمحاولات السابقة عليه. 

على أنني لا أستطيع أن أتجاهل أثر هذه المحاولات السالفة في تكوين 
الجا الى عد هتا الفبلس رقو بل هو سه كرا ما يكو ارا ينسيها 
إلى أفضل المتأخرين -ويعني به: الإمام الغزالي- في لفتاته الميتافيزيقية 
التي تصيب كبد الحقيقة فيما يرى أبو البركات. 

وفيصل التفرقة بين الإمام الغزالي وأبي البَرَكَاتء أن الذي يحرص 
عليه الإمام وهو بصدد نقده للفلاسفة قد لا يحرص عليه بو البَرَكَاتَ وهو 
بنفس هذا الصدد» من قريب أو بعيد» ألم تر كيف فعل أبو البرّكات حين 
قاده تداعي المعاني -عرضا- في مشكلة الخَلّق إلى نقطة كاد يلتقي فيها 
مع ما يقوله الدين من حدوث الخَلّق وبدئه بآدم وحواء؟ إن با البَرَكَات 
لم يتردد في القول: الست اقول إن الرأي اا وهل العارة تلص 
كامل ودقيق للانّجاه الفلسفي الحر عند أبي البَرَكَات» وهي تعكس تقيده 
وارتباطه بمنهجه الذي يتقيد به وكأنه شعر بأنه يتجاوز -فليلا- هذا المنهج 
إلى حيث الاحتجاج بغير ما اشترطه على نفسه. نعم هذا الالتزام الذي لا 
يختلف بين المنهج والنقد أمر لا نكاد نعثر عليه في المحاولات السابقة 
على أبي البركات» بينما يتبدى هذا الالتزام قويا عنيفا وراء كل فكرة يقبلها 
أو يرفضها هذا الفيلسوف. 

ثانيا: المحاولات التي جاءت بعد أبي البَرَكّات لا تغير كثيرا من هذا 


)١(‏ انظر فصل الميتافيزيقياء من هذا البحث. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب دنه 
الذي ارتأيناه في هذا الفيلسوف الناقد. فأبرز هذه المحاولات هي محاولة 
السهرودي المقتول 97 نقده للمدرسة العذافة وهي محاولة تقتفي 
كثيرًا آثا أب البرّكات» والذي يقرأ أبا التركات. ثم يقرا السهروردي في 
أهم مآخذه على المَشَّائِينَ -كالمقولات» والجسُمء والصورة والمادة 
والإدراك» وغيرها- يخرج بانطباع التأثير والتأثر بين هذين الفيلسوفين» 
خصوصا إذا علمنا أن السهروردي قرأ أبا البرّ كات وهاجمه هجوما مملوءًا 
بالسباب والشتائم. وإنني لأتفق مع بعض الباحثين في أن تآثر السهروردي 
بأبي البَرَكَات في نقد المدرسة المَشَّائيّة موضوع يستحق البحث والدرس 
بل هو جدير بدراسة مستقلة تقوم على التتبع والاستقصاء”". 

؟-إن المنهج الذي اتبعه أبو البَرّككات منهج واضح المعالم والسمات» 
وقد التزمه أبو البَرَكّات التزاما يكاد يكون تاما وكاملاء ولولا ما قدمناه من 
اعتماده في موضعين أو ثلاثة على ابن سينا في نقده للمشائين لقلنا: إِنَّه 
التزم منهجه التزاما كاملا. وهذا أمر محمود لهذا الفيلسوف» لأن هذا 
الالتزام المطرد -رغم تباين العلوم من منطق» إلى فيزيقاء إلى ميتافيزيقاء 
ورغم تباين المسائل المبحوث عنها في هذه العلوم- ليس أمرًا سهلا ولا 
ميسوراء فمثل هذا الالتزام إنما يأتي نتيجة البحث الطويل العميق» والتأمل 
المغرق في التعرف على أصول الفكر ومقايسه وأسسه. وحقيقة إن أي 
باحث في فلسفة أبي البَرّكّات لا يستطيع أن يكتم إعجابه بهذا الفيلسوف 
وهو يشير إلى منهجه -تلميحا أو تصريحا- في كل موطن من مواطن 


. ٠٠۳ص الدكتور محمد أبو ريان: تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام في الإسلام‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


۵۵٦‏ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


الرفض أو القبول في نقده للفلسفة المَشَائيّة. إن بينيس وهو عالم أوروبي 
مشهود له بالأصالة في البحث والاستقصاء» انتهى به منهجه في التحليل 
والمقارنة بين أبي البركات وديكارت إلى أن الفيلسوف العربي (هكذا 
يسميه بينيس) كان أكثر جدية في نقد الفكر القديم ومحاولة إصلاحه من 
الفيلسوف الفرنسي'. لأن الفيلسوف العربي وضع المنهج وطبقه تطبيقا 
متساويا في الأسس والبنايات» بينما اقتصر الفيلسوف الفرنسي على نقد 
الأسس دوق البتايات. 

في اعتقادي أن هذا الذي يبدو في كتاب المعتبر من عمق الالتزام 
المنهجي وما ترتب عليه من عمق في النقد» إنما مرده إلى أن هذا الكتاب 
قد ألف أو جمع بعد أن أمضى هذا الفيلسوف زهرة شبابه كله في تأمل 
المذاهب الفلسفيّة وسبر متاهاتها ودروبها سعيا وراء الحق الذي لا حق 
سواه» وكتاب المعتبر لم يكن نتاج دراسة سنين ثلاث لمذاهب الفلاسفة 
-كما كان الأمر كذلك بالنسبة لكتاب التهافت مثلا -وإِنّما هو نتاج طويل 
في البحث والتأمل والرغبة القوية في المعرفة من أجل المعرفة. وفكر تهيا له 
مثل هذه الظروف والملابسات» وينفق فيه مثل هذه الظروف والملابسات» 
وينفق فيه مثل هذا العمر لابد أن يجيء فكرا ثابت الخطى متكامل الملامح 
والقسمات بحيث يقال: إن هاهنا مدرسة نقدية جديرة بالاعتبار والاهتمام. 

۳-وآكرر هنا في الخاتمة نفس ما كررته كثيرا من قبل» وهو الرفض 
التام المطلق لاعتبار «الوهم» حجة يستند إليها هذا الفيلسوف في المسائل 


.١؟ بيئيس - الشعر والميتافيزيقا عند أبي البَركات (بالإنجليزية) ص‎ )١( 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۵۵0۷ 
الميتافيزيقيّة» ولقد رأينا كيف زلت قدم أبي البركات أكثر من مرة وهو 
يعتمد على معطيات الوهم في مسائل لها جلالها وخطرها. وإن تعجب 
فعجب نقده لنظريّة العقول على أساس منهجي طالما تغافل عنه وأسقطه 
من الاعتبار» إِلّه حين ضاق ذرعا بادعاءات المَشَّائين في هذه النّظريّة كان 
أول ما وجه الأنظار إليه هو أن الإنسان قد يخفى عليه معرفة دواء مركب 
مخلوط من أدوية أخرى معرفة كاملة» ثم تساءل بعد هذا مستنكرا: كيف 
بالذي تراه ولا تصل إليه» ثم كيف بالذي لا ترى له ذاتا ولا فعلا؟ ثم خلص 
إلى أن مجال بدء الْخَلّقَ مجال محير للألباب» والمزاعم والادعاءات فيه 
-لأنها لا سند لها من دليل عقلي ولا تجربة- لا مبرر له. وإنني لأقف 
من أبي البَرَكّات متسائلا نفس تساؤلاته هذه» حين زعم أن الله تعالى مما 
يجري عليه الزّمانء وأنه لا يتأتى للمتصوّر أن يرفع المقدار والقسمة عن 
شيء مما يتصوره الذّهن. ألا يقال له: إذا كان أمر بدء الخليقة عندك هكذا 
فكيف لك بالذي قد كان قبل هذا البدء؟ كيف يكون له زمان ومدة يجريان 
عليه؟ ولم زعمت أن رأيك هو الصواب والحق؟ ولم لم يكن الأمر عندك 
محتملا للرأي ولنقيضه؟!. 

إن هذه كلها نقاط ضعف ربما وقع فيها هذا الفيلسوف بسبب هذا 
الجانب في منهجه ولو أنه قنع بمعطيات الوهم في مجالات الوهم لكان 
له ذلك» ولما خالفه عليه مخالف» لأن الآمر هنا أمر غياب دليل الإثبات» 
وفي ذات الوقت غياب دليل النفي» فللوهم حينئذ مجال يفيد فيه وهما 
تخيلاء أمَّا اعتبار هذا الوهم فيصلا في المسائل الميتافيزيقيّة التي قام عليها 


الوم 


www.alimamaltayeb.com 


۵۵۸ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 


دليل عقلي» فهذا مأخذ يؤخذ على أبي البركات. 

:-وبرغم من كل ذلك فالذي يقال عليه: هو أنه استطاع أن يحطم 
الفلسفة المَشَّائيّة في أغلب مناحيها: في الطبيعة» وفي النَمْسء وفيما بعد 
الطبيعة» وهو بهذا الاعتبار قد يكون -فيما أعتقد- أول ناقد للفلسفة 
المَشَائيّة في الفكر الفلسفي الإسلامي نقدا فلسفيا يقوم على منهج 
فلسفي» بل نعتبره المنطلق الحقيقي لكل المحاولات التي جاءت 
بعده» ولعلنا نوفق مستقبلا -إن شاء الله تعالى- إلى رصد العلاقة 
الفكرية بين نقد هذا الفيلسوف وما تلاه من مواقف نقدية عند كل من 
السهروردئ والرازي وابن تبمية: 

وپ 

فإن يكن هذا البحث قدر له أن يجلي شخصية أبي البرّكات البغدادي 
ومنهجه ونقده للفكر الإغريقي الغريب على روح الإسلام» فهذا فضل من 
ربي -سبحانه- فوق ما أستحق وفوق ما أتوقع» وإن يكن غير ذلك فحسبي 
أتفي ها ابیت مھ لا وجه الحق والصواب» وسبحانه المتنزه عن الخطأ 
والنقص. 

ربنا عليك توكلناء وإليك أنبناء وإليك المصير... وصلى الله على 
سيدنا ومولانا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. 


والحمد لله رب العالمين... 


www.alimamaltayeb.com 


«مصادر البحث, 

أولا: مؤلفات أبي البَرّ كات البغدادي: 

-١‏ شرح سفر الجامعة من التوراة مخطوط 

؟- صحيح أدلة النقل في ماهية العقل مخطوط 

۳- كتاب المعتبر في الجكمّة حيدر أباد /51 11 ه 

انيًا: آهم اليصادر اا العربيّة: 

- ابن أبي أصيبعة (موفق الدَّين أبو العباس): عيون الأنباء في طبقات 
الأطباء» المطبعة الوهبية 18/5م. 

-٥‏ ابن الأثير (أبو الحسن علي بن محمد): الكامل في التاريخ» 
القاهرة 7١١١اه.‏ 

1- ابن الجوزي (جمال الدّين أبو الفرج): المنتظم في تاريخ الملوك 
والأممء الهند ۸١١١ه.‏ 

۷- ابن العبري (أبو الفرج بن هارون): تاريخ مختصر الدولء» 
بيروت N‏ 

۸- ابن القفطي (جمال الدّين أبو الحسن): أخبار العلماء بأخبار الحكماء 
القاهرة 55 ١اه.‏ 

اك اين لكان (نمس الدين أبن الجاس): وقبات الأعياة: 


القاهرة ۲۸۳١ه..‏ 


www.alimamaltayeb.com 


0 موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 


-١‏ ابن رشد (القاضي أبو الوليد): تفسير ما بعد الطبيعة» تحقيق بويج 
(مجلد3) بيروت 1157م. 

1- ابن وشد (القاضى أبئ الرليد تلخيص كناب الستماع الطبيعي 
لأَرِسْطُو (ضمن رسائل ابن رشد)» حيدر آباد 1441 م. 

١١‏ ابن رشد (القاضى أبو الوليد): تلخيص ما بعد الطبيعة» تحقيق د. 
عثمان أمين» القاهرة ٠۹٥۸‏ م. 

رق (القاضى أن الولاد): قيانت الباق مضع :د سليداة 
دنياء القاهرة ١959‏ م. 

أدايع ما ران على ١)‏ اخرلا س ید حمل قوذ ادال 
القاهرة 955١م.‏ 

8د اين سينا اتر عل الأشاراث والتنبياس تق ف سلما ذنياء 
القاهرة /95١م.‏ 

5- ابن سينا (أبو على): التعليقات» تحقيق د. عبد الرحمن بدوي» 
القاهرة ١91/7‏ م. 

۷- ابن سينا (أبو علي): الشفاء (الطبيعيات والإلهيات مع تعليقات ملا 
أولياء وسيد أحمد وجمال المحققين)» ط طهران. 

۸ ابن سينا زاب على المد إلى منطق الشفاك تن الآ قراف 
وآخرین» القاهرة .١967‏ 

1ع ان نينا (أرو ع اة خضي ال ا مس “ااه 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب 011 
والطبيعيات» القاهرة /15١م.‏ 

-١‏ ابن سينا (أبو علي): رسالة في إثبات النبوات (ضمن تسع رسائل)» 
القاهرة /155١م.‏ 

7 ابن سينا (أبو علي): شرح مقالة اللام لأَرِسْطُو ضمن مجموعة 
تحقيق د. عبد الرحمن بدوي بعنوان: أَرِسْطُو عند العرب» 
القاهرة .١955‏ 

۳- ابن سينا (أبو علي): منطق المشرقيين» القاهرة ١٠94١م.‏ 

٤‏ اين كثير ا(عساة الدين أبو القذا)ة البداية والنهاية» مطغة السعادة: 
القاهرة /5'١١ه.‏ 
الحائرين بشرح الحكيم التبريزي» تحقيق محمد زاهد الكوثري» 
القاهرة ۹١٠١١ه.‏ 

7- أبوريان (د. محمد علي): تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام 
(بالاشتراك مع د. النشار) القاهرة 1377 1ام. 

۷- أبوريدة (د. محمد عبد الهادي): التعليق على مادة «زمان)» بدائرة 
المعاف الإسلاميّة. الترجمة العربية. 

- أَرِسْطُو: الطبيعة» ترجمة إسحاق بن حنين مع شروح: ابن السمح» ومتى ابن يونس» 
وابن عدي» وابن الطيب» تحقيق د. عبد الرحمن بدويء القاهرة ١9715‏ م. 


www.alimamaltayeb.com 


۵1۲ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 

۹- أَرِسْطُو: التَفس» ترجمة أحمد فؤاد الأهواني» الطبعة الثانية 
القاهرة ۲م 

.م١1451/ أَرِسْطُو: مقالة اللام (ضمن أَرِسْطُو عند العرب»» القاهرة‎ ٠ 

۳١‏ أ منطق ا تحقيق د. عبد الرحمن بدوي» 
القاهرة م 

۲- أفلوطين: أثولوجيا (نشر عبد الرحمن بدوي بعنوان: أفلوطين عبد 
العرب) القاهرة ١۱۹٦٩٩‏ م. 

۳- أفلوطين: التاسوعة الرابعة» ترجمة د. فؤاد زكرياء القاهرة 191٠١‏ م. 

4 “- أمين (أحمد أمين): ضحى الإسلام, الطبعة السابعة» القاهرة ١975‏ م. 

-٥‏ أمين (د. حسين أمين): تاريخ العراق في العصر السلجوقي» 
بغداد 9165١م.‏ 

-٦‏ الإيجي: المواقف بشرح الجرجاني» مطبعة السعادة» مصر 191١‏ م. 

لالا- بدوي (د. عبد الرحمن): أَرِسْطُوء القاهرة 5 95١م.‏ 

۸- بدوي (د. عبد الرحمن): الثّراث اليونائي في الحضارة الإسلامية 
(ترجمة)» القاهرة ٠۱۹۹٩‏ م. 

۹- بدوي (د. عبد الرحمن): الزّمان الوجودي» القاهرة 955١م.‏ 

٠‏ -بدوي (د. عبد الرحمن): خريف الفكر اليوناني» القاهرة ۱۹۹٩۹‏ م. 

-١‏ برقلس: الخير المحض نشر (عبد الرحمن بدوي)» بعنوان: 
(الأفلاطونيّة المحدثة عند العرب)» القاهرة ۱۹٥٩‏ م. 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د / أحمد | £ لطيب ۵1۲ 


بلدى (5. نجيب) تمهيد لتاريخ مدرسة الإسكندرية وفلسفتهاء دار 
المعارف "19577 م. 

۳- البهي: (د. محمد البهي) الجانب الإلهي من التفكير الفلسفي» 
القاهرة ۷م 

٤‏ - بوليتزر (جوج بوليتزر وآخرون): أصول الفلاسفة الماركسيّة» ترجمة 
شعبان بر کات» بيروت. 

-٥‏ البيروني: رسالة في فهرست كتب محمد بن زكريا الرازي» تحقيق 
بول کراوس» باریس *1917م. 

5 - سئس (د. سالمون شكس ): مذهب الذزة غتل المسلمين (ترححمة د, 
أبوريدة)» القاهرة 955١م.‏ 

۷ کیش (ذ: شالموان بيتس ): فقال عن أي البَرَكَات البغدادي في 
دائرة المعارف الإسلاميّة» ترجمة الأب قنواتي: الترجمة العربيّة 
مجلد١‏ ص5 57. 

۸ - البيهقي: (ظهر الدّين) تاريخ حكماء الإسلام دمشق7 195 م. 

4 - التفتازاني: (العلامة سعد الذّين) شرح المقاصد في علم الكلام مطبعة الحاج محرم 
أفندي 17٠١0‏ ه 

۰ - ثامسيطيوس: شرح حرف اللام (ضمن كتاب: أَرسُطُو عند العرب) القاهرة/191 م. 

-١‏ الجر (د. خليل حن الفاخوري): تاريخ الفلسفة العريبّ یروت ۱۹٥۸-۱۹٥۷‏ م. 

۲ - الجويني (عبد الملك بن عبد الملك): الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول 


الاعتقاد» تحقيق د. محمد يوسف موسى وعلي عبد المنعم» مصر ١110‏ م. 


www.alimamaltayeb.com 


03 موقف أبي البركات البغداديّ من الفلسفة المَشَائِيّة 

4- حجازي (د. عوض الله حجازي): في تاريخ الفلسفة اليونانيّة 
الطبعة الثانية» القاهرة 5 ١95‏ م. 

8- ونيا '(5. سليماة دثيا): الحقيقة في نظر الغزالي» دار 
المعارف ۱۹۷۱م. 

54 الدواني (جلال الدين): شرح العقائد العضدية» إسطنبول ١١١١ه.‏ 

5- دي بور: تاريخ الفلسفة في الإسلام» ترجمة د. أبوريدة» 
القاهرة ۱۹١۷‏ م. 

۷- دي بور: مادة «زمان» في دائرة المعارف الإسلاميّة» الترجمة العربيّة 
مجلد١ ١‏ عدد١٠١.‏ 

۸- ديكارت: التأملات في الفلسفة الأولى» ترجمة د. عثمان أمين» 
الطبعة الرابعة» القاهرة ١979‏ م. 

4 الرازي (فخر الدين): التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب» 
القاهرة امم. 

-٠‏ الرازي (فخر الدّين): المباحث المشرقيّة» حيدر آباد 57 17ه. 

١‏ الرازي (فخر الدَّين): شرح الإشارات والتنبيهات لابن سيناء المطبعة 
الخيرية ١۲١١١ه.‏ 

7- الرازي (فخر الذّين): لوامع اليينات» مراجعة طه عبد الرؤوف» مصر ۱۹۷٣‏ م. 

۳- الرازي (فخر الدّين): محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين» المطبعة 
الح الفاحرة ١١ى‏ 


ANT pa NE E 


www.alimamaltayeb.com 


أ.د/ أحمد الطيب ۵71۵ 

0- سانتلانا: تاريخ المذاهب الفلسفيّة» نسخة مصورة بذار الكثب. 

7- السبكي (تاج الدّين أبو نصر): طبقات الشافعيّة الكبرى» المطبعة 
الحسينيّة» القاهرة 579١١ه.‏ 

۷- السهروردي (الشيخ المقتول): حكمة الإشراق بشرح القطب 
الشيرازئ :110 

- الشهرزوري (شمس الدّين محمد بن أحمد): نزهة الأرواح وروضة 
الأفراح» ميكروفيلم بمعهد المخطوطات العربيّة» القاهرة. 

4- الشهرستاني (محمد بن عبد الكريم): الملل والنحل (تخريج محمد 
فتح الله بدران) القاهرة 5 95١م.‏ 

- الشهرستاني (محمد بن عبد الكريم): مصارعة الفلاسفة» تحقيق 
سهير مختارء القاهرة ١91/5‏ م. 

-١‏ الشيرازي (صدر الدَّين): الأسفار الأربعة» طبع طهران» بدون تاريخ. 

۲- الشيرازي (صدر الدّين): تعليقات على إلهيات الشفاء» طبع 
طهران ”7١٠١اه.‏ 

۳- الصَّفَّدي (صلاح الدّين خليل بن أييك): نكت الهميان في نكت العميانء 
مصر١191م.‏ 

4 الطوسي (نصر الدَّين): شرح الإشارات والتَّبيهات لابن سيناء المطبعة 
الخيرية» 0 ؟75١ه.‏ 

5- عبده (الإمام محمد عبده): تعليقات على شرح الجلال الدواني 
للعقائد العضدية» القاهرة ١۲١١١ه.‏ 

5 العثمان (د. عبد الكريم): الدراسات التَّفُسيّة عند المسلمين والغزالي 


www.alimamaltayeb.com 


01 موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الْمَشَائِيّة 

- العمري (محمد فضل الحق): الهدية السعيدية في الحكمة الطبيعية: طبع مصر ٠۳۲۲‏ ه 

غرابه(د. حموددغرابه): ابن سينابين الین والفلسفةء مجمع البحوث الإسلامي ۱۹۷۲ م. 

9 الغزالي (حجة الإسلام أبو حامد): القسطاس المستقيم (ضمن مجموعة القصور 
العوالي) نشرالجنديء القاهرة بدو نتاريخ. 

-/٠‏ الغزالى (حجة الإسلام أبو حامد): المنقذ من الضلال» تحقيق د. عبد الحليم محمود» 
الاتجلوه ١90‏ م. 

-١‏ الغزالي (حجة الإسلام أبو حامد): تهافت الفلاسفة» تحقيق د. سليمان 
دنياء دار المعارف ١957‏ م. 

7 الغزالي (حجة الإسلام أبو حامد): مقاصد الفلاسفة» تحقيق د. سليمان دنياء دار المعارف 

4- الغزولي (علاء الدّين): مطالع البدور في منازل السرورء مطبعة إدارة 
الوطن 799١ه.‏ 

4- غلاب (د. محمد غلاب): الفلسفة الإغريقيّة» الأنجلو ٠95١م.‏ 

-٥‏ غيث (د. زكي محمد): دولة الخلافة العباسيّة (القسم الثاني)» 
القاهرة 1۹1۲ م 

7- الفارابي (أبو نصر): الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون 
وأرشطو القاهرة ۱۹۰۷م. 

۷- الفارابي (أبو نصر): عيون المسائل» القاهرة ٠۹۰۷‏ م. 


8- الفارابي (أبو نصر): فصوص الحكم. القاهرة ٠۹۰۷‏ م. 


www.alimamaltayeb.com 


عار أعون الطيب ۵7۷ 

4 كرم (يوسف): الطبيعة وما بعد الطبيعة» دار المعارف ١109‏ م. 

5- کرم (يوسف): العقل والوجود. دار المعارف ١9557‏ م. 

-١‏ كرم (يوسف): تاريخ الفلسفة الحديثة» دار المعارف ١977‏ م. 

5- كرم (يوسف): تاريخ الفلسفة اليونانيّة» لجنة التأليف والترجمة 
والنشن 15م 

47 - الكلنبوي (الشيخ إسماعيل): حاشية على شرح الدواني للعقائد العضدية» 
إسطنبول 5١7١اه.‏ 

5- الكندي (يعقوب بن إسحاق): رسائل الكندي الفلسفية» تحقيق د. محمد 
عبد الهادي أبوريدة» القاهرة ١401‏ م. 

-٥‏ كوربان (هنري كوربان): تاريخ الفلسفة الإسلاميّة» (ترجمة نصير مروة 
وحسن قبيسي»» بيروت ۱۹٣٩‏ م. 

45- موسى (د. محمد يوسف): بين الین والفلسفة» دار المعارف ١17/‏ م. 

۷- نجاتي (د. محمد عثمان): الإدراك الحسّي غلك ابن سيئاء ذار 
المعارف ١971١‏ م. 

- هويدي (د. يحيى): بارکلي» دار المعارف ۱۹٣۰‏ م. 

۹- هويدي (د. يحيى): دراسات في علم الكلام والفلسفة الإسلاميّة 
القاهرة 15ام. 

- ياسين (الشيخ محمد حسن): المادة بين الأزَّلِيّةَ والحدوث» 


بيروت ۹ 


www.alimamaltayeb.com 


۵۸ موقف أبي البّركات البغداديّ من الفلسفة الَْشَائِيّة 


ثالتًا: المصادر الأجنبية: 

1- Duhem (Pierre): Le systeme du monde Paris 1954. 

2- Encyc. Judica. Vol. 8. 

3- Encyc. of Islam Vol. IV. 

4- Gardet (I[oues): Le Pense religieuse 0 Avicenne Paris 1951. 

5- Goichon (Mlle A. M.): La philosophie d@ Avicenne et 
Son influence en Europe Medievale Paris 1944. 

6- Kraus (Paul): Jabir Ibn Hayyanlle cairo 1942. 

7-Laconception de soi chez Avicenne et chez Abu’l-Barakat 
al-Baghdadi Arch. Hist. doct. Litt 1954: 21-98. 

8- Pines (S) Etudes Sur Awhad Al-Zamanlen Reveu des 
etudes Juives tome Illn 1-2 1938. 

9- Pines (Salomon): Nouvelles etudes Sur Awhed Al- 
Zaman Paris 1955. 

10- Sarton (6): Introduction to the history of science 
Baltimore 1927. 

11- Studies in Abu’l-Barakat Poetics and Metaphysics. 

12- The Jewish Encyc. Vol VI. 

13- Vocabulaire Compare d@ Aristote et ل‎ Avicenne et 
Son influence en Europe Medievale Paris 1944. 

14- wolfson (H. A.): Crescasl Critique of Aristotle 
Problems of Aristotle’s physics in Jewish and Arabic 
philosophy Harvard University press 1929. 


www.alimamaltayeb.com 


